قوله تعالى : (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) :
فعل القول محذوف للدلالة عليه ، فتقدير الكلام : قل للمؤمنين غضوا يغضوا ، فالفعل : "يغضوا" مجزوم في جواب الطلب المحذوف ، إما بنفس الطلب ، أو بتقدير شرط محذوف فيكون تقدير الكلام : قل للمؤمنين غضوا من أبصاركم ، إن تقل لهم غضوا يغضوا ، وإلى ذلك أشار أبو السعود ، رحمه الله ، بقوله : "ومفعولُ الأمر أمرٌ آخرُ قد حُذف تعويلاً على دلالة جوابه عليه أي قُل لهم غُضُّواً { يَغُضُّواْ مِنْ أبصارهم } عمَّا يحرُم ويقتصروا به على ما يحلُّ" . اهــ ، فحذف المتقدم : "غضوا" لدلالة المتأخر عليه : "يغضوا" ، والمطرد في هذا الباب : حذف المتأخر لدلالة المتقدم عليه ، لا العكس .
وفي الإتيان بالأمر على هذه الصيغة : مدح للمؤمنين ، من جهة سرعة الامتثال ، فكأن الأمر قد صار جازما بمجرد صدوره فصح وروده بصيغة الشرط المقتضي لجوابه بتحقق شرطه ، فبمجرد حصول فعل الشرط : وهو قوله لهم : "غضوا" ، فإن المشروط : وهو غضهم ، سيحصل لا محالة .
ومنه قوله تعالى : (قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ) :
فتقدير الكلام : قل لهم يقيموا الصلاة ، إن تقل لهم ذلك يقيموا الصلاة ، واعترض ابن مالك ، رحمه الله ، بأن التخلف واقع ، فليس كل من توجه إليه الخطاب ممتثلا ، فمن المكلفين من يترك الصلاة ، وصيغة الشرط ، كما تقدم ، تفيد الجزم بوقوع المشروط إذا تحقق الشرط ، ومع ذلك تخلف المشروط هنا مع تحقق الشرط بتوجه الخطاب إلى عموم المكلفين .
وأجاب ابنه "ابن الناظم رحمه الله" عن ذلك بأن المقصود : أكثر المكلفين لا كلهم ، فيكون في الكلام مجاز ، علاقته الجزئية ، فأطلق الكل : عموم المكلفين ، وأراد الجزء : أكثرهم أو بعضهم ، أو يكون المراد : المخلصين منهم لا من اتصف بمطلق الإيمان ، فيكون من العام الذي أريد به الخاص ، وهو ، أيضا ، من صور المجاز عند من يقول به ، فأطلق عموم الإيمان ، وأراد خصوص الإخلاص والانقياد .
بتصرف من "مغني اللبيب" ، (1/ 242 ، 243) .
وحذف الشرط على القول بتقديره بـــ : "إن تقل لهم : غضوا يغضوا" من صور : "إيجاز الحذف" ، فإن المرء إذا سمع الأمر ابتداء تطلعت نفسه إلى ما بعده من تكليف أو وعد أو وعيد .......... إلخ ، فحسن إيراد جواب الشرط وهو محط الفائدة مباشرة دون تطويل بذكر الشرط ، فهو مما قد يصيب السامع بالسآمة والملل لعلمه به بداهة ، ففي ذكره تطويل معيب يتنزه عنه كلام آحاد الفصحاء ، فكيف بكلام رب الأرباب جل وعلا ؟!! .
ونظيره قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لهرقل : "أسلم تسلم" ، فتقدير الكلام : "أسلم إن تُسْلِمْ تَسْلَم" ، فذكر الجواب مباشرة وفيه البشرى بالسلامة مما يحمل السامع على سرعة الاستجابة بخلاف التطويل بذكر الشرط فقد يعرض للذهن ما يشغله أثناء ذكره ، فتضيع الفائدة المرجوة من تعجيل البشرى .
والأمر للوجوب ، على أصله ، كما قرر جمهور الأصوليين ، فلا يعدل عنه إلا بقرينة صارفة ، ولا قرينة صارفة هنا ، وهو : مراد لغيره ، من جهة أن غض البصر وسيلة لحفظ الفرج ، فيكون النهي عن إطلاق البصر من باب : "سد الذرائع" الموصلة إلى الوقوع في الحرام ، و هو أصل اعتمده المالكية ، رحمهم الله ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك ، وعمل به فقهاء المذاهب الأخرى ، وكثير من فروع الشريعة تشهد له ، فما أمر به الشارع ، عز وجل ، فقد أمر بمكملاته ، فالأمر بأخذ الزينة عند كل مسجد يستلزم الأمر بمكملاته من : شراء ونحوه ، وما نهى عنه فقد نهى عن ذرائعه ، فنهيه عن عبادة الشمس وسائر الكواكب ، يستلزم النهي عن ذرائعها ، من الصلاة في أوقات النهي ، التي يسجد فيها عبدة الشمس لها ، فنهى عن مجرد مشابهتهم في الصورة الظاهرة سدا لذريعة مشابهتهم في الصورة الباطنة .
وفي قوله : (مِنْ أَبْصَارِهِمْ) : "من" للتبعيض ، لاستحالة غض البصر كلية ، وقد سبق أن النهي عن إطلاقه سد لذريعة الوقوع في الحرام ، و : "ما حرم سدا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة" ، كما قرر أهل العلم ، والمصلحة في إرساله بالضوابط الشرعية عند السعي في الأرض ، والبيع والشراء .............. إلخ ، مصلحة راجحة تبيح إرساله ، وإلا لزم من إطلاق القول بغضه أن يستوي الأعمى والبصير ولا قائل بذلك .
وإلى ذلك أشار أبو السعود ، رحمه الله ، بقوله : " وتقييدُ الغضِّ بمن التبعيضيَّةِ دونَ الحفظ لما في أمر النَّظر من السَّعةِ" . اهــ
وأشار القرطبي ، رحمه الله ، إلى وجهين آخرين لـــ : "من" بالإضافة إلى التبعيض ، فقال :
"قوله تعالى : {مِنْ أَبْصَارِهِمْ} {مِنْ} زائدة ، كقوله : {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة: 47] . وقيل : {مِنْ} للتبعيض ، لأن من النظر ما يباح . وقيل : الغض النقصان ، يقال : غض فلان من فلان أي وضع منه ، فالبصر إذا لم يمكن من عمله فهو موضوع منه ومنقوص . فـ {مِنْ} صلة للغض ، وليست للتبعيض ولا للزيادة" .اهــ
فإما أن تكون زائدة ، فتفيد بزيادة المبنى : زيادة المعنى ، فتكون مؤكدة للأمر بغض الأبصار .
وإما أن تكون صلة للغض ، فيكون المعنى : قل للمؤمنين ينقصوا من أبصارهم ويضعوا منها .
قوله : (ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) :
ذلك : أي الكلام المتقدم ، جريا على طريقة بعض العرب في الإشارة إلى ما تقدم ، إشارة البعيد ، ولو كان قريبا ، كما حكاه البخاري عن أبي عبيدة معمر بن المثنى .
وهو تنصيص على علة ما تقدم ، فكأن المراد : قل لهم يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ، فتساءل المخاطبون عن علة ذلك بــ : "لماذا أو لِم أو ........ إلخ من الأدوات التي يستفهم بها عن علة الحكم" ، فيكون الجواب : قوله تعالى : (ذلك أزكى لهم) ، والله أعلم .
وقوله : (إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) : أي خبير بالذي يصنعونه ، فــ : "ما" موصولة اسمية ، وصلتها : "يصنعون" ، وعائد الصلة محذوف لدلالة السياق عليه ، ويصح أن تكون موصولة حرفية ، فيكون تقدير الكلام : إن الله خبير بصنعهم ، و : "الخبير" هو العليم ببواطن الأمور فهو أخص من : "العليم" ، فكل خبير عليم ولا عكس .
ومن المواضع التي يتأكد فيها الأمر بغض البصر :
نظرة الفجأة ، كما في حديث جَرِيرٍ بن عبد الله البجلي ، رضي الله عنه ، قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نَظْرَةِ الْفَجْأَةِ فَقَالَ اصْرِفْ بَصَرَكَ . اهــ
والحديث عند أبي داود ، رحمه الله ، في سننه .
يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله :
"وفي رواية لبعضهم : فقال : "أطرقْ بصرك" ، يعني : انظر إلى الأرض . والصرف أعم ، فإنه قد يكون إلى الأرض ، وإلى جهة أخرى ، والله أعلم" . اهــ
فتكون رواية الإطراق من باب : ذكر بعض أفراد العام ، وهو : صرف البصر ، وذكر بعض أفراد العام على سبيل التمثيل لا يخصصه ، فالناظر مأمور بصرف بصره مطلقا ، سواء أكان إلى الأرض ، أم إلى يمينه ، أم إلى شماله ........... إلخ .
وأما الزوجة فإنه يحل له النظر إلى ما شاء منها ، فلا عورة بين الزوجين ، وكذا يحل له النظر إلى مواضع الزينة من محارمه ، كالعنق والساعدين والقدمين ، وكذا ما يظهر أثناء المهنة كأطراف الساقين ، كما سيأتي إن شاء الله .
ومع ذلك لا تخلو إدامة النظر إليهن من مفاسد . يقول القرطبي رحمه الله :
"ولقد كره الشعبي أن يديم الرجل النظر إلى ابنته أو أمه أو أخته ، وزمانه خير من زماننا !!!!! هذا وحرام على الرجل أن ينظر إلى ذات محرمة نظر شهوة يرددها" . اهــ
والشعبي ، رحمه الله ، يكره النظر إلى ذوات المحارم سدا لذريعة الافتتان بهن ، وهو من القرون المفضلة ، بل من رجال المائة الهجرية الأولى ، والقرطبي ، رحمه الله ، يشكو فساد الأحوال في زمانه ، وهو من رجال المائة الهجرية السابعة ، فكيف بزماننا ؟!!! ، وقد فشا زنا المحارم في كثير من الأمم ، بل وسطر في الكتب التي يزعم أصحابها أنها مقدسة وكلام الشيخ أحمد ديدات ، رحمه الله ، في مناظراته مع أهل التثليث والتحريف خير شاهد على ذلك فهو كلام من استقرأ بضاعتهم فميز غثها من سمينها ، وقد امتد أثر ذلك إلى المجتمعات الإسلامية لاسيما مع ازدهار صناعة الإعلام الذي لا يرقب في مؤمن إلا ولا ذمة .
وأما النظر إلى الأمرد ، فقد شدد أهل العلم في أمره ، فنهوا الرجل أن يحد النظر إليه ، لما فيه من الافتتان بصورته ، و "عشق الصور" هو : داء قوم لوط ، الذي أوقعهم فيما وقعوا فيه من الرذيلة ، فزين لهم الشيطان الصور المحرمة ، حتى تمكن العشق المحرم من قلوبهم ، ففسدت وفسدت فطرتهم تبعا لها ، فالقلوب : ملوك ، والجوارح : جند ، ولا صلاح للجند إذا فسدت الملوك ، وقد توسع ابن القيم ، رحمه الله ، في "الداء والدواء" في بيان هذا الداء العضال .
فالنهي عن النظر إليه ، أيضا ، من باب سد ذريعة الافتتان بصورته .
وأما النظر إلى القواعد من النساء اللاتي لا تخشى الفتنة بالنظر إليهن ، فقد أجازه بعض أهل العلم ، كما أجازوا إلقاء السلام ورده عليها ، لأمن الفتنة ، والحكم يدور مع علته وجودا وعدما ، فلما انتفت علة التحريم وهي : الفتنة ، انتفى الحكم ، فإذا كانت كبيرة تشتهى حرم النظر والسلام ، وإن كانت كبيرة لا يشتهيها الصغير ويشتهيها الكبير مثلها ، أبيح النظر والسلام للأول وحَرُمَ على الثاني ، والله أعلم .
هذا أمر للمؤمنات بعد أمر المؤمنين ، فإما أن يقال بأنه جاء تأسيسا ، أو توكيدا على القول بأنهن داخلات في عموم خطاب المؤمنين ، كما في قوله تعالى : (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) وهو قول جمهور الأصوليين استدلالا بنحو : قوله تعالى : (وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) ، وقوله تعالى : (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) ، فيكون ذكرهن من باب ذكر الخاص بعد العام ، والقول الأول أرجح من جهة : أنه إذا دار الكلام بين التأسيس والتوكيد ، فحمله على التأسيس أولى ، لتجدد الفائدة ، بخلاف التوكيد ، فإنه وإن أفاد ، إلا أنه لا يفيد معنى جديدا ، وإنما يؤكد ما تقدم ذكره .
وذكر ابن كثير ، رحمه الله ، في سبب نزول هذه الآية :
قول : مقاتل بن حيَّان قال : بلغنا - والله أعلم - أن جابر بن عبد الله الأنصاري حَدَّث : أن "أسماء بنت مُرْشدَة" كانت في محل لها في بني حارثة ، فجعل النساء يدخلن عليها غير مُتَأزّرات فيبدو ما في أرجلهن من الخلاخل ، وتبدو صدورهن وذوائبهن ، فقالت أسماء : ما أقبح هذا . فأنزل الله : { وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ } الآية .
فالمرأة مأمورة بغض البصر كالرجل ، لتحقق علة الحكم في حقها تحققها في حق الرجل ، فكما أن الرجل يشتهي النظر إلى المرأة ، فالمرأة تشتهي النظر إلى الرجل ، لما فطر الله ، عز وجل ، عليه كلا الجنسين من الميل إلى الآخر .
وإلى ذلك أشار الحافظ ابن كثير ، رحمه الله ، بقوله :
"ولهذا ذهب كثير من العلماء إلى أنه : لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الأجانب بشهوة ولا بغير شهوة أصلا . واحتج كثير منهم بما رواه أبو داود والترمذي ، من حديث الزهري ، عن نبهان - مولى أم سلمة - أنه حدثه : أن أم سلمة حَدَّثته : أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة ، قالت : فبينما نحن عنده أقبل ابنُ أمّ مكتوم ، فدخل عليه ، وذلك بعدما أُمِرْنا بالحجاب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "احتجبا منه" فقلت : يا رسول الله ، أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أو عمياوان أنتما ؟ ألستما تبصرانه" .
ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .
وذهب آخرون من العلماء إلى جواز نظرهن إلى الأجانب بغير شهوة ، كما ثبت في الصحيح : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل ينظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم يوم العيد في المسجد ، وعائشة أم المؤمنين تنظر إليهم من ورائه ، وهو يسترها منهم حتى مَلَّت ورجعت" . اهــ
على أن الإجماع منعقد على حُرمة النظر إن كان بشهوة ، فصار محل النزاع : النظر إذا أمنت الفتنة ، هل ينهى عنه سدا لذريعة الافتتان ، أم يرخص فيه بقاء على الأصل ؟
وقوله تعالى : (وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) :
أي : ليحفظنها من الزنا ، وقال أبو العالية رحمه الله : "كل آية نزلت في القرآن يذكر فيها حفظ الفروج ، فهو من الزنا ، إلا هذه الآية : {وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ } ألا يراها أحد" . اهـ
والقول الأول أرجح من جهة عموم معناه ، فالأمر بحفظ الفروج أمر بسترها وزيادة .