السيدة خديجة بنت خويلد رضى الله عنها
السيدة سودة بنت زمعة رضى الله عنها
السيدة عائشة بنت أبى بكر رضى الله عنها
السيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب رضى الله عنها
السيدة زينب بنت خزيمة رضى الله عنها
السيدة أم سلمة ( هند بنت أمية ) رضى الله عنها
السيدة زينب بنت عمته رضى الله عنها
السيدة جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار رضى الله عنها
صفية بنت حُيى بن أخطب رضى الله عنها
أم حبيبة رملة بنت أبى سفيان رضى الله عنها
مارية بنت شمعون القبطية رضى الله عنها
ميمونة بنت الحارث الهلالية رضى الله عنها
أسماء بنت النعمان رضى الله عنها
قتيلة بنت قيس رضى الله عنها
رزق الحبيب صلى الله عليه و سلم بثلاثة ابناء من الزكور و هم :
القاسم رضى الله عنه
عبد الله رضى اللهعنه
إبراهيم رضى الله عنه
كما رزق صلى الله عليه و سلم بأربع بنات و هن :
السيدة زينب رضى الله عنها و كانوا يسمونها زينب الكبرىلأنها اول مولود لرسول اللهوتمييزا لها عن زينب الحفيدة ابنة شقيقتها فاطمة الزهراء رضى الله عنها و بنت الأمامعليكرم اللهتعالى وجهه .
السيدة رقية رضى الله عنها
السيدة أم كلثوم رضى الله عنها
السيدة فاطمة الزهراء رضى الله عنها
و قد ماتوا جميعاً فى حياة رسول الله{ صـــلى الله عليه وسلم }عدا فاطمةالزهراء فهى التى ماتت بعد وفاته{ صـــلى الله عليه وسلم }بستة أشهر و جميع أبناء الرسول{ صـــلى الله عليه وسلم }منخديجة بنت خويلد رضى الله عنها , عدا إبراهيم ابنه من مارية القبطية
وصف الله سبحانه رسولهالكريم بأعلى الأوصاف، وأكمل الصفات، وذكر ذلك في القرآن، فقال: { وإنك لعلى خلق عظيم } (القلم:4) وكفى بشهادة القرآن شهادة .
وكان خلق التواضع منالأخلاق التي اتصف بها صلى الله عليه وسلم، فكان خافض الجناح للكبير والصغير،والقريب والبعيد، والأهل والأصحاب، والرجل والمرأة، والصبي والصغير، والعبدوالجارية، والمسلم وغير المسلم، فالكل في نظره سواء، لا فضل لأحد على آخر إلابالعمل الصالح .
وأبلغ ما تتجلى صورتواضعه صلى الله عليه وسلم عند حديثه عن تحديد رسالته وتعيين غايته في هذه الحياة؛فرسالته ليست رسالة دنيوية، تطلب ملكًا، أو تبتغي حُكمًا، أو تلهث وراء منصب، بلرسالة نبوية أخروية، منطلقها الأول والأخير رضا الله سبحانه، وغايتها إبلاغ الناسرسالة الإسلام. فقد كان صلى الله عليه وسلم كثير القول: ( إنما أنا عبد الله ورسوله )، فهو قبل كل شيء وبعد كل شيء عبد لله، مقر له بهذه العبودية، خاضع له في كل مايأمر به وينهى عنه؛ ثم هو بعد ذلك رسول الله إلى الناس أجمعين .
ولأجل هذا المعنى، كانصلى الله عليه وسلم ينهى أصحابه عن مدحه ورفعه إلى مكانة غير المكانة التي وضعهالله فيها؛ وعندما سمع بعض أصحابه يناديه قائلاً: يا محمد ! يا سيدنا ! وابن سيدنا ! وخيرنا ! وابن خيرنا ! نهاه عن هذا القول، وعلمه ماذا يقول، وقال: ( أنا محمد بنعبد الله، عبد الله ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني اللهعز وجل ) رواه أحمد و النسائي .
والذي يوضح هذا الجانبمن تواضعه، ما أخبر به صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، بقوله: ( يا عائشة ! لو شئت لسارت معي جبال الذهب، جاءني مَلَك، فقال: إن ربك يقرأ عليكالسلام، ويقول لك: إن شئت نبيًا عبدًا، وإن شئت نبيًا ملكًا، قال: فنظرت إلى جبريل،قال: فأشار إلي، أن ضع نفسك، قال: فقلت: نبيًا عبدًا ، فكان رسول الله صلى اللهعليه وسلم بعد ذلك لا يأكل متكئًا، يقول: آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد ) رواه الطبراني وغيره. فهو صلى الله عليه وسلم لم يرض لنفسه أن يتصف بغير الوصفالذي وصفه الله به، وهو وصف العبودية، وأنه رسول مبلغ عن الله، وليس له غاية غيرذلك مما يتطلع إليه الناس، ويتسابقون إليه .
وكما وضَّح صلى اللهعليه وسلم غايته في هذه الحياة ورسالته، فهو أيضًا قد وضح مكانته بين الأنبياءومنزلته بين الرسل، فكان من تواضعه صلى الله عليه وسلم أنه لم يقبل من أحد أن يفضلهعلى أحد من الأنبياء، مع أن القران قد أثبت التفضيل بين الأنبياء والرسل في قولهتعالى:{ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض } (البقرة:253) وما ذلك إلا لتواضعه صلى الله عليه وسلم .
وقد ثبت أن رجلاً منالمسلمين ورجلاً من اليهود سب كل واحد منهما الآخر، فقال المسلم لليهودي: والذياصطفى محمدًا على العالمين، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفعالمسلم يده عند ذلك وضرب اليهودي على وجهه، فذهب اليهودي إلى النبي صلى الله عليهوسلم فأخبره بما حدث، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم المسلم، فسأله عن ذلك، فأخبرهبالذي جرى، فطلب النبي صلى الله عليه وسلم من صحابته ألا يفضلوه على أحد منالأنبياء، وأخبرهم عن منـزلة موسى عليه السلام، وأنه يوم القيامة يكون مع النبي ومنأول الذين تنشق عنهم الأرض يوم القيامة. والحديث في الصحيحين .
وفي الجانب المقابل،يظهر تواضعه صلى الله عليه وسلم في علاقاته الأسرية مع أهله، وكذلك في علاقاتهالاجتماعية مع الناس من حوله؛ أما عن تواضعه مع أسرته، فخير من يحدثنا عن هذاالجانب أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، تقول وقد سألها سائل: ما كان النبي صلىالله عليه وسلم يصنع في بيته ؟ قالت: ( يكون في خدمة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرجإلى الصلاة ) وفي رواية عند الترمذي قالت: ( كان بشرًا من البشر، ينظف ثوبه، ويحلبشاته، ويخدم نفسه ). فهو صلى الله عليه وسلم يقوم بتنظيف حاجاته بنفسه، ويشارك أهلهفي أعمال بيته، ويجلب حاجاته من السوق بنفسه مع أنه صلى الله عليه وسلم خير الخلقأجمعين .
وأما تواضعه صلى اللهعليه وسلم مع أصحابه ومن حوله، فحدث عنه ولا حرج. ويكفي أن تعلم في هذا المقام أنهصلى الله عليه وسلم كان يركب الحمار، وهي وسيلة نقل عادية في ذلك الزمان، ليس هذافحسب، بل كان يحمل خلفه على دابته، من كان لا يملك وسيلة نقل تنقله .
ومن مظاهر تواضعه صلىالله عليه وسلم، أنه لم يكن يرضى من أحد أن يقوم له تعظيمًا لشخصه، بل كان ينهىأصحابه عن فعل ذلك؛ حتى إن الصحابة رضوان الله عنهم، مع شدة حبهم له، لم يكونوايقومون له إذا رأوه قادمًا، وما ذلك إلا لعلمهم أنه كان يكره ذلك .
ولم يكن تواضعه عليهالصلاة والسلام صفة له مع صحابته فحسب، بل كان ذلك خُلُقًا أصيلاً، تجلى مع الناسجميعًا. يبين هذا أنه لما جاءه عدي بن حاتم يريد معرفة حقيقة دعوته، دعاه صلى اللهعليه وسلم إلى بيته، فألقت إليه الجارية وسادة يجلس عليها، فجعل الوسادة بينه وبينعدي ، وجلس على الأرض. قال عدي : فعرفت أنه ليس بملك .
وكان من تواضعه صلى اللهعليه وسلم، أنه كان يجلس مع أصحابه كواحد منهم، ولم يكن يجلس مجلسًا يميزه عمنحوله، حتى إن الغريب الذي لا يعرفه، إذا دخل مجلسًا هو فيه، لم يستطع أن يفرق بينهوبين أصحابه، فكان يسأل: أيكم محمد ؟ .
ويدل على تواضعه صلىالله عليه وسلم، أنه لم يكن يرد أي هدية تقدم إليه، مهما قلَّ شأنها، ومهما كانتقيمتها، ولم يكن يتكبر على أي طعام يدعى إليه مهما كان بسيطًا، بل يقبل هذا وذاكبكل تواضع، ورحابة صدر، وطلاقة وجه .
ومن أبرز مظاهر تواضعهصلى الله عليه وسلم ما نجده في تعامله مع الضعاف من الناس وأصحاب الحاجات؛ كالنساء،والصبيان. فلم يكن يرى عيبًا في نفسه أن يمشي مع العبد، والأرملة، والمسكين،يواسيهم ويساعدهم في قضاء حوائجهم. بل فوق هذا، كان عليه الصلاة والسلام إذا مر علىالصبيان والصغار سلم عليهم، وداعبهم بكلمة طيبة، أو لاطفهم بلمسة حانية .
ومن صور تواضعه فيعلاقاته الاجتماعية، أنه صلى الله عليه وسلم، كان إذا سار مع جماعة من أصحابه، سارخلفهم، حتى لا يتأخر عنه أحد، ولكي يكون الجميع تحت نظره ورعايته، فيحمل الضعيف علىدابته، ويساعد صاحب الحاجة في قضاء حاجته .
تلك صور من تواضعه عليهالصلاة والسلام، وأين هي مما يصوره به اليوم أعداؤه، والمبغضون لهديه، والحاقدونعلى شريعته؛ ثم أين نحن المسلمين من التخلق بخلق التواضع، الذي جسده نبينا صلى اللهعليه وسلم في حياته خير تجسيد، وقام به خير قيام ؟!
(( الرجـــــاء من الجميـــــع عدم الرد آلا آن آنهي الموضـــوع ))
كان {صلى الله عليه وسلم} مثالاللكرم والجود، فقد كان لا يرد سائلاً وهو يجد ما يعطيه،فقد سأله رجل حُلة كانيلبسها،فدخل بيته فخلعها ،ثم خرج بها في يده وأعطاها إياه،وسأله رجل فأعطاه غنماًبين جبلين،فلم يكن الرجل مصدقاً ،فأسرع بها وهو ينظر خلفه خشية أن يرجع النبيالكريم في قوله،ثم ذهب إلى قومه فقال لهم:" يا قوم أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء منلا يخشى الفقر!"...وحسبنا في الاستدلال على كرمهحديث بنعباس الذي رواه البخاري :"قال بن عباس حين سئل عن رسول الله:" كانرسول الله أجود الناس وكان أجود ما يكون في في شهر رمضان،حين يلقاه جبريل فيدارسهالقرآن ،فكان صلى الله عليه وسل أجود من الريح المُرسلة" .
واورد فيما يلي بعض الأمثلة العجيبة علىجوده وكرمه {صلى الله عليه وسلم}:
أعطى الرسول الكريم العباس رضي الله تعالى عنهمن الذهب ما لم يُطِق حمله.
وأعطى معوذ بن عفراء ملء كفيهحُليا وذهباً لما جاءه بهدية من رُطب وقِثَّاء.
جاءه رجل فسأله، فقال له ما عندي شيء ولكن إبتع علي(أي اشترما تحتاجه على حسابي وأنا أسدده عنك إن شاء الله) فإذا جاءنا شيءقضيناه"!!.
صلى الله على حبيبنا افضل صلاةوازكى تسليم، ما اعظم شمائله، وما اكثر فضائله، اللهم انا نسالك شربة من حوضه لانظما بعدها ابدا.
(( الرجـــــاء من الجميـــــع عدم الرد آلا آن آنهي الموضـــوع ))
قد عرفت أن الدعوة إلى الإسلام كانت في مبدئها سراً وخفية، وأن الذين دخلوا في الإسلام إذ ذاك أفراد قليلون، وبعد الجهر بالدعوة أخـذ عددهم يزداد قليلاً قليلاً، إلى أن أُذِنَ له صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة، فازداد عددهم بدخول عرب المدينة ومن حولها في الدين وحدانا وجماعات، ولكن الدعوة لم تصل إلى الدرجة المطلوبة من الانتشار والعموم حتى تم صلح الحديبية بين قريش والمسلمين، فكان ذلك الصلح سبباً كبيراً من أسباب فشوّ الدعوة وعمومها حيث أمنت الطرق وتمكن الرسول عليه الصلاة والسلام من إرسال الرسل والكتب الى الملوك والأمم والقبائل ، ثم تم الأمر بفتح مكة ودخول أعاظم قريش في الإسلام، وانتشار القرآن بأسلوبه البديع وحكمه البالغة المؤثرين في عقول العرب ذلك التأثير الذي لانت به شكيمتهم وشرعوا يَفِدون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أفواجاً، وقد كان أكثر ذلك في السنة التاسعة للهجرة.
فمن ذلك وفد (ثقيف) جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم عقب مقدمه من تبوك يريدون الإسلام ، وطلبوا أشياء أباها عليهم وأشياء أعطاها لهم.
ووفد (نصارى نجران) ، وهؤلاء لم يسلموا بل رضوا بدفع الجزية.
ووفود (بني فزارة) قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمين.
ووفد (بني تميم) جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم أشرافهم ونادوه من وراء الحجرات ، وبعد تبادل الخطب وإنشاد الشعر بين خطبائهم وشعرائهم وخطباء المسلمين وشعرائهم أسلموا وعادوا إلى أوطانهم.
ووفد (بني سعد بن بكر) يؤمهم ضمام بن ثعلبة ، الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أسئلة كثيرة وأجابه عنها ، فأسلم وعاد إلى قومه فما بقى منهم أحد إلا أسلم من يومه.
ووفد (كندة) في مقدمته الأشعث بن قيس ، وقد أسلموا بعد أن سمعوا أوائل سورة الصافَّات.
ووفد (بني عبد القيس بن ربيعة) وكانوا نصارى فأسلموا جميعاً.
ووفد (بني حنيفة بن ربيعة) فأسلموا ، وكان فيهم مسيلمة بن حنيفة، الذي لقب بالكذاب لادعائه النبوة بعد انتقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الدار الآخرة.
ووفد (طيء من قحطان) يقدمهم زيد الخيل، وقد أسلموا جميعاً.
ووفد (بني الحارث بن كعب) فيهم خالد بن الوليد جاءوا مسلمين.
ووفود آخرون من قبائل شتى من (بني أسد) و (بني محارب) و(همدان) و(غسان) وغيرهم ، منهم من جاء مسلماً ، ومنهم من جاء للإسلام وأسلم، ورسل من ملوك حمير وغيرهم، جاءوا يخبرون بإسلامهم.
وهكذا دخل الناس في دين الله أفواجاً ، حتى بلغ من كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع في السنة العاشرة للهجرة أكثر من مائة ألف، والذين لم يحضروا حجة الوداع من المسلمين كانوا أكثر من ذلك أضعافاُ مضاعفة، (وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَّشَاءُ إِنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِى الأَبْصَارِ).
(( الرجـــــاء من الجميـــــع عدم الرد آلا آن آنهي الموضـــوع ))
وفي شوال سنة 3هـ كانت وقعة أحد. وذلك أن الله تبارك وتعالى لما أوقع بقريش يوم بدر، وترأس فيهم
أبو سفيان، لذهاب أكابرهم، أخذ يؤلب على رسول الله صلى الله عليه و سلم وعلى المسلمين. ويجمع
الجموع، فجمع قريباً من ثلاثة آلاف من قريش، والحلفاء والأحابيش. وجاءوا بنسائهم لئلا يفروا، ثم أقبل
بهم نحو المدينة، فنزل قريباً من جبل أحد. فاستشار رسول الله صلى الله عليه و سلم أصحابه في الخروج
إليهم، وكان رأيه أن لا يخرجوا، فإن دخلوها قاتلهم المسلمون على أفواه السكك، والنساء من فوق
البيوت، ووافقه عبد الله بن أبى - رأس المنافقين - على هذا الرأي، فبادر جماعة من فضلاء الصحابة -
ممن فاته بدر - وأشاروا على رسول الله صلى الله عليه و سلم بالخروج، وألحوا عليه. فنهض ودخل بيته،
ولبس لأمته، وخرج عليهم، فقالوا: استكرهنا رسول الله صلى الله عليه و سلم على الخروج. ثم قالوا: إن
أحببت أن تمكث بالمدينة فافعل، فقال: ما ينبغي لنبي إذا لبس درعه أن يضعه حتى يحكم الله بينه وبين
عدوه. فخرج في ألف من أصحابه، واستعمل على المدينة عبد الله بن أم مكتوم.
وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم رأى رؤيا: رأى أن في سيفه ثلمة، وأن بقراً تذبح. وأنه يدخل يده
في درع حصينة. فتأول الثلمة: برجل يصاب من أهل بيته، والبقر: بنفر من أصحابه يقتلون، والدرع بالمدينة،
فخرج، وقال لأصحابه: عليكم بتقوى الله، والصبر عند البأس إذا لقيتم العدو، وانظروا ماذا أمركم الله به
فافعلوا. فلما كان بالشوط - بين المدينة وأحد - انخزل عبد الله بن أبي بنحو ثلث العسكر، وقال: عصاني.
وسمع من غيري ما ندري علام نقتل أنفسنا ها هنا، أيها الناس ؟ فرجع وتبعهم عبد الله بن عمرو - والد
جابر - يحرضهم على الرجوع، ويقول: قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع،
فرجع عنهم وسبهم. وسأل نفر من الأنصار رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يستعينوا بحلفائهم من
يهود ، فأبى، وقال: من يخرج بنا على القوم من كثب ؟. فخرج به بعض الأنصار، حتى سلك في حائط لمربع
بن قيظي من المنافقين - وكان أعمى - فقام يحثو التراب في وجوه المسلمين، ويقول: لا أحل لك أن
تدخل في حائطي، إن كنت رسول الله. فابتدروه ليقتلوه. فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لا تقتلوه
فهذا أعمى القلب أعمى البصر. ونفذ حتى نزل الشعب من أحد، في عدوة الوادي الدنيا، وجعل ظهره إلى
أحد، ونهى الناس عن القتال حتى يأمرهم. فلما أصبح يوم السبت تعبأ للقتال، وهو في سبعمائة، منهم
خمسون فارساً، واستعمل على الرماة - وكانوا خمسين - عبد الله بن جبير. وأمرهم: أن لا يفارقوا
مركزهم، ولو رأوا الطير تختطف العسكر، وأمرهم: أن ينضحوا المشركين بالنبل، لئلا يأتوا المسلمين من
ورائهم. وظاهر رسول الله صلى الله عليه و سلم بين درعين. وأعطى اللواء مصعب بن عمير، وجعل على
إحدى المجنبتين الزبير بن العوام، وعلى الأخرى: المنذر بن عمرو.
واستعرض الشباب يومئذ، فرد من استصغر عن القتال - كابن عمر، وأسامة بن زيد، والبراءة، وزيد بن
أرقم، وزيد بن ثابت، وعرابة الأوسى - وأجاز من رآه مطيقاً. وتعبأت قريش، وهم ثلاثة آلاف. وفيهم مائتا
فارس، فجعلوا ميمنتهم: خالد بن الوليد، وعلى الميسرة: عكرمة بن أبى جهل.
ودفع رسول الله صلى الله عليه و سلم سيفه إلى أبي دجانة. وكان أول من بدر من المشركين أبو عامر -
عبد عمرو بن صيفي - الفاسق، وكان يسمى الراهب. وهو رأس الأوس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام
شرق به، وجاهر بالعداوة. فذهب إلى قريش يؤلبهم على رسول الله صلى الله عليه و سلم ووعدهم: بأن
قومه إذا رأوه أطاعوه، فلما ناداهم، وتعرف إليهم، قالوا: لا أنعم الله بك عيناً يا فاسق، فقال: لقد أصاب
قومي بعدي شر. ثم قاتل المسلمين قتالاً شديداً، ثم أرضخهم بالحجارة. وأبلى يومئذ أبو دجانة، وطلحة،
وحمزة، وعلى، والنضر بن أنس، وسعد بن الربيع بلاء حسناً. وكانت الدولة أول النهار للمسلمين، فانهزم
أعداء الله، وولوا مدبرين، حتى انتهوا إلى نسائهم، فلما رأى ذلك الرماة، قالوا: الغنيمة، الغنيمة، فذكرهم
أميرهم عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فلم يسمعوا، فأخلوا الثغر، وكر فرسان المشركين عليه،
فوجدوه خالياً، فجاءوا منه. وأقبل آخرهم حتى أحاطوا بالمسلمين فأكرم الله من أكرم منهم بالشهادة -
وهم سبعون - وولى الصحابة. وخلص المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فجرحوه
جراحات، وكسروا رباعيته. وقتل مصعب بن عمير بين يديه، فدفع اللواء إلى علي بن أبي طالب. وأدركه
المشركون يريدون قتله، فحال دونه نحو عشرة حتى قتلوا، ثم جالدهم طلحة بن عبيد الله حتى أجهضهم
عنه، وترس أبو دجانة عليه بظهره، والنبل يقع فيه وهو لا يتحرك. وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان،
فأتى بها رسول الله صلى الله عليه و سلم فردها بيده، فكانت أحسن عينيه. وصرخ الشيطان: إن محمداً
قد قتل، فوقع ذلك في قلوب كثير من المسلمين. فمر أنس بن النضر بقوم من المسلمين قد ألقوا بأيديهم،
فقالوا: قتل رسول الله صلى الله عليه و سلم . فقال: ما تصنعون بالحياة بعده ؟ قوموا فموتوا على ما مات
عليه. ثم استقبل الناس، ولقي سعد بن معاذ، فقال: يا سعد! إني لأجد ريح الجنة من دون أحد، فقاتل
حتى قتل، ووجد به سبعون جراحة. وقتل وحشي حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، رماه بحربة على
طريقة الحبشة.
وأقبل رسول الله صلى الله عليه و سلم نحو المسلمين، فكان أول من عرفه تحت المغفر: كعب بن مالك،
فصاح بأعلى صوته: يا معشر المسلمين! هذا رسول الله، فأشار إليه: أن اسكت، فاجتمع إليه المسلمون،
ونهضوا معه إلى الشعب الذي نزل فيه. فلما أسندوا إلى الجبل أدركه أبي بن خلف على فرس له، كان
يزعم بمكة: أنه يقتل عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فلما اقترب منه طعنه رسول الله صلى الله
عليه و سلم في ترقوته، فكر منهزماً. فقال له المشركون: ما بك من بأس، فقال: والله لو كان ما بي بأهل
ذي المجاز لماتوا أجمعين. وحانت الصلاة، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه و سلم جالساً. وشد
حنظلة بن أبى عامر على أبي سفيان، فلما تمكن منه حمل عليه شداد بن الأسود فقتله، وكان حنظلة
جنباً، فإنه حين سمع الصيحة وهو على بطن امرأته: قام من فوره إلى الجهاد، فأخبر رسول الله صلى الله
عليه و سلم أن الملائكة تغسله. وكان الأصيرم - عمرو بن ثابت بن وقش - يأبى الإسلام، وهو من بنى عبد
الأشهل، فلما كان يوم أحد: قذف الله الإسلام في قلبه للحسنى التي سبقت له. فأسلم وأخذ سيفه،
فقاتل، حتى أثبتته الجراح، ولم يعلم أحد بأمره. فلما طاف بنو عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم، وجدوا
الأصيرم - وبه رمق يسير، فقالوا: والله إن هذا الأصيرم، ثم سألوه: ما الذي جاء بك ؟ أحدب على قومك، أم
رغبة في الإسلام ؟ فقال: بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت، ومات من وقته. فذكروه
لرسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقال: هو من أهل الجنة، ولم يصل لله سجدة قط. ولما انقضت الحرب:
أشرف أبو سفيان على الجبل، ونادى: أفيكم محمد ؟ فلم يجيبوه، فقال: أفيكم ابن أبى قحافة ؟ فلم
يجيبوه. فقال: أفيكم ابن الخطاب ؟ فلم يجيبوه، فقال: أما هؤلاء فقد كفيتموهم، فلم يملك عمر نفسه أن
قال: يا عدو الله! إن الذين ذكرتهم أحياء، وقد أبقى الله لك منهم ما يسوءك، ثم قال: اعل هبل، فقال رسول
الله صلى الله عليه و سلم : ألا تجيبوه ؟، قالوا: ما نقول ؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل، ثم قال: لنا العزى،
ولا عزى لكم، قال: ألا تجيبوه ؟ قالوا: ما نقول ؟ قال: قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم، ثم قال: يوم بيوم بدر،
والحرب سجال، فقال عمر: لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار. وأنزل الله عليهم النعاس في بدر
وفي أحد، والنعاس في الحرب من الله، وفى الصلاة ومجالس الذكر: من الشيطان.
وقاتلت الملائكة يوم أحد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، ففي الصحيحين عن سعد، قال: رأيت
رسول الله يوم أحد، ومعه رجلان يقاتلان عنه، عليهما ثياب بيض، كأشد القتال، وما رأيتهما قبل ولا بعد. ومر
رجل من المهاجرين برجل من الأنصار - وهو يتشحط في دمه - فقال: يا فلان! أشعرت أن محمداً قتل ؟
فقال الأنصاري: إن كان قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم، فنزل: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل)
وكان يوم أحد يوم بلاء وتمحيص، اختبر الله عز وجل به المؤمنين، وأظهر به المنافقين، وأكرم فيه من أراد
كرامته بالشهادة، فكان مما نزل من القرآن في يوم أحد: إحدى وستون آية من آل عمران، أولها: (وإذ
غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم)
• ولما انصرفت قريش تلاوموا فيما بينهم، وقالوا: لم تصنعوا شيئاً، أصبتم شوكتهم، ثم تركتموه، وقد بقي
منهم رؤوس يجمعون لكم، فارجعوا حتى نستأصل بقيتهم. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم ،
فنادى في الناس بالمسير إليهم، وقال: لا يخرج معنا إلا من شهد القتال، فقال له ابن أبى: أركب معك؟
قال: لا. فاستجاب له المسلمون - على ما بهم من القرح الشديد - وقالوا: سمعاً وطاعة. وقال جابر: يا
رسول الله! إني أحب أن لا تشهد مشهداً إلا كنت معك، وإنما خلفني أبى على بناته، فائذن لي أن أسير
معك. فأذن له. فسار رسول الله صلى الله عليه و سلم والمسلمون معه، حتى بلغوا حمراء الأسد، فبلغ
ذلك أبا سفيان ومن معه، فرجعوا إلى مكة. وشرط أبو سفيان لبعض المشركين شرطاً على أنه إذا مر
بالنبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه: أن يخوفهم، ويذكر لهم: أن قريشاً أجمعوا للكرة عليكم ليستأصلوا
بقيتكم، فلما بلغهم ذلك قالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل.
غزوة حمـــراء الأســـد :
بعد انتهاء غزوة أحد التي حدث فيها ما حدث، من تمحيص للمؤمنين وكشف لحقيقة
المنافقين، بلغ رسول الله صلى الله عليه و سلم أن أبا سفيان يعد لقتال المسلمين، فأمر بلالاً أن ينادي
بالناس: (إنّ رسول الله يأمركم بطلب عدوكم، فخرج النبي صلى الله عليه و
سلم بأصحابه في أثر أبى سفيان وهم يحملون جراحهم، وأمر ألا يخرج معه إلا من شهد القتال في أحد)
، وقد ذكر القرآن أحداث هذه الغزوة، فقال الله في كتابه:
{الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر
عظيم} (آل عمران: 172)، وطلب رسول الله العدو حتى بلغ حمراء الأسد.
كان هدف رسول الله من سيره لحمراء الأسد إرهاب العدو، وإبلاغهم قوة المسلمين، وأن الذي أصابهم
في أُحد لم يكن ليوهنهم عن عدوهم أو يفل من عزيمتهم. ومر برسول الله معبد بن أبي معبد الخزاعي،
وهو يومئذ مشرك، وكان مقيماً بحمراء الأسد، فقال: يا محمد أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك،
ولوددنا أن الله عافاك فيهم، ثم خرج من عند رسول الله، حتى لقي أبا سفيان ومن معه بالروحاء، وقد
أجمعوا أمرهم على ملاقاة رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه، وقالوا: أصبنا أحد أصحابه وقادتهم
وأشرافهم، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم، لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم، فلما رأى أبو سفيان معبدا
قال: ما وراءك يا معبد ؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم
تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم، شيء لم أر مثله قط، قال: ويلك ما تقول ؟ قال: والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل، قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم
لنستأصل شأفتهم، قال فإني أنهاك عن ذلك، ووالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه أبياتا من شعر ، قال: وما قلت ؟ قال قلت:
كـادت تُهَـدُّ من الأصوات راحلتـي إذ سالـت الأرضُ بالجـردِ الأبابيـلِ
تــردى بأسـد كــرام لا تنابلــة عند اللقـــاء ولا ميـل معــازيل
فظلـت عـدوا أظـن الأرض مائلـة لمـا سموا برئيـس غير مخـــذول
فقـلت ويـل ابن حـرب من لقاءكم إذا تغطمطـت البطحـاء بالجيـــل
إنـي نذيـر لأهل البسـل ضاحيــة لكـل ذي أربة منهـــم ومعقـول مـن جيـش أحمـد لا
وخش قنابلـه وليـس يوصـف ما أنذرت بالقيـل
فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه عن ملاقاة رسول الله صلى الله عليه و سلم ثانية. ومر بأبي سفيان ركْبٌ
من عبد القيس، فقال: أين تريدون ؟ قالوا: المدينة، قال: ولم ؟ قالوا: نريد الميرة، قال: فهل أنتم مبلغون
عني محمدا رسالة أرسلكم بها إليه واحمل لكم إبلكم هذه غدا زبيبا بعكاظ إذا وافيتموها ؟ قالوا: نعم،
قال: فإذا وافيتموه فاخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه، والى أصحابه لنستأصل بقيتهم، فمر الركب برسول
الله وهو بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال حسبنا الله ونعم الوكيل، وفي ذلك أنزل الله
قوله تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم
فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} (آل عمران:173) وروى البخاري عن
ابن عباس قال: "حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد
حين قالوا إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا، وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل". فبث الله
الرعب في قلوب الكفار، أبى سفيان وأصحابه، فانصرفوا خائفين وجلين، وعاد الرسول بأصحابه إلى المدينة.
والذي يُستفاد من أحداث هذه الغزوة وما رافقها من مجريات، أن الله سبحانه ناصر دينه، ومؤيد أوليائه،
وأن النصر لا يُحسم بعنصر القوة المادية فحسب، وإنما هناك عنصر أهم وأجدى ألا وهو عنصر الإيمان
بالله والاعتماد والتوكل عليه. ويُستفاد أيضاً - علاوة على ما سبق- أن النصر حليف المؤمنين إذا هيأوا له
أسبابه، وأعدوا له القوة المعنوية والمادية؛ فلا شك حينئذ أن الله ناصرهم. وصدق الله القائل في محكم
كتابه: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} (غافر:51).
غـــزوات عـــام 5 هـ
غزوة المريسيع أو غزوة بني المصطلق
جرت أحداث هذه الغزوة في السنة الخامسة من الهجرة، وسببها أنه لما بلغ الرسول صلى الله عليه و سلم أن الحارث بن أبي ضرار - رأس وسيد بنى المصطلق- سار في قومه، وبعض من حالفه من العرب، يريدون حرب رسول الله صلى الله عليه و سلم ، وقد ابتاعوا خيلاً وسلاحاً، وتهيّأوا لذلك، فبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم بريدة بن الحصيب الأسلمي؛ ليستطلع له خبر القوم، فأتاهم حتى ورد عليهم ماءهم، فوجد قوماً مغرورين، وقد تألبوا وجمعوا الجموع، ولقي الحارث بن أبى ضرار، وكلمه، ورجع إلى رسول الله فأخبره خبرهم، فندب رسول الله الناس، فأسرعوا في الخروج، وخرج معهم جماعة من المنافقين لم يخرجوا في غزاة قبلها لقرب السفر، ورغبة في عرض الدنيا، واستعمل على المدينة زيد بن حارثة.
وبلغ الحارث بن أبى ضرار ومن معه مسير رسول الله صلى الله عليه و سلم إليه، فخافوا خوفاً شديداً، وتفرق عنهم من كان معهم من العرب، وانتهى رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المريسيع وهو مكان الماء، فضرب عليه قبته، ومعه عائشة وأم سلمة، وتهيأ رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه لملاقاة القوم. وجعل راية المهاجرين مع أبي بكر الصديق، وراية الأنصار مع سعد بن عبادة، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فنادى في الناس: قولوا لا إله إلا الله، تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم.
والصحيح من روايات هذه الغزوة أنه لم يكن قتال بين المسلمين والمشركين، وإنما أغاروا عليهم عند الماء، وسبوا ذراريهم، وأموالهم، ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيح (أن النبي صلى الله عليه و سلم أغار على بني المصطلق وهم غارّون - المباغتة في القتال - وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، وأصاب يومئذ جويرية) رواه البخاري ومسلم.
وذكر أصحاب السير أنّ أم المؤمنين جويرية بنت الحارث رضي الله عنها قالت: (أتانا رسول صلى الله عليه و سلم ونحن على المريسيع، فأسمع أبى يقول: أتانا ما لا قبل لنا به. قالت: فكنت أرى من الناس والخيل مالا أصفُ من الكثرة، فلما أسلمتُ، وتزوجني رسول الله صلى الله عليه و سلم ، ورجعنا، جعلت أنظر إلى المسلمين، فليسوا كما كنت أرى، فعلمت أنه رعب من الله تعالى يُلقيه في قلوب المشركين.
وفي هذه الغزوة وقعت حادثة الإفك في حق أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها التي قص علينا نبأها القرآن، وفصلت السنة أحداثها، وقد تحدثنا عنها في مقال سابق من محورنا هذا.)
ولنا أن نستفيد من هذه الغزوة دروساً وعبراً، نستخلصها من الحوادث المصاحبة لهذه الغزوة، وخاصة حادثة الإفك التي أظهرت خطر المنافقين وجرأتهم، حتى نالوا من عرض رسول الله صلى الله عليه و سلم ، ثم ما ينبغي على المؤمن فعله عند سماع الشائعات من حفظ اللسان وعدم الخوض فيها، يضاف إلى ذلك الصبر والتحلي به، وعدم التعجل في الأمور عند الابتلاء أسوة بالنبي صلى الله عليه و سلم .
غزوه بنى قريظة
ثم بلغ النبي صلى الله عليه و سلم أن يهود بنى قريظة القاطنين بجوار المدينة يريدون نقض ما بينهم وبينه من العهود، فاسترجع من جيشه خمسمائة رجل لحراسة النساء والذراري، ولما علم المسلمون بأمر بنى قريظة اشتد وجلهم لأن العدو قد أصبح محيطاً بهم من الخارج والداخل، ولكن الله سبحانه وتعالى قيَّض لرسوله صلى الله عليه و سلم من أنبث بين الأعداء يفرق جموعهم بالخديعة والحيلة، حتى استحكم الفشل بينهم، وخاف بعضهم بعضاً، وأرسل الله تعالى عليهم ريحا باردة في ليل مظلم أكْفَأت قدورهم وطرحت آنيتهم، فارتحلوا من ليلتهم، وأزاح الله تعالى هذه الغُمَّة التي تحزَّب فيها الأحزاب من قبائل العرب واليهود على المسلمين.
وكانت هذه الحادثة بين شهري شوال وذي القعدة من شهور السنة الخامسة للهجرة، واستشهد فيها من المسلمين ستة، وقتل من المشركين ثلاثة.
ولما عاد رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يخلع لباس الحرب حتى حاصر بني قريظة لخيانتهم ونقضهم للعهد، واستمر محاصراً لهم خمساً وعشرين ليلة، حتى كادوا يهلكون ولم يروا بدًّا من التسليم لما يحكم به رسول الله صلى الله عليه و سلم ، ورضوا بأن ينزلوا على حكم سيدهم سعد بن معاذ، فحكم بقتل رجالهم وسبى نسائهم وذراريهم وأخذ غنائمهم، فحبس الرجال في دور الأنصار حتى حفرت لهم خنادق ضربت أعناقهم فيها، وكانوا نحو سبعمائة رجل، وبذلك أراح الله المسلمين من شر مجاورة هؤلاء الأعداء، والله عزيز ذو انتقام.
(( الرجـــــاء من الجميـــــع عدم الرد آلا آن آنهي الموضـــوع ))
على التناصر، فخان اليهود عهدهم مع المسلمين، حيث هموا بقتل النبي صلى الله عليه و سلم ، فخرج عليه الصلاة والسلام إليهم في السنة الخامسة للهجرة حتى أجلاهم عن مواطنهم، فأورث الله تعالى المسلمين أرضهم وديارهم، ولم يقر لهؤلاء اليهود قرار بعد ذلك فذهب جمع منهم إلى مكة، وقابلوا رؤساء قريش واتفقوا معهم ومع قبيلة غطفان على حرب المسلمين، فتجهزت قريش ومن تبعهم من كنانة، وتجهزت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد، وتحزبوا جميعاً على محاربة المسلمين، حتى بلغ عدد جميعهم عشرة آلاف محارب قائدهم العام أبو سفيان.
فلما سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم بتجمعهم لذلك استشار أصحابه فيما يعمل لمقاومتهم، فأشار سلمان الفارسيّ رضي الله عنه بحفر خندق في شمال المدينة من الجهة التي تؤتى منها المدينة، فحفروه وجاءت قريش ومن معها من الأحزاب ونزلوا خلف الخندق، وجاء رسول الله صلى الله عليه و سلم في ثلاثة آلاف من المسلمين أمام الخندق، واستمروا على هذه الحالة يترامون بالنبل بضعاً وعشرين ليلة، وقد رتب رسول الله صلى الله عليه و سلم حراسا على الخندق لئلا يقتحمه الأعداء ليلا، وكان يحرس بنفسه أصعب جهة فيه، ولما طالت المدة اقتحم جماعة من المشركين الخندق بخيلهم، فمنهم من وقع فيه فاندقَّ عنقه، ومنهم من برز له بعض شجعان المسلمين فقتله، وقد استمرت هذه المعركة يوما كاملا.
غزوة دومة الجندل
بعد غزوتي بدر وأحد أراد الرسول صلى الله عليه و سلم تأمين أطراف الجزيرة العربية، حتى تكمل السيطرة للمسلمين، ويتم الاعتراف بدولة الإسلام، فتفرغ لذلك، ثم بلغه أن قبائل حول دومة الجندل تقطع الطريق وتنهب الناس، وقد حشدت جمعها لمهاجمة المدينة، فبادرهم الرسول صلى الله عليه و سلم ، وخرج إليهم في ألف من المسلمين بعد أن استخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري رضي الله عنه، فكانت هذه الغزوة في السنة الخامسة للهجرة.
وكان الجيش يسير في الليل، من أجل إخفاء الأمر ومباغتة العدو، ويستريح في النهار، فلما وصل جيش المسلمين ديار العدو، هاجموا الماشية ورعاتها، فأصابوا منها ما استطاعوا، وهرب الباقي.
ثم نزل المسلمون منازل أهل دومة الجندل فلم يجدوا فيها أحدا؛ حيث فر القوم وانتشروا في النواحي خوفاً من المسلمين، ولم يكتفِ المسلمون بذلك وإنما بقي الرسول وأصحابه أياماً لتتبع القوم، وبعث السرايا، ولكنهم لم يعثروا على أحد منهم. بعد ذلك عاد الجيش الإسلامي إلى المدينة منتصراً غانماً.
يقول صاحب الرحيق المختوم: "بهذه الإقدامات السريعة الحاسمة، وبهذه الخطط الحكيمة الحازمة نجح النبي صلى الله عليه و سلم في بسط الأمن، وتنفيذ السلام في المنطقة والسيطرة على الموقف، وتحويل مجرى الأيام لصالح المسلمين، وتخفيف المتاعب الداخلية والخارجية التي كانت قد توالت عليهم، وأحاطتهم من كل جانب وبذلك ظهرت قوة المسلمين؛ فاستكان المنافقون والبدو الأعراب، وحادت قريش عن المواجهة، فكانت فرصة للمسلمين في نشر الإسلام وتبليغه، ولله الحمد والمنّة".
(( الرجـــــاء من الجميـــــع عدم الرد آلا آن آنهي الموضـــوع ))
كانت بطون خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه و سلم ؛ كما كانت بنو بكر بن وائل في عهد قريش، وكان بين هذين الجيشين دماء، فثار بنو بكر على خزاعة، وساعدتهم قريش بالسلاح والأنفس وقاتلوهم، فقدم على رسول الله صلى الله عليه و سلم نفر من خزاعة وأخبروه بنقض قريش للعهد، فلما أحست قريش بما فعلت جاء منهم أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ليقوى العهد ويزيد في المدة فلم يجبه إلى ذلك، وتأكد المسلمون من نقض قريش للعهد، فأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم المسلمين أن يتجهزوا وكتم عنهم الوجه، فاجتمع لذلك عشرة آلاف من المسلمين من المهاجرين والأنصار وطوائف من العرب، وخرج بهم رسول الله صلى الله عليه و سلم لعشر مضت من شهر رمضان في السنة الثامنة للهجرة، وساروا حتى نزلوا بمرِّ الظهران بقرب مكة بدون أن تعلم قريش بوجهتهم. وقد كان العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه و سلم مهاجرا إلى المدينة بأهله، فقابله صلى الله عليه و سلم في الطريق فأرجعه معه، وبعث بعياله إلى المدينة.
وبينما جيش المسلمين بمر الظهران إذ خرج أبو سفيان ومعه آخران يتجسسون الأخبار، لما كانوا يتوقعونه من عدم سكوت المسلمين على نقض العهد، فظفرت بهم جنود المسلمين، وكان أول من لقي أبا سفيان العباس بن عبد المطلب، فأخذه معه حتى وصل به إلى خيمة رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فأمنه وسلمه للعباس. فلما أصبح أسلم وشهد شهادة الحق، فقال العباس: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئاً، فقال صلى الله عليه و سلم : من دخل دار أبى سفيان فهو آمن.
ثم أمر العباس أن يقف بأبي سفيان حيث يسير الجيش حتى ينظر إلى المسلمين، فجعلت القبائل تمر عليه كتيبة كتيبة حتى انتهت، وانطلق أبو سفيان إلى مكة مسرعا ونادى بأعلى صوته: يا معشر قريش، لقد جاءكم محمد بما لا قبل لكم به.
ثم أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم أن تركز رايته بالحجون، وهو جبل بمعلاة مكة، وأمر خالد بن الوليد أن يدخل مكة بمن معه من كُدَىّ، وهو جبل بأسفل مكة من جهة اليمن، ودخل صلى الله عليه و سلم ومن معه من كداء، وهو جبل بأعلا مكة، ونادى مناديه: من دخل داره وأغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبى سفيان فهو آمن. واستثنى من ذلك جماعة أهدر دماءهم لشدة ما ألحقوا بالمسلمين من الأذى، منهم عبد الله بن سعد بني أبى سرح وعكرمة بن أبي جهل وكعب بن زهير ووحشي قاتل حمزة وهند بنت عتبة زوج أبى سفيان وهبار بن الأسود والحارث بن هشام، وهؤلاء قد أسلموا.
وقد صادف جيش خالد بن الوليد في دخوله مقاومة من طائشي قريش فقاتلهم وقتل منهم أربعة وعشرين، واستشهد من فرقته اثنان. وأما فرقة رسول الله صلى الله عليه و سلم فلم تصادف مقاومة، وقد دخل صلى الله عليه و سلم راكباً راحلته، وهو منحن على الرحل تواضعاً لله تعالى، وشكراً له عز وجل على هذه النعمة العظمى، وكان ذلك صبح يوم الجمعة لعشر خلت من رمضان.
نصبت له صلى الله عليه و سلم قبة في الموضع الذي أشار بأن تركز فيه الراية، فاستراح في القبة قليلا، ثم سار وهو يقرأ سورة الفتح وبجانبه أبو بكر، حتى دخل البيت وطاف سبعاً على راحلته، واستلم الحجر بمحجنه، وكان حول الكعبة أصنام كثيرة؛ فكان يطعنها بعود في يده ويقول: جاء الحق وزهق الباطل، وما يبدئ الباطل وما يعيد.
بعد أن أتم رسول الله صلى الله عليه و سلم طوافه أمر بالأصنام فأزيلت من حول الكعبة، وطهر الكعبة من هذه المعبودات الباطلة، ثم أخذ صلى الله عليه و سلم مفتاح الكعبة من حاجبها عثمان بن طلحة الشيبي، ودخلها وكبر في نواحيها، ثم خرج إلى مقام إبراهيم وصلى فيه، ثم جلس في المسجد والناس حوله ينتظرون ما هو آمر به في شأن قريش، فقال صلى الله عليه و سلم : يا معشر قريش ما تظنون أنى فاعل بكم ؟ قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء. وردَّ مفتاح الكعبة لسادنها، ثم خطب في الناس خطبة أبان فيها كثيراً من أحكام الدين، وبعد أن أتمها شرع الناس يبايعونه على الإسلام، فأسلم كثير من قريش.
وممن أسلم في ذلك الوقت معاوية بن أبى سفيان، وأبو قحافة والد الصديق، وأسلم بعض من أهدر رسول الله صلى الله عليه و سلم دمه في ذلك اليوم، وبايع فقبلت بيعته، وبعد أن تمت بيعة الرجال بايعه النساء.
ثم أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بلالاً أن يؤذن على ظهر الكعبة، وكانت هذه أول مرة ظهر فيها الإسلام على ظهر البيت.
وقد أقام رسول الله صلى الله عليه و سلم بمكة بعد فتحها تسعة عشر يوماً، أرسل في أثنائها خالد بن الوليد في ثلاثين فارساً لهدم هيكل (العُزَّى)، وهو أكبر صنم لقريش، وأرسل عمرو بن العاص لهدم (سواع) وهو أعظم صنم لهذيل، وبعث آخر لهدم (مناة) وهي صنم لخزاعة.
وبهذا الفتح دانت للإسلام جموع العرب، ودخلوا في دين الله أفواجاً. غير أن قبيلتي هوازن وثقيف أخذتهم العزة والأنفة وتجمعوا لحرب المسلمين في مكة، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه و سلم خرج لهم في اثني عشر ألف مقاتل (وهو أكثر جنده عليه الصلاة والسلام)، فلما وصل جيش المسلمين إلى وادي حنين كان العدو كامناً في شعابه، فقاموا على المسلمين قومة رجل واحد قبل أن يتمكن المسلمون من تهيئة صفوفهم، فانهزمت مقدمة جيش المسلمين، وكاد جيش المسلمين يتفرق مع كثرة عدده، فأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم عمه العباس أن ينادي في جيش المسلمين بالثبات، فاجتمعوا واقتتل الفريقان، ولم تمض ساعات حتى انهزم الأعداء هزيمة شديدة.
غزوة الطائف
بعد أن كتب الله النصر للمؤمنين في غزوة حنين، توجه رسول الله صلى الله عليه و سلم في شوال عام 8هـ قاصداً الطائف يريد فتحها، وانتدب لتلك المهمة خالد بن الوليد رضي الله عنه؛ حيث جعله على مقدمة الجيش، وطلب منه أن يسير أولاً لمحاصرتها. وكانت قبيلة ثقيف - وهم أهل الطائف - قد حصنت مواقعها، وأعدت عدتها، وتهيأت للقتال، والدفاع عن أرضها.
ولما وصل رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى الطائف نزل قريباً من الحصن، وأقام معسكره فيه، فانتهزت ثقيف الفرصة، وأخذت توجه سهامها إلى معسكر المسلمين، فأصابت منهم اثنا عشر رجلاً، كان منهم: عبد الله بن أبى بكر رضي الله عنه الذي استشهد على أثر رمية أصابت منه مقتلاً.
واستمر حصار رسول الله صلى الله عليه و سلم للطائف قرابة أربعين يوماً، تخللها العديد من المناوشات بين المسلمين والمشركين، ورغبة في إضعاف معنويات ثقيف، أخذ المسلمون في تحريق نخلهم، فناشدوا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يدعها لله وللرحم، فاستجاب لهم، ثم نادى منادى رسول الله صلى الله عليه و سلم : "أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر" فخرج منهم بضعة عشر رجلاً، فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه و سلم ، ودفع كل رجلٍ منهم إلى رجلٍ من المسلمين ليقوم بشأنه واحتياجاته.
ولما طال الحصار، وأصيب عدد من المسلمين استشار الرسول صلى الله عليه و سلم بعض القوم، ثم قرر رفع الحصار والرحيل، فعن عبد الله بن عمرو قال: (حاصر رسول الله صلى الله عليه و سلم أهل الطائف، فلم ينل منهم شيئا، فقال: إنا قافلون إن شاء الله، قال أصحابه: نرجع ولم نفتتحه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم : اغدوا على القتال، فغدوا عليه فأصابهم جراح، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم : إنا قافلون غدا، فأعجبهم ذلك، فضحك رسول الله صلى الله عليه و سلم ) رواه البخاري ومسلم.
وتروى كتب السير أن بعض الصحابة أتوا رسول الله وقت الحصار، وقالوا: يا نبي الله، ادعُ الله على ثقيف، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (اللهم اهد ثقيفاً وأت بهم). ثم أذن مؤذن رسول الله بالرحيل، فرحل الجيش وهم يقولون: (آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون). وهكذا عاد المسلمون من غزوة الطائف، منتصرين وإن لم يفتحوا الحصن، منتصرين بإيمانهم، وثباتهم، وصبرهم، إضافة لما حصل من استسلام بعض أهل الطائف وإسلامهم.
ومما يستفاد من هذه الغزوة سرعة استجابة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه و سلم ، فبعد غزوة حنين مباشرة ساروا مع الرسول صلى الله عليه و سلم إلى الطائف لنشر دعوتهم، ومواجهة المعارضين لها، والواقفين في سبيلها. ويستفاد أيضاً ضرورة الأخذ بالوسائل الحربية، والاستراتيجية، والخطط النافعة، كما فعل الرسول صلى الله عليه و سلم ؛ حيث استخدم المنجنيق، وكان أول ما رمى به في الإسلام. ويستفاد أيضاً ضرورة التشاور وخاصة وقت المحن والشدائد، وعدم التفرد باتخاذ القرار، فالرسول صلى الله عليه و سلم شاور في فك الحصار، وذلك لبيان أهمية هذا المبدأ العظيم مبدأ الشورى. وقبل هذا وذاك نستفيد من أحداث هذه الغزوة ما كان عليه الرسول صلى الله عليه و سلم من رحمة وشفقة بالآخرين، ولو لم يكونوا مسلمين، لأن مهمته تتمثل في هداية الآخرين وليس النيل منهم والكيد بهم، وفي دعوته صلى الله عليه و سلم لثقيف - وليس الدعاء عليهم - أبلغ دليل على ما ذكرنا. نسأل الله أن يوفقنا للصواب في أعمالنا وأقوالنا، وأن يجعلنا دعاة حق لدينه، والله الموفق، والحمد لله رب العالمين .
غزوة مؤته
في منتصف السنة الثامنة للهجرة بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم جيشاً مؤلفاً من ثلاثة آلاف مقاتل، للاقتصاص من عمرو بن شرحبيل أمير بصري من قبل الروم لقتله الحارث بن عمير الذي بعثه إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم يدعوه إلى الإسلام، فلما بلغ هذا الجيش أرض مؤته قابلهم الروم والعرب المتنصرة في مائة وخمسين ألفاً، وكان قائد المسلمين زيد بن حارثة فقُتل، فتولى القيادة جعفر بن أبي طالب فقُتل، ثم عبد الله بن رواحة فقُتل، وكان هذا الترتيب بأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم ، وبعد أن استشهد من سماهم النبي صلى الله عليه و سلم اتفق الجيش على تولية خالد بن الوليد، فجعل يخادع الأعداء حتى ألقى الله الرعب في قلوبهم وانصرفوا.
لأنه كلام الله تعالى أوحاه إليه فدل ذلك على نبوته و صدقة في رسالته لأن القرآن معجز بحروفه وكلماته وتراكيبه و معانيه وأخبار الغيوب التي وردت فيه فكانت كما أخبر كما هو معجز بالأحكام الشرعية و القضايا العقلية التي لا قبل للبشر بمثلها مع التحدي القائم إلى اليوم بأن يأتي الإنس والجن متعاونين مثله قال تعالى: ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) من سورة الإسراء و تحدى العرب أرباب الفصاحة والبلاغة والبيان على أن يأتوا بعشر سور مثله فما استطاعوا قال تعالى: ( قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ) و تحداهم بسورة واحدة من مثله فقال: ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله و ادعوا شهدائكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا) نفي لقدرتهم على الإتيان بسورة مثل القرآن في مستقبل الأيام و قد مضى حتى الآن 1421 سنة و لم يستطع الكافرون أن يأتوا بسورة من مثله.
انشقاق القمر
روى أحمد والبخاري و مسلم في صحيحهما أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقين ، قال مطعم: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار فرقتين فرقة على هذا الجبل و فرقة على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد، وأنزل الله تعالى مصداق ذلك : ( اقتربت الساعة وانشقت القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر)
نزول المطر بدعائه
لقد أمحلت البلاد و أصابها قحط شديد فدخل رجل المسجد و رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يخطب فاستقبل الرجل النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله هلكت الأموال و انقطعت السبل فادع الله لنا يغيثنا، فرفع الرسول صلى الله عليه وسلم يديه فقال: ( اللهم اسقنا اللهم اسقنا اللهم اسقنا ) قال أنس: والله ما في السماء من سحاب ولا قرعة و لا شيء وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس فلما الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت والله ما رأينا الشمس ستا ثم دخل الرجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فاستقبله الرجل وقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم هلكت الأموال وانقطعت السبل ادع الله يمسكها فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال: ( اللهم حوالبنا ولا علينا اللهم على الآكام والجبال ومنابت الشجر ) قال أنس : فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس.
فهذه المعجزة هي نزول المطر بدعائه صلى الله عليه وسلم قد كررت مرات عديدة وهي معجزة سماوية كانشقاق القمر لا دخل لغير الله فيها وهي آية نبوته صلى الله عليه وسلم.
نبوع الماء بين أصابعه صلى الله عليه وسلم
ومن معجزات الحبيب صلى الله عليه وسلم الدالة على نبوته وصدق رسالته نبوع الماء من بين أصابعه الشريفة فقد قال أنس بن مالك رضي الله عنه : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحانت صلاة العصر والتمس الناس الوضوء فلم يجدوه فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده في ذلك الإناء وأمر الناس أن يتوضأوا منه فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه فتوضأ الناس حتى توضأوا من عند آخرهم قال قتاده قلت لأنس : كم كنتم؟ قال: زهاء ثلاثمائة رجل.
فهذه معجزة ظاهرة إذ ليس في طوق البشر أن يأتوا بمثلها إذ لم تجر سنة الله في الكون أن الماء ينبع من بين أصابع الإنسان مهما كان إلا أن تكون آية تدل على صدق نبوة من ادعاها فقد كانت هذه آية على نبوته صلى الله عليه وسلم.
فيضان ماء بئر الحديبية
ومن معجزاته صلى الله عليه وسلم أنه لما كان بالحديبية هو و أصحابه سنة ست من الهجرة وكان الحديبية بئر ماء فنزحها أصحابه بالسقي منها حتى لم يبق فيها ما يملأ كأس ماء وكانوا ألفاً وأربعمائة رجل ، وخافوا العطش فشكوا ذلك إليه صلى الله عليه وسلم فجاء فجلس على حافة البئر فدعا بماء فجيء به إليه فتمضمض منه ، ومجّ ما تمضمض به في البئر فما هي إلا لحظات ، وإذا البئر فيها الماء فأخذوا يسقون فسقوا وملأوا أوانيهم وأدوات حمل الماء عندهم وهم كما تقدم ألف وأربعمائة رجل وهم أهل بيعة الرضوان الذين رضي الله عنهم وأنزل فيهم قوله تعالى في سورة الفتح: ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثبتهم فتحاً قريباً).
ففيضان الماء من بئر جافة لا ماء بها حتى سقي منها أهل معسكر بكامله لم يكن إلا آية نبوية صادقة تنطق قائلة: أن صدقوا محمداً فيما جاءكم به ودعاكم إليه فإنه رسول الله إليكم حقاًّ وصدقاً.
قدح لبن روى فئاماً من الناس ببركته صلى الله عليه وسلم
روى البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه القصة التالية: قال: والله إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع ، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع ، ولقد قعدت يوماً على طريقهم الذين يخرجون منه فمرّ أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله عز وجل ما سألته إلا ليستتبعني فلم يفعل ، فمرّ عمر رضي الله عنه فسألته عن آية من كتاب الله عز وجل ما سألته إلا ليستتبعني فلم يفعل ، فمر أبو القاسم صلى الله عليه وسلم فعرف ما في وجهي ، وما في نفسي فقال: " أبا هريرة" قلت له : لبيك يا رسول الله فقال: " الحق" واستأذنت فأذن لي فوجدت لبنًا في قدح ، قال: " من أين لكم هذا اللبن؟" فقالوا: أهداه لنا فلان أو آل فلان قال: " أبا هرّ" ، قلت: لبيك يا رسول الله ، قال: " انطلق إلى أهل الصفة فادعهم لي" قال- أي أبو هريرة – وأهل الصفة أضياف الإسلام لم يأووا إلى أهل ، ولا مال ؛ إذا جاءت رسول الله هدية أصاب منها وبعث إليهم منها ، وإذا جاءته الصدقة أرسل بها إليهم ، ولم يصب منها ، قال أبو هريرة وأحزنني ذلك وكنت أرجو أن أصيب من اللبن شربة أتقوّى بها بقية يومي وليلتي ، وقلت: أنا الرسول فإذا جاء القوم كنت أنا الذي أعطيهم ، وقلت: ما يبقى لي من هذا اللبن؟ ولم يكن من طاعة الله ورسوله بدّ فانطلقت فدعوتهم فأقبلوا واستأذنوا فأذن لهم فأخذوا مجالسهم من البيت ثم قال: " يا أبا هريرة خذ فأعطهم" فأخذت القدح فجعلت أعطيهم فيأخذ الرجل القدح فيشرب حتى يروى ، ثم يرد القدح حتى أتيت على آخرهم ودفعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخذ القدح فوضعه في يده وبقي فيه فضلة ، ثم رفع رأسه ونظر إلي وابتسم ، وقال:" أبا هريرة" فقلت: لبيك رسول الله ، قال: " بقيت أنا وأنت" فقلت: صدقت يا رسول الله قال:" فاقعد فاشرب" قال: فقعدت فشربت ، ثم قال لي:" اشرب" فشربت فما زال يقول لي: اشرب فأشرب حتى قلت: لا ، والذي بعثك بالحق ما أجد له فيّ مسلكًا ، قال:" ناولني القدح" فرددته إليه فشرب من الفضلة.
وهكذا تتجلى هذه المعجزة وهي آية النبوة المحمدية ؛ إذ قدح لبن لا يروي ولا يشبع جماعة من الناس كلهم جياع بحال من الأحوال ، فكيف أرواهم وأشبعهم؟ إنها المعجزة النبوية! وآية أخرى للكمال المحمدي أن يكون صلى الله عليه وسلم هو آخر من يشرب من ذلك القدح الذي شرب جماعة من الناس.
امتلاء عكة سمن بعد فراغها
روى الحافظ أبو يعلى عن أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: كانت لأمي أم سليم شاة فجمعت من سمنها في عكة فملأت العكة ثم بعثت بها ربيبة فقالت: يا ربيبة أبلغي هذه العكة رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتدم بها فانطلقت بها ربيبة حتى أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله هذه عكة سمن بعثت بها إليك أم سليم قال: أفرغوا لها عكتها فأفرغت العكة و دفعت إليها قالت: فانطلقت بها و جئت و أم سليم ليست في البيت فعلقت العكة على وتد فجاءت أم سليم فرأت العكة ممتلئة تقطر فقالت: يا ربيبة أليس أمرتك أن تنطلقي بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت : بلى قد فعلت فإن لم تصدقيني فانطلقي فسلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلقت و معها ربيبة فقالت يا رسول الله إني بعثت معها إليك بعكة فيها سمن قال: قد فعلت قد جاءت قالت: والذي بعثك بالحق و دين الحق إنها لممتلئة تقطر سمناً. قال أنس: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أم سليم أتعجبين إن كان الله أطعمك كما أطعمت نبيه كلي و أطعمي. فجئت إلى البيت فقسمت في قعب لنا و كذا و كذا و تركت فيها ما ائتدمنا به شهرا أو شهرين.
فهذه إحدى المعجزات المحمدية إذ ليس مما جرت به سنة الله في الخلق أن يمتلئ الإناء بعد إفراغه
الطعام القليل يشبع العدد الكثير
روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قوله: قال أ[و طلحة لأم سليم: لقد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفاً أعرف فيه الجوع فهل عندك من شيء؟ قالت: نعم فأخرجت أقراصاً من شعير ثم أخرجت خماراً لها فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت يدي ولاثتني ببعضه ثم أرسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فذهبت به فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد و معه الناس فقمت عليهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرسلك أبو طلحة.؟ فقلت : نعم قال: بطعام؟ قلت: نعم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن معه: قوموا. فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته فقال أبو طلحة: يا أم سليم قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس وليس عندنا ما نطعمهم فقالت: الله ورسوله أعلم. فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله عليه وسلم فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة معه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هلم يا أم سليم ما عندك. فأتت بذلك الخبز فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ففت وعصرت أم سليم عكة فآدمته ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ء أن يقول ثم قال: ائذن لعشرة فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال: ائذن لعشرة فأكل القوم كلهم والقوم سبعون أو ثمانون رجلاً.
أليست هذه من أعظم المعجزات؟ بل و ربي إنها لمن أعظم المعجزات إن أقراصا عدة حملها غلام تحت ابطه يطعم منها ثمانون رجلا ويشبع كل واحد منهم شبعا لا مزيد عليه ان لم تكن هذه معجزة فما هي المعجزات يا ترى؟
توفية دين جابر الذي استغرق كل ماله
روى البخاري رحمه الله تعالى في دلائل النبوة المحمدية قصة جابر:
فقال: حدثنا أبو نعيم وساق السند إلى جابر بن عبدالله بن عمرو بن حرام رضي الله عنه فقال: إن أبي توفى و عليه دين فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: إن أبي ترك دينا وليس عندي الا ما يخرج نخلة ولا يبلغ ما يخرج سنين ما عليه فانطلق معي لكيلا يفحش علي الغرماء فمشى حول بيدر من بيادر التمر فدعا ثم آخر ثم جلس عليه قال: انزعوه فأوفاهم الذي لهم وبقي مثل ما أعطاهم. وهكذا بعد أن كان الدين قد استغرق كل التمر ولسنين عدة أيضا وفي التمر الموجود كل الديون وبقي التمر في البيادر مثل ما سددت به الديون الكثيرة وذلك ببركة وجود الرسول الله صلى الله عليه وسلم بين البيادر ودعائه بالبركة فيها فباركها الله عزو جل فوفت الديون وزادت فكانت هذه آية النبوة و معجزة ظاهرة .
انقياد الشجر له صلى الله عليه وسلم
روى مسلم بسنده عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: سرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلنا واديا أفيح فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته فأتبعته بإداوة فيها ماء، فنظر فلم ير شيئا يستتر به و إذ شجرتان بشاطئ الوادي فانطلق إلى أحدهما فأخذ ببعض من أغصانها وقال: انقادي علي بإذن الله. فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده حتى إذا كان بالمنتصف فيما بينهما لاءم بينهما أي جمعهما، وقال: التئما علي بإذن الله . فالتأمتا قال جابر: فخرجت أحضر مخافة أن يحس بقربي منه فيبعد فجلست أحدث نفسي فحانت مني إلتفاتة فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه وسلم مقبل وإذا الشجرتان قد افترقتا وقامت كل واحدة منهما على ساق .
فهذه إحدى المعجزات الخارقة للعادة التي لا تكون إلا لنبي من الأنبياء
تكثير الطعام
إن معجزة تكثير الطعام والشراب قد تكررت فبلغت عشرات المرات وفي ظروف مختلفة و مناسبات عديدة فقد قال أبو هريرة رضي الله عنه : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها " وهي غزوة تبوك " فأرمل فيها المسلمون و احتاجوا إلى الطعام فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في نحر إبلهم تحملهم و تبلغهم علوهم ينحرونها؟ ادع يا رسول الله بغبرات الزاد فادع الله فيها بالبركة، قال: "أجل" ، فدعا بغبرات الزاد فجاء الناس بما بقي معهم فجمعت ثم دعا الله فيها بالبركة و دعاهم بأوعيتهم فملأوها و فضل كثير. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: أشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أني عبدالله ورسوله ومن لقي الله عزوجل بها غير شاك دخل الجنة.
فهذه معجزة ظاهرة في تكثير الطعام القليل حتى أصبح كثيرا.
حنين الجذع شوقاً إليه صلى الله عليه وسلم
فقد روى أحمد رحمه الله عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إلى جذع نخلة فقالت امرأة من الأنصار وكان لها غلام نجار: يا رسول الله إن لي غلاماً نجارًا أفآمره أن يتخذ لك منبرًا تخطب عليه؟ قال: "بلى"، فاتخذ له منبرًا فلما كان يوم الجمعة خطب صلى الله عليه وسلم على المنبر فأنّ الجذع الذي كان يقوم عليه كما يئنّ الصبي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن هذا بكى لما فقد من الذكر". وفي رواية البخاري فصاحت النخلة " جذع النخلة" صياح الصبي ، ثم نزل صلى الله عليه وسلم فضمه إليه يئن أنين الصبي الذي يسكن ، قال: " كانت تبكي "النخلة" على ما كانت تسمع من الذكر عندها".
فحنين الجذع شوقا على سماع الذكر و تألما لفراق الحبيب الذي كان يخطب إليه واقفا عليه وهو جماد لا روح له ولا عقل في ظاهر الأمر ، وحسب علم الناس بالجمادات آية من أعظم الآيات الدالة على مثلها على نبوة الحبيب صلى الله عليه وسلم وصدق رسالته وهي معجزة كبرى على مثلها امن البشر لعجزهم على الإتيان بمثلها.
تسبيح الحصى في يديه وسلام الشجر عليه
روى الحافظ أبو بكر البيهقي رحمه الله تعالى عن سويد بن يزيد السلمي قال: سمعت أبا ذر الغفاري رضي الله عنه يقول: لا اذكر عثمان إلا بخير بعد شيء رايته، وبين ذلك الخبر الذي رآه فقال: كنت رجلاً اتبع خلوات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرايته يوما جالسا وحده فاغتنمت خلوته فجئت حتى جلست إليه ، فجاء ابو بكر فسلم عليه ثم جلس عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء عمر فسلم و جلس عن يمين أبي بكر ، ثم جاء عثمان فسلم ثم جلس عن يمين عمر، وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع حصيات فأخذهن في كفه فسبّحن حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النخل ثم وضعهن فخرسن أي ي\سكتن ، ثم أخذهن فوضعهن في كف أبي بكر فسبحن حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النخل ، ثم وضعهن فخرسن ، ثم تناولهن فوضعهن في يد عمر فسبّحن حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النخل ، ثم وضعهن فخرسن ثم تناولهن فوضعهن في يد عثمان فسبّحن حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النخل ، ثم وضعهن فخرسن. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " هذه خلافة النبوّة".فهذه المعجزة ذات شطرين الأول تسبيح الحصى في أيدي الراشدين والثاني الخلافة فعلاً قد انحصرت في الصديق والفاروق وذي النورين ، ثم اضطربت.
سلام الحجر عليه صلى الله عليه وسلم
فقد روى مسلم وأحمد بسنده عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلّم عليّ قبل أن أبعث ، إني لأعرفه الآن". فسلام الحجر وهو جماد أمر خارق للعادة ، معجز للبشر أن يأتوا بمثله ، فلذا هو آية النبوة المحمدية ومعجزة من معجزات الحبيب صلى الله عليه وسلم.
سجود البعير له صلى الله عليه وسلم وشكواه إليه
روى النسائي وأحمد بسندهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه : كان أهل بيت من الأنصار لهم جمل يسنون عليه ، وانه استصعب عليهم فمنعهم ظهره ، وأن الأنصار جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا إنه كان لنا حمل نسني عليه ، وإنه استصعب علينا ومنعنا ظهره وقد عطش الزرع والنخل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: " قوموا" فقاموا فدخل الحائط. والجمل في ناحية ، فمشى النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، فقال الأنصار: انه صار مثل الكلب، وإنا نخاف عليك صولته، فقال: " ليس عليّ منه بأس" ، فلما نظر الجمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اقبل نحوه حتى خرّ ساجداً بين يديه، فاخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بناصيته أذل ما كانت قص حتى أدخله في العمل. فقال له أصحابه: يا رسول الله هذه بهيمة لا تعقل تسجد لك ونحن أحق أن نسجد لك، فقال:" لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر ، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأموت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها".
كما روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوماً مع بعض أصحابه حائطا من حيطان الأنصار ، فإذا جمل قد أتاه فجرجر وذرفت عيناه ، فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم سراته وذفراه فسكن ، فقال صلى الله عليه وسلم: " من صاحب الجمل؟" فجاء فتى من الأنصار قال: هو لي يا رسول الله ، فقال له صلى الله عليه وسلم:" أما تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكها الله لك إنه شكا إليّ انك تجيعه وتدئبه" أـي تواصل العمل عليه بدون انقطاع.
أليست هذه آية من آيات النبوة ومعجزة من عظيم معجزاتها؟ بلى. ولذا كان الكفر بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم من أقبح الكفر وأسوأه، ولا يكون إلا من جهل كامل ، أو حسد قاتل ، أو خوف فوات منافع مادية طائلة ، كما كان شان الجهال من الأمم والشعوب وحسد اليهود ، وخوف رجال الكنيسة من زوال سلطانهم الروحي ، وما يترتب عليه من فقدانهم المال والرئاسة الروحية على الشعوب المسيحية.
شهادة الذئب برسالته صلى الله عليه وسلم
فقد روى أحمد رحمه الله تعالى في مسنده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: عدا الذئب على شاة فأخذها ، فطلبها الراعي فانتزعها منه، فأقعى الذئب على ذنبه فقال: ألا تتقي الله، تنزع مني رزقًا ساقه الله إليّ؟! فقال: يا عجبي ذئب يكلمني كلام الإنس! فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك؟ محمد بشر يخبر الناس بأنباء ما قد سبق. قال: فاقبل الراعي يسوق غنمه حتى دخل المدينة فزواها إلى زاوية من زواياها ، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخبره. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم فنودي: الصلاة جامعة ، ثم خرج فقال للراعي :" اخبرهم" فاخبرهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" صدق والذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى يكلم السباع الإنس، ويكلم الرجل عذبة سوطه، وشراك نعله، ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده".
توقير الوحش له صلى الله عليه وسلم واحترامه
فقد روى أحمد بسنده عن مجاهد قال: قالت عائشة رضي الله عنها: كان لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم وحش فإذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لعب واشتدّ وأقبل وأدبر ، فإذا أحس برسول الله صلى الله عليه وسلم قد دخل ربض فلم يترمرم أس لم يتحرك ما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيت كراهية أن يؤذيه بحركاته. فكون الحيوان الوحشي يسكن فلا يتحرك مدة ما هو صلى الله عليه وسلم في البيت ، وإذا خرج لعب فأقبل وأدبر كعادة الحيوان في ذلك آية من آيات النبوة المحمدية ومعجزة؛ إذ مثل هذا لا يقع لغير النبي صلى الله عليه وسلم. وإن قال قائل: ان الانسان في إمكانه تربية الحيوان على سلوك معين قلنا هناك فرق بين التربية وبين عدمها، فالرسول صلى الله عليه وسلم ما كان ربّى هذا الحيوان ولا كان له به أدنى صلة، وإنما الحيوان ألهم احترام النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره، فكان إذا أحس بدخول الرسول البيت سكن وربض وترك الترمرم، وإذا خرج صلى الله عليه وسلم من البيت لعب فاقبل وأدبر حسب فطرته التي فطره الله تعالى عليها ، فكان سلوكه الخاص آية من آيات النبوة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية والتسليم.
احترام الأسد لمولاه صلى الله عليه وسلم
فقد روى عبد الرزاق صاحب "المصنف" أن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطأ الجيش بأرض الروم ، أو أسر في أرض الروم، فانطلق هاربا يلتمس الجيش فإذا هو بأسد فقال له: يا أبا الحارث "كنية الأسد" إني مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من أمري كيت وكيت فأقبل الأسد يبصبصه حتى قام إلى جنبه لم يزل كذلك حتى أبلغه الجيش ، ثم همهم ساعة ، قال: فرأيت أنه يودع ثم رجع عني وتركني.
فهذه وان كانت كرامة لسفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنها معجزة نبوية؛ إذ الأسد ألان جانبيه ورقّ لسفينة وماشاه حتى وصل به إلى الجيش بعد أن قال له يا أبا الحارث إني فلان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان ما فعله الأسد من احترام سفينة من أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلذا عدت هذه من المعجزات المحمدية.
نطق الغزالة ووفاؤها له صلى الله عليه وسلم
فقد روى أبو نعيم الأصبهاني في كتابه دلائل النبوة قصة الغزالة هذه، فقال: عن ثابت البناني عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: مرّ النبي صلى الله عليه وسلم على قوم قد اصطادوا ظبية فشدوها على عمود فسطاط، فقالت: يا رسول الله إني أخذت ولي خشفان فاستأذن لي أرضعهما وأعود إليهم ، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم " أين صاحب هذه؟" فقال القوم: نحن يا رسول الله قال : " خلوا عنها حتى تأتي خشفيها ترضعها وترجع إليكم" فقالوا: من لنا بذلك؟ قال: " أنا" فأطلقوها فذهبت فأرضعت خشفيها ثم رجعت إليهم ، فأوثقوها فمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " أين صاحب هذه" فقالوا: هذا يا رسول الله، فقال: " تبيعونها؟" فقالوا: هي لك يا رسول الله فقال:" فخلوا عنها" فأطلقوها فذهبت.
فنطق الغزالة ووفاؤها له صلى الله عليه وسلم آية من آيات النبوة المحمدية ومعجزة من معجزاته الموجبة للإيمان به وطاعته ومحبته صلى الله عليه وسلم.
خروج الجن من الصبي بدعائه صلى الله عليه وسلم
فقد قال أحمد رحمه الله تعالى وساق سنده إلى ابن عباس رضي الله عنه قال: إن امرأة جاءت بولدها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن به لمما، وانه يأخذه عند طعامنا فيفسد علينا طعامنا، قال: فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره ودعا له فثعّ ثعّة فخرج منه مثل الجرو الأسود يسعى.
شفاء الضرير بدعائه صلى الله عليه وسلم
فقد روى أحمد بسنده عن عثمان بن حنيف: أن رجلاً ضريراً أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ادع الله أن يعافيني فقال: " إن شيءت أخّرت ذلك فهو أفضل لآخرتك ، وان شيءت دعوت لك" قال: لا ، بل ادع الله لي، قال: فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين، وأن يدعو بهذا الدعاء: " اللهم إني أسألك وأتـوجه إليك بنبيك محمد نبّي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك في حاجتي هذه فتقضى، اللهم شفعه في" ففعل الرجل فبرأ.
شفاء علي رضي الله عنه بتفاله صلى الله عليه وسلم
ففي الصحيح: قال صلى الله عليه وسلم في غزو خيبر:" لأعطين الراية غدا رجلاً يحب الله ورسوله يفتح الله علي يده. فما أصبحوا نادى علياً فقالوا: مريض يا رسول الله يشكو عينه، فقال: ائتوني به. فأتي به فنفث في عينه بقليل من ريقه صلى الله عليه وسلم فبرأ لتوه ولم يمرض بعينه بعد ذلك قط.
ردّ عين قتادة بعد تدليها
إذ في أحد أصيب قتادة بن النعمان في عينه حتى سقطت وتدلت على وجنته فردها صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة فبرئت على الفور ، وكانت أحسن من قبل.
شفاء الصبي بفضل سؤره صلى الله عليه وسلم
روى ابن أبي شيبة أن امرأة من خثعم أتت النبي صلى الله عليه وسلم بصبي به بلاء لا يتكلم ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فمضمض فاه، وغسل يديه، ثم أعطاها إياه وأمرها بسقيه ومسحه به، ففعلت فبرئ الولد وعقل عقلاً يفضل له عقول الناس.
تحول جذل الحطب سيفاً
لقد انكسر سيف عكاشة بن محصن يوم بدر فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم جذل الحطب فقال له: "اضرب به" فانقلب في يده سيفاً صارمًا طويلاً ابيض شديد المتن، فقاتل به، ثم لم يزل عنده يشهد به المواقف إلى أن استشهد عكاشة في قتال أهل الردة.
صدق إخباره بالغيب
فقد روى أبو داود في أم ورقة بنت نوفل، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما غزا بدراً قالت له: يا رسول الله ائذن لي في الغزو معك أمرض مرضاكم لعل الله أن يرزقني الشهادة فقال لها: " قري في بيتك فإن الله يرزقك الشهادة" فكانت تسمى الشهيدة وكانت قد قرأت القرآن فاستأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تتخذ في بيتها مؤذنا يؤذن لها وكانت قد دبرت غلاما لها وجارية فقاما إليها بالليل فغماها في قطيعة لها حتى ماتت و ذهبا فأصبح عمر فطلبهما فجئ بهما فصلبهما عمر رضي الله عنه فكان أو ل من صلب بالمدينة.
ومن آيات نبوته صدق إخباره الغيب
أول خبر: قوله في الحسن رضي الله عنه: إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين. فكان الأمر كما أخبر صلى الله عليه وسلم فقد أصلح به بين من كان مع الحسن وبين من كان مع معاوية
ثاني خبر: قوله صلى الله عليه وسلم : اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان . فكان كما أخبر صلى الله عليه وسلم فمات أبو بكر بمرض أصابه و قتل عمر في المحراب شهيداً و قتل عثمان في داره شهيداً فرضي الله عنهم أجمعين.
ثالث خبر: قوله صلى الله عليه وسلم لسراقة بن مالك و قد خرج في ملاحقته صلى الله عليه وسلم يوم هجرته حيث أعطت قريش جولئز لمن يأتيها بمحمد صلى الله عليه وسلم قال له و قد ساخت قوائم فرسه في الأرض مرتين : كيف بك إذا ألبست سواري كسرى؟. فلما أتى بهما عمر بن الخطاب رضي الله عنه ألبسهما إياه وقال: الحمدلله الذي سلبهما كسرى وألبسهما سراقة. فهذا غيب محض وقد تم كما أخبر عنه صلى الله عليه وسلم.
رابع خبر: قوله صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان دعواهما واحدة . وقد وقع هذا كما أخبر فقد اقتتل علي و معاوية رضي الله عنهما بجيشيهما في صفين و دعواهما واحدة فكان كما أخبر صلى الله عليه وسلم.
خامس خبر: قوله صلى الله عليه وسلم إن هذا قبر أبي رغال و إن معه غصنا من ذهب. فحفروه فوجدوه كما أخبر صلى الله عليه وسلم و ذلك حين كان ذاهبا الى الطائف فكان كما أخبر صلى الله عليه وسلم.
سادس خبر: قوله صلى الله عليه وسلم لخباب بن الأرت وقد جاء يشكو إليه ما يلقى المؤمنون من كفار قريش يطلب منه أن يستنصر بالله تعالى لهم، قال له وقد احمر وجهه أو تغير لونه صلى الله عليه وسلم: لقد كان من قبلكم تحفر له الحفرة و يجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق نصفين ما يصرفه ذلك عن دينه وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء إلى حضرموت ما يخشى إلا الله والذئب على غنمه. وقد تم هذا الأمر كما أخبر صلى الله عليه وسلم.
سابع خبر: قوله صلى الله عليه وسلم : منعت العراق درهمها و قفيزها و منعت الشام مدها و دينارها و منعت مصر أردبها و دينارها وعدتم من حيث بدأتم. فهذا الخبر قد وقع كما أخبر صلى الله عليه وسلم فقد منعت العراق والشام و مصر ما كانوا يؤدونه إلى أهل الحجاز من خراج وغيره و عاد أهل الحجاز كما بدأوا فمسهم الجوع ونالهم التعب بعد ما أصابهم من رغد العيش وسعة الرزق.
ثامن خبر: قوله صلى الله عليه وسلم: الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم يؤتي الله ملكه من يشاء. فهذا الخبر من أنباء الغيب إذ كانت خلافة أبي بكر سنتين و أربعة أشهر إلا عشر ليال، و كانت خلافة عمر عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام، وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يوماً وكانت خلافة علي خمس سنوات إلا شهرين و تكميل الثلاثين بخلافة الحسن بن علي إذ كانت نحو من ستة أشهر ثم نزل عليها لمعاوية عام أربعين للهجرة مصداق لقوله صلى الله عليه وسلم " ان ابني هذا سيد و سيصلح الله به بين فئتين.
تاسع خبر: قوله صلى الله عليه وسلم في عثمان رضي الله عنه: افتح له و بشره بالجنة على بلوى تصيبه. و ذلك في حديث نصه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل حائطاً ( بستاناً) فدلى رجليه في القف فقال أبو موسى وكان معه : لأكونن اليوم بواب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست خلف الباب فجاء رجل فقال : افتح فقلت : من أنت ؟ قال أبو بكر. فأخبرت الرسول صلى الله عليه وسلم: فقال : افتح له وبشره بالجنة. ثم جاء عمر فقال كذلك ثم جاء عثمان فقال: ائذن له و بشره بالجنة على بلوى تصيبه .
عاشر خبر: قوله صلى الله عليه وسلم لنسائه: كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب. وكان ذلك فقد خرجت عائشة رضي الله عنها تريد الصلح بين علي ومعاوية رضي الله عنهما في وقعة الجمل فلما بلغت مياه بني عامر ليلاً نبحت الكلاب فقالت رضي الله عنها: أي ماء هذا؟ فقالوا : ماء الحوأب فقالت : ما أظنني إلا راجعة، قال بعض من كان معها: بل تقدمين فيراك المسلمون فيصلح الله ذات بينهم قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا ذات يوم : " كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب." فهذا الخبر الصادق قد وقع كما أخبر به قبل وقوعه بكذا سنة.
ثاني عشر خبر: قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أحمد عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لغلي حين ولى غزوة العشيرة: يا أبا تراب ألا أحدثك بأشقى الناس؟ قلنا : بلى يا رسول الله قال: أحيمر ثمود الذي عقر الناقة و الذي يضربك يا علي على هذه – يعني قرنه- حتى يبل – اي بالدم –هذه – اي لحيته". فكان كما اخبر صلى الله عليه وسلم فقد ضرب عبدالرحمن بن ملجم أحد الخوارج عليا رضي الله عنه بالكوفة فقتله على نحو ما أخبر به صلى الله عليه وسلم.
ثالث عشر خبر: قوله صلى الله عليه وسلم: سيكون في هذه الأمة بعث إلى السند والهند. فكان كما أخبر فقد حدث أبو هريرة رضي الله عنه فقال: حدثني خليلي الصادق المصدوق رسول الله صلى الله عليه وسلم " يكون في هذه الأمة بعث إلى السند والهند" فإن أدركته فاستشهدت فذاك، وإن أنا رجعت فأنا أبو هريرة المحدث قد أعتقني من النار. فهذا الخبر وقع فقد غزا المسلمون الهند أيام معاوية سنة اربع واربعون .
رابع عشر خبر: قوله صلى الله عليه وسلم في سهيل بن عمرو ففي يوم صلح الحديبية غضب عمر رضي الله عنه من تعنت سهيل وكان ممثلا لقريش يومئذ فقال له صلى الله عليه وسلم: عسى أن يقوم مقاماً يسرك يا عمر. وكان الأمر كما أخبر صلى الله عليه وسلم إذ مات الرسول الكريم فاضطربت البلاد ونجم الكفر ووقف سهيل بن عمرو بباب الكعبة بمكة فخطب فثبت أهل مكة وقوي بصائرهم فحفظهم الله من الردة بسببه وهو موقف سر به عمر والمؤمنون.
خامس عشر خبر: قوله صلى الله عليه وسلم ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة في الجنة. و سئل عنها: فقال: هم الذين يكونون على ما أنا عليه اليوم وأصحابي. وقال: إنها ستكون أنماط و يغدو أحدهم في حلة و يروح في أخرى و توضع بين يديه صحفة و ترفع أخرى و يسترون بيوتهم كما تستر الكعبة. وقال: أنتم اليوم خير منكم يومئذ و إنهم إذا مشوا المطيطاء و خدمتهم بنات فارس و الروم رد الله بأسهم بينهم وسلط شرارهم على خيارهم.
فهذا القول النبوي الشريف الجزء الاول منه كما أخبر حيث بلغت فرق هذه الامة ثلاث وسبعين فرقة كما اخبر و الجزء الثاني وهو قوله انها ستكون فقد صح واقعا فقد بسط الله الرزق على الامة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم فكان كما أخبر صلى الله عليه وسلم .
إخوةَ الإيمان، إن الاسراء والمعراج من معجزاتِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
أما الاسراء فثبَتَ بنصِّ القرءانِ والحديثِ الصحيحِ، فيجبُ الايمانُ بأنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَسرى الله بهِ ليلاً من مكَّةَ الى المسجدِ الأقصى.
وقد جاء في تفسيرِ الآيةِ {سُبْحَانَ الَّذِي أَسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً} السَّبْحُ في اللُّغَةِ التَّباعُدُ ومعنى سَبِّح اللهَ تعالى أي بَعِّدْهُ ونزِّهْهُ عمّا لا ينبغي.
وقوله {بِعَبْدِهِ} أي بمحمَّد.
ونِسبةُ النبيِّ الى ربِّه بوصفِ العبوديّة غايةُ الشَرفِ للرسولِ لأنَّ عِبَادَ اللهِ كثير فَلِمَ خَصَّهُ في هذهِ الآيةِ بالذكّرِ؟ ذلك لتخصيصهِ بالشَّرفِ الأعظم.
وقولُهُ تعالى {لَيْلاً} إنَما قال {لَيْلاً} مع أنَّ الإسراء لا يكونُ إلا في الليل لأنه أراد به تأكيد تقليلِ مدةِ الاسراءِ فإنَّهُ أُسريَ بهِ في بعضِ الليلِ من مكةَ الى الشام.
وقولُهُ تعالى {مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى} إنّما سُمّيَ المسجدَ الحرامَ لحُرمَتِهِ أي لشَرَفِهِ على سائرِ المساجدِ لأنَّه خُصَّ بأحكامٍ ليسَتْ لغيره.
وقولُهُ تعالى {الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} قيلَ لأنّه مَقَرُّ الأنبياءِ ومَهبِطُ الملائكةِ، لذلكَ قالَ ابراهيمُ عليهِ السلام {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} أي إلى حيثُ وجَّهنِي ربِّي أي إلى بَرِّ الشامِ لأنهُ عَرَفَ بتعريفِ اللهِ إياه أنَّ الشامَ مَهْبِطُ الرَّحماتِ وأنَّ أكثرَ الوحْيِ يكونُ بالشامِ وأنَّ أكثرَ الأنبياءِ كانُوا بها.
قال تعالى {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا} أي ما رأى تلكَ الليلةَ من العجائبِ والآياتِ التي تَدُلُّ على قدرةِ الله.
الاسراء والمعراج
إخوة الإيمان، لقد أجمعَ أهلُ الحقِّ على أنَّ الاسراء كان بالروحِ والجَسَدِ وفي اليقظةِ ومن أنكرهُ فقد كذّبَ القرءان.
وقد كانت تلكَ المعجزةُ العظيمةُ في السنةِ الخامِسَةِ قبلَ الهجرةِ فقد جاءَهُ جبريلُ ليلاً إلى مكَّةَ وهو نائمٌ ففتَحَ سَقْفَ بيتِهِ ولم يهبِطْ عليهِم لا ترابٌ ولا حجرٌ ولا شىءٌ وكان النبيُّ حينَها في بيتِ بنتِ عمّه أمّ هانىءٍ بنتِ أبي طالبٍ أختِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ في حيّ اسمه أجياد، كان هو وعَمّه حمزةُ وجعفرُ بنُ أبي طالب نائمين والرسولُ كانَ نائماً بينهما فأيقظَهُ جبريلُ ثم أركبَهُ على البُراقِ خلفَهُ وانطلقَ بهِ والبُراقٌ دابةٌ من دوابِّ الجنّةِ وهو أبيضٌ طويلٌ يضَعُ حافِرَهُ حيثُ يَصِلُ نظرُهُ ولما يأتي على ارتفاعٍ تطولُ رجلاهُ ولما يأتي على انخفاضٍ تقصُرُ رجلاه، وانطلقَ بهِ البُراقُ حتى وصلا عندَ الكعبةِ حيثُ شُقَّ صدرُه من غيرِ أن يُحِسَّ بألم ثم أُعيد كما كان وذلك بعد أن غُسِلَ قَلبه وملىء ايماناً وحكمة وكل هذا إعداداً للأمر العظيم الذي يسقبله ثم انطلقا حتى وصلا إلى أرضِ المدينةِ فقالَ له جبريلُ " انزِل " فنزل فقالَ له "صلِّ ركعتينِ" فَصَلّى ركعتين، ثم انطلَقَ فوصَلَ بهِ الى بَلَدٍ اسمُها مَدْيَن وهي بلدُ نبيِ اللهِ شُعَيب فقال له انزِل فَصَلِّ ركعتينِ ففعَلَ ثم مثل ذلِكَ فَعَلَ في بيتِ لحمٍ حيث وُلِدَ عيسَى ابنُ مريمَ عليهِ السلام.
ثم أتى بيتَ المقدِسِ فربَطَ البُراقَ بالحَلَقَةِ التي يَرْبِطُ بها الأنبياءُ ثم دخلَ المسجدَ الأقصى فصلَّى فيهِ ركعتين.
وصلّى بالأنبياء إماماً، الله جمَعَهم له هُناك كلّهم تشريفاً له، ولما خرج جاءهُ جبريلُ عليه السلام بإناءٍ من خمرِ الجنةِ لا يُسكِرُ وإناءٍ من لبَنٍ فاختَارَ النبيُ اللبنَ فقال لهُ جبريل "اخترتَ الفِطرةَ " أي تمسَّكْتَ بالدين.
ومن عجائبِ ما رأى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في الاسراء ما رواه الطبراني والبزّارُ من أنّهُ رأى المجاهدينَ في سبيلِ اللهِ وكيف كان حالهم ورأى تاركي الصلاة وكيف كان حالُهم والذين لا يُؤدونَ الزكاةَ وكيف كانَ حالُهم والزُناةَ وكيف كان حالُهم والذين لا يؤدّون الأمانة وكيف كان حالُهم وخطباءَ الفتنةِ وقد رءاهم تُقَصُّ ألسنتهم بمِقَصَّاتٍ من نارٍ وما أكثرَهم في أيّامنا هذه.
ورأى الذين يتكلمونَ بالكلمةِ الفاسدةِ وما أكثرَهم في أيّامنا هذه، ورأى ابليسَ ورأى الدنيا بصورةِ عجوزٍ.
ورأى ءاكلي الّربا وكيفَ كان حالُهم ورأى ءاكلي أموالِ اليتامى وكيف كان حالُهم ورأى شاربي الخَمْرِ وكيف كان حالُهم، والذين يمشُونَ بالغيبةِ وكيف كان حالُهم ثم شمَّ رائحةً طيبةً من قبرِ ماشطةَ بنتِ فِرعون وكانت مؤمنةً صالحةً وجاء في قصتها أنها بينما كانت تمشِطُ رأس بنتِ فِرعون سَقَطَ المِشْطُ من يدِها فقال " بسم الله " فسألَتْها بنتُ فرعون " أو لكِ رَبٌّ إلهٌ غيرُ أبي " فقالتِ الماشِطَةُ " ربي وربُّ أبيك هو الله " فقالت "أأُخبرُ أبي بذلِك " قالت " أخبريهِ " فأخبرتُهُ فطلبَ منها الرُّجُوعَ عن دِينها فأبتْ فحمَّى لها ماءً حتّى صارَ شديدَ الحرارةِ مُتَنَاهياً في الحرارةِ فألقى فيهِ أولادَها واحداً بعد واحدٍ ثم لما جاءَ الدورُ إلى طفلٍ كانت تُرضِعُهُ تقاعَسَتْ أي صار فيها كأنها تتراجَعُ ازدادَ خوفُها وانزعاجُها وقلقُها فأنطق اللهُ تعالى الرضيعَ فقال " يا أمّاهُ اصبري فإنَّ عذابَ الآخرةِ أشدُّ من عذابِ الدنيا فلا تتقاعسي فإنّكِ على الحقِّ ".
فتجالَدَتْ فرمَى الطِفْلَ فقالتْ لفرعون "لي عندك طلب أن تجمعَ العظامَ وتدفِنَها " فقالَ " لكِ ذلِكَ " ثم ألقاها فيه.
ثم نُصِبَ المعراج والمعراج مِرقاة شِبْهُ السُّلَّم درجةٌ من ذهبٍ والأخرى من فضّةٍ وهكذا فَعَرجَ بها النبيُ إلى السماء وأما المعراجُ فقد ثبت بنصِّ الأحاديثِ وأما القُرءانُ فلم ينُصَّ عليه نصَّاً صريحاً لا يحتمل تأويلاً لكنّه وردَ فيه ما يكادُ يكونُ صريحاً وهو قولُهُ تعالى { وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} (سورة النجم/14-15-16).
ثم صَعِدَ به جبريلُ حتى انتهيَا الى السماءِ الأُولى، وفي السماءِ الأولى رأى ءادَمَ وفي الثانيةِ رأى عيسى ويحيى وفي الثالثةِ رأى يوسُفَ.
قال عليه الصلاةُ والسلامُ " وكان يوسُفُ أُعْطِيَ شَطْرَ الحُسْنِ " يعني نِصْفَ جَمَالِ البشَرِ الذي وُزِّعَ بينهم وفي السادسةِ رأى موسى وفي السابِعَةِ رأى ابراهيمَ وكانَ أشْبَهَ الأنبياءِ بسيدنا محمد من حيث الخِلْقَةُ ورءاهُ مُسْنِداً ظهرَهُ إلى البيتِ المعمُورِ الذي يدخُلُه كُلَّ يومٍ سبعُونَ ألفَ مَلَكٍ ثم لا يعُودونَ إليهِ.
ثم ذُهِبَ برسولِ اللهِ إلى سِدْرَةِ المُنْتَهَى وهي شجرةٌ عظيمةٌ وبها من الحُسْنِ ما لا يستطيعُ أحدٌ من خَلْقِ اللهِ أن يَصِفَهُ وجَدَهَا يغشاها فَراشٌ من ذَهبٍ وأوراقُها كآذانِ الفيلَةِ وثِمارُها كالقِلالِ والقِلالُ جمْعُ قُلَّة وهي الجَرَّةُ وهذه الشجرةُ أصلُها في السماء السادسةِ وتمتدُ إلى السابعةِ ثم سارَ سيدُنا محمد وحدَهُ حتى وصَلَ إلى مكانٍ يسمَعُ فيهِ صريفَ الأقلامِ التي تنسَخُ بها الملائكةُ في صُحًفِهَا من اللوحِ المحفوظِ ثم هُناكَ أزالَ اللهُ عنْهُ الحِجَابَ الذي يَمنعُ من سَماعِ كلامِ اللهِ الذي ليسَ حرفاً ولا صوتاً، أسمَعَهُ كلامَهُ.
ثم هناك أيضاً أزَالَ عن قلبِهِ الحجابِ فرأى اللهَ تعالى بقلبِهِ أي جَعَلَ اللهُ له قوَّةَ الرُؤيةِ والنظَرِ بقلبه، فرأى اللهَ بقلبهِ ولم يَرَهُ بعينَيْ رأسِهِ لأنَّ اللهَ لا يُرَى بالعينِ الفانِيَةِ في الدنيا وإنما يُرى بالعينِ الباقيةِ في الآخرةِ كما نصَّ على ذلك الإمامُ مالِكٌ رضي اللهُ عنه.
ولو كان يراهُ أحدٌ بالعينِ في الدنيا كان رءاه سيدُنا محمد، لذلك قال عليهِ الصلاةُ والسلامُ: "واعلَمُوا أنَّكُم لن تَرَوا ربَّكُم حتّى تموتوا ".
ثم إنّ نبينا لما رجَعَ من ذلِكَ المكانِ كان من جملةِ ما فَهِمَهُ من كلامِ اللهِ الأزليِ أنّهُ فُرِضَ عليه خمسون صلاة ثم رجع فوجد موسى في السماءِ السادسةِ فقال له " ماذا فرضَ اللهُ على أُمَّتِكَ" قال: " خمسين صلاة " قال "ارجع وسل التخفيف" أي ارجع الى حيثُ كُنْتَ وسَلْ ربَّكَ التخفيف فإني جرَّبْتُ بني اسرائيلَ فُرِضَ عليهم صلاتان فلم يقُوموا بهما" فرجعَ فَطَلَبَ التخفيفَ مرةً بعد مرَّةٍ إلى أن صاروا خمسَ صلواتٍ.
وهذا فيه دليلٌ على أن الأنبياءَ ينفعُونَ بعدَ موتهم.
وليُعلم أنَّ المقصودَ بقولِهِ تعالى {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} جبريلُ عليهِ السلام حيثُ رءاهُ الرسولُ وله سِتُّمائةِ جَنَاحٍ سَادَّاً عُظْمُ خَلْقِهِ ما بينَ الأفُقِ، فإنَّ جبريلَ اقتربَ من سيِّدِنا محمدٍ فكان ما بينهما من المسافَة بمقدارِ ذراعينِ بل أقرَب.
ولا يجوزُ تفسيرُ الآيةِ بأنَّ محمداً دَنَا مِنَ اللهِ لأنَّ اللهَ موجودٌ بلا مكان ولا أحَدَ قريبٌ منهُ بالمسافةِ.
ثم إنَّ الرسولَ لمّا رَجَعَ أخبرَ قومَهُ بما حَصَلَ مَعَهُ فقالُوا له "من هنا إلى هناكَ مسيرةُ شهرٍ" وكان فيهم من يعرِفُ بيتَ المقدِس فقالوا له "كم باباً ببيتِ المقدِس" كان هو بالليلِ ما تأكّدَ عدَدَ الأبواب تضايقَ ثم كشَفَ اللهُ له فأراهُ فصارَ يعدُّ لهم وهو ينظرُ إلى الأبواب واحداً واحداً فسكتوا، ثم أبو بكر قيلَ لهُ " صاحبُك يدّعي أنّه أُسريَ به " قال " إنّهُ صادقٌ في ذلك.
عن خبرِ السماءِ أنا أُصَدِّقُهُ فكيف لا أُصدقُهُ عن خبر الأرض".
إخوة الايمان، إنَّ الواحدَ مِنَّا ينبغي لهُ أن يَعْمَلَ لآخرتِهِ وكأنَّهُ سيمُوت غَداً وينبغي لَهُ في كُلِّ أيّامِهِ أن يذكُرَ الموتَ وأنهُ قريبٌ حتى لا يَغفَل فينجَرَّ إلى ما يُرضي اللهَ خصوصاً وأنَّ كثيراً من الناسِ تزدادُ غَفْلَتَهُم في هذهِ الأيامِ فيغرَقُونَ في المعاصي والمُنكَراتِ بَدَلاً من أنْ يعتبِروا ويقُولوا قد مضَى من عُمُرنا كذا وكذا من السنين فماذا أعدَدْنا ليومِ المعادِ ومن أخطأنا معه لنستسمحه، وكأن بعضَهُم لم يسمَعْ بجهنمَ وما أوعَدَ اللهُ بهِ أهلَها.
النارُ أي جهنمُ يا عبادَ الله حقٌ فيجبُ الإيمانُ بها وبأنّها مخلوقةٌ الآن وقد أُوقِدَ عليها ألفُ سنةٍ حتى احمرَّتْ وألفُ سنةٍ حتى ابيضتْ وألفُ سنةٍ حتى اسودّت فهي سوداءُ مظلِمة. وقد جعل اللهُ فيها عَقَارِبَ كالبِغَالِ وحيّاتٍ الحيةُ الواحِدةُ كالوادي وجعَلَ طعامُ أهلِها من ضَرِيعٍ وهو شجرٌ كريهُ المنظرِ كريهُ الطعمِ وجَعَلَ شَرابَ أهلِها مِنَ الماءِ الحارِ المتناهي الحرارة الذي تتقطَّعُ منهُ أمعاؤُهُم وجعلَ ما بينَ منكِبَيِ الكافرِ مسيرةَ ثلاثةِ ايامٍ وذلك ليزدادَ الكافِرُ عذاباً. فهل من مُعْتَبِرٍ ؟
اللحظات الاخيرة قبل وفاة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم
وفاة النبي ولها اثر عجيب في القلب،،،
لحظات وفاة النبي
قبل الوفاة كانت اخر حجة للنبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وبينما هو هناك ينزل قول الله عز وجل (اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام ديناً) فبكى ابو بكر الصديق رضى الله عنه فقال الرسول صلى الله عليه وسلم" ما يبكيك في الآية" فقال : "هذا نعي رسول الله عليه السلام".
ورجع الرسول من حجة الوداع وقل الوفاة بتسعة ايام نزلت اخر آية في القرآن (واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون).
وبدأ الوجع يظهر على الرسول صلى الله عليه وسلم فقال اريد ان ازور شهداء احد، فراح لشهداء احد ووقف على قبور الشهداء وقال: السلام عليكم يا شهداء احد انت السابقون ونحن انشالله بكم لاحقون واني بكم انشالله لاحق. وهو راجع بكى الرسول فقالوا: "ما يبكيك يا رسول الله" قال:" اشتقت لأخواني" قالوا: "اولسنا اخوانك يا رسول الله " قال: "لا انتم اصحابي اما اخواني فقوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولا يروني".
وقبل الوفاة بثلاث ايام بدأ الوجع يشتد عليه وكان ببيت السيدة ميمونة فقال: "اجمعوا زوجاتي" فجمعت الزوجات فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "أتأذنون لي ان امر ببيت عائشة فقلن آذنا لك يا رسول الله". فأراد ان يقوم فما استطاع فجاء علي بن ابي طالب والفضل بن العباس فحملوا النبي فطلعوا به من حجرة السيدة ميمونة إلى حجرة السيدة عائشة فالصحابة اول مرة يروا النبي محمول على الايادي فتجمع الصحابة وقالوا: "مالِ رسول الله مالِ رسول الله" وتبدأ الناس تتجمع بالمسجد ويبدأ المسجد يمتلأ بالصحابة ويحمل النبي إلى بيت عائشة فيبدأ الرسول يعرق ويعرق ويعرق وتقول السيدة عائشة:" انا بعمري لم ارى أي انسان يعرق بهذه الكثافة" فتأخذ يد الرسول وتمسح عرقه بيده ،( فلماذا تمسح بيده هو وليس بيدها) تقول عائشة: "ان يد رسول الله اطيب واكرم من يدي فلذلك امسح عرقه بيده هو وليس بيدي انا" (فهذا تقدير للنبي)
تقول السيدة عائشة فأسمعه يقول: "لا إله الا الله ان للموت لسكرات، لا إله إلا الله ان للموت لسكرات" فكثر اللفظ أي (بدأ الصوت داخل المسجد يعلو) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما هذا؟" فقالت عائشة: "ان الناس يخافون عليك يا رسول الله" فقال: "احملوني إليهم" فاراد ان يقوم فما استطاع، فصبوا عليه سبع قرب من الماء لكي يفيق فحمل النبي وصعد به الى المنبر
فكانت اخر خطبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم
واخر خطبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم واخر كلمات لرسول الله صلى الله عليه وسلم واخر دعاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال النبي : "ايها الناس كأنكم تخافون علي" قالوا: "نعم يا رسول الله" فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "ايها الناس موعدكم معي ليس الدنيا، موعدكم معي عند الحوض، والله ولكأني انظر اليه من مقامي هذا، ايها الناس والله ما الفقر اخشى عليكم ولكني اخشى عليكم الدنيا ان تتنافسوها كما تنافسها اللذين من قبلكم فتهلككم كما اهلكتهم" ثم قال صلى الله عليه وسلم: "ايها الناس الله الله بالصلاة الله الله بالصلاة" تعني (حلفتكم بالله حافظوا على الصلاة) فظل يرددها ثم قال: "ايها الناس اتقوا الله في النساء، اوصيكم بالنساء خيرا"ً ثم قال: "ايها الناس ان عبداً خيّره الله بين الدنيا وبين ما عند الله فأختار ما عند الله" فما احد فهم من هو العبد الذي يقصده فقد كان يقصد نفسه ان الله خيّره ولم يفهم سوى ابو بكر الصديق وكان الصحابة معتادين عندما يتكلم الرسول يبقوا ساكتين كأنه على رؤوسهم الطير فلما سمع ابو بكر كلام الرسول فلم يتمالك نفسه فعلا نحيبه (البكاء مع الشهقة) وفي وسط المسجد قاطع الرسول وبدأ يقول له: "فديناك بأبائنا يا رسول الله فديناك بأمهاتنا يا رسول الله فديناك بأولادنا يا رسول الله فديناك بأزواجنا يا رسول الله فديناك بأموالنا يا رسول الله" ويردد ويردد فنظر الناس إلى ابو بكر شظراً (كيف يقاطع الرسول بخطبته) فقال الرسول: "ايها الناس فما منكم من احد كان له عندنا من فضل الا كافأناه به الا ابو بكر فلم استطع مكافأته فتركت مكافأته إلى الله تعالى عز وجل كل الابواب إلى المسجد تسد إلا ابواب ابو بكر لا يسد ابدا"
ثم بدأ يدعي لهم ويقول اخر دعوات قبل الوفاة : "اراكم الله حفظكم الله نصركم الله ثبتكم الله ايدكم الله حفظكم الله" واخر كلمة قبل ان ينزل عن المنبر موجه للأمه من على منبره " ايها الناس اقرءوا مني السلام على من تبعني من امتي إلى يوم القيامة" وحُمل مرة اخرى إلى بيته.
دخل عليه وهو بالبيت عبد الرحمن ابن ابو بكر وكان بيده سواك فظل النبي ينظر إلى السواك ولم يستطع ان يقول اريد السواك فقالت عائشة "فهمت من نظرات عينيه انه يريد السواك فأخذت السواك من يد الرجل فأستكت به (أي وضعته بفمها) لكي الينه للنبي واعطيته اياه فكان اخر شي دخل إلى جوف النبي هو ريقي"( ريق عائشة) فتقول عائشة: "كان من فضل ربي عليّ انه جمع بين ريقي وريق النبي قبل ان يموت".
ثم دخلت ابنته فاطمة فبكت عند دخولها. بكت لأنها كانت معتادة كلما دخلت على الرسول وقف وقبلها بين عينيها ولكنه لم يستطع الوقوف لها فقال لها الرسول: "ادني مني يا فاطمة" فهمس لها بأذنها فبكت ثم قال لها الرسول مرة ثانية: "ادني مني يا فاطمة" فهمس لها مرة اخرى بأذنها فضحكت فبعد وفاة الرسول سألوا فاطمة "ماذا همس لك فبكيتي وماذا همس لك فضحكت!" قالت فاطمة: "لأول مرة قال لي يا فاطمة اني ميت الليلة. فبكيت! ولما وجد بكائي رجع وقال لي: انت يا فاطمة اول أهلي لحاقاً بي. فضحكت!"
ثم قال الرسول: "اخرجوا من عندي بالبيت " وقال "ادني مني يا عائشة" ونام على صدر زوجته السيدة عائشة فقالت السيدة عائشة: "كان يرفع يده للسماء ويقول (بل الرفيق الاعلى بل الرفيق الأعلى) فتعرف من خلال كلامه انه يُخّير بين حياة الدنيا او الرفيق الأعلى".
فدخل الملك جبريل على النبي وقال: "ملك الموت بالباب ويستأذن ان يدخل عليك وما استأذن من احد قبلك" فقال له "إذن له يا جبريل" ودخل ملك الموت وقال: "السلام عليك يا رسول الله أرسلني الله اخيرك بين البقاء في الدنيا وبين ان تلحق بالله " فقال النبي: "بل الرفيق الاعلى بل الرفيق الاعلى" وقف ملك الموت عند رأس النبي (كما سيقف عند رأس كل واحد منا) وقال: "ايتها الروح الطيبة روح محمد ابن عبدالله اخرجي إلى رضى من الله ورضوان ورب راضي غير غضبان"
تقول السيدة عائشة: "فسقطت يد النبي وثقل رأسه على صدري فقد علمت انه قد مات" وتقول "ما ادري ما افعل فما كان مني الا ان خرجت من حجرتي إلى المسجد حيث الصحابة وقلت
مات رسول الله مات رسول الله مات رسول الله فأنفجر المسجد بالبكاء فهذا علي إبن أبي طالب أُقعد من هول الخبر، وهذا عثمان بن عفان كالصبي يأخذ بيده يميناً ويساراً وهذا عمر بن الخطاب قال: اذا احد قال انه قد مات سأقطع راسه بسيفي انما ذهب للقاء ربه كما ذهب موسى للقاء ربه اما أثبت الناس كان ابو بكر رضى الله عنه فدخل على النبي وحضنه وقال واخليلاه واحبيباه واابتاه وقبّل النبي وقال: طبت حياً وطبت ميتاً فخرج ابو بكر رضى الله عنه إلى الناس وقال: من كان يعبد محمد فمحمد قد مات ومن كان يعبد الله فان الله باقي حي لا يموت ثم خرجت ابكي وابحث عن مكان لأكون وحدي وابكي لوحدي.
مغروره ونص
08-15-2009, 12:21 AM
خـــــلصت الموضوع يا الغــوالي .. الحمدلله .. :ق1:
وآآتمنى آني قدرت آصــــل لكم قصة خير البشريه .. وحبيبنــاً
اللهم صلي على سيدنـــا محمد وعلى آله وصحبه آجمعين ..
الله يجمع ــنا معه آن شاء الله في جنة الفردوس الآعلـــى .. ونشرب من يده الشريفه شربة هنيئة لا نضمـــآأ بع ــدهـــآا آبــدآآ ..
آآنـــاآ الصـــرآآحه تع ــبت على الموضوع يــا الغوالي ..
ومــا آبي منكم غير دعوه صـــادقه بظهر الغيب ..
وآن الله يوفقني .. ويستر علي .. ويخلي لي آمي وآبوي ..
ويحقق لي اللي آتمنى واللي في بــالي ..
آآتمنى آني مــا طولت علــيكم ..
وســــامحوني على القصور ..
وآحـــلل نقل الموضوع .. والفواصل ..
أميره في مملكتي الصغيره
08-15-2009, 01:48 AM
جزاك الله خير غاليتي ..وبارك فيك وفيما سطرته لنا من قبسات ايمانيه من حياة النبي صلى الله عليه وسلم ..
جعله الله في ميزان حسناتك..ولاحرمت الاجر
المولـــد
ولـد سيـد المرسلـين صلى الله عليه وسلم بشـعب بني هاشـم بمكـة في صبيحـة يــوم الاثنين التاسع مـن شـهر ربيـع الاول، لاول عـام مـن حادثـة الفيـل، ولاربعـين سنة خلت من ملك كسرى انوشروان، ويوافق ذلك عشرين او اثنين وعشرين من شهر ابريل سنة 571 م حسبما حققه العالم الكبير محمد سليمان ـ المنصورفورى ـ رحمه اللـه.
وروى ابــن سعــد ان ام رســول الله صلى الله عليه وسلم قالــت : لمــا ولـدتــه خــرج مــن فرجـى نــور اضــاءت لـه قصـور الشام. وروى احمد والدارمى وغيرهمـا قريبـًا مـن ذلك.
وقد روى ان ارهاصات بالبعثة وقعت عند الميلاد، فسقطت اربع عشرة شرفة من ايوان كسرى، وخمدت النار التي يعبدها المجوس، وانهدمت الكنائس حول بحيرة ساوة بعد ان غاضت، روى ذلك الطبرى والبيهقى وغيرهما. وليس له اسناد ثابت، ولم يشهد له تاريخ تلك الامم مع قوة دواعى التسجيل.
ولما ولدته امه ارسلت الى جده عبد المطلب تبشره بحفيده،فجاء مستبشرًا ودخل به الكعبة، ودعا الله وشكر له. واختار له اسم محمد ـ وهذا الاسم لم يكن معروفًا في العرب ـ وخَتَنَه يوم سابعه كما كان العرب يفعلون.
واول من ارضعته من المراضع ـ وذلك بعد امه صلى الله عليه وسلم باسبوع ـ ثُوَيْبَة مولاة ابي لهب بلبن ابن لها يقال له: مَسْرُوح، وكانت قد ارضعت قبله حمزة بن عبد المطلب، وارضعت بعده ابا سلمة بن عبد الاسد المخزومي.
( الرحيق المختوم ) .
**
واختار عبد المطلب لولده عبد الله آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، وهي يومئذ تعد أفضل امرأة في قريش نسبًا وموضعًا، وأبوها سيد بني زهرة نسبًا وشرفًا، فزوجه بها، فبني بها عبد الله في مكة، وبعد قليل أرسله عبد المطلب إلى المدينة يمتار لهم تمرًا، فمات بها، وقيل : بل خرج تاجرًا إلى الشام، فأقبل في عير قريش، فنزل بالمدينة وهو مريض فتوفي بها، ودفن في دار النابغة الجعدى، وله إذ ذاك خمس وعشرون سنة، وكانت وفاته قبل أن يولد رسول الله صلى الله عليه وسلم،
( الرحيق المختوم )
***
ذكر ما قيل لآمنة عند حملها برسول الله صلى الله عليه وسلم
رؤيا آمنة
ويزعمون - فيما يتحدث الناس والله أعلم - أن آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تحدث :
أنها أُتيت ، حين حملت برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقيل لها : إنك قد حملت بسيد هذه الأمة ، فإذا وقع إلى الأرض فقولي : أعيذه بالواحد ، من شر كل حاسد ، ثم سميه محمدا . ورأت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت به قصور بصرى ، من أرض الشام .
رواية حسان بن ثابت ، عن مولده صلى الله عليه وسلم
قال ابن إسحاق : وحدثني صالح بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف ، عن يحيى بن عبدالله بن عبدالرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري . قال : حدثني من شئت من رجال قومي عن حسان بن ثابت ، قال : والله إني لغلام يفعة ، ابن سبع سنين أو ثمان ، أعقل كل ما سمعت ، إذ سمعت يهوديا يصرخ بأعلى صوته على أطمة بيثرب : يا معشر يهود ، حتى إذا اجتمعوا إليه ، قالوا له : ويلك ما لك ؟ قال : طلع الليلة نجم أحمد الذي ولد به .
إعلام أمه جده بولادته صلى الله عليه و سلم وما فعله به
قال ابن إسحاق : فلما وضعته أمه صلى الله عليه وسلم ، أرسلت إلى جده عبدالمطلب : أنه قد ولد لك غلام ، فأته فانظر إليه ؛ فأتاه فنظر إليه ، وحدثته بما رأت حين حملت به ، وما قيل لها فيه ، وما أمرت به أن تسميه .
فرح جده به صلى الله عليه و سلم ، و التماسه له المراضع
فيزعمون أن عبدالمطلب أخذه ، فدخل به الكعبة ؛ فقام يدعو الله ، ويشكر له ما أعطاه ، ثم خرج به إلى أمه فدفعه إليها . والتمس لرسول الله صلى الله عليه وسلم الرضعاء .
قال ابن هشام : المراضع . وفي كتاب الله تبارك وتعالى في قصه موسى عليه السلام : ( وحرمنا عليه المراضع ) .
( السيره النبويه ) .
***
شق الصدر
وهكذا رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني سعد، حتى إذا كان بعده بأشهر على قول ابن إسحاق، وفي السنة الرابعة من مولده على قول المحققين وقع حادث شق صدره، روى مسلم عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل، وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طَسْت من ذهب بماء زمزم، ثم لأَمَه ـ أي جمعه وضم بعضه إلى بعض ـ ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه ـ يعنى ظئره ـ فقالوا: إن محمدًا قد قتل، فاستقبلوه وهو مُنْتَقِعُ اللون ـ أي متغير اللون ـ قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره.
( الرحيق المختوم ) .
***
في بني سعد
وكانت العادة عند الحاضرين من العرب أن يلتمسوا المراضع لأولادهم ابتعادًا لهم عن أمراض الحواضر؛ ولتقوى أجسامهم، وتشتد أعصابهم، ويتقنوا اللسان العربى في مهدهم، فالتمس عبد المطلب لرسول الله صلى الله عليه وسلم المراضع، واسترضع له امرأة من بني سعد بن بكر، وهي حليمة بنت أبي ذؤيب عبد الله بن الحارث، وزوجها الحارث ابن عبد العزى المكنى بأبي كبشة من نفس القبيلة.
وإخوته صلى الله عليه وسلم هناك من الرضاعة : عبد الله بن الحارث، وأنيسة بنت الحارث، وحذافة أو جذامة بنت الحارث [وهي الشيماء؛ لقب غلب على اسمها] وكانت تحضن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عمه حمزة بن عبد المطلب مسترضعًا في بني سعد بن بكر، فأرضعت أمه رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا وهو عند أمه حليمة،فكان حمزة رضيع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهتين، من جهة ثويبة ومن جهة السعدية.
ورأت حليمة من بركته صلى الله عليه وسلم ما قضت منه العجب، ولنتركها تروى ذلك مفصلًا :
قال ابن إسحاق : كانت حليمة تحدث : أنها خرجت من بلدها مع زوجها وابن لها صغير ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر، تلتمس الرضعاء. قالت : وذلك في سنة شهباء لم تبق لنا شيئًا، قالت : فخرجت على أتان لى قمراء، ومعنا شارف لنا، والله ما تَبِضّ ُبقطرة، وما ننام ليلنا أجمع من صبينا الذي معنا، من بكائه من الجوع، ما في ثديى ما يغنيه، وما في شارفنا ما يغذيه، ولكن كنا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على أتانى تلك، فلقد أذَمَّتْ بالركب حتى شق ذلك عليهم، ضعفًا وعجفًا، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه، إذا قيل لها: إنه يتيم، وذلك أنا كنا نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول: يتيم! وما عسى أن تصنع أمه وجده، فكنا نكرهه لذلك، فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعًا غيرى، فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبى: والله، إنى لأكره أن أرجع من بين صواحبى ولم آخذ رضيعًا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه. قال : لا عليك أن تفعلى، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة. قالت: فذهبت إليه وأخذته،وما حملنى على أخذه إلا أنى لم أجد غيره، قالت: فلما أخذته رجعت به إلى رحلى، فلما وضعته في حجرى أقبل عليه ثديأي بما شاء من لبن، فشرب حتى روى، وشرب معه أخوه حتى روى، ثم ناما، وما كنا ننام معه قبل ذلك، وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فإذا هي حافل، فحلب منها ما شرب وشربت معه حتى انتهينا ريا وشبعا، فبتنا بخير ليلة، قالت: يقول صاحبى حين أصبحنا: تعلمي والله يا حليمة، لقد أخذت نسمة مباركة، قالت: فقلت: والله إنى لأرجو ذلك. قالت: ثم خرجنا وركبت أنا أتانى، وحملته عليها معى، فوالله لقطعت بالركب ما لا يقدر عليه شىء من حمرهم، حتى إن صواحبى ليقلن لى: يا ابنة أبي ذؤيب، ويحك! أرْبِعى علينا، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهن: بلى والله، إنها لهي هي، فيقلن: والله إن لها شأنًا، قالت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد، وما أعلم أرضًا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمى تروح علىَّ حين قدمنا به معنا شباعًا لُبَّنـًا، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن، ولا يجدها في ضرع، حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم، اسرحوا حيث يسرح راعى بنت أبي ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعًا ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمى شباعًا لبنًا. فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته، وكان يشب شبابًا لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلامًا جفرًا. قالت: فقدمنا به على أمه ونحن أحرص على مكثه فينا، لما كنا نرى من بركته، فكلمنا أمه، وقلت لها: لو تركت ابني عندي حتى يغلظ، فإني أخشى عليه وباء مكة، قالت: فلم نزل بها حتى ردته معنا
( الرحيق المختوم )
أحــAــبك
08-15-2009, 01:55 AM
ماشاء الله تبارك الرحمن .. موضوع في غاية الروعه ,,
الله يحفظك أختي بصراحه موضوع متعوب عليه ,, لاكن أجر وعافيه إن شاء الله }--
وجعله الله في ميزان حسناتك ,, ونتمنى من المشرفات تثبيت الموضوع لأنه يستحقه بجداره ..
أميره في مملكتي الصغيره
08-15-2009, 02:09 AM
البيت النبوي
1- كان البيت النبوي في مكة قبل الهجرة يتالف منه عليه الصلاة والسلام، ومن زوجته خديجة بنت خويلد، تزوجها وهو في خمس وعشرين من سنه، وهي في الاربعين، وهي اول من تزوجه من النساء، ولم يتزوج عليها غيرها، وكان له منها ابناء وبنات، اما الابناء ، فلم يعش منهم احد ، واما البنات فهن : زينب ورقية وام كلثوم وفاطمة، فاما زينب فتزوجها قبل الهجرة ابن خالتها, ابوالعاص بن الربيع، واما رقية وام كلثوم فقد تزوجهما عثمان بن عفان رضي الله عنه الواحدة بعد الاخرى، واما فاطمة فتزوجها على بن ابي طالب بين بدر واحد، ومنها كان الحسن والحسين وزينب وام كلثوم.
ومعلوم ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يمتاز عن امته بحل التزوج باكثر من اربع زوجات لاغراض كثيرة، فكان عدد من عقد عليهن ثلاثة عشرة امراه، منهن تسع مات عنهن، واثنتان توفيتا في حياته، احداهما خديجة، والاخرى ام المساكين زينب بنت خريمة، واثنتان لم يدخل بهما، وها هي اسماؤهن وشيء عنهن.
2- سودة بنت زمعة، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال سنة عشر من النبوة، بعد وفاة خديجة بنحو شهر، وكانت قبله عند ابن عم لها يقال له: السكران بن عمرو، فمات عنها. توفيت بالمدينة في شوال سنة54هـ .
3ـ عائشة بنت ابي بكر الصديق، تزوجها في شوال سنة احدى عشرة من النبوة، بعد زواجه بسودة بسنة، وقبل الهجرة بسنتين وخمسة اشهر، تزوجها وهي بنت ست سنين، وبني بها في شوال بعد الهجرة بسبعة اشهر في المدينة، وهي بنت تسع سنين، وكانت بكراً ولم يتزوج بكراً غيرها، وكانت احب الخلق اليه، وافقه نساء الامة، واعلمهن على الاطلاق، فضلها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام . توفيت في 17رمضان سنة 57هـ او 58 هـ ودفنت بالبقيع.
4- حفصة بنت عمر بن الخطاب، تايمت من زوجها خنيس بن خذافة السهمي بين بدر واحد ،فلما حلت تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعبان سنة 3هـ توفيت في شعبان سنة 45هـ بالمدينة ،ولها ستون سنة،ودفنت بالبقيع.
5- زينب بنت خزيمة من بنى هلال بن عامر بن صعصة، وكانت تسمى ام المساكين، لرحمتها اياهم ورقتها عليهم، كانت تحت عبد الله بن جحش، فاستشهد في احد، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة 4 هـ . ماتت بعد الزواج بنحو ثلاثة اشهرفي ربيع الاخر سنة 4هـ ، فصلى عليها النبي صلى الله عليه وسلم، ودفنت بالبقيع.
6- ام سلمة هند بنت ابي امية، كانت تحت ابي سلمة،وله منها اولاد، فمات عنها في جمادى الاخر سنة 4 هـ، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليال بقين من شوال السنة نفسها، وكانت من افقه النساء واعقلهن. توفيت سنة 59هـ، وقيل: 62هـ ودفنت بالبقيع، ولها 84 سنة.
7- زينب بنت جحش بن رباب من بنى اسد بن خزيمة، وهي بنت عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت تحت زيد بن حارثة - الذي كان يعتبر ابنا للنبي صلى الله عليه وسلم - فطلقها زيد، فلما انقضت العدة انزل الله تعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} [الاحزاب: 37]، وفيها نزلت من سورة الاحزاب ايات فصلت قضية التبني - وسناتي على ذكرها - تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة. وقيل: سنة 4هـ، وكانت اعبد النساء واعظمهن صدقة، توفيت سنة 20هـ ولها 53 سنة. وكانت اول امهات المؤمنين وفاة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، صلى عليها عمر بن الخطاب، ودفنت بالبقيع.
8- جويرية بنت الحارث سيد بنى المصطلق من خزاعة، كانت في سبي بنى المصطلق في سهم ثابت بن قيس بن شماس، فكاتبها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابتها، وتزوجها في شعبان سنة 6 هـ. وقيل: سنة 5هـ، فاعتق المسلمون مائة اهل بيت من بني المصطلق، وقالوا اصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت اعظم النساء بركة على قومها. توفيت في ربيع الاول سنة 56هـ، وقيل: 55 هـ. ولها 65 سنة.
9- ام حبيبة رملة بنت ابي سفيان، كانت تحت عبيد الله بن جحش، فولدت له حبيبة فكنيت بها، وهاجرت معه الى الحبشة، فارتد عبيد الله وتنصر، وتوفي هناك، وثبتت ام حبيبة على دينها وهجرتها، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن اميه الضمري بكتابه الى النجاشي في المحرم سنة 7 هـ. خطب عليه ام حبيبة فزوجها اياه واصدقها من عنده اربعمائة دينار، وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة. فابتنى بها النبي صلى الله عليه وسلم بعد رجوعه من خيبر. توفيت سنة 42 هـ، او 44هـ، او 50هـ.
10- صفية بنت حيي بن اخطب سيد بن النضير من بنى اسرائيل، كانت من سبي خيبر، فاصطفاها رسول الله صلى الله وعليه وسلم لنفسه، وعرض عليها الاسلام فاسلمت، فاعتقها وتزوجها بعد فتح خيبر سنة 7هـ، وابتنى بها بسد الصهباء على بعد 12 ميلا من خيبر في طريقه الى المدينة. توفيت سنة 50 هـ وقيل: 52هـ، وقيل 36 هـ ودفنت بالبقيع.
11- ميمونة بنت الحارث، اخت ام الفضل لبابة بنت الحارث، تزوجها في ذي القعدة سنة 7 هـ، في عمرة القضاء، بعد ان حل منها على الصحيح.
وابتنى بها بسرف على بعد 9 اميال من مكة، وقد توفيت بسرف سنة 61 هـ، وقيل: 63، وقيل: 38 هـ ودفنت هناك، ولا يزال موضع قبرها معروفا.
فهؤلاء احدى عشرة سيدة تزوج بهن الرسول صلى الله عليه وسلم، وبنى بهن وتوفيت منهن اثنتان - خديجة وزينب ام المساكين - في حياته، وتوفي هو عن التسع البواقي.
واما الاثنتان اللتان لم يبن بهما، فواحدة من بنى كلاب، واخرى من كندة، وهي المعروفة بالجونبة، وهناك خلافات لاحاجة الى بسطها.
واما السراري فالمعروف انه تسرى باثنتين احداهما مارية القبطية، اهداها له المقوقس، فاولدها ابنه ابراهيم، الذي توفي صغيرا بالمدينة في حياته صلى الله عليه وسلم، في 28 / او 29 من شهر شوال سنة 10 هـ وفق 27 يناير سنة 632م.
والسرية الثانية هي ريحانة بنت زيد النضرية او القرظية، كانت من سبايا قريظة، فاصطفاها لنفسه، وقيل: بل هي من ازواجه صلى الله عليه وسلم، اعتقها فتزوجها. والقول الاول رجحه ابن القيم. وزاد ابو عبيدة اثنتين اخريين، جميلة اصابها في بعض السبي، وجارية وهبتها له زينب بنت جحش.
ومن نظر الى حياة الرسول صلى الله عليه وسلم عرف جيداً ان زواجه بهذا العدد الكثير من النساء في اواخر عمره بعد ان قضى ما يقارب ثلاثين عاماً من ريعان شبابه واجود ايامه مقتصرا على وجة واحدة شبه عجوز - خديجة ثم سودة - عرف ان هذا الزواج لم يكن لاجل انه وجد بغته في نفسه قوة عارمة من الشبق، لا يصبر معها الا بمثل هذا العدد الكثير من النساء؛ بل كانت هناك اغراض اخرى اجل واعظم من الغرض الذي يحققه عامة الزواج.
فاتجاه الرسول صلى الله عليه وصلى الى مصاهرة ابي بكر وعمر بزواجه بعائشة وحفصة - وكذلك تزوجيه ابنته فاطمة بعلي بن ابي طالب، وتزويجه ابنتيه رقية ثم ام كلثوم بعثمان بن عفان - يشير الى انه يبغي من وراء ذلك توثيق الصلاة بالرجال الاربعة، الذي عرف بلاءهم وفداءهم للاسلام في الازمات التي مرت به، وشاء الله ان يجتازها بسلام.
وكان من تقاليد العرب الاحترام للمصاهرة، فقد كان الصهر عندهم بابا من ابواب التقرب بين البطون المختلفة، وكانوا يرون مناواة ومحاربة الاصهار سبة وعاراً على انفسهم، فاراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بزواج عدة من امهات المؤمنين ان يكسر سورة عداء القبائل للاسلام، ويطفئ حدة بغضائها، كانت ام سلمة من بنى مخزوم - حي ابي جهل وخالد بن الوليد - فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقف خالد من المسلمين موقفه الشديد باحد، بل اسلم بعد مدة غير طويلة طائعا راغباً، وكذلك ابو سفيان لم يواجه رسول الله صلى الله عليه وسلم باي محاربة بعد زواجه بابنته ام حبيبة، وكذلك لا نرى من قبيلتي بني المصطلق وبني النضير اي استفزاز وعداء بعد زواجه بجويرية وصفية؛ بل كانت جويرية اعظم النساء بركة على قومها، فقد اطلق الصحابة اسر مائة بيت من قومها حين تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: اصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا يخفي ما لهدا المن من الاثر البالغ في النفوس.
(الرحيق المختوم ).
***
أولاده صلى الله عليه وسلم
أولهم القاسم، وبه كان يُكنى، مات طفلاً، وقيل: عاش إلى أن ركب الدابة، وسار على النجيبة.
ثم زينب، وقيل: هي أسن من القاسم، ثم رُقَيَّة، وأم كلثوم، وفاطمة، وقد قيل في كل واحدة منهن: إنها أسنُّ من أختها، وقد ذُكِرَ عن ابن عباس أن رقيّة أسن الثلاث، وأم كلثوم أصغرُهن.
ثم ولد له عبد اللّه، وهل ولد بعد النبوة، أو قبلها؟ فيه اختلاف، وصحح بعضهم أنه ولد بعد النبوة، وهل هو الطيب والطاهر، أو هما غيرُه؟ على قولين. والصحيح: أنهما لقبان له، واللّه أعلم. وهؤلاء كلهم من خديجة، ولم يُولد له من زوجة غيرها. ثم ولد له إبراهيم بالمدينة من سُرِّيَّتِهِ (مارية القبطية) سنة ثمان من الهجرة، وبشَّره به أبو رافع مولاه، فوهب له عبداً، ومات طفلاً قبل الفطام، واختلف هل صلى عليه، أم لا؟ على قولين. وكل أولاده توفي قبلَه إلا فاطمة، فإنها تأخرت بعده بستة أشهر فرفع اللّه لها بصبرها واحتسابها من الدرجات ما فُضِّلَتْ به على نساء العالمين. وفاطمة أفضلُ بناته على الإِطلاق، وقيل: إنها أفضل نساء العالمين، وقيل: بل أمها خديجة، وقيل: بل عائشة، وقيل: بل بالوقف في ذلك.
(زاد المعاد في هدي خير العاد )
أميره في مملكتي الصغيره
08-15-2009, 02:34 AM
كمال النفس ومكارم الأخلاق
كان النبي صلى الله عليه وسلم يمتاز بفصاحة اللسان، وبلاغة القول، وكان من ذلك بالمحل الأفضل، والموضع الذي لا يجهل، سلامة طبع، ونصاعة لفظ، وجزالة قول، وصحة معان، وقلة تكلف، أوتي جوامع الكلم، وخص ببدائع الحكم، وعلم ألسنة العرب، يخاطب كل قبيلة بلسانها، ويحاورها بلغتها، اجتمعت له قوة عارضة البادية وجزالتها، ونصاعة ألفاظ الحاضرة ورونق كلامها، إلى التأييد الإلهي الذي مدده الوحي.
وكان الحلم والاحتمال، والعفو عند المقدرة، والصبر على المكاره، صفاتٌ أدبه الله بها، وكل حليم قد عرفت منه زلة، وحفظت عنه هَفْوَة، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يزد مع كثرة الأذي إلا صبرا، وعلى إسراف الجاهل إلا حلما، وقالت عائشة: ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه، وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها. وكان أبعد الناس غضباً، وأسرعهم رضاً.
وكان من صفة الجود والكرم على مالا يقادر قدره، كان يعطي عطاء من لا يخاف الفقر، قال ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة. وقال جابر: ما سئل شيئاً قط فقال: لا.
وكان من الشجاعة والنجدة والبأس بالمكان الذي لا يجهل، كان أشجع الناس، حضر المواقف الصعبة، وفر عنه الكماة والأبطال غير مرة، وهو ثابت لا يبرح، ومقبل لا يدبر، ولا يتزحزح، وما شجاع إلا وقد أحصيت له فَرَّة، وحفظت عنه جولة سواه، قال علي: كنا إذا حمي البأس واحمرت الحَدَقُ، اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه. قال أنس: فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق ناس قِبَلَ الصوت، فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعاً، وقد سبقهم إلى الصوت، وهو على فرس لأبي طلحة عُرْي، في عنقه السيف، وهو يقول: (لم تُرَاعوا، لم تُرَاعوا).
وكان أشد الناس حياء وإغضاء، قال أبو سعيد الخدري: كان أشد حياء من العذراء في خِدْرها، وإذا كره شيئاً عرف في وجهة. وكان لا يثبت نظره في وجه أحد، خافض الطرف. نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جُلُّ نظره الملاحظة، لا يشافه أحداً بما يكره حياء وكرم نفس، وكان لا يسمي رجلاً بلغ عنه شيء يكرهه، بل يقول. (ما بال أقوام يصنعون كذا).
وكان أحق الناس بقول الفرزدق:
يغضي حياء ويغضي من مهابته ** فــلا يكلـم إلا حيـن يبتسـم
وكان أعدل الناس، وأعفهم، وأصدقهم لهجة، وأعظمهم أمانة، اعترف له بذلك مجاوروه وأعداؤه، وكان يسمي قبل نبوته الأمين، ويُتَحاكم إليه في الجاهلية قبل الإسلام، روي الترمذي عن على أن أبا جهل قال له: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب بما جئت به، فأنزل الله تعالى فيهم: {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام:33]. وسأل هرقل أبا سفيان، هل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا.
وكان أشد الناس تواضعاً، وأبعدهم عن الكبر، يمنع عن القيام له كما يقومون للملوك، وكان يعود المساكين، ويجالس الفقراء، ويجيب دعوة العبد، ويجلس في أصحابه كأحدهم، قالت عائشة: كان يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويعمل بيده كما يعمل أحدكم في بيته، وكان بشراً من البشر يَفْلِي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه.
وكان أوفي الناس بالعهود، وأوصلهم للرحم، وأعظمهم شفقة ورأفة ورحمة بالناس، أحسن الناس عشرة وأدباً، وأبسط الناس خلقاً، أبعد الناس من سوء الأخلاق، لم يكن فاحشاً، ولا متفحشاً، ولا لعاناً، ولا صخابا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، وكان لا يدع أحدا يمشي خلفه، وكان لا يترفع على عبيده وإمائه في مأكل ولا ملبس، ويخدم من خَدَمَه، ولم يقل لخادمه أف قط، ولم يعاتبه على فعل شيء أو تركه، وكان يحب المساكين ويجالسهم، ويشهد جنائزهم، ولا يحقر فقيراً لفقره. كان في بعض أسفارة فأمر بإصلاح شاة، فقال رجل: على ذبحها، وقال آخر: على سلخها، وقال آخر على طبخها، فقال صلى الله عليه وسلم: (وعلي جمع الحطب)، فقالوا: نحن نكفيك. فقال: (قد علمت أنكم تكفوني ولكني أكره أن أتميز عليكم، فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزاً بين أصحابه)، وقام وجمع الحطب.
ولنترك هند بن أبي هالة يصف لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ قال هند فيما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، ولا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه ـ لا بأطراف فمه ـ ويتكلم بجوامع الكلم، فصلاً، لا فضول فيه ولا تقصير، دمثاً ليس بالجافي ولا بالمهين، يعظم النعمة وإن دقت، لايذم شيئاً، ولم يكن يذم ذواقاً ـ ما يطعم ـ ولا يمدحه، ولا يقام لغضبه إذا تعرض للحق بشيء حتى ينتصر له، لا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها ـ سماحة ـ وإذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه، جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام.
وكان يخزن لسانه إلا عما يعنيه، يؤلف أصحابه ولا يفرقهم، يكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، ويحذر الناس، ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره.
يتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويحسن الحسن ويصوبه، ويقبح القبيح ويوهنه، معتدل الأمر، غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحق، ولا يجاوزه إلى غيره.
الذين يلونه من الناس خيارهم، وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة.
كان لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، ولا يوطن الأماكن ـ لا يميز لنفسه مكاناً ـ إذا انتهي إلى القوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، ويعطي كل جلسائه نصيبه حتى لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه ، من جالسه أو قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، وقد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق متقاربين، يتفاضلون عنده بالتقوي، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم ـ لا تخشي فلتاته ـ يتعاطفون بالتقوي، يوقرون الكبير، ويرحمون الصغير، ويرفدون ذا الحاجة، ويؤنسون الغريب.
كان دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صَخَّاب، ولا فحاش، ولا عتاب، ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يقنط منه. قد ترك نفسه من ثلاث: الرياء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: لا يذم أحداً، ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رءوسهم الطير، وإذا سكت تكلموا. لا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويعجب مما يعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق، يقول: إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها فأرفدوه، ولا يطلب الثناء إلا من مكافئ.
وقال خارجة بن زيد: كان النبي صلى الله عليه وسلم أوقر الناس في مجلسه، لا يكاد يخرج شيئاً من أطرافه، وكان كثير السكوت، لا يتكلم في غير حاجة، يعرض عمن تكلم بغير جميل، كان ضحكه تبسماً، وكلامه فصلا لا فضول ولا تقصير، وكان ضحك أصحابه عنده التبسم توقيراً له واقتداء به.
وعلى الجملة، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم محلي بصفات الكمال المنقطعة النظير، أدبه ربه فأحسن تأديبه، حتى خاطبه مثنياً عليه فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، وكانت هذه الخلال مما قرب إليه النفوس، وحببه إلى القلوب، وصيره قائداً تهوي إليه الأفئدة، وألان من شكيمة قومه بعد الإباء، حتى دخلوا في دين الله أفواجاً.
( الرحيق المختوم ) .
***
لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ، إنما أنا عبد ، فقولوا : عبد الله ورسوله
الراوي: عمر بن الخطاب المحدث: الألباني - المصدر: الشمائل المحمدية - الصفحة أو الرقم: 284
خلاصة الدرجة: صحيح
***
أن رجلا قال : يا محمد , يا سيدنا وابن سيدنا , وخيرنا وابن خيرنا , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عليكم بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان أنا محمد بن عبد الله , عبد الله ورسوله والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله _ عز وجل
الراوي: أنس بن مالك المحدث: محمد ابن عبدالهادي - المصدر: الصارم المنكي - الصفحة أو الرقم: 459
خلاصة الدرجة: إسناده صحيح على شرط مسلم
***
ياعائشة ! لوشئت ، لسارت معي جبال الذهب ، أتاني ملك و إن حجزته لتساوي الكعبة ، فقال : إن ربك يقري عليك السلام ، و يقول لك : إن شئت نبيا ملكا ، وإن شئت نبيا عبدا : فأشار إلي جبريل ضع نفسك ، فقلت : نبيا عبدا قالت : و كان بعد ذلك لا يأكل متكئا ، و يقول : آكل كما يأكل العبد ، و أجلس كما يجلس العبد
الراوي: عائشة المحدث: الألباني - المصدر: السلسلة الضعيفة - الصفحة أو الرقم: 2045
خلاصة الدرجة: ضعيف
***
سألت عائشة : ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته ؟ قالت : كان يكون في مهنة أهله ، تعني خدمة أهله ، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة .
الراوي: عائشة المحدث: البخاري - المصدر: الجامع الصحيح - الصفحة أو الرقم: 676
خلاصة الدرجة: [صحيح]
***
كان بشرا من البشر : يفلي ثوبه ، و يحلب شاته ، و يخدم نفسه
الراوي: عائشة المحدث: الألباني - المصدر: السلسلة الصحيحة - الصفحة أو الرقم: 671
خلاصة الدرجة: إسناده صحيح على شرط مسلم
***
في هديه صلى الله عليه وسلم في جلوسه واتكائه
كان يجلِس على الارض، وعلى الحصير، والبِساط، وقالت قَيْلَةُ بنت مَخْرَمَة: اتيتُ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو قاعد القُرفصاء، قالت: فلما رايتُ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كالمتخشِّع في الجلِسة، اُرعِدتُ من الفَرَق. ولما قدم عليه عديُّ بنُ حاتِم، دعاُه الى منزله، فالقت اليه الجاريةُ وِسادة يجلِس عليها، فجعلها بينه وبين عدي، وجلس على الارض. قال عدي: فعرفتُ انه ليس بمَلِك. وكان يستلقي احياناً، ورب وضع احدى رجليه على الاخرى، وكان يتكئ على الوِسادة، وربما اتكا على يساره، وربما اتكا على يمينه. وكان اذا احتاج في خروجه، توكا على بعض اصحابه من الضعف.
( زاد المعاد في هدي خير العباد) .
نونه طيوبه
08-15-2009, 02:11 PM
صلى الله على محمد وسلم
جزاك الله خير
مغروره ونص
08-16-2009, 10:42 PM
هــلآآ فــيكم خوآآتي ..\×
نـــورتوآآ الموضــوع ..\×
أميره في مملكتي الصغيره
08-20-2009, 01:00 AM
ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئا إلا أعطاه . قال فجاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين . فرجع إلى قومه ، فقال : يا قوم أسلموا . فإن محمدا يعطي عطاء لا يخشى الفاقة .
الراوي: أنس بن مالك المحدث: مسلم - المصدر: المسند الصحيح - الصفحة أو الرقم: 2312
خلاصة الدرجة: صحيح
***
حدثنا منصور بن ابي مزاحم. حدثنا ابراهيم (يعني ابن سعد) عن الزهري. ح وحدثني ابو عمران، محمد بن جعر بن زياد (واللفظ له). اخبرنا ابراهيم عن ابن شهاب، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبه بن مسعود، عن ابن عباس.
قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اجود الناس بالخير. وكان اجود ما يكون في شهر رمضان. ان جبريل عليه السلام كان يلقاه، في كل سنة، في رمضان حتى ينسلخ. فيعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القران. فاذا لقيه جبريل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اجود بالخير من الريح المرسلة.
[ش (وكان اجود) روي برفع اجود ونصبه: والرفع اصح واشهر. (الريح المرسلة) المراد كالريح في اسراعها وعمومها].
( صحيح مسلم - كتاب الفضائل ) .
***
جبريل ينزل بالوحي
وبعد النظر والتأمل في القرائن والدلائل يمكن لنا أن نحدد ذلك اليوم بأنه كان يوم الاثنين لإحدى وعشرين مضت من شهر رمضان ليلًا، وقد وافق 10 أغسطس سنة 610 م، وكان عمره صلى الله عليه وسلم إذ ذاك بالضبط أربعين سنة قمرية، وستة أشهر، و12 يومًا، وذلك نحو 39 سنة شمسية وثلاثة أشهر وعشرين يومًا.
أول ما بديء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَق الصبح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيَتَحَنَّث فيه ـ وهو التعبد ـ الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ: قال: (ما أنا بقارئ)، قال: (فأخذنى فغطنى حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى، فقال: اقرأ، قلت: مـا أنـا بقـارئ، قـال: فأخذنى فغطنى الثانية حتى بلـغ منـى الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثـم أرسلـني فـقـال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ}[العلق:1: 3])، فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: (زَمِّلُونى زملونى)، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة: (ما لي؟) فأخبرها الخبر، (لقد خشيت على نفسي)، فقالت خديجة: كلا، والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل ابن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة ـ وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبرانى، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي ـ فقالت له خديجة: يابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأي، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزله الله على موسى، يا ليتني فيها جَذَعا، ليتنى أكون حيًا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أو مخرجيّ هم؟) قال:نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودِىَ، وإن يدركنى يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم يَنْشَبْ ورقة أن توفي، وفَتَر الوحى.
فَتْرَة الوحى
أما مدة فترة الوحى فاختلفوا فيها على عدة أقوال. والصحيح أنها كانت أيامًا، وقد روى ابن سعد عن ابن عباس ما يفيد ذلك. وأما ما اشتهر من أنها دامت ثلاث سنوات أو سنتين ونصفًا فليس بصحيح.
وقد ظهر لى شىء غريب بعد إدارة النظر في الروايات وفي أقوال أهل العلم. ولم أر من تعرض له منهم، وهو أن هذه الأقوال والروايات تفيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجاور بحراء شهرًا واحدًا، وهو شهر رمضان من كل سنة، وذلك من ثلاث سنوات قبل النبوة،وأن سنة النبوة كانت هي آخر تلك السنوات الثلاث، وأنه كان يتم جواره بتمام شهر رمضان، فكان ينزل بعده من حراء صباحًا ـ أي لأول يوم من شهر شوال ـ ويعود إلى البيت.
وقد ورد التنصيص في رواية الصحيحين على أن الوحى الذي نزل عليه صلى الله عليه وسلم بعد الفترة إنما نزل وهو صلى الله عليه وسلم راجع إلى بيته بعد إتمام جواره بتمام الشهر.
أقول: فهذا يفيد أن الوحى الذي نزل عليه صلى الله عليه وسلم بعد الفترة إنما نزل في أول يوم من شهر شوال بعد نهاية شهر رمضان الذي تشرف فيه بالنبوة والوحى؛ لأنه كان آخر مجاورة له بحراء، وإذا ثبت أن أول نزول الوحى كان في ليلة الاثنين الحادية عشرة من شهر رمضان فإن هذا يعنى أن فترة الوحى كانت لعشرة أيام فقط. وأن الوحى نزل بعدها صبيحة يوم الخميس لأول شوال من السنة الأولى من النبوة. ولعل هذا هو السر في تخصيص العشر الأواخر من رمضان بالمجاورة والاعتكاف، وفي تخصيص أول شهر شوال بالعيد السعيد، والله أعلم.
وقد بقى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيام الفترة كئيبًا محزونًا تعتريه الحيرة والدهشة، فقد روى البخاري في كتاب التعبير ما نصه:
وفتر الوحي فترة حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزنًا عدا منه مرارًا كى يتردى من رءوس شواهق الجبال، فكلما أوْفي بذِرْوَة جبل لكى يلقى نفسه منه تَبدَّى له جبريل فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقًا، فيسكن لذلك جأشه، وتَقَرّ نفسه، فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحى غدا لمثل ذلك، فإذا أوفي بذروة الجبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك.
جبريل ينزل بالوحي مرة ثانية
قال ابن حجر: وكان ذلك [أي انقطاع الوحي أيامًا]؛ ليذهب ما كان صلى الله عليه وسلم وجده من الروع، وليحصل له التشوف إلى العود، فلما حصل له ذلك وأخذ يرتقب مجىء الوحى أكرمه الله بالوحي مرة ثانية. قال: صلى الله عليه وسلم:
(جاورت بحراء شهرًا فلما قضيت جوارى هبطت [فلما استبطنت الوادي] فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، ونظرت أمامي فلم أر شيئا، ونظرت خلفي فلم أرشيئًا، فرفعت رأسى فرأيت شيئًا، [فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فَجُئِثْتُ منه رعبًا حتى هويت إلى الأرض] فأتيت خديجة فقلت: [زملوني، زملوني]، دثرونى، وصبوا على ماء باردًا)، قال: (فدثرونى وصبوا على ماء باردًا، فنزلت: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 1: 5]) وذلك قبل أن تفرض الصلاة، ثم حمى الوحى بعد وتتابع.
وهذه الآيات هي مبدأ رسالته صلى الله عليه وسلم وهي متأخرة عن النبوة بمقدار فترة الوحى. وتشتمل على نوعين من التكليف مع بيان ما يترتب عليه:
النوع الأول: تكليفه صلى الله عليه وسلم بالبلاغ والتحذير، وذلك في قوله تعالى: {قُمْ فَأَنذِرْ} فإن معناه: حذر الناس من عذاب الله إن لم يرجعوا عما هم فيه من الغى والضلال وعبادة غير الله المتعال، والإشراك به في الذات والصفات والحقوق و الأفعال.
النوع الثاني: تكليفه صلى الله عليه وسلم بتطبيق أوامر الله سبحانه وتعالى على ذاته، والالتزام بها في نفسه؛ ليحرز بذلك مرضاة الله، ويصير أسوة حسنة لمن آمن بالله وذلك في بقية الآيات. فقوله: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} معناه: خصه بالتعظيم، ولا تشرك به في ذلك أحدًا. وقوله: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} المقصود الظاهر منه: تطهير الثياب والجسد، إذ ليس لمن يكبر الله ويقف بين يديه أن يكون نجسًا مستقذرًا. وإذا كان هذا التطهر مطلوبًا فإن التطهر من أدران الشرك وأرجاس الأعمال والأخـلاق أولـى بالطـلب، وقولــه: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} معناه: ابتعد عن أسباب سخط الله وعذابه، وذلك بالتزام طاعته وترك معصيته. وقوله: {وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} أي: لا تحسن إحسانًا تريد أجره من الناس أو تريد له جزاء أفضل في هذه الدنيا.
أما الآية الأخيرة ففيها تنبيه على ما يلحقه من أذى قومه حين يفارقهم في الدين ويقوم بدعوتهم إلى الله وحده وبتحذيرهم من عذابه وبطشه، فقال: {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ}، ثم إن مطلع الآيات تضمنت النداء العلوى ـ في صوت الكبير المتعال ـ بانتداب النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الأمر الجلل، وانتزاعه من النوم والتدثر والدفء إلى الجهاد والكفاح والمشقة: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ}، كأنه قيل: إن الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحًا، أما أنت الذي تحمل هذا العبء الكبير فما لك والنوم؟ وما لك والراحة؟ وما لك والفراش الدافئ؟ والعيش الهادئ؟ والمتاع المريح! قم للأمر العظيم الذي ينتظرك، والعبء الثقيل المهيأ لك، قم للجهد والنصب، والكد والتعب، قم فقد مضى وقت النوم والراحة، وما عاد منذ اليوم إلا السهر المتواصل، والجهاد الطويل الشاق، قم فتهيأ لهذا الأمر واستعد.
إنها كلمة عظيمة رهيبة تنزعه صلى الله عليه وسلم من دفء الفراش في البيت الهادئ والحضن الدافئ، لتدفع به في الخضم، بين الزعازع والأنواء، وبين الشد والجذب في ضمائر الناس وفي واقع الحياة سواء.
وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فظل قائمًا بعدها أكثر من عشرين عامًا؛ لم يسترح ولم يسكن، ولم يعـش لنفسه ولا لأهله. قام وظل قائمًا على دعوة الله، يحمل على عاتقه العبء الثقيل الباهظ ولا ينوء به، عبء الأمانة الكبرى في هذه الأرض، عبء البشرية كلها، عبء العقيدة كلها، وعبء الكفاح والجهاد في ميادين شتى، عاش في المعركة الدائبة المستمرة أكثر من عشرين عامًا؛ لا يلهيه شأن عن شأن في خلال هذا الأمد منذ أن سمع النداء العلوى الجليل، وتلقى منه التكليف الرهيب... جزاه الله عنا وعن البشرية كلها خير الجزاء.
وليست الأوراق الآتية إلا صورة مصغرة بسيطة من هذا الجهاد الطويل الشاق الذي قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم خلال هذا الأمد.
أميره في مملكتي الصغيره
08-20-2009, 01:21 AM
في ظلال النبوة والرسالة
في غار حراء
لما تقاربت سنه صلى الله عليه وسلم الاربعين، وكانت تاملاته الماضية قد وسعت الشقة العقلية بينه وبين قومه، حبب اليه الخلاء، فكان ياخذ السَّوِيق والماء، ويذهب الى غار حراء في جبل النور على مبعدة نحو ميلين من مكة ـ وهو غار لطيف طوله اربعة اذرع، وعرضه ذراع وثلاثة ارباع ذراع من ذراع الحديد ـ فيقيم فيه شهر رمضان، ويقضي وقته في العبادة والتفكير فيما حوله من مشاهد الكون وفيما وراءها من قدرة مبدعة، وهو غير مطمئن لما عليه قومه من عقائد الشرك المهلهلة وتصوراتها الواهية، ولكن ليس بين يديه طريق واضح، ولا منهج محدد، ولا طريق قاصد يطمئن اليه ويرضاه.
وكان اختياره صلى الله عليه وسلم لهذه العزلة طرفًا من تدبير الله له، وليكون انقطاعه عن شواغل الارض وضَجَّة الحياة وهموم الناس الصغيرة التي تشغل الحياة نقطة تحول لاستعداده لما ينتظره من الامر العظيم، فيستعد لحمل الامانة الكبرى وتغيير وجه الارض، وتعديل خط التاريخ... دبر الله له هذه العزلة قبل تكليفه بالرسالة بثلاث سنوات، ينطلق في هذه العزلة شهرًا من الزمان، مع روح الوجود الطليقة، ويتدبر ما وراء الوجود من غيب مكنون، حتى يحين موعد التعامل مع هذا الغيب عندما ياذن الله.
جبريل ينزل بالوحي
ولما تكامل له اربعون سنة ـ وهي راس الكمال، وقيل: ولها تبعث الرسل ـ بدات طلائع النبوة تلوح وتلمع، فمن ذلك ان حجرًا بمكة كان يسلم عليه، ومنها انه كان يرى الرؤيا الصادقة؛ فكان لا يرى رؤيا الا جاءت مثل فلق الصبح، حتى مضت على ذلك ستة اشهر ـ ومدة النبوة ثلاث وعشرون سنة، فهذه الرؤيا جزء من ستة واربعين جزءًا من النبوة ـ فلما كان رمضان من السنة الثالثة من عزلته صلى الله عليه وسلم بحراء شاء الله ان يفيض من رحمته على اهل الارض، فاكرمه بالنبوة، وانزل اليه جبريل بايات من القران.
وبعد النظر والتامل في القرائن والدلائل يمكن لنا ان نحدد ذلك اليوم بانه كان يوم الاثنين لاحدى وعشرين مضت من شهر رمضان ليلًا، وقد وافق 10 اغسطس سنة 610 م، وكان عمره صلى الله عليه وسلم اذ ذاك بالضبط اربعين سنة قمرية، وستة اشهر، و12 يومًا، وذلك نحو 39 سنة شمسية وثلاثة اشهر وعشرين يومًا.
ولنستمع الى عائشة الصديقة رضي الله عنها تروى لنا قصة هذه الوقعة التي كانت نقطة بداية النبوة، واخذت تفتح دياجير ظلمات الكفر والضلال حتى غيرت مجرى الحياة، وعدلت خط التاريخ، قالت عائشة رضي الله عنها.
اول ما بديء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا الا جاءت مثل فَلَق الصبح، ثم حُبِّبَ اليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيَتَحَنَّث فيه ـ وهو التعبد ـ الليالي ذوات العدد قبل ان ينزع الى اهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع الى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرا: قال: (ما انا بقارئ)، قال: (فاخذنى فغطنى حتى بلغ منى الجهد، ثم ارسلنى، فقال: اقرا، قلت: مـا انـا بقـارئ، قـال: فاخذنى فغطنى الثانية حتى بلـغ منـى الجهد، ثم ارسلني فقال: اقرا، فقلت: ما انا بقارئ، فاخذني فغطني الثالثة، ثـم ارسلـني فـقـال: {اقْرَاْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْاِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَاْ وَرَبُّكَ الْاَكْرَمُ}[العلق:1: 3])، فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: (زَمِّلُونى زملونى)، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة: (ما لي؟) فاخبرها الخبر، (لقد خشيت على نفسي)، فقالت خديجة: كلا، والله ما يخزيك الله ابدًا، انك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى اتت به ورقة بن نوفل ابن اسد بن عبد العزى ابن عم خديجة ـ وكان امرا تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبرانى، فيكتب من الانجيل بالعبرانية ما شاء الله ان يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي ـ فقالت له خديجة: يابن عم، اسمع من ابن اخيك، فقال له ورقة: يابن اخي، ماذا ترى؟ فاخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما راي، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزله الله على موسى، يا ليتني فيها جَذَعا، ليتنى اكون حيًا اذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (او مخرجيّ هم؟) قال:نعم، لم يات رجل قط بمثل ما جئت به الا عُودِىَ، وان يدركنى يومك انصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم يَنْشَبْ ورقة ان توفي، وفَتَر الوحى.
فَتْرَة الوحى
اما مدة فترة الوحى فاختلفوا فيها على عدة اقوال. والصحيح انها كانت ايامًا، وقد روى ابن سعد عن ابن عباس ما يفيد ذلك. واما ما اشتهر من انها دامت ثلاث سنوات او سنتين ونصفًا فليس بصحيح.
وقد ظهر لى شىء غريب بعد ادارة النظر في الروايات وفي اقوال اهل العلم. ولم ار من تعرض له منهم، وهو ان هذه الاقوال والروايات تفيد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجاور بحراء شهرًا واحدًا، وهو شهر رمضان من كل سنة، وذلك من ثلاث سنوات قبل النبوة،وان سنة النبوة كانت هي اخر تلك السنوات الثلاث، وانه كان يتم جواره بتمام شهر رمضان، فكان ينزل بعده من حراء صباحًا ـ اي لاول يوم من شهر شوال ـ ويعود الى البيت.
وقد ورد التنصيص في رواية الصحيحين على ان الوحى الذي نزل عليه صلى الله عليه وسلم بعد الفترة انما نزل وهو صلى الله عليه وسلم راجع الى بيته بعد اتمام جواره بتمام الشهر.
اقول: فهذا يفيد ان الوحى الذي نزل عليه صلى الله عليه وسلم بعد الفترة انما نزل في اول يوم من شهر شوال بعد نهاية شهر رمضان الذي تشرف فيه بالنبوة والوحى؛ لانه كان اخر مجاورة له بحراء، واذا ثبت ان اول نزول الوحى كان في ليلة الاثنين الحادية عشرة من شهر رمضان فان هذا يعنى ان فترة الوحى كانت لعشرة ايام فقط. وان الوحى نزل بعدها صبيحة يوم الخميس لاول شوال من السنة الاولى من النبوة. ولعل هذا هو السر في تخصيص العشر الاواخر من رمضان بالمجاورة والاعتكاف، وفي تخصيص اول شهر شوال بالعيد السعيد، والله اعلم.
وقد بقى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ايام الفترة كئيبًا محزونًا تعتريه الحيرة والدهشة، فقد روى البخاري في كتاب التعبير ما نصه:
وفتر الوحي فترة حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزنًا عدا منه مرارًا كى يتردى من رءوس شواهق الجبال، فكلما اوْفي بذِرْوَة جبل لكى يلقى نفسه منه تَبدَّى له جبريل فقال: يا محمد، انك رسول الله حقًا، فيسكن لذلك جاشه، وتَقَرّ نفسه، فيرجع، فاذا طالت عليه فترة الوحى غدا لمثل ذلك، فاذا اوفي بذروة الجبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك.
جبريل ينزل بالوحي مرة ثانية
قال ابن حجر: وكان ذلك [اي انقطاع الوحي ايامًا]؛ ليذهب ما كان صلى الله عليه وسلم وجده من الروع، وليحصل له التشوف الى العود، فلما حصل له ذلك واخذ يرتقب مجىء الوحى اكرمه الله بالوحي مرة ثانية. قال: صلى الله عليه وسلم:
(جاورت بحراء شهرًا فلما قضيت جوارى هبطت [فلما استبطنت الوادي] فنوديت، فنظرت عن يميني فلم ار شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم ار شيئًا، ونظرت امامي فلم ار شيئا، ونظرت خلفي فلم ارشيئًا، فرفعت راسى فرايت شيئًا، [فاذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والارض، فَجُئِثْتُ منه رعبًا حتى هويت الى الارض] فاتيت خديجة فقلت: [زملوني، زملوني]، دثرونى، وصبوا على ماء باردًا)، قال: (فدثرونى وصبوا على ماء باردًا، فنزلت: {يَا اَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَاَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 1: 5]) وذلك قبل ان تفرض الصلاة، ثم حمى الوحى بعد وتتابع.
وهذه الايات هي مبدا رسالته صلى الله عليه وسلم وهي متاخرة عن النبوة بمقدار فترة الوحى. وتشتمل على نوعين من التكليف مع بيان ما يترتب عليه:
النوع الاول: تكليفه صلى الله عليه وسلم بالبلاغ والتحذير، وذلك في قوله تعالى: {قُمْ فَاَنذِرْ} فان معناه: حذر الناس من عذاب الله ان لم يرجعوا عما هم فيه من الغى والضلال وعبادة غير الله المتعال، والاشراك به في الذات والصفات والحقوق و الافعال.
النوع الثاني: تكليفه صلى الله عليه وسلم بتطبيق اوامر الله سبحانه وتعالى على ذاته، والالتزام بها في نفسه؛ ليحرز بذلك مرضاة الله، ويصير اسوة حسنة لمن امن بالله وذلك في بقية الايات. فقوله: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} معناه: خصه بالتعظيم، ولا تشرك به في ذلك احدًا. وقوله: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} المقصود الظاهر منه: تطهير الثياب والجسد، اذ ليس لمن يكبر الله ويقف بين يديه ان يكون نجسًا مستقذرًا. واذا كان هذا التطهر مطلوبًا فان التطهر من ادران الشرك وارجاس الاعمال والاخـلاق اولـى بالطـلب، وقولــه: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} معناه: ابتعد عن اسباب سخط الله وعذابه، وذلك بالتزام طاعته وترك معصيته. وقوله: {وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} اي: لا تحسن احسانًا تريد اجره من الناس او تريد له جزاء افضل في هذه الدنيا.
اما الاية الاخيرة ففيها تنبيه على ما يلحقه من اذى قومه حين يفارقهم في الدين ويقوم بدعوتهم الى الله وحده وبتحذيرهم من عذابه وبطشه، فقال: {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ}، ثم ان مطلع الايات تضمنت النداء العلوى ـ في صوت الكبير المتعال ـ بانتداب النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الامر الجلل، وانتزاعه من النوم والتدثر والدفء الى الجهاد والكفاح والمشقة: {يَا اَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَاَنذِرْ}، كانه قيل: ان الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحًا، اما انت الذي تحمل هذا العبء الكبير فما لك والنوم؟ وما لك والراحة؟ وما لك والفراش الدافئ؟ والعيش الهادئ؟ والمتاع المريح! قم للامر العظيم الذي ينتظرك، والعبء الثقيل المهيا لك، قم للجهد والنصب، والكد والتعب، قم فقد مضى وقت النوم والراحة، وما عاد منذ اليوم الا السهر المتواصل، والجهاد الطويل الشاق، قم فتهيا لهذا الامر واستعد.
انها كلمة عظيمة رهيبة تنزعه صلى الله عليه وسلم من دفء الفراش في البيت الهادئ والحضن الدافئ، لتدفع به في الخضم، بين الزعازع والانواء، وبين الشد والجذب في ضمائر الناس وفي واقع الحياة سواء.
وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فظل قائمًا بعدها اكثر من عشرين عامًا؛ لم يسترح ولم يسكن، ولم يعـش لنفسه ولا لاهله. قام وظل قائمًا على دعوة الله، يحمل على عاتقه العبء الثقيل الباهظ ولا ينوء به، عبء الامانة الكبرى في هذه الارض، عبء البشرية كلها، عبء العقيدة كلها، وعبء الكفاح والجهاد في ميادين شتى، عاش في المعركة الدائبة المستمرة اكثر من عشرين عامًا؛ لا يلهيه شان عن شان في خلال هذا الامد منذ ان سمع النداء العلوى الجليل، وتلقى منه التكليف الرهيب... جزاه الله عنا وعن البشرية كلها خير الجزاء.
وليست الاوراق الاتية الا صورة مصغرة بسيطة من هذا الجهاد الطويل الشاق الذي قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم خلال هذا الامد.
اقسام الوحى
وقبل الدخول في موضوع هذا الجهاد ارى من الاحسن ان استطرد الى بيان اقسام الوحى ومراتبه.
قال ابن القيم، وهو يذكر تلك المراتب:
احداها: الرؤيا الصادقة، وكانت مبدا وحيه صلى الله عليه وسلم.
الثانية: ما كان يلقيه الملك في روعه وقلبه من غير ان يراه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ان روح القدس نفث في روعى انه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله واجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على ان تطلبوه بمعصية الله، فان ما عند الله لا ينال الا بطاعته).
الثالثة: انه صلى الله عليه وسلم كان يتمثل له الملك رجلًا فيخاطبه حتى يَعِىَ عنه ما يقول له، وفي هذه المرتبة كان يراه الصحابة احيانًا.
الرابعة: انه كان ياتيه في مثل صلصلة الجرس، وكان اشده عليه، فيلتبس به الملك، حتى ان جبينه ليتَفَصَّد عرقًا في اليوم الشديد البرد، وحتى ان راحلته لتبرك به الى الارض اذا كان راكبها، ولقد جاء الوحى مرة كذلك وفخذه على فخذ زيد بن ثابت، فثقلت عليه حتى كادت ترضها.
الخامسة: انه يرى الملك في صورته التي خلق عليها، فيوحى اليه ما شاء الله ان يوحيه، وهذا وقع له مرتين كما ذكر الله ذلك في سورة النجم.
السادسة: ما اوحاه الله اليه، وهو فوق السموات ليلة المعراج من فرض الصلاة وغيرها.
السابعة: كلام الله له منه اليه بلا واسطة ملك كما كلم الله موسى بن عمران، وهذه المرتبة هي ثابتة لموسى قطعًا بنص القران. وثبوتها لنبينا صلى الله عليه وسلم هو في حديث الاسراء.
وقـد زاد بعضهم مرتبة ثامنة؛ وهي تكليم الله له كفاحًا من غير حجاب، وهي مسالة خلاف بين السلف والخلف. انتهي مع تلخيص يسير في بيان المرتبة الاولى والثامنة.
المرحلة الاولى: من جهاد الدعوة الي الله
ثلاث سنوات من الدعوة السرية
قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول ما تقدم من ايات سورة المدثر، بالدعوة الى الله سبحانه وتعالى؛ وحيث ان قومه كانوا جفاة لا دين لهم الا عبادة الاصنام والاوثان، ولا حجة لهم الا انهم الفوا اباءهم على ذلك، ولا اخلاق لهم الا الاخذ بالعزة والانفة، ولا سبيل لهم في حل المشاكل الا السيف، وكانوا مع ذلك متصدرين للزعامة الدينية في جزيرة العرب، ومحتلين مركزها الرئيس، ضامنين حفظ كيانها، فقد كان من الحكمة تلقاء ذلك ان تكون الدعوة في بدء امرها سرية؛ لئلا يفاجئ اهل مكة بما يهيجهم.
وكان من الطبيعى ان يعرض الرسول صلى الله عليه وسلم الاسلام اولًا على الصق الناس به من اهل بيته، واصدقائه، فدعاهم الى الاسلام، ودعا اليه كل من توسم فيه الخير ممن يعرفهم ويعرفونه، يعرفهم بحب الحق والخير، ويعرفونه بتحرى الصدق والصلاح، فاجابه من هؤلاء ـ الذين لم تخالجهم ريبة قط في عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم وجلالة نفسه وصدق خبره ـ جَمْعٌ عُرِفوا في التاريخ الاسلامى بالسابقين الاولين، وفي مقدمتهم زوجة النبي صلى الله عليه وسلم ام المؤمنين خديجة بنت خويلد، ومولاه زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي وابن عمه علي بن ابي طالب ـ وكان صبيًا يعيش في كفالة الرسول صلى الله عليه وسلم ـ وصديقه الحميم ابو بكر الصديق. اسلم هؤلاء في اول يوم الدعوة.
ثم نشط ابو بكر في الدعوة الى الاسلام، وكان رجلًا مالفًا محببًا سهلًا ذا خلق ومعروف،وكان رجال قومه ياتونه ويالفونه؛ لعلمه وتجارته وحسن مجالسته، فجعل يدعو من يثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس اليه، فاسلم بدعوته عثمان بن عفان الاموى، والزبير بن العوام الاسدى، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن ابي وقاص الزهريان، وطلحة بن عبيد الله التيمي. فكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا الناس هم الرعيل الاول وطليعة الاسلام.
ثم تلا هؤلاء امين هذه الامة ابو عبيدة عامر بن الجراح من بني الحارث بن فهر، وابو سلمة بن عبد الاسد المخزومى، وامراته ام سلمة، والارقم بن ابي الارقم المخزومى، وعثمان بن مظعون الجُمَحِىّ واخواه قدامة وعبد الله، وعبيدة بن الحارث ابن المطلب بن عبد مناف، وسعيد بن زيد العدوى، وامراته فاطمة بنت الخطاب العدوية اخت عمر بن الخطاب، وخباب بن الارت التميمى، وجعفر بن ابي طالب، وامراته اسماء بنت عُمَيْس، وخالد بن سعيد بن العاص الاموى، وامراته امينة بنت خلف، ثم اخوه عمرو بن سعيد بن العاص، وحاطب بن الحارث الجمحي، وامراته فاطمة بنت المُجَلِّل واخوه الخطاب بن الحارث، وامراته فُكَيْهَة بنت يسار، واخوه معمر ابن الحارث، والمطلب بن ازهر الزهري، وامراته رملة بنت ابي عوف، ونعيم بن عبد الله بن النحام العدوي، وهؤلاء كلهم قرشيون من بطون وافخاذ شتى من قريش.
ومن السابقين الاولين الى الاسلام من غير قريش: عبد الله بن مسعود الهذلي، ومسعود بن ربيعة القاري، وعبد الله بن جحش الاسدي واخوه ابو احمد بن جحش، وبلال بن رباح الحبشي، صُهَيْب بن سِنان الرومي، وعمار بن ياسر العنسي، وابوه ياسر، وامه سمية، وعامر بن فُهيرة.
وممن سبق الى الاسلام من النساء غير من تقدم ذكرهن: ام ايمن بركة الحبشية، وام الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث الهلالية زوج العباس بن عبد المطلب، واسماء بنت ابي بكر الصديق رضي الله عنهما.
هؤلاء معروفون بالسابقين الاولين، ويظهر بعد التتبع والاستقراء ان عدد الموصوفين بالسبق الى الاسلام وصل الى مائة وثلاثين رجلًا وامراة، ولكن لا يعرف بالضبط انهم كلهم اسلموا قبل الجهر بالدعوة او تاخر اسلام بعضهم الى الجهر بها.
****
وبعد تأكد النبي صلى الله عليه وسلم من تعهد أبي طالب بحمايته وهو يبلغ عن ربه، صعد النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم على الصفا، فعلا أعلاها حجرًا، ثم هتف: (يا صباحاه)
وكانت كلمة إنذار تخبر عن هجوم جيش أو وقوع أمر عظيم.
ثم جعل ينادى بطون قريش، ويدعوهم قبائل قبائل: (يا بني فهر، يا بني عدى، يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب).
فلما سمعوا قالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد. فأسرع الناس إليه، حتى إن الرجل إذا لم يستطع أن يخرج إليه أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش.
فلما اجتمعوا قال: (أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادى بسَفْح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم أكنتم مُصَدِّقِىَّ؟).
قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبًا، ما جربنا عليك إلا صدقًا.
قال: (إنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد، إنما مثلى ومثلكم كمثل رجل رأي العَدُوّ فانطلق يَرْبَأ أهله)( أي يتطلع وينظر لهم من مكان مرتفع لئلا يدهمهم العدو) (خشى أن يسبقوه فجعل ينادى: يا صباحاه)
ثم دعاهم إلى الحق، وأنذرهم من عذاب الله، فخص وعم فقال:
(يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، أنقذوا أنفسكم من النار، فإنى لا أملك لكم من الله ضرًا ولا نفعًا، ولا أغنى عنكم من الله شيئًا.
يا بني كعب بن لؤى، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم ضرًا ولا نفعًا.
يا بني مرة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار.
يا معشر بني قصى، أنقذوا أنفسكم من النار، فإنى لا أملك لكم ضرًا ولا نفعًا.
يا معشر بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار، فإنى لا أملك لكم من الله ضرًا ولا نفعًا، ولا أغنى عنكم من الله شيئًا.
يا بني عبد شمس، أنقذوا أنفسكم من النار.
يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار.
يا معشر بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار، فإنى لا أملك لكم ضرًا ولا نفعًا، ولا أغنى عنكم من الله شيئًا، سلونى من مالى ماشئتم، لا أملك لكم من الله شيئًا.
يا عباس بن عبد المطلب، لا أغنى عنك من الله شيئًا.
يا صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله، لا أغنى عنك من الله شيئًا.
يا فاطمة بنت محمد رسول الله، سلينى ما شئت من مالى، أنقذى نفسك من النار، فإنى لا أملك لك ضرًا ولا نفعًا، ولا أغنى عنك من الله شيئًا.
غير أن لكم رحمًا سأبُلُّها بِبلاَلها) أي أصلها حسب حقها.
ولما تم هذا الإنذار انفض الناس وتفرقوا، ولا يذكر عنهم أي ردة فعل، سوى أن أبا لهب واجه النبي صلى الله عليه وسلم بالسوء، وقال: تبا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [سورة المسد:1].
كانت هذه الصيحـة العالية هي غاية البلاغ، فقد أوضح الرسول صلى الله عليه وسلم لأقرب الناس إليه أن التصديق بهذه الرسالة هو حياة الصلات بينه وبينهم، وأن عصبة القرابة التي يقوم عليها العرب ذابت في حرارة هذا الإنذار الآتى من عند الله.
ولم يزل هذا الصوت يرتج دويه في أرجاء مكة حتى نزل قوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [الحجر:94]، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر بالدعوة إلى الإسلام في مجامع المشركين ونواديهم، يتلو عليهم كتاب الله، ويقول لهم ما قالته الرسل لأقوامهم: {يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف:59]،وبدء يعبد الله تعالى أمام أعينهم، فكان يصلى بفناء الكعبة نهارًا جهارًا وعلى رءوس الأشهاد.
وقد نالت دعوته مزيدًا من القبول، ودخل الناس في دين الله واحدًا بعد واحد. وحصل بينهم وبين من لم يسلم من أهل بيتهم تباغض وتباعد وعناد واشمأزت قريش من كل ذلك، وساءهم ما كانوا يبصرون.
( الرحيق المختوم)
أميره في مملكتي الصغيره
08-20-2009, 02:20 PM
وفد عبد القيس:
كانت لهذه القبيلة وفادتان: الاولي سنة خمس من الهجرة او قبل ذلك. كان رجل منهم يقال له مُنْقِذُ بن حيان، يَرِدُ المدينة بالتجارة، فلما جاء المدينة بتجارته بعد مقدم النبي صلى الله عليه وسلم، وعلم الاسلام اسلم، وذهب بكتاب من النبي صلى الله عليه وسلم الى قومه فاسلموا، فتوافدوا اليه في شهر حرام في ثلاثة او اربعة عشر رجلاً، وفيها سالوا عن الايمان وعن الاشربة، وكان كبيرهم الاشج العصري الذي قال فيه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (ان فيك خصلتين يحبهما اللّه: الحلم والاناة).
والوفادة الثانية كانت في سنة الوفود، وكان عددهم فيها اربعين رجلاً، وكان فيهم الجارود بن العلاء العبدي، وكان نصرانياً فاسلم وحسن اسلامه.
وفد دَوْس:
كانت وفادة هذه القبيلة في اوائل سنة سبع، ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم بخيبر ، وقد قدمنا حديث اسلام الطُّفَيْل بن عمرو الدوسي، وانه اسلم ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم بمكة، ثم رجع الى قومه، فلم يزل يدعوهم الى الاسلام، ويبطئون عليه حتى يئس منهم، ورجع الى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فطلب منه ان يدعو على دوس، فقال: (اللهم اهد دوساً). ثم اسلم هؤلاء، فوفد الطفيل بسبعين او ثمانين بيتا من قومه الى المدينة في اوائل سنة سبع، ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم بخيبر، فلحق به.
فَرْوَة بن عمرو الجُذَامي:
كان فروة قائداً عربياً من قواد الرومان، عاملاً لهم على من يليهم من العرب، وكان منزله مَعَان وما حوله من ارض الشام، اسلم بعد ما راي من جلاد المسلمين وشجاعتهم، وصدقهم اللقاء في معركة مؤتة سنة 8 هـ، ولما اسلم بعث الى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم رسولاً باسلامه،
وفد صُدَاء:
جاء هذا الوفد عقب انصراف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من الجِعْرَانة سنة 8 هـ ، وذلك ان رسول اللّّه صلى الله عليه وسلم هيا بعثاً من اربعمائة من المسلمين، وامرهم ان يطاوا ناحية من اليمن فيها صُدَاء، وبينما ذلك البعث معسكر بصَدْرِ قَنَاة علم به زياد بن الحارث الصدائي، فجاء الى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال: جئتك وافداً على مَنْ ورائي، فاردد الجيش وانا لك بقومي، فرد الجيش من صدر قناة، وجاء الصدائي الى قومه فرغبهم في القدوم على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فقدم عليه خمسة عشر رجلاً منهم، وبايعوه على الاسلام،
كعب بن زهير بن ابي سلمى:
كان من بيت الشعراء، ومن اشعر العرب، وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم، فلما انصرف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من غزوة الطائف سنة 8هـ ، كتب الى كعب بن زهير اخوه بُجَيْر بن زهير ان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قتل رجالاً بمكة ممن كانوا يهجونه ويؤذونه، ومن بقي من شعراء قريش هربوا في كل وجه، فان كانت لك في نفسك حاجة فَطِرْ الى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فانه لا يقتل احداً جاء تائباً، والا فانج الى نجاتك، ثم جري بين الاخوين مراسلات ضاقت لاجلها الارض على كعب، واشفق على نفسه، فجاء المدينة، ونزل على رجل من جُهَيْنَةَ، وصلي معه الصبح، فلما انصرف اشار عليه الجهني، فقام الى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حتى جلس اليه، فوضع يده في يده، وكان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لا يعرفه فقال: يا رسول اللّه، ان كعب بن زهير قد جاء ليستامن منك تائباً مسلماً، فهل انت قابل منه ان انا جئتك به؟ قال: (نعم). قال: انا كعب بن زهير، فوثب عليه رجل من الانصار يستاذن ضرب عنقه، فقال: (دعه عنك، فانه قد جاء تائباً نازعاً عما كان عليه).
وفد عُذْرَة:
قدم هذا الوفد في صفر سنة 9 هـ، وهم اثنا عشر رجلاً فيهم حمزة بن النعمان، قال متكلمهم حين سئلوا (من القوم؟): نحن بنو عُذْرَة، اخوة قُصَي لامه، نحن الذين عضدوا قصياً، وازاحوا من بطن مكة خزاعة وبني بكر، لنا قرابات وارحام، فرحب بهم النبي صلى الله عليه وسلم، وبشرهم بفتح الشام، ونهاهم عن سؤال الكاهنة، وعن الذبائح التي كانوا يذبحونها. اسلموا واقاموا اياماً ثم رجعوا.
وفد بَلِي:
قدم في ربيع الاول سنة 9 هـ، واسلم واقام بالمدينة ثلاثاً، وقد سال رئيسهم ابو الضُّبَيْب عن الضيافة هل فيها اجر؟ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (نعم، وكل معروف صنعته الى غني او فقير فهو صدقة)، وسال عن وقت الضيافة، فقال: (ثلاثة ايام)، وسال عن ضالة الغنم، فقال: (هي لك او لاخيك او للذنب)، وسال عن ضالة البعير. فقال: (مالك وله؟ دعه حتى يجده صاحبه).
وفد ثقيف:
كانت وفادتهم في رمضان سنة 9 هـ،
ملوك اليمن:
وبعد مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك قدم كتاب ملوك حِمْيَر، وهم الحارث بن عبد كُلال، ونعيم بن عبد كلال، والنعمان، وقَيْلُ ذي رُعَيْن وهَمْدَان ومُعَافِر، ورسولهم اليه صلى الله عليه وسلم مالك بن مرة الرَّهَاوي، بعثوه باسلامهم ومفارقتهم الشرك واهله، وكتب اليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً بَيَّنَ فيه ما للمؤمنين وما عليهم، واعطي فيه المعاهدين ذمة اللّه وذمة رسوله اذا اعطوا ما عليهم من الجزية وبعث اليهم رجالاً من اصحابه اميرهم معاذ بن جبل، وجعله على الكورة العلياء من جهة عَدَن بين السَّكُون والسَّكَاسِك، وكان قاضياً وحاكماً في الحروب، وعاملاً على اخذ الصدقة والجزية، ويصلي بهم الصلوات الخمس،
وفد همدان:
قدموا سنة 9هـ بعد مرجعه صلى الله عليه وسلم من تبوك، فكتب لهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كتاباً اقطعهم فيه ما سالوه، وامر عليهم مالك بن النَّمَطَ، واستعمله على من اسلم من قومه، وبعث الى سائرهم خالد بن الوليد يدعوهم الى الاسلام، فاقام ستة اشهر يدعوهم فلم يجيبوه، ثم بعث على بن ابي طالب، وامره ان يَقْفُلَ خالداً، فجاء على الى همدان، وقرا عليهم كتاباً من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ودعاهم الى الاسلام فاسلموا جميعاً،
وفد بني فَزَارَة:
قدم هذا الوفد سنة 9هـ بعد مرجعه صلى الله عليه وسلم من تبوك،
وفد نجران:
[نجران] بفتح النون وسكون الجيم: بلد كبير على سبع مراحل من مكة الى جهة اليمن، كان يشتمل على ثلاث وسبعين قرية، مسيرة يوم للراكب السريع ، وكان يؤلف مائة الف مقاتل كانوا يدينون بالنصرانية.
وكانت وفادة اهل نجران سنة 9هـ،
وفد بني حنيفة:
كانت وفادتهم سنة 9 هـ،جاءوا الى النبي صلى الله عليه وسلم فاسلموا.
وفد بني عامر بن صَعْصَعَة
وفد تُجِيب:
قدم هذا الوفد بصدقات قومه مما فضل عن فقرائهم، وكان الوفد ثلاثة عشر رجلاً، وكانوا يسالون عن القران والسنن يتعلمونها، وسالوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم اشياء فكتب لهم بها، ولم يطيلوا اللبث، ولما اجازهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بعثوا اليه غلاماً كانوا خلفوه في رحالهم، فجاء الغلام، وقال: واللّه ما اعْمَلَنِي من بلادي الا ان تسال اللّه عز وجل ان يغفر لي ويرحمني، وان يجعل غناي في قلبي، فدعا له بذلك. فكان اقنع الناس، وثبت في الردة على الاسلام، وذكر قومه ووعظهم فثبتوا عليه، والتقي اهل الوفد بالنبي صلى الله عليه وسلم مرة اخري في حجة الوداع سنة 01 هـ.
وفد طيِّـئ:
قدم هذا الوفد وفيهم زَيْدُ الخَيْلِ ، فلما كلموا النبي صلى الله عليه وسلم، وعرض عليهم الاسلام اسلموا وحسن اسلامهم، وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن زيد: (ما ذكر لي رجل من العرب بفضل، ثم جاءني الا رايته دون ما يقال فيه ، الا زيد الخيل، فانه لم يبلغ كل ما فيه)، وسماه زيد الخير.
( الرحيق المختوم ) .
*فلسطينية وأفتخر*
08-20-2009, 03:51 PM
جزاك الله الجنة اختي موضوع رائع وبحق..
في ميزان حسناتك باذن الله..
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..
أميره في مملكتي الصغيره
08-20-2009, 06:38 PM
اثنا عشر نقيبًا
وبعد ان تمت البيعة طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يختاروا اثنى عشر زعيمًا يكونون نقباء على قومهم، يكفلون المسئولية عنهم في تنفيذ بنود هذه البيعة، فقال للقوم: اخرجوا الىّ منكم اثنى عشر نقيبًا ليكونوا على قومهم بما فيهم.
فتم اختيارهم في الحال، وكانوا تسعة من الخزرج وثلاثة من الاوس.وهاك اسماءهم:
نقباء الخزرج
1ـ اسعد بن زُرَارَة بن عدس.
2ـ سعد بن الرَّبِيع بن عمرو.
3ـ عبد الله بن رواحة بن ثعلبة.
4ـ رافع بن مالك بن العَجْلان.
5ـ البراء بن مَعْرُور بن صَخْر.
6ـ عبد الله بن عمرو بن حَرَام.
7ـ عبادة بن الصامت بن قيس.
8 ـ سعد بن عبادة بن دُلَيْم.
9ـ المنذر بن عمرو بن خُنَيْس.
نقباء الاوس
1ـ اُسَيْد بن حُضَيْر بن سِمَاك.
2ـ سعد بن خَيْثَمَة بن الحارث.
3ـ رفاعة بن عبد المنذر بن زبير.
ولما تم اختيار هؤلاء النقباء اخذ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ميثاقًا اخر بصفتهم رؤساء مسئولين.
قال لهم: (انتم على قومكم بما فيهم كفلاء، ككفالـة الحواريين لعيسى ابن مريم، وانا كفيل على قومي) ـ يعنى المسلمين ـ قالوا: نعم.
( الرحيق المختوم ) .
شيطان يكتشف المعاهدة
ولما تم ابرام المعاهدة، وكان القوم على وشك الارفضاض، اكتشفها احد الشياطين؛ وحيث ان هذا الاكتشاف جاء في اللحظة الاخيرة، ولم يكن يمكن ابلاغ زعماء قريش هذا الخبر سرًا، ليباغتوا المجتمعين وهم في الشعب، قام ذلك الشيطان على مرتفع من الارض،وصاح بانفذ صوت سمع قط: يا اهل الجَبَاجب ـ المنازل ـ هل لكم في مُذَمَّم والصباة معه؟ قد اجتمعوا على حربكم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذا ازَبُّ العقبة، اما والله يا عدو الله لاتفرغن لك. ثم امرهم ان ينفضوا الى رحالهم).
استعداد الانصار لضرب قريش
وعند سماع صوت هذا الشيطان قال العباس بن عبادة بن نضلة: والذي بعثك بالحق، ان شئت لنميلن على اهل منى غدًا باسيافنا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا الى رحالكم)، فرجعوا وناموا حتى اصبحوا.
قريش تقدم الاحتجاج الى رؤساء يثرب
لما قـرع هذا الخبر اذان قريش وقعت فيهم ضجة، وساورتهم القلاقل والاحزان؛ لانهم كانوا على معرفة تامة بعواقب مثل هذه البيعة ونتائجها بالنسبة الى انفسهم واموالهم، فما ان اصبحوا حتى توجه وفد كبير من زعماء مكة واكابر مجرميها الى اهل يثرب؛ ليقدم احتجاجه الشديد على هذه المعاهدة، قال الوفد:
(يا معشر الخزرج، انه قد بلغنا انكم قد جئتم الى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين اظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وانه والله ما من حى من العرب ابغض الينا من ان تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم).
ولما كان مشركو الخزرج لا يعرفون شيئًا عن هذه البيعة؛ لانها تمت في سرية تامة في ظلام الليل، انبعث هؤلاء المشركون يحلفون بالله: ما كان من شيء وما علمناه، حتى اتوا عبد الله بن ابي بن سلول، فجعل يقول: هذا باطل، وما كان هذا،وما كان قومى ليفتاتوا على بمثل هذا، ولو كنت بيثرب ما صنع قومي هذا حتى يؤامروني.
اما المسلمون فنظر بعضهم الى بعض، ثم لاذوا بالصمت، فلم يتحدث احد منهم بنفي او اثبات.
ومال زعماء قريش الى تصديق المشركين، فرجعوا خائبين.
( الرحيق المختوم)
****
لما تمت هذه البيعةُ استاذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يميلوا على اهل العقبةِ باسيافهم، فلم ياذَنْ لهم في ذلك، وصرخَ الشيطانُ عَلَى العَقَبَةِ بانفَذِ صوت سُمِع: يا اهلَ الجباجب هل لكم في مُذَمَّمٍ والصُّبَاةُ معه قد اجتمعوا على حربكم ؟ فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (هذا اَزَبُّ العقبة، هذا ابنُ ازيْب، اما واللهِ يا عدُوَّ الله لاَتَفَرَّغَنَّ لَكَ).
ثم امرهم ان ينفضُّوا الى رحالهم، فلما اصبحَ القومُ، غدَتْ عليهم جِلَّةُ قريش واشرافهُم حتى دخلوا شِعب الانصار، فقالوا: يا معشرَ الخزرجِ ؛ انه بلغنا انكم لَقِيتُم صاحِبَنَا البارحة، وواعدتمُوه ان تُبايعُوه على حربنا، وايمُ اللهِ ما حىٌ مِن العرب ابغضَ الينا من ان يَنْشَبَ بيننا وبينه الحربُ مِنكم، فانبعثَ مَن كان هُناك من الخزرج مِن المشركين، يحلِفُونَ لهم بالله: ما كان هذا وما عَلِمْنا، وجعل عبدُ الله بنُ اُبَىّ بن سلول يقول: هذا باطل، وما كان هذا، وما كان قومى لِيفتاتُوا عَلَىّ مِثل هذا، لو كنتُ بيثربَ ما صنع قومى هذا حتى يُؤامرونى، فرجعتْ قريش مِن عندهم، ورحل البراءُ بن معرور، فتقدَّم الى بطنِ يَاْجَج، وتلاحق اصحابُه مِن المسلمين، وتطلَّبتهُم قريشٌ، فادركوا سعدَ بْنَ عُبادة، فربطوا يديهِ الى عُنقهِ بِنسْعِ رَحْلِه، وجعلوا يضرِبُونه، ويَجرُّونه، ويَجْذِبونَهُ بِجُمَّتِهِ حتى ادخلُوه مكَّة، فجاء مُطْعِمُ بنُ عدى والحارث بن حرب بن اُمية، فخلصَّاه من ايديهم، وتشاوَرَتِ الانصارُ حين فقدُوه اَن يَكِرُّوا اليه، فاذا سَعْدُ قد طَلَعَ عليهم، فوصلَ القومُ جميعاً الى المدينةِ.
( زاد المعاد في هدي خير العباد)
***
الهجره الى الحبشه
لما ضاقت مكة، واوذي اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفتنوا، وراوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، وان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في منعة من قومه، ومن عمه، لا يصل اليه شيء مما يكره، ومما ينال اصحابه
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ان بارض الحبشة ملكاً لا يظلم احد عنده فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما انتم فيه)).
فخرجنا اليها ارسالاً حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار الى خير جار امنين على ديننا، ولم نخش فيها ظلماً، فلما رات قريش انا قد اصبنا داراً وامناً، غاروا منا، فاجتمعوا على ان يبعثوا الى النجاشي فينا ليخرجونا من بلاده، وليردنا عليهم، فبعثوا عمرو بن العاص وعبد الله بن ابي ربيعة، فجمعوا له هدايا ولبطارقته، فلم يدعوا منهم رجلاً الا هيئوا له هدية على حدة.
وقالوا لهما: ادفعوا الى كل بطريق هديته قبل ان تتكلموا فيهم، ثم ادفعوا اليه هداياه، فان استطعتم ان يردهم عليكم قبل ان يكلمهم فافعلوا.
فقدما عليه فلم يبق بطريق من بطارقته الا قدموا اليه هديته، فكلموه فقالوا له: انما قدمنا على هذا الملك في سفهائنا، فارقوا اقوامهم في دينهم ولم يدخلوا في دينكم.
فبعثنا قومهم ليردهم الملك عليهم، فاذا نحن كلمناه فاشيروا عليه بان يفعل فقالوا: نفعل، ثم قدَّموا الى النجاشي هداياه، وكان من احب ما يهدون اليه من مكة الادم - وذكر موسى بن عقبة: انهم اهدوا اليه فرساً، وجبة ديباج - فلما ادخلوا عليه هداياه.
قالوا له: ايها الملك ان فتية منا سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاؤا بدين مبتدع لا نعرفه، وقد لجئوا الى بلادك، وقد بعثنا اليك فيهم عشائرهم، اباؤهم واعمامهم وقومهم لتردهم عليهم، فانهم اعلا بهم عيناً، فانهم لن يدخلوا في دينك فتمنعهم لذلك.
فغضب ثم قال: لا لعمر الله ! لا اردهم عليهم حتى ادعوهم، فاكلمهم وانظر ما امرهم، قوم لجئوا الى بلادي واختاروا جواري على جوار غيري فان كانوا كما يقولون رددتهم عليهم، وان كانوا على غير ذلك منعتهم، ولم ادخل بينهم وبينهم، ولم انعم عيناً وذكر موسى بن عقبة ان امراءه اشاروا عليه بان يردهم اليهم.
فقال: لا والله !حتى اسمع كلامهم واعلم على اي شيء هم عليه؟
فلما دخلوا عليه سلموا ولم يسجدوا له.
فقال: ايها الرهط الا تحدثوني ما لكم لا تحيوني كما يحييني من اتانا من قومكم ؟.
فاخبروني ماذا تقولون في عيسى وما دينكم ؟انصارى انتم؟
قالوا: لا.
قال: افيهود انتم؟
قالوا: لا.
قال: فعلى دين قومكم ؟
قالوا: لا.
قال: فما دينكم؟
قالوا: الاسلام.
قال: وما الاسلام؟
قالوا: نعبد الله لا نشرك به شيئاً.
قال: من جاءكم بهذا؟ (ج/ص: 3/93).
قالوا: جاءنا به رجل من انفسنا، قد عرفنا وجهه ونسبه، بعثه الله الينا كما بعث الرسل الى من قبلنا، فامرنا بالبر والصدقة والوفاء واداء الامانة، ونهانا ان نعبد الاوثان وامرنا بعبادة الله وحده لا شريك له، فصدقناه، وعرفنا كلام الله، وعلمنا ان الذي جاء به من عند الله فلما فعلنا ذلك عادانا قومنا، وعادوا النبي الصادق وكذبوه وارادوا قتله، وارادونا على عبادة الاوثان، ففررنا اليك بديننا ودمائنا من قومنا.
قال: والله ان هذا لمن المشكاة التي خرج منها امر موسى.
قال جعفر: واما التحية فان رسول الله صلى الله عليه وسلم اخبرنا ان تحية اهل الجنة السلام، وامرنا بذلك فحييناك بالذي يحيي بعضنا بعضا.
واما عيسى بن مريم: فعبد الله ورسوله وكلمته القاها الى مريم وروح منه وابن العذراء البتول.
فاخذ عوداً وقال: والله ما زاد ابن مريم على هذا وزن هذا العود.
فقال عظماء الحبشة: والله لئن سمعت الحبشة لتخلعنك.
فقال: والله لا اقول في عيسى غير هذا ابداً، وما اطاع الله الناس في حين ردَّ علي ملكي فاطع الناس في دين الله. معاذ الله من ذلك.
وقال يونس عن ابن اسحاق: فارسل اليهم النجاشي فجمعهم ولم يكن شيء ابغض لعمرو بن العاص وعبد الله بن ابي ربيعة من ان يسمع كلامهم.
فلما جاءهم رسول النجاشي اجتمع القوم فقالوا: ماذا تقولون؟
فقالوا: وماذا نقول، نقول والله ما نعرف.
وما نحن عليه من امر ديننا، وما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم كائن من ذلك ما كان، فلما دخلوا عليه كان الذي يكلمه منهم جعفر بن ابي طالب رضي الله عنه.
فقال له النجاشي: ما هذا الدين الذي انتم عليه؟ فارقتم دين قومكم ولم تدخلوا في يهودية، ولا نصرانية.
فقال له جعفر: ايها الملك كنا قوماً على الشرك ونعبد الاوثان وناكل الميتة ونسيء الجوار يستحل المحارم بعضنا من بعض في سفك الدماء وغيرها، لا نحل شيئاً ولا نحرمه.
فبعث الله الينا نبيا من انفسنا نعرف وفاءه وصدقه وامانته فدعانا الى ان نعبد الله وحده لا شريك له ونصل الارحام ونحمى الجوار ونصلي لله عز وجل ونصوم له، ولا نعبد غيره.
وقال زياد عن ابن اسحاق: فدعانا الى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن واباؤنا من دونه من الحجارة والاوثان، وامرنا بصدق الحديث واداء الامانة وصلة الارحام وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور واكل مال اليتيم وقذف المحصنة وامرنا ان نعبد الله ولا نشرك به شيئاً، وامرنا بالصلاة، والزكاة والصيام.
قال: فعدوا عليه امور الاسلام فصدقناه وامنا به واتبعناه على ما جاء به من عند الله، فعبدنا الله وحده لا شريك له ولم نشرك به شيئاً، وحرمنا ما حرم علينا، واحللنا ما احل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا ليفتنونا عن ديننا ويردونا الى عبادة الاوثان من عبادة الله، وان نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا الى بلادك واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك ورجونا ان لا نظلم عندك ايها الملك. (ج/ص: 3/94)
قالت: فقال له النجاشي: هل معك شي مما جاء به عن الله؟ وقد دعا اساقفته فامرهم فنشروا المصاحف حوله.
فقال له جعفر: نعم.
قال: هلم فاتل علي مما جاء به، فقرا عليه صدراً من كهيعص فبكى والله النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكت اساقفته حتى اخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم.
ثم قال لهم: ان هذا الكلام ليخرج من المشكاة التي جاء بها موسى، انطلقوا راشدين لا والله لا اردهم عليكم ولا انعمكم عيناً.
فخرجنا من عنده وكان اتقى الرجلين فينا عبد الله بن ابي ربيعة.
فقال عمرو بن العاص: والله لاتينه غداً بما استاصل به خضراءهم، ولاخبرنه انهم يزعمون ان الهه الذي يعبد عيسى بن مريم عبد.
فقال له عبد الله بن ابي ربيعة: لا تفعل فانهم وان كانوا خالفونا فان له رحماً ولهم حقاً.
فقال: والله لافعلن ! فلما كان الغد دخل عليه فقال: ايها الملك، انهم يقولون في عيسى قولاً عظيماً، فارسل اليهم فسلهم عنه فبعث والله اليهم ولم ينزل بنا مثلها.
فقال بعضنا لبعض: ماذا تقولون له في عيسى ان هو يسالكم عنه؟
فقالوا: نقول والله الذي قاله الله فيه، والذي امرنا نبينا ان نقوله فيه فدخلوا عليه وعنده بطارقته فقال: ما تقولون في عيسى بن مريم؟
فقال له جعفر: نقول هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته القاها الى مريم العذراء البتول.
فدلى النجاشي يده الى الارض فاخذ عوداً بين اصبعيه فقال: ما عدا عيسى بن مريم مما قلت هذا العويد.
فتناخرت بطارقته.
فقال: وان تناخرتم والله ! اذهبوا فانتم سيوم في الارض - السيوم الامنون في الارض ومن سبكم غرم، من سبكم غرم، من سبكم غرم، ثلاثاً ما احب ان لي دبراً واني اذيت رجلاً منكم - والدبر بلسانهم: الذهب.
وقال زياد: عن ابن اسحاق: ما احب ان لي دبراً من ذهب.
قال ابن هشام: ويقال زبراً وهو الجبل بلغتهم.
ثم قال النجاشي: فوالله ما اخذ الله مني الرشوة حين ردَّ علي ملكي، ولا اطاع الناس في فاطيع الناس فيه.
ردُّوا عليهما هداياهم فلا حاجة لي بها.
واخرجا من بلادي فخرجا مقبوحين مردوداً عليهما ما جاءا به.
قالت: فاقمنا مع خير جار في خير دار، فلم نشب ان خرج عليه رجل من الحبشة ينازعه في ملكه. (ج/ص: 3/ 95).
فوالله ما علمنا حزنا حزنا قط هو اشد منه، فرقاً من ان يظهر ذلك الملك عليه فياتي ملك لا يعرف من حقنا ما كان يعرفه، فجعلنا ندعو الله ونستنصره للنجاشي فخرج اليه سائراً فقال اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم لبعض: من يخرج فيحضر الوقعة حتى ينظر على من تكون؟
وقال الزبير - وكان من احدثهم سناً - انا، فنفخوا له قربة فجعلها في صدره، فجعل يسبح عليها في النيل حتى خرج من شقه الاخر الى حيث التقى الناس فحضر الوقعة فهزم الله ذلك الملك وقتله، وظهر النجاشي عليه.
فجائا الزبير فجعل يليح لنا بردائه ويقول: الا فابشروا، فقد اظهر الله النجاشي.
قلت: فوالله ما علمنا اننا فرحنا بشيء قط فرحنا بظهور النجاشي، ثم اقمنا عنده حتى خرج من خرج منا الى مكة واقام من اقام.
قال الزهري: فحدثت هذا الحديث عروة بن الزبير عن ام سلمة.
فقال عروة: اتدري ما قوله ما اخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فاخذ الرشوة فيه، ولا اطاع الناس في فاطيع الناس فيه؟
فقلت: لا ! ما حدثني ذلك ابو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن ام سلمة.
( البدايه والنهايه ) .
أميره في مملكتي الصغيره
08-20-2009, 10:20 PM
الهجرة الثانية الى الحبشة
واستعد المسلمون للهجرة مرة اخرى، وعلى نطاق اوسع، ولكن كانت هذه الهجرة الثانية اشق من سابقتها، فقد تيقظت لها قريش وقررت احباطها، بيد ان المسلمين كانوا اسرع، ويسر الله لهم السفر، فانحازوا الى نجاشي الحبشة قبل ان يدركوا.
وفي هذه المرة هاجر من الرجال ثلاثة وثمانون رجلًا ان كان فيهم عمار، فانه يشك فيه، وثماني عشرة اوتسع عشرة امرأة.
الرسول صلى الله عليه وسلم في الطائف
في شوال سنة عشر من النبوة [في اواخر مايو او اوائل يونيو سنة 619 م] خرج النبي صلى الله عليه وسلم الى الطائف، وهي تبعد عن مكة نحو ستين ميلًا، سارها ماشيًا على قدميه جيئة وذهوبًا، ومعه مولاه زيد بن حارثة، وكان كلما مر على قبيلة في الطريق دعاهم الى الاسلام، فلم تجب اليه واحدة منها.
فلما انتهي الى الطائف عمد ثلاثة اخوة من رؤساء ثقيف، وهم عبد ياليل ومسعود وحبيب ابناء عمرو بن عمير الثقفي، فجلس اليهم ودعاهم الى الله، والى نصرة الاسلام، فقال احدهم: هو يَمْرُط ثياب الكعبة [اي يمزقها] ان كان الله ارسلك. وقال الاخر: اما وَجَدَ الله احدًا غيرك، وقال الثالث:والله لا اكلمك ابدًا، ان كنت رسولًا لانت اعظم خطرًا من ان ارد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغى ان اكلمك. فقام عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لهم: [اذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني].
واقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بين اهل الطائف عشرة ايام، لا يدع احدًا من اشرافهم الا جاءه وكلمه، فقالوا: اخرج من بلادنا. واغروا به سفهاءهم، فلما اراد الخروج تبعه سفهاؤهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس، فوقفوا له سِمَاطَيْن [اي صفين] وجعلوا يرمونه بالحجارة، وبكلمات من السفه، ورجموا عراقيبه، حتى اختضب نعلاه بالدماء. وكان زيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى اصابه شِجَاج في راسه، ولم يزل به السفهاء كذلك حتى الجاوه الى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة على ثلاثة اميال من الطائف، فلما التجا اليه رجعوا عنه، واتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الى حُبْلَة من عنب فجلس تحت ظلها الى جدار. فلما جلس اليه واطمان، دعا بالدعاء المشهور الذي يدل على امتلاء قلبه كابة وحزنًا مما لقى من الشدة، واسفًا على انه لم يؤمن به احد، قال:
(اللهم اليك اشكو ضَعْف قُوَّتِى، وقلة حيلتى، وهواني على الناس، يا ارحم الراحمين، انت رب المستضعفين، وانت ربي، الى من تَكِلُنى؟ الى بعيد يَتَجَهَّمُنِى؟ ام الى عدو ملكته امري؟ ان لم يكن بك عليّ غضب فلا ابالي، ولكن عافيتك هي اوسع لي، اعوذ بنور وجهك الذي اشرقت له الظلمات، وصلح عليه امر الدنيا والاخرة من ان تنزل بي غضبك، او يحل علي سَخَطُك، لك العُتْبَى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة الا بك).
فلما راه ابنا ربيعة تحركت له رحمهما، فدعوا غلامًا لهما نصرانيًا يقال له: عَدَّاس، وقالا له:خذ قطفًا من هذا العنب، واذهب به الى هذا الرجل. فلما وضعه بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم مد يده اليه قائلًا: (باسم الله) ثم اكل.
فقال عداس: ان هذا الكلام ما يقوله اهل هذه البلاد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من اي البلاد انت؟ وما دينك؟ قال: انا نصراني من اهل نِينَوَى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قرية الرجل الصالح يونس بن مَتَّى). قال له: وما يدريك ما يونس ابن متى؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ذاك اخي، كان نبيًا وانا نبي)، فاكب عداس على راس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويديه ورجليه يقبلها.
فقال ابنا ربيعة احدهما للاخر: اما غلامك فقد افسده عليك. فلما جاء عداس قالا له: ويحك ما هذا؟ قال: يا سيدى، ما في الارض شيء خير من هذا الرجل، لقد اخبرني بامر لا يعلمه الا نبى، قالا له: ويحك يا عداس ، لا يصرفنك عن دينك، فان دينك خير من دينه.
ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق مكة بعد خروجه من الحائط كئيبًا محزونًا كسير القلب، فلما بلغ قرن المنازل بعث الله اليه جبريل ومعه ملك الجبال، يستامره ان يطبق الاخشبين على اهل مكة.
وقد روى البخاري تفصيل القصة ـ بسنده ـ عن عروة بن الزبير، ان عائشة رضي الله عنها حدثته انها قالت للنبى صلى الله عليه وسلم: هل اتى عليك يوم كان اشد عليك من يوم احد؟ قال: (لقيت من قومكِ ما لقيت، وكان اشد ما لقيت منهم يوم العقبة، اذ عرضت نفسي على ابن عبد يالِيل بن عبد كُلاَل، فلم يجبني الى ما اردت، فانطلقت ـ وانا مهموم ـ على وجهي، فلم استفق الا وانا بقَرْنِ الثعالب ـ وهو المسمى بقَرْنِ المنازل ـ فرفعت راسي فاذا انا بسحابة قد اظلتني، فنظرت فاذا فيها جبريل، فناداني، فقال: ان الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث الله اليك ملك الجبال لتامره بما شئت فيهم. فناداني ملك الجبال، فسلم عليّ ثم قال: يا محمد، ذلك، فما شئت، ان شئت ان اطبق عليهم الاخشبين ـ اي لفعلت، والاخشبان: هما جبلا مكة: ابو قُبَيْس والذي يقابله، وهو قُعَيْقِعَان ـ قال النبي صلى الله عليه وسلم: بل ارجو ان يخرج الله عز وجل من اصلابهم من يعبد الله عز وجل وحده لا يشرك به شيئا).
وفي هذا الجواب الذي ادلى به الرسول صلى الله عليه وسلم تتجلى شخصيته الفذة، وما كان عليه من الخلق العظيم لا يدرك غوره.
وافاق رسول الله صلى الله عليه وسلم واطمان قلبه لاجل هذا النصر الغيبى الذي امده الله عليه من فوق سبع سموات، ثم تقدم في طريق مكة حتى بلغ وادى نخلة، واقام فيه ايامًا. وفي وادى نخلة موضعان يصلحان للاقامة ـ السَّيْل الكبير والزَّيْمَة ـ لما بهما من الماء والخصب، ولم نقف على مصدر يعين موضع اقامته صلى الله عليه وسلم فيه.
( الرحيق المختوم )..
***
الرسول صلى الله عليه وسلم في الطائف
في شوال سنة عشر من النبوة [في اواخر مايو او اوائل يونيو سنة 619 م] خرج النبي صلى الله عليه وسلم الى الطائف، وهي تبعد عن مكة نحو ستين ميلًا، سارها ماشيًا على قدميه جيئة وذهوبًا، ومعه مولاه زيد بن حارثة، وكان كلما مر على قبيلة في الطريق دعاهم الى الاسلام، فلم تجب اليه واحدة منها.
فلما انتهي الى الطائف عمد ثلاثة اخوة من رؤساء ثقيف، وهم عبد ياليل ومسعود وحبيب ابناء عمرو بن عمير الثقفي، فجلس اليهم ودعاهم الى الله، والى نصرة الاسلام، فقال احدهم: هو يَمْرُط ثياب الكعبة [اي يمزقها] ان كان الله ارسلك. وقال الاخر: اما وَجَدَ الله احدًا غيرك، وقال الثالث:والله لا اكلمك ابدًا، ان كنت رسولًا لانت اعظم خطرًا من ان ارد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغى ان اكلمك. فقام عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لهم: [اذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني].
واقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بين اهل الطائف عشرة ايام، لا يدع احدًا من اشرافهم الا جاءه وكلمه، فقالوا: اخرج من بلادنا. واغروا به سفهاءهم، فلما اراد الخروج تبعه سفهاؤهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس، فوقفوا له سِمَاطَيْن [اي صفين] وجعلوا يرمونه بالحجارة، وبكلمات من السفه، ورجموا عراقيبه، حتى اختضب نعلاه بالدماء. وكان زيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى اصابه شِجَاج في راسه، ولم يزل به السفهاء كذلك حتى الجاوه الى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة على ثلاثة اميال من الطائف، فلما التجا اليه رجعوا عنه، واتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الى حُبْلَة من عنب فجلس تحت ظلها الى جدار. فلما جلس اليه واطمان، دعا بالدعاء المشهور الذي يدل على امتلاء قلبه كابة وحزنًا مما لقى من الشدة، واسفًا على انه لم يؤمن به احد، قال:
(اللهم اليك اشكو ضَعْف قُوَّتِى، وقلة حيلتى، وهواني على الناس، يا ارحم الراحمين، انت رب المستضعفين، وانت ربي، الى من تَكِلُنى؟ الى بعيد يَتَجَهَّمُنِى؟ ام الى عدو ملكته امري؟ ان لم يكن بك عليّ غضب فلا ابالي، ولكن عافيتك هي اوسع لي، اعوذ بنور وجهك الذي اشرقت له الظلمات، وصلح عليه امر الدنيا والاخرة من ان تنزل بي غضبك، او يحل علي سَخَطُك، لك العُتْبَى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة الا بك).
فلما راه ابنا ربيعة تحركت له رحمهما، فدعوا غلامًا لهما نصرانيًا يقال له: عَدَّاس، وقالا له:خذ قطفًا من هذا العنب، واذهب به الى هذا الرجل. فلما وضعه بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم مد يده اليه قائلًا: (باسم الله) ثم اكل.
فقال عداس: ان هذا الكلام ما يقوله اهل هذه البلاد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من اي البلاد انت؟ وما دينك؟ قال: انا نصراني من اهل نِينَوَى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قرية الرجل الصالح يونس بن مَتَّى). قال له: وما يدريك ما يونس ابن متى؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ذاك اخي، كان نبيًا وانا نبي)، فاكب عداس على راس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويديه ورجليه يقبلها.
فقال ابنا ربيعة احدهما للاخر: اما غلامك فقد افسده عليك. فلما جاء عداس قالا له: ويحك ما هذا؟ قال: يا سيدى، ما في الارض شيء خير من هذا الرجل، لقد اخبرني بامر لا يعلمه الا نبى، قالا له: ويحك يا عداس ، لا يصرفنك عن دينك، فان دينك خير من دينه.
ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق مكة بعد خروجه من الحائط كئيبًا محزونًا كسير القلب، فلما بلغ قرن المنازل بعث الله اليه جبريل ومعه ملك الجبال، يستامره ان يطبق الاخشبين على اهل مكة.
وقد روى البخاري تفصيل القصة ـ بسنده ـ عن عروة بن الزبير، ان عائشة رضي الله عنها حدثته انها قالت للنبى صلى الله عليه وسلم: هل اتى عليك يوم كان اشد عليك من يوم احد؟ قال: (لقيت من قومكِ ما لقيت، وكان اشد ما لقيت منهم يوم العقبة، اذ عرضت نفسي على ابن عبد يالِيل بن عبد كُلاَل، فلم يجبني الى ما اردت، فانطلقت ـ وانا مهموم ـ على وجهي، فلم استفق الا وانا بقَرْنِ الثعالب ـ وهو المسمى بقَرْنِ المنازل ـ فرفعت راسي فاذا انا بسحابة قد اظلتني، فنظرت فاذا فيها جبريل، فناداني، فقال: ان الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث الله اليك ملك الجبال لتامره بما شئت فيهم. فناداني ملك الجبال، فسلم عليّ ثم قال: يا محمد، ذلك، فما شئت، ان شئت ان اطبق عليهم الاخشبين ـ اي لفعلت، والاخشبان: هما جبلا مكة: ابو قُبَيْس والذي يقابله، وهو قُعَيْقِعَان ـ قال النبي صلى الله عليه وسلم: بل ارجو ان يخرج الله عز وجل من اصلابهم من يعبد الله عز وجل وحده لا يشرك به شيئا).
وفي هذا الجواب الذي ادلى به الرسول صلى الله عليه وسلم تتجلى شخصيته الفذة، وما كان عليه من الخلق العظيم لا يدرك غوره.
وافاق رسول الله صلى الله عليه وسلم واطمان قلبه لاجل هذا النصر الغيبى الذي امده الله عليه من فوق سبع سموات، ثم تقدم في طريق مكة حتى بلغ وادى نخلة، واقام فيه ايامًا. وفي وادى نخلة موضعان يصلحان للاقامة ـ السَّيْل الكبير والزَّيْمَة ـ لما بهما من الماء والخصب، ولم نقف على مصدر يعين موضع اقامته صلى الله عليه وسلم فيه.
( البدايه والنهايه ) .
أميره في مملكتي الصغيره
08-20-2009, 11:26 PM
استفزازات قريش واتصالهم بعبد الله بن ابي
تقدم ما ادلى به كفار مكة من التنكيلات والويلات على المسلمين في مكة، ثم ما اتوا به من الجرائم التي استحقوا لاجلها المصادرة والقتال، عند الهجرة، ثم انهم لم يفيقوا من غيهم ولا امتنعوا عن عدوانهم بعدها، بل زادهم غيظاً ان فاتهم المسلمون ووجدوا مامناً ومقراً بالمدنية، فكتبوا الى عبد الله بن ابي سلول- وكان اذ ذاك مشركاً - بصفته رئيس الانصار قبل الهجرة - فمعلوا انهم كانوا قد اتفقوا عليه، وكادوا يجعلونه ملكاً على انفسهم لولا ان هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهم، وامنوا به - كتبوا اليه والى اصحابه المشركين، يقولون لهم في كلمات باتة:
انكم اويتم صاحبنا، وانا نقسم بالله لتقاتلنه او لتخرجنه، او لنسيرن اليكم باجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم، ونستبيح نساءكم.
وبمجرد بلوغ هذا الكتاب قام عبد الله بن ابي ليمتثل اوامر اخوانه المشركين من اهل مكة - وقد كان يحقد على النبي صلى الله عليه وسلم: لما يراه انه استبله ملكه- يقول عبد الرحمن بن كعب: فلما بلغ ذلك عبد الله بن ابي ومن كان معه من عبدة الاوثان اجتمعوا لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لقيهم، فقال: (لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت تكيدكم باكثر ما تريدون ان تكيدوا به انفسكم، تريدون ان تقالوا ابناءكم واخوانكم)، فلما سمعوا ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم تفرقوا.
امتنع عبد الله بن ابي بن سلول عن القتال اذ ذلك، لما راي خوراً او رشداً في اصحابه، ولكن يبدو من تصرفاته انه كان متواطئاً مع قريش، فكان لا يجد فرصة الا وينتهزها لايقاع الشر بين المسلمين والمشركين، وكان يضم معه اليهود، ليعينوه على ذلك، ولكن تلك هي حكمة النبي صلى الله عليه وسلم التي كانت تطفئ نار شرهم حينا بعد حين.
( الرحيق المختوم).
***
اعلان عزيمة الصد عن المسجد الحرام
ثم ان سعد بن معاذ انطلق الى مكة معتمراً، فنزل على امية بن خلف بمكة، فقال لامية: انظر لي ساعة خلوة لعلي ان اطوف البيت، فخرج به قريباً من نصف النهار، فلقيهما ابو جهل، فقال: يا ابا صفوان، من هذا معك؟ فقال: هذا سعد، فقال له ابو جهل: الا اراك تطوف بمكة امناً وقد اويتم الصباة، وزعمتم انكم تنصرونهم، وتعينونهم، اما والله لولا انك مع ابي صفوان ما رجعت الى اهلك سالماً، فقال له سعد - ورفع صوته عليه: اما والله لئن منعتني هذا لامنعك ما هو اشد عليكم منه: طريقك على اهل المدينة.
قريش تهدد المهاجرين
وكان قريشاً كانت تعتزعلى شر اشد من هذا، وتفكر في القيام بنفهسا للقضاء على المسلمين، وخاصة على النبي صلى الله عليه وسلم.
ولم يكن هذا مجرد وهم او خيال، فقد تاكد لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكائد قريش وارادتها على الشر ما كان لاجله لا يبيت الا ساهراً، او في حرس من الصحابة. روى الشيخان في صحيحيهما عن عائشة رضى الله عنها قالت: سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمه المدينة ليلة فقال: (ليت رجلاً صالحاً من اصحابي يحرسني الليلة)، قالت: فبينما نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح، فقال: (من هذا ؟) قال: سعد بن ابي وقاص، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما جاء بك؟) فقال: وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئت احرسه، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نام.
ولم تكن هذه الحراسة مختصة ببعض الليالي، بل كان ذلك امراً مستمراً، فقد روى عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس ليلاً حتى نزل: {وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67]، فاخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم راسه من القبة، فقال: (يا ايها الناس، انصرفوا عني فقد عصمني الله عز وجل).
ولم يكن الخطر مقتصراً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كان يحدق بالمسلمين كافة، فقد روى ابي بن كعب، قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه المدينة، واوتهم الانصار رمتهم العرب عن قوس واحدة، وكانوا لا يبيتون الا بالسلاح، ولا يصبحون الا فيه.
المؤاخاة بين المسلمين
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بجانب قيامه ببناء المسجد: مركز التجمع والتآلف، قام بعمل آخر من أروع ما يأثره التاريخ، وهو عمل المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، قال ابن القيم: ثم أخي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك، وكانوا تسعين رجلًا، نصفهم من المهاجرين، ونصفهم من الأنصار، أخي بينهم على المواساة، ويتوارثون بعد الموت دون ذوى الأرحام إلى حين وقعة بدر، فلما أنزل الله عز وجل: {وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} [الأنفال: 75] رد التوارث إلى الرحم دون عقد الأخوة.
وقد قيل: إنه أخي بين المهاجرين بعضهم مع بعض مؤاخاة ثانية... والثبت الأول، والمهاجرون كانوا مستغنين بأخوة الإسلام وأخوة الدار وقرابة النسب عن عقد مؤاخاة فيما بينهم، بخلاف المهاجرين مع الأنصار. اهـ.
ومعنى هذا الإخاء أن تذوب عصبيات الجاهلية، وتسقط فوارق النسب واللون والوطن، فلا يكون أساس الولاء والبراء إلا الإسلام.
وقد امتزجت عواطف الإيثار والمواساة والمؤانسة وإسداء الخير في هذه الأخوة، وملأت المجتمع الجديد بأروع الأمثال.
روى البخاري: أنهم لما قدموا المدينة أخي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عبد الرحمن وسعد ابن الربيع، فقال لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالًا، فاقسم مالى نصفين، ولى امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي، أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، وأين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل من أقِطٍ وسَمْنٍ، ثم تابع الغدو، ثم جاء يومًا وبه أثر صُفْرَة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَهْيَمْ؟) قال: تزوجت. قال: (كم سقت إليها؟) قال: نواة من ذهب.
وروى عن أبي هريرة قال: قالت الأنصار للنبى صلى الله عليه وسلم: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال: (لا)، فقالوا: فتكفونا المؤنة ونشرككم في الثمرة. قالوا: سمعنا وأطعنا.
وهذا يدلنا على ما كان عليه الأنصار من الحفاوة البالغة بإخوانهم المهاجرين، ومن التضحية والإيثار والود والصفاء، وما كان عليه المهاجرون من تقدير هذا الكرم حق قدره، فلم يستغلوه ولم ينالوا منه إلا بقدر ما يقيم أودهم.
وحقًا فقد كانت هذه المؤاخاة حكمةً فذةً، وسياسةً حكيمةً، وحلًا رشيدًا لكثير من المشاكل التي كان يواجهها المسلمون، والتي أشرنا إليها.
( الرحيق المختوم) .
أميره في مملكتي الصغيره
08-21-2009, 02:25 AM
فصل: في هَدْيه صلى الله عليه وسلم في الجهَاد والمغازي والسَّرايَا وَالبُعُوث
لما كان الجِهَاد ذِروةَ سَنَامِ الإسلام وقُبَّتَه، ومنازِلُ أهله أعلى المنازل في الجنة، كما لهم الرَّفعةُ في الدنيا، فهم الأَعْلَوْنَ في الدنُّيَا والآخِرةِ، كان رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في الذَّروةِ العُليا منه، واسْتولى على أنواعه كُلَّها فجاهد في اللَّهِ حقَّ جهاده بالقلب، والجَنانِ، والدَّعوة، والبيان، والسيفِ، والسِّنَانِ، وكانت ساعاته موقوفةً على الجهاد، بقلبه، ولسانه، ويده. ولهذا كان أرفعَ العَالَمِينَ ذِكراً، وأعظمَهم عند الله قدراً .
وأمره الله تعالى بالجِهاد مِن حينَ بعثه، وقال : {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً فَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً} [الفرقان: 51-52]، فهذه سورة مكية أمر فيها بجهاد الكفار، بالحُجة، والبيان، وتبليغِ القرآن، وكذلكَ جهادُ المنافقِينَ، إنما هو بتبليغ الحُجَّة، وإلا فهم تحت قهر أهلِ الإسلام، قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّنبِىُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ} [التوبة: 73]. فجهادُ المنافقين أصعبُ مِن جهاد الكفار، وهو جهادُ خواصِّ الأمة، وورثةِ الرُّسل، والقائمون به أفرادٌ في العالَم، والمشارِكُون فيه، والمعاونون عليه، وإن كانوا هُم الأقلين عدداً، فهم الأعظمون عند الله قدراً.
ولما كان مِن أفضل الجهاد قولُ الحقِّ مع شدة المُعارِضِ، مثلَ أن تتكلم به عند مَن تُخاف سَطوتهُ وأذاه، كان للِرسلِ صلواتُ الله عليهم وسلامُهُ مِن ذلك الحظُّ الأوفَرُ، وكان لنبينا صلواتُ الله وسلامُه عليه من ذلك أكملُ الجهاد وأتمُّه.
ولما كان جهاد أعداءِ الله في الخارج فرعاً على جهادِ العبد نفسه في ذاتِ الله، كما قال النبىُّ صلى الله عليه وسلم: (المجاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ في طَاعَةِ الله، والمُهاجِرُ مَنْ هَجَرَ ما نَهَى الله عنه). كان جهادُ النفس مُقَدَّماً على جِهَادِ العدوِّ في الخارج، وأصلاً له، فإنه ما لم يُجاهِدْ نفسه أوَّلاً لِتفعل ما أُمِرَتْ به، وتتركَ ما نُهيتْ عنه، ويُحارِبْهَا في الله، لم يُمكِنْهُ جهادُ عدوه في الخارج، فكيف يُمكِنُهُ جهادُ عدوه والانتصاف منه، وعدوُّه الذي بين جنبيه قاهرٌ له، متسلِّطٌ عليه، لم يُجاهده، ولم يُحاربه في الله، بل لا يُمكنه الخروجُ إلى عدوِّه، حتى يُجاهِدَ نفسَه على الخروج .
فهذان عدوَّانِ قد امْتُحِنَ العبدُ بجهادهما، وبينهما عدوٌ ثالث، لا يمكنه جهادُهما إلا بجهاده، وهو واقف بينهما يُثَبِّطُ العبدَ عن جهادهما، ويُخَذِّلُه، ويُرجِفُ به، ولا يزالُ يُخَيِّل له ما في جهادهما مِن المشاق، وتركِ الحظوظ، وفوتِ اللذاتِ، والمشهيات، ولا يُمكنه أن يُجاهِدَ ذَيْنِكَ العدويْنِ إلا بجهاده، فكان جهادُه هو الأصلَ لجهادهما، وهو الشيطان، قال تعالى : {إنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌ فاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً} [فاطر: 6]. والأمر باتخاذه عدواً تنبيه على استفراغ الوُسع في مُحاربته ومجاهدته، كأنَّهُ عدو لا يَفْتُر، ولا يُقصِّر عن محاربة العبد على عدد الأنفاس.
فهذه ثلاثة أعداء، أُمِرَ العبدُ بمحاربتها وجهادها، وقد بُلى بمحاربتها في هذه الدار، وسُلِّطَتْ عليه امتحاناً من الله له وابتلاءً، فأعطى اللَّهُ العبدَ مدداً وعُدَّةً وأعواناً وسلاحاً لهذا الجِهَادِ، وأعطى أعداءه مدداً وعُدَّةً وأعواناً وسِلاحاً، وبَلاَ أحدَ الفريقين بالآخر، وجعل بعضَهم لبعض فتنة لِيَبْلُوَ أخبارهم، ويمتحِنَ من يَتولاَّه، ويتولَّى رسُلَهُ ممن يتولَّى الشيطانَ وحِزبه، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً} [الفرقان: 20]، وقال تعالى: {ذَلِكَ، وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعَضٍ} [محمد: 4]، وقال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنُكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31]. فأعطى عباده الأسماعَ والأبصارَ، والعُقول والقُوَى، وأنزل عليهم كُتُبَه، وأرسلَ إليهم رسُلَه، وأمدَّهم بملائكته، وقال لهم: {أَنِّى مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ} [الأنفال: 12]، وأمرهم من أمره بما هو مِن أعظم العونِ لهم على حرب عدوهم، وأخبرهم أنَّهم إن امتثلوا ما أمرهم به، لم يزالوا منصورين على عدوه وعدوِّهم، وأنه إن سلَّطه عليهم، فلتركهم بعضَ ما أُمروا به، ولمعصيتهم له، ثم لم يُؤُيسهُم، ولم يُقنِّطْهُمْ، بل أمرهم أن يسْتَقْبِلُوا أمرهم، ويُداووا جِرَاحَهُم، ويَعُودوا إلى مُناهضةِ عدوهم فينصَرهم عليهم، ويُظفرَهم بهم، فأخبرهم أنه معَ المتقين مِنهم، ومعَ المحسنينَ، ومعَ الصابرين، ومعَ المؤمنين، وأنه يُدافع عن عباده المؤمنين ما لا يدافعون عن أنفسهم، بل بدفاعه عنهم انتصروا على عدوِّهم، ولولا دفاعُه عنهم، لتخطّفهم عدوُّهم، واجتاحهم.
وهذه المدافعةُ عنهم بحسب إيمانِهم، وعلى قَدْرِهِ، فإن قَوِىَ الإيمانُ، قويتِ المُدافعة، فمَن وجد خيراً، فليحمَدِ الله، ومَن وجد غيرَ ذِلكَ، فلا يلومنَّ إلا نفسه.
وأمرهم أن يُجاهدوا فيه حقَّ جهاده، كما أمرهم أن يتَّقوه حقَّ تُقاته، وكما أن حقَّ تُقاته أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكَرَ فلا يُنسى، ويُشكَر فلا يُكفر، فحقُّ جهاده أن يُجاهِدَ العبد نفسَه لِيُسْلِم قلبه ولِسانه وجوارِحه للهِ فيكون كُلُّه لله، وباللهِ، لا لنفسِه، ولا بنفسه، ويُجاهدَ شيطانه بتكذِيبِ وعدِهِ، ومعصيةِ أمرهِ، وارتكابِ نهيه، فإنه يَعِدُ الأمانِىَّ، ويُمَنِّى الغُرورَ، ويَعِدُ الفقَر، ويأمرُ بالفحشاء، وينهى عن التُّقى والهُدى، والعِفة والصبرِ، وأخلاقِ الإيمان كُلِّهَا، فجاهده بتكذِيبِ وعده، ومعصيةِ أمره، فينشأُ له من هذين الجهادين قوةٌ وسلطان، وعُدَّة يُجاهد بها أعداءَ اللهِ في الخارج بقلبه ولسانه ويده ومالِه، لتِكونَ كلمةُ الله هي العليا.
واختلفت عباراتُ السَلَف في حقِّ الجهاد :
فقال ابن عباس: (هو استفراغُ الطاقة فيه، وألا يَخافَ في اللهِ لومةَ لائم) . وقال مقاتل: (اعملوا للهِ حقَّ عمله، واعبدُوه حقَّ عِبادته) . وقال عبد الله بنُ المبارك: (هو مجاهدةُ النفس والهوى). ولم يُصِبْ مَن قال: إن الآيتين منسوختان لظنه أنهما تضمنتا الأمر بما لا يُطاق، وحقّ تُقاته وحقّ جهاده: هو ما يُطيقه كلُّ عبد في نفسه، وذلك يختِلف باختلافِ أحوال المكلَّفين في القُدرةِ، والعجزِ، والعلمِ، والجهلِ. فحقُّ التقوى، وحقُّ الجهاد بالنسبة إلى القادر المتمكن العالِم شىء، وبالنسبة إلى العاجز الجاهل الضعيف شىء.
وتأمل كيف عقَّب الأمر بذلك بقوله: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] والحَرَج : الضِّيقُ، بل جعله واسعاً يسَعُ كُلّ أحد، كما جعل رِزقه يسع كُلّ حى، وكلَّف العبدَ بما يسعه العبدُ، ورزق العَبدَ ما يسعُ العبد، فهو يسعُ تكليفَه، ويسعه رزقُهُ، وما جعل على عبده في الدين من حَرَج بوجه ما، قال النبىُّ صلى الله عليه وسلم: (بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ) أى : بالمِلَّة، فهى حنيفيَّة في التوحيد، سمحَةٌ في العمل.
وقد وسَّع الله سبحانه وتعالى على عباده غايةَ التَّوسِعة في دينه، ورِزقْه، وعفوه، ومغفرتِهِ، وبسط عليهم التوبةَ ما دامت الروحُ في الجسد، وفتح لهم باباً لها لا يُغْلِقُهُ عنهم إلى أن تَطْلُعَ الشمسُ مِن مَغربها، وجعلَ لكلِّ سيئة كفارةً تُكفرها من توبة، أو صدقة، أو حسنة ماحية، أو مُصيبة مُكَفِّرة، وجَعل بكل ما حرَّم عليهم عِوضاً مِن الحلال أنفعَ لهم منه، وأطيَبَ، وألذَّ، فيقومُ مقامه لِيستغنى العبدُ عن الحرام، ويسعه الحلال، فلا يَضيقُ عنه، وجعل لِكل عُسْرٍ يمتحنُهم به يُسراً قبله، ويُسراً بعده، (فلن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسرَيْنِ) فإذَا كان هذا شأنه سبحانه مع عباده، فكيف يُكلِّفُهم ما لا يسعهم فضلاً عما لا يُطيقونه ولا يقدِرُونَ عليه.
فصل: مراتب الجهاد
إذَا عُرِفَ هذا، فالجهادُ أربع مراتب: جهادُ النفس، وجهادُ الشيطان، وجهادُ الكفار، وجهادُ المنافقين.
فجهاد النفس أربعُ مراتب أيضاً:
إحداها: أَنْ يُجاهِدَها على تعلُّم الهُدى، ودين الحق الذي لا فلاح لها، ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به، ومتى فاتها عِلمُه، شقيت في الدَّارين.
الثانية: أن يُجاهدها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرَّدُ العلم بلا عمل إن لم يَضُرَّها لم ينفعْها.
الثالثة: أن يُجاهدها على الدعوة إليه، وتعليمِهِ مَنْ لا يعلمهُ، وإلا كان مِن الذين يكتُمون ما أنزل الله مِن الهُدى والبينات، ولا ينفعُهُ علمُهُ، ولا يُنجِيه مِن عذاب الله.
الرابعة: أن يُجاهِدَها على الصبر على مشاقِّ الدعوة إلى الله، وأذى الخلق، ويتحمَّل ذلك كله لله. فإذا استكمل هذه المراتب الأربع، صار من الربَّانِيينَ، فإن السلفَ مُجمِعُونَ على أن العَالِمَ لا يَستحِقُّ أن يُسمى ربَّانياً حتى يعرِفَ الحقَّ، ويعملَ به، ويُعَلِّمَه، فمَن علم وَعَمِلَ وعَلَّمَ فذاكَ يُدعى عظيماً في ملكوتِ السموات.
فصل
وأما جهادُ الشيطان، فمرتبتان، إحداهما: جهادُه على دفع ما يُلقى إلى العبد مِن الشبهات والشُّكوكِ القادحة في الإيمان.
الثانية: جهادهُ على دفع ما يُلقى إليه من الإرادات الفاسدة والشهواتِ، فالجهادُ الأول يكون بعده اليقين، والثانى يكون بعدَه الصبر. قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24]، فأخبر أن إمامة الدين، إنما تُنال بالصبر واليقين، فالصبر يدفع الشهواتِ والإرادات الفاسدة، واليقينُ يدفع الشكوك والشبهات.
فصل
وأما جهادُ الكفار والمنافقين، فأربع مراتب: بالقلب، واللِّسان، والمالِ، والنفسِ، وجهادُ الكفار أخصُّ باليد، وجهادُ المنافقين أخصُّ باللسان.
فصل
وأما جهادُ أرباب الظلم، والبِدعِ، والمنكرات، فثلاث مراتبَ: الأولى: باليدِ إذا قَدَرَ، فإن عَجَزَ، انتقل إلى اللِّسان، فإن عَجَزَ، جاهد بقلبه، فهذِهِ ثلاثةَ عشرَ مرتبةً من الجهاد، و (مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالغَزْوِ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النَّفَاقِ).
فصل
ولا يَتِمُّ الجهِادُ إلا بالهِجْرةِ، ولا الهِجْرة والجهادُ إلا بالإيمَانِ، والرَّاجُونَ رحمة الله هم الذين قاموا بهذِهِ الثلاثة. قال تعالى: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ في سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 218].
وكما فصلأن الإيمان فرضٌ على كل أحد، ففرضٌ عليهِ هِجرتان في كل وقت: هجرةٌ إلى الله عزَّ وجلَّ بالتوحيدِ، والإخلاص، والإنابة، والتَّوكُّلِ، والخوفِ، والرَّجاءِ، والمحبةِ، والتوبةِ، وهِجرةٌ إلى رسوله بالمُتابعة، والانقيادِ لأمره، والتَّصدِيق بخبره، وتقديم أمره وخبره على أمر غيرِهِ وخبره: (فمَن كانت هِجرتُهُ إلى الله ورسُولِهِ، فَهِجْرتُهُ إلى الله ورسولِهِ، ومَن كانت هِجْرتُهُ إلى دُنيا يُصيبها، أو امرأةٍ يتزوَّجُهَا، فَهِجْرته إلى ما هاجر إليه).
وفرضَ عليه جهادَ نفسه في ذات الله، وجِهادَ شيطانه، فهذا كُلُهُ فرضُ عينٍ لا ينوبُ فيه أحدٌ عن أحد.
وأما جِهَادُ الكُفار والمنافقين، فقد يُكتفى فيه ببعضِ الأمَّةِ إذا حَصَلَ منهم مقصود الجهاد.
فصل: في مَن كمَّل مراتب الجهاد كلها
وأكملُ الخَلْقِ عند الله، من كَمَّلَ مراتِبَ الجهاد كُلَّهَا، والخلق متفاوِتونَ في منازلهم عند الله، تفاوتهم في مراتب الجهاد، ولهذا كان أكملَ الخلقِ وأكرمهم على الله خاتِمُ أنبيائِه ورُسُلِهِ، فإنه كمَّل مراتبَ الجهاد، وجاهد في الله حقَّ جهاده، وشرع في الجهاد من حِينَ بُعِثَ إلى أن توفَّاهُ الله عزَّ وجلَّ، فإنَّه لما نزل عليه: {يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّر وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 1-4] شَمَّر عن ساق الدعوة، وقام في ذاتِ الله أتمَّ قيام، ودعا إلى الله ليلاً ونهاراً، وسّراً وجهاراً، ولـمَّا نزل عليه: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} [الحجر: 94]، فصدع بأمر الله لا تأخذه فيه لومة لائم، فدعا إلى الله الصغيرَ والكبيرَ، والحرَّ والعبدَ، والذكَر والأُنثى، والأحمرَ والأسودَ، والجِنَّ والإنسَ.
ولما صَدَعَ بأمرِ الله، وصرَّحَ لقومه بالدَّعوة، وناداهم بسبِّ آلهتهم، وعَيبِ دينهم، اشتد أذاهم له، ولمن استجاب له مِن أصحابه، ونالوه ونالوهم بأنواع الأذى، وهذهِ سُـنَّة الله عزَّ وجلَّ في خلقه كما قال تعالى: {مَا يُقَالُ لَكَ إلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ} [فصلت: 43]. وقال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ} [الأنعام: 112]. وقال: {كَذَلِكَ مَا أتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَاحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} [الذاريات: 52-53].
فَعزَّى سبحانه نبيّه بذلك، وأن له أُسوةً بمن تقدَّمه من المرسلين، وعزَّى أتباعه بقوله: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوْا الجَنَّةَ وَلَمَّا يأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214].
وقوله: {آلم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَليَعْلَمَنَّ الْكَّاذِبِينَ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّـيِّئاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ مَنْ كَانَ يَرْجُواْ لِقَاءَ اللهِ فَإنَّ أَجَلَ اللهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ وَمَنْ جَاهَدَ فَإنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللهَ لَغَنِىٌ عَنِ العَالَمِينَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَـيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الذي كَانُوا يَعْمَلُونَ وَوَصَّيْنَا الإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَـبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ في الصَّالِحِينَ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللِّهِ فَإذَا أُوذِىَ في اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ وَلئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَ لَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِمَا في صُدُورِ العَالَمِينَ} [العنكبوت: 1-10].
فليتأملِ العبدُ سياقَ هذِهِ الآياتِ، وما تضمنَّته من العِبَرِ وكُنُوز الحِكَم، فإنَّ الناسَ إذَا أُرسِلَ إليهم الرُّسُلُ بين أمرين: إما أن يقولَ أحدهُم: آمنا، وإما ألا يقولَ ذلك، بل يستمرَّ على السيَّئاتِ والكُفر، فمَن قال: آمنا، امتحنه ربُّه، وابتلاه، وفتنه، والفتنة: الابتلاء والاختبار، ليتبينَ الصادِقُ مِن الكاذِب، ومَن لم يقل: آمنا، فلا يَحْسَبْ أنه يُعْجِزُ الله ويفوتُه ويَسبِقُه، فإنه إنما يطوى المراحِلَ في يديه.
وكَيـفَ يَفِـرُّ المرْءُ عَـنْهُ بِذَنْـبِهِ ** إِذَا كَانَ تُطْوى في يَدَيْهِ المرَاحِلُ
فمَن آمن بالرُّسُلِ وأطاعهم، عاداه أعداؤهم وآذوه، فابتُلى بما يُؤلِمه، وإن لم يُؤمن بهم ولم يُطعهم، عُوقِبَ في الدنيا والآخرة، فَحَصَلَ له ما يُؤلمه، وكان هذا المؤلمُ له أعظَمَ ألماً وأدومَ مِن ألم اتِّباعهم، فلا بد من حصول الألم لكل نفسٍ آمنت أو رغبت عن الإيمان، لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداءً، ثم تكون له العاقبةُ في الدنيا والآخرة، والمُعرِضُ عن الإيمان تحصلُ له اللَّذةُ ابتداءً، ثم يَصير إلى الألم الدائم. وسئل الشافعى رحمه الله أيُّما أفضلُ للرجل، أن يُمكَّن أو يُبتلى ؟ فقال: لا يُمكَّن حتى يُبتلى. والله تعالى ابتلى أُولى العَزْمِ مِن الرسل فلما صَبَرُوا مكَّنهم، فلا يَظُنَّ أحد أنه يخلص من الألم البتة، وإنما يتفاوتُ أهلُ الآلام في العُقُول، فأعقلُهم مَنْ باع ألماً مستمِراً عظيماً، بألم منقطع يسير، وأشقاهُم مَنْ باع الألَمَ المنقطِعَ اليسير، بالألم العظيم المستمر.
فإن قيل: كيف يختار العاقلُ هذا ؟ قيل: الحاملُ له على هذا النَّقْدُ، والنَّسيئة.
* والنَّفْسُ مُوكلةٌ بِحُبِّ العَاجِلِ *
{كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ العَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ} [القيامة: 20-21]، {إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ العَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً} [الإنسان: 27].
وهذا يحصُل لكل أحد، فإن الإنسان مدنى بالطَّبع، لا بُد له أن يعيشَ مع الناس، والناسُ لهم إرادات وتصورات، فيطلبُون منه أن يُوافِقهم عليها، فإن لم يوافقهم، آذوْه وعذَّبوه، وإن وافقهم، حَصَلَ له الأذى والعذابُ، تارةً منهم، وتارةً مِن غيرهم، كمن عنده دِينٌ وتُقى حلَّ بين قوم فُجَّارٍ ظَلَمَةٍ، ولا يتمكنون مِن فجورهم وظُلمهم إلا بموافقته لهم، أو سكوتِه عنهم، فإن وافقهم، أو سكت عنْهم، سَلِمَ مِن شرهم في الابتداء، ثم يتسلَّطُونَ عليه بالإهانة والأذى أضعافَ ما كان يخافهُ ابتداء، لو أنكر عليهم وخالفهم، وإن سَلِمَ منهم، فلا بد أن يُهان ويُعاقَب على يد غيرهم، فالحزمُ كُلُّ الحزم في الأخذ بما قالت عائشة أم المؤمنين لمعاوية: (مَنْ أَرْضَى الله بِسَخَطِ النَّاسِ، كَفَاهُ الله مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنْ أَرْضَى النَّاسَ بِسَخَطِ الله لم يُغْنُوا عَنْهُ مِنَ الله شَيْئَاً).
ومَنْ تأمل أحوالَ العالَم، رأى هذا كثيراً فيمن يُعينُ الرؤساءَ على أغراضهم الفاسدة، وفيمن يُعينُ أهلَ البِدَعِ على بِدعهم هَرَباً من عُقوبتهم، فمَنْ هداه الله، وألهمه رُشده، ووقاه شرَّ نفسه، امتنع مِن الموافقة على فِعل المحرَّم، وصَبَرَ على عُدوانهم، ثم تكونُ له العاقبةُ في الدنيا والآخرة، كما كانت لِلرُّسل وأتباعهِم، كالمهاجرين، والأنصار، ومَن ابتُلى مِن العلماء، والعُبَّاد، وصالحى الوُلاة، والتجار، وغيرهم.
ثمَّ عزَّاهم تعالى بعزاءٍ آخر، وهو أن جِهادهم فيه، إنما هو لأنفسهم، وثمرته عائدة عليهم، وأنه غنى عن العالمين، ومصلحةُ هذا الجهاد، ترجعُ إليهم، لا إليه سُبحانه، ثم أخبر أنَّه يُدخلهم بجهادهم وإيمانهم في زُمرة الصالحين.
ثم أخبر عن حال الدَّاخل في الإيمان بلا بصيرة، وأنه إذا أُوذى في الله جعل فتنةَ الناسِ له كعذاب الله، وهى أذاهم له، ونيلُهم إياه بالمكروه والألم الذي لا بد أن يناله الرسلُ وأتباعهم ممن خالفهم، جعل ذلك في فراره منهم، وتركِهِ السبب الذي ناله، كعذابِ الله الذي فرَّ منه المؤمنون بالإيمان، فالمؤمنون لِكمال بصيرتهم، فرُّوا مِن ألم عذاب الله إلى الإيمانِ، وتحمَّلُوا ما فيهِ من الألم الزائل المُفارق عن قريب، وهذا لضعف بصيرته، فرَّ من ألم عذاب أعداء الرسل إلى موافقتهم ومتابعتهم، ففرَّ مِن ألمِ عذابهم إلى ألمِ عذاب الله، فجعل ألمَ فتنة الناس في الفِرار منه، بمنزلة ألم عذاب الله، وغُبِنَ كُلَّ الغَبن إذ استجار مِن الرَّمضاء بالنار، وفرَّ مِن ألم ساعة إلى ألم الأبد، وإذا نصر الله جُنده وأولياءه، قال: إنى كنتُ معكم، والله عليم بما انطوى عليه صدرُه من النفاق.
والمقصود: أن الله سبحانه اقتضت حكمتهُ أنه لا بد أن يمتحن النفوسَ ويبتَليها، فُيظْهِرَ بالامتحان طِّيبَها مِن خبيثها، ومَنْ يصلُح لموالاته وكراماته، ومَنْ لا يصلُح، وليُمحِّص النفوسَ التي تصلُح له ويُخلِّصها بِكِير الامتحان، كالذَّهب الذي لا يخلُص ولا يصفو مِن غِشه، إلا بالامتحان، إذ النفسُ في الأصل جاهلة ظالمة، وقد حصل لها بالجهل والظلم مِن الخُبث ما يحتاجُ خروجه إلى السَّبكِ والتصفية، فإن خرج في هذه الدار، وإلا ففى كِير جهنم، فإذا هُذِّب العبدُ ونُقِّىَ، أُذِنَ له في دخولِ الجنة.
فصل: ذكر السابقين إلى الإسلام من الرجال والنساء والصبيان
ولما دعا صلى الله عليه وسلم إلى الله عزَّ وجَلَّ، استجاب له عِبادُ الله مِن كل قبيلة، فَكَانَ حائِزَ قصبِ سَبْقِهِم، صِدَّيقُ الأُمة، وأسبقُها إلى الإسلام، أبو بكر رضى الله عنه، فآزره في دين الله، ودعا معه إلى الله على بصيرة، فاستجابَ لأبى بكر: عثمانُ بن عفان، وطلحةُ بن عُبيد الله، وسعدُ بنُ أبى وقاص.
وبادر إلى الاستجابة له صلى الله عليه وسلم صِدَّيقَةُ النِّساءِ: خديجةُ بنت خُويلد، وقامت بأعباء الصِّدِّيقيَّةِ، وقال لها: (لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسى). فَقَالَتْ لَهُ: (أَبْشِرْ فَوَاللَّهِ لاَ يُخْزِيكَ الله أبَداً)، ثم استَدَلَّت بما فيه من الصفات الفاضلة، والأخلاق والشيم، على أن مَنْ كان كذلك لا يُخزَى أبَدَاً، فعلمت بكمال عقلها وفِطرتها، أن الأعمال الصالحة، والأخلاق الفاضلة، والشِّيم الشريفة، تُناسِبُ أشكالها من كرامة الله، وتأييده، وإحسانه، ولا تُناسِبُ الخزىَ والخِذلان، وإنما يُناسبه أضدادُها، فمَن ركَّبه الله على أحسنِ الصفات وأحسن الأخلاق والأعمال إنما يليقُ به كرامتهُ وإتمامُ نعمته عليه، ومَنْ ركَّبه على أقبح الصفاتِ وأَسْوَإِ الأخلاق والأعمال إنما يليق به ما يناسبُها، وبهذا العقل والصدِّيقية استحقَّت أن يُرْسِلَ إِلَيْهَا رَبُّها بالسَّلاَمِ مِنْهُ مَعَ رَسُولَيْهِ جِبْرِيل وَمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.
فصل
وبادر إلى الإسلام علىُّ بنُ أبى طالب رضى الله عنه وكان ابنَ ثمان سنين، وقيل: أكثرَ من ذلك، وكان في كفالةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخذه من عمهِ أبى طالب إعانةً له في سَنَةِ مَحْلٍ.
وبادر زيدُ بنُ حارثة حِبُّ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وكان غُلاماً لخديجة، فوهبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوَّجَها، وقَدِمَ أبوه وعمُّه في فِدائه، فسألا عن النبىِّ صلى الله عليه وسلم، فقيل: هو في المسجد، فدخلا عليه، فقال: يا ابنَ عبد المطلب، يا ابنَ هاشم، يا ابنَ سيِّدِ قومه، أنتُم أهلُ حَرَم الله وجيرانه، تفكُّون العانى وتُطعِمُونَ الأسير، جئناكَ في ابننا عِندك، فامنُن علينا، وأَحْسِنْ إلينا في فِدائِه، قال: (ومَن هو) ؟ قالوا: زيدُ بنُ حارثة، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (فَهَلاَّ غَيْرَ ذلِك) ؟ قالوا: ما هو ؟ قال: (أَدْعُوهُ فأُخيِّرُه، فَإن اخْتارَكُم، فَهُوَ لَكُم، وَإِن اخْتَارَنى، فَوَاللَّهِ مَا أَنَا بالَّذِى أَخْتَارُ عَلَى مَن اخْتَارَنى أحَدَاً) قالا: قد رددتنا على النَّصَفِ، وأحسنتَ، فدعاه فقال: (هل تعرِفُ هؤلاء) ؟ قال: نعم، قال: ( مَن هذَا ) ؟ قال: هذا أبى، وهذا عمى، قال: (فأنا مَن قد علمتَ ورأيتَ، وعرفتَ صحبتى لك، فاخترنى أو اخترهما) قال: ما أنا بالذى أختارُ عليك أحداً أبداً، أنتَ منى مكان الأب والعم، فقالا: ويحكَ يا زيد، أتختارُ العبودية على الحرية، وعلى أبيك وعمك، وعلى أهل بيتك ؟، قال: نعم، قد رأيتُ من هذا الرجل شيئاً ما أنا بالذى أختارُ عليه أحداً أبداً، فلما رأى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ذلك، أخرجه إلى الحِجرْ، فقال: (أُشْهِدُكُم أنَّ زَيْدَاً ابنى، يَرِثُنى وأرِثُه) فلما رأى ذلك أبوه وعمُّه، طابت نفوسُهما، فانصرفا، ودعى زيدَ بن محمد، حتى جاء الله بالإسلام، فنزلت: {ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ} [الأحزاب: 5]، فَدُعِىَ من يَومئذ: زيدَ بن حارثة. قال معمر في (جامعه) عن الزهرى: (ما علمنا أحداً أسلم قبل زيد بن حارثة، وهو الذي أخبر الله عنه في كتابه أنه أنعم عليه، وأنعم عليه رسوله، وسماه باسمه). وأسلم القسُّ ورقةُ بنُ نوفل، وتمنَّى أَنْ يَكُونَ جَذَعَاً إذ يُخرِجُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قومُه، وفى (جامع الترمذى) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه في المنام في هيئة حسنة، وفى حديث آخر: (أنه رآه في ثياب بياض).
ودخل الناسُ في الدين واحداً بعد واحد، وقريشٌ لا تُنكِرُ ذلك، حتى بادأهم بعيب دِينهم، وسبِّ آلهتهم، وأنها لا تَضُرُّ ولا تنفعُ، فحينئذ شمَّروا له ولأصحابه عن سَاقِ العداوة، فحمى الله رسولَهُ بعمِّه أبى طالب، لأنه كان شريفاً معظَّمًا في قريش، مُطاعاً في أهله، وأهل مكة لا يتجاسَرونَ على مُكاشفته بشىءٍ من الأذى.
وكان مِن حكمةِ أحكم الحاكمين بقاؤُه على دين قومه، لما في ذلك من المصالح التي تبدو لمن تأمَّلها.
وأما أصحابُه، فمَن كان له عشيرةٌ تحميه، امتنع بعشيرته، وسائرهُم تَصَدَّوْا له بالأذى والعذاب، منهم عمَّار بن ياسر، وأمُّه سُمَيَّة، وأهلُ بيته، عُذِّبوا في الله، وكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا مرَّ بهم وهم يُعذَّبون يقول: (صَبْراً يا آلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الجَنَّةُ).
ومنهم بلالُ بنُ رباح، فإنه عُذِّبَ في الله أشدَّ العذاب، فهانَ على قومه، وهانت عليه نَفْسُهُ في الله، وكان كلما اشتدَّ عليه العذابُ يقول: (أحدٌ أحدٌ. فيمرُّ به ورقةُ بن نوفل. فيقول: إى واللهِ يا بلال أحدٌ أحدٌ، أما واللهِ لَئِن قتلُتُموهُ، لأتَّخِذَنَّه حَنَاناً).
فصل: في هجرة المسلمين إلى الحبشة حين اشتد الأذى عليهم
ولما اشتدَّ أذى المشركين على مَن أسلم، وفُتِنَ منهم مَن فُتِنَ، حتى يقولوا لأحدهم: اللاتُ والعُزَّى إلهُكَ مِن دون الله ؟ فيقول: نعم، وحتى إن الجُعَلَ ليمُرُّ بهم، فيقولونَ: وهذا إلهُكَ مِن دون الله، فيقول: نعم. ومرَّ عدوُّ الله أبو جهل بسُمَيَّة أم عمار بن ياسر، وهى تُعذَّبُ، وزوجُهَا وابنها، فطعنها بَحَرْبَةٍ في فَرْجها حتى قتلها.
كان الصِّدَّيقُ إذا مَّر بأحدٍ من العبيد يُعذَّب، اشتراهُ منهم، وأعتقه، منهم بلالُ، وعامِرُ بن فُهَيْرَةَ، وأم عُبيس، وزِنِّيرَة، والنهدية وابنتها، وجارية لبنى عدى كان عمر يُعذِّبها على الإسلام قبل إسلامه، وقال له أبوه: يا بنىَّ أراك تَعْتِقُ رِقابًا ضِعافاً، فلو أنك إذ فعلتَ ما فعلتَ أعتقتَ قوماً جُلْدَاً يمنعونك، فقال له أبو بكر: إنى أُرِيدُ ما أُرِيدُ.
فلما اشتد البلاءُ، أذِنَ الله سبحانه لهم بالهِجرة الأولى إلى أرض الحبشة، وكان أوَّلَ مَن هاجر إليها عثمانُ بن عفان، ومعه زوجتهُ رُقيَّةُ بنتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أهلُ هذه الهجرة الأولى اثنى عشَرَ رجلاً، وأربع نسوة: عثمانُ، وامرأته، وأبو حذيفة، وامرأتهُ سهلة بنت سهيل، وأبو سلمة، وامرأتُهُ أم سلمة هند بنت أبى أمية، والزبير بن العّوام، ومصعب بن عمير، وعبدُ الرحمن بن عوف، وعثمانُ بن مظعون، وعامر بن ربيعة، وامرأتُهُ ليلى بنت أبى حَثمة، وأبو سَبْرَةَ بن أبى رُهْم، وحاطب بن عمرو،، وسهيل بن وهب، وعبد الله بن مسعود. وخرجوا متسللين سراً، فوفَّق الله لهم ساعة وصولهم إلى الساحل سفينتين للتجار، فحملُوهم فيهما إلى أرضِ الحبشة، وكان مخرجُهم في رجب في السنة الخامسة من المبعث، وخرجت قريشٌ في آثارهم حتى جاؤوا البحرَ، فلم يُدرِكُوا منهم أحداً، ثم بلغهم أن قريشاً قد كفُّوا عن النبى صلى الله عليه وسلم، فرجعوا، فلما كانوا دون مكة بساعة من نهار، بلغهم أن قريشاً أشدُّ ما كانُوا عداوةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخلَ مَنْ دخل بجوار، وفى تلك المرة دخل ابن مسعود، فسلَّم على النبى صلى الله عليه وسلم وهو في الصَّلاةِ، فلم يَرُدَّ عليه، فتعاظَمَ ذلك على ابن مسعود، حتى قال له النبىُّ صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللهَ قَدْ أَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ أن لاَ تَكَلَّمُوا في الصَّلاةِ) هذا هو الصوابُ، وزعم ابنُ سعد وجماعةُ أن ابن مسعود لم يدخُلْ، وأنه رجع إلى الحبشةِ حتى قَدِمَ في المرة الثانية إلى المدينةِ معَ مَنْ قَدِمَ، ورُدَّ هذَا بأن ابن مسعود شهد بدراً، وأجهز على أبى جهل، وأصحابُ هذهِ الهِجْرة إنما قَدِمُوا المدينة مع جعفر بن أبى طالب وأصحَابِهِ بعد بدر بأربع سنين أو خمس.
قالوا: فإن قيل: بل هَذَا الذي ذكره ابنُ سعد يُوافق قولَ زيدِ ابن أرقم: كنَّا نتكلَّم في الصَّلاة، يُكلِّم الرَّجُلُ صاحبه، وهو إلى جنبه في الصلاة حَتَّى نَزَلَتْ: {وَقُومُواْ للهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238]، فأُمِرْنَا بالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنِ الكَلاَمِ)، وزيدُ بن أرقم من الأنصار، والسُّورة مدنية، وحينئذ فابن مسعود سلَّم عليه لما قدمَ وهو في الصلاة، فلم يَرُدَّ عليه حتى سلَّم، وأعلمه بتحريمِ الكلام، فاتفق حديثه وحديث ابن أرقم.
قيل: يُبطِلُ هذا شهود ابن مسعود بدراً، وأهلُ الهِجرة الثانية إنما قَدِمُوا عامَ خيبر مع جعفر وأصحابه، ولو كان ابنُ مسعود ممن قَدِمَ قبل بدر، لكان لِقدومه ذِكر، ولم يذكر أحد قدومَ مهاجرى الحبشة إلا في القَدْمَةِ الأولى بمكة، والثانية عامَ خيبر مع جعفر، فمتى قدم ابن مسعود في غير هاتين المرتين ومع من ؟ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال ابن إسحاق، قال: وبلغ أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين خرجوا إلى الحبشة إسلامُ أهل مكة، فأقبلُوا لما بلغهم من ذلك، حتى إذا دَنَوْا من مكة، بلغهم أن إسلامَ أهلِ مكة كان باطلاً، فلم يدخل مِنهم أحدٌ إلا بجوار، أو مستخفياً. فكان ممن قدم منهم، فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة، فشهد بدراً وأُحُداً فذكر منهم عبد الله بن مسعود.
فإن قيل: فما تصنعون بحديثِ زيد بن أرقم ؟ قيل: قد أُجيب عنه بجوابين، أحدهما: أن يكون النهىُ عنه قد ثبت بمكة، ثم أُذِنَ فيه بالمدينة، ثم نُهِىَ عنه. والثانى: أن زيدَ بنْ أرقم كان مِن صغار الصحابة، وكان هو وجماعةٌ يتكلَّمون في الصلاة على عادتهم، ولم يبلغهم النهىُ، فلما بلغهم انتَهَوْا، وزيد لم يُخبر عن جماعة المسلمين كُلِّهم بأنهم كانوا يتكلَّمون في الصلاة إلى حين نزول هذه الآية، ولو قُدِّرَ أنه أخبر بذلك لكان وهماً منه.
ثم اشتد البلاءُ مِن قريش على مَن قَدِمَ من مهاجرى الحبشة وغيرِهم، وسطت بهم عشائِرُهم، ولَقُوا منهم أذىً شديداً، فأَذِنَ لهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى أرضِ الحبشة مرَّة ثانية، وكان خروجهم الثانى أشقَّ عليهم وأصعبَ، ولَقُوا من قريش تعنيفاً شديداً، ونالوهم بالأذى، وصَعُب عليهم ما بلغهم عن النجاشى مِن حسن جواره لهم، وكان عِدَّةُ مَن خرج في هذه المرة ثلاثةً وثمانين رجلاً، إن كان فيهم عمَّارُ بن ياسر، فإنه يُشك فيه، قاله ابن إسحاق، ومِن النساء تِسعَ عشرة امرأة.
قلتُ: قد ذُكرَ في هذه الهجرة الثانية عثمانُ بن عفان وجماعةٌ ممن شهد بدراً، فإما أن يكونَ هذا وهماً، وإما أن يكونَ لهم قدمةٌ أخرى قبل بدر، فيكون لهم ثلاثُ قدمات: قَدمة قبل الهِجرة، وقدمة قبل بدر، وقدمة عامَ خيبر، ولذلك قال ابنُ سعد وغيرُه: إنهم لما سَمِعُوا مُهَاجَرَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، رجع منهم ثلاثةٌ وثلاثون رجلاً، ومن النساء ثمانُ نسوة، فمات منهم رجلان بمكة، وحُبِسَ بمكة سبعة، وشَهِدَ بدراً منهم أربعةٌ وعشرون رجلاً.
فلما كان شهرُ ربيع الأول سنة سبعٍ من هِجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، كتبَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كتاباً إلى النَّجاشىِّ يدعوه إلى الإسلامِ، وبعث به مع عمرو بن أُميَّة الضَّمْرِى، فلما قُرِىء عليه الكتابُ، أسلمَ، وقال: (لَئِنْ قَدَرْتُ أَنْ آتِيَه لآتِيَنَّهُ).
وكتب إليه أن يُزَوِّجَه أمِّ حبيبة بنتَ أبى سُفيان، وكانت فيمن هاجَرَ إلى أرضِ الحبَشَةِ مع زوجها عُبيدِ الله بنِ جحش، فَتنصَّر هُنَاك وماتَ، فزوَّجَهُ النجاشىُّ إياها، وأصدقها عنه أَربعَمائِة دِينارٍ، وكان الذي وَلى تزويجَها خالد بنُ سعيد بن العاص.
وكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يَبْعَثَ إليهِ مَنْ بقى عِندَه من أصحابه، ويحمِلَهم، ففعل، وحملهم في سفينتين مع عمرو بن أُميَّة الضَّمْرِى، فَقَدِمُوا على رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بخَيْبَر، فوجدُوه قد فَتَحَهَا، فكلَّم رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم المُسْلِمينَ أن يُدخِلُوهم في سِهَامِهم، فَفَعَلُوا.
وعلى هذا فيزول الإشكال الذي بينَ حديثِ ابنِ مسعود وزيدِ بن أرقم، ويكون ابنُ مسعود قَدِمَ في المرة الوسطى بعد الهِجرة قبل بدرٍ إلى المدينة، وسلَّمَ عليه حينئذ، فلم يردَّ عليه، وكان العهدُ حديثاً بتحريم الكلام، كما قال زيدُ بن أرقم، ويكون تحريمُ الكلامِ بالمدينةِ، لا بمكة، وهذا أنسبُ بالنسخ الذي وقع في الصلاة والتغيير بعد الهجرة، كجعلها أربعاً بعد أن كانت ركعتين، ووجوب الاجتماع لها.
فإن قيل: ما أحسنه مِن جمع وأثبته لولا أن محمد بن إسحاق قد قال: ما حكيتُم عنه أن ابن مسعود أقام بمكة بعد رجوعه مِن الحبشة حتى هاجر إلى المدينة، وشهد بدراً، وهذا يدفع ما ذكر.
قيل: إن كان محمد بن إسحاق قد قال هذا، فقد قال محمد بن سعد في (طبقاته): إن ابنَ مسعود مكث يسيراً بعد مقدمه، ثم رجع إلى أرض الحبشة، وهذا هو الأظهر، لأن ابن مسعود لم يكن له بمكة مَن يَحميه، وما حكاه ابنُ سعد قد تضمَّن زيادة أمر خفى على ابن إسحاق، وابنُ إسحاق لم يذكر مَن حدَّثه، ومحمد بن سعد أسند ما حكاه إلى المطلب بن عبد الله بن حنطب، فاتفقت الأحاديثُ، وصدَّق بعضها بعضاً، وزالَ عنها الإشكال، ولله الحمد والمنة.
وقد ذكر ابنُ إسحاق في هذه الهجرة إلى الحبشة أبا موسى الأشعرى عبد الله بن قيس، وقد أَنْكَرَ عليه ذلك أهل السِّـيَر، منهم محمد بن عمر الواقدى وغيرُه، وقالوا: كيف يخفى ذلك على ابن إسحاق أو على مَن دونه ؟
قلتُ: وليس ذلك مما يخفى على مَنْ دون محمد بن إسحاق فضلاً عنه، وإنما نشأ الوهمُ أن أبا موسى هاجر من اليمن إلى أرض الحبشة إلى عند جعفر وأصحابه لما سمع بهم، ثم قَدِمَ معهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، كما جاء مصرَّحاً به في (الصحيح) فعد ذلك ابن إسحاق لأبى موسى هِجرة، ولم يقل: إنه هاجر من مكة
إلي أرض الحبشة لينكر عليه.
فصل
فانحاز المهاجرون إلى مملكة أصحمة النجاشى آمِنِين، فلما عَلِمَتْ قريشٌ بذلك، بعثت في أثرهم عبدَ الله بن أبى ربيعة، وعمرو بن العاص، بهدايَا وتُحَفٍ مِن بلدهم إلى النجاشى ليردَّهم عليهم، فأبى ذلك عليهم، وشَفَعُوا إليه بعظماء بطارقته، فلم يجبهم إلى ما طلبوا، فَوَشَوْا إليه: أن هؤلاء يقولون في عيسى قولاً عظيماً، يقولون: إنه عبد الله، فاستدعى المهاجرين إلى مجلسه، ومُقَدَّمُهم جعفر بن أبى طالب، فلما أرادوا الدخولَ عليه، قال جعفر: يستأذِنُ عليك حِزْبُ الله، فقال للآذِنِ: قل له يُعيد استئذانه، فأعاده عليه، فلما دخلوا عليه قال: ما تقولون في عيسى ؟ فتلا عليه جعفر صدراً من سورة (كهيعص) فأخذ النجاشى عُوداً من الأرض فقال: ما زاد عيسى عَلَى هذا ولا هذَا العود، فتناخرت بطارقتهُ عنده، فقال: وإن نخرتم، قال: اذهبوا فأنتم سَيوم بأرضى، من سبَّكم غُرِّم والسيوم: الآمنون في لسانهم، ثم قال للرسولين: لو أعطيتمونى دَبْرَاً من ذهب يقول: جبلاً من ذهب ما أسلمتهم إليكما، ثم أمَر فَرُدَّت عليهما هداياهما، ورجعا مقبوحين.
فصل
ثم أسلم حمزة عمُّه وجماعة كثيرون، وفشا الإسلام، فلما رأت قريشٌ أمرَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يعلو، والأمور تتزايد، أجمعوا على أن يتعاقدوا على بنى هاشم، وبنى عبد المطلب، وبنى عبد مناف، أن لا يُبايعوهم، ولا يُناكِحوهم، ولا يُكلِّموهم، ولا يُجالِسُوهُم، حتى يُسلِّموا إليهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وكتبوا بذلك صحيفة، وعلَّقوها في سقفِ الكعبةِ، يقال: كتبها منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم، ويقال: النَّضرُ بن الحارث، والصحيح: أنه بغيض بن عامر بن هاشم، فدعا عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَشَلَّتْ يَدُهُ، فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب مؤمنُهم وكافرهم، إلا أبا لهب، فإنه ظاهر قريشاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنى هاشم، وبنى المطلب، وحُبِسَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ومَنْ معه في الشِّعب شِعْب أبى طالب لَيْلَةَ هِلال المحرَّم، سنةَ سبع مِنَ البِعثة، وعُلِّقَتِ الصحيفةُ في جوف الكعبة، وبقُوا محبوسينَ ومحصورينَ، مضيَّقاً عليهم جداً، مقطوعاً عنهم المِيرةُ والمادةُ، نحوَ ثلاثِ سنين، حتى بلغهم الجَهْدُ، وسُمِعَ أصواتُ صِبيانِهم بالبُكاء مِن وراء الشِّعب، وهناك عَمِلَ أبو طالب قصيدته اللاميةَ المشهورة أولها:
جَزَى الله عَنَّا عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلاً ** عُقُوبَـةَ شَـرٍّ عَاجلاً غَيْرَ آجِلِ
وكانت قريش في ذلك بين راضٍ وكاره، فسعى في نقضِ الصحيفةِ مَنْ كان كارِهاً لها، وكان القائمُ بذلك هشامَ بن عمرو بن الحارث بن حبيب بن نصر بن مالك، مشى في ذلك إلى المُطعِم بن عدى وجماعة من قريش، فأجابوه إلى ذلك، ثم أطلعَ اللهُ رسولَه على أمر صحيفتهم، وأنه أرسل عليها الأرَضَةَ فأكلت جميع ما فيها من جَوْرِ وقطيعةٍ وظُلمٍ، إلا ذكر الله عَزَّ وجَلَّ، فأخبر بذلك عمَّه، فخرج إلى قريش فأخبرهم أن ابنَ أخيه قد قال كذا وكذا، فإن كانَ كاذباً خلَّينا بينكم وبينه، وإن كان صادقاً، رجعتُم عن قطيعتنا وظُلمِنا، قالوا: قد أنصفت، فأنزلُوا الصَّحِيفةَ، فلما رأوا الأمرَ كما أخبر به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ازدادوا كُفراً إلى كُفرهم، وخرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ومَنْ مَعَهُ مِنَ الشِّعب. قال ابن عبد البر: بعد عشرة أعوام من المبعث، ومات أبو طالب بعد ذلك بستة أشهر، وماتت خديجةُ بعده بثلاثة أيام، وقيل: غير ذلك.
فصل
فلما نُقِضَتِ الصحيفةُ، وافق موتُ أبى طالب وموت خديجة، وبينهما يسير، فاشتد البلاءُ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم من سفهاء قومه، وتجرؤوا عليه، فكاشفُوه بالأذى، فخرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائفِ رجاءَ أن يُؤووه ويَنصروه على قومه، ويمنعوه منهم، ودعاهم إلى الله عزَّ وجلَّ فلم يَرَ مَن يُؤوى، ولم ير ناصِراً، وآذَوه مع ذلك أشدَّ الأذى، ونالُوا منه ما لم ينله قومُه، وكان معه زيد بن حارثة مولاه، فأقام بينهم عشرة أيام لا يدع أحداً من أشرافهم إلا جاءه وكلَّمه، فقالوا: اخُرج مِن بلدنا، وأغرَوْا به سُفهاءهم، فوقفوا له سمَاطَيْن، وجعلوا يرمُونه بالحِجَارَةِ حتى دمِيَتْ قَدَماه، وزيدُ بن حارثة يَقيهِ بنفسه حتى أصابه شِجاج في رأسه، فانصرفَ راجعاً من الطائفِ إلى مكة محزوناً، وفى مرجعه ذلك دعا بالدعاء المشهورِ دُعاء الطَّائِفِ: (اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِى، وَقِلَّةَ حِيلَتِى، وهَوَانى عَلَى النَّاس، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ المُسْتَضْعَفِينَ، وأَنْتَ رَبَّى، إلَى مَنْ تَكِلَنِى، إِلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِى ؟ أوْ إلى عَدوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِى، إنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَىَّ فَلاَ أُبَالِى، غَيْرَ أَنَّ عَافِيتَكَ هي أَوْسَعُ لى، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الذي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنيا وَالآخِرَةِ، أَنْ يَحِلَّ عَلَىَّ غَضَبُكَ، أوْ أَنْ يَنْزِلَ بى سَخَطُك، لك العُتبى حَتَّى تَرْضَى، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلا بِكَ).
فأرسل ربُّه تبارك وتعالى إليه مَلَكَ الجِبَالِ، يستأمِرُهُ أن يُطْبِقَ الأَخْشَبَيْنِ عَلَى أهْل مَكَّةَ، وهُمَا جبلاها اللذانِ هي بينهما، فقَالَ: (لاَ، بَلْ أَسْتَأْنى بِهمْ لَعَـلَّ اللهَ يُخرِجُ مِنْ أَصْلاَبِهمْ مَنْ يَعْبُدُهُ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً).
فلما نزل بنخلة مَرْجِعَهُ، قام يُصَلِّى مِن الليل، فَصُرِفَ إليهِ نَفَرٌ مِنَ الجن، فاستمَعُوا قراءته، ولم يَشْعُرْ بهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حتى نَزَلَ عَلَيْهِ: {وَإذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الجِنَّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنْصِتُواْ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم مُّنْذِرِينَ قَالُواْ يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِى إِلَى الْحَقِّ وإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيُبواْ دَاعِىَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمِ وَمَن لا يُجِبْ دَاعِىَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُوْلَئِكَ في ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [الأحقاف: 29-32].
وأقام بنخلة أياماً، فقال له زيدُ بنُ حارثة: كيف تدخلُ عليهم، وقد أخرجوك ؟ يعنى قريشاً فقال: (يا زيدُ ؛ إن الله جاعِلٌ لما ترى فَرَجاً ومخرجاً، وإن الله ناصرٌ دِينَه ومظهر نبيه).
ثم انتهى إلى مكة فأرسل رجلاً مِن خُزاعة إلى مُطعم بن عدى: أَدْخُلُ في جِوَارِكَ ؟ فقال: نعم، ودعا بنيه وقومه، فقال: البِسُوا السِّلاَح، وكونوا عِنْدَ أركانِ البيت، فإنى قد أجرتُ محمداً، فدخلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ومعه زيد بن حارثة، حتى انتهى إلى المسجد الحَرامَ، فقام المطعمُ بن عدى على راحلته، فنادى: يا معشرَ قريش ؛ إنى قد أجرتُ محمداً، فَلا يَهِجْهُ أَحَدٌ مِنْكم، فانتهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى الرُّكنِ، فاسْتَلَمَه، وصلَّى ركعتين، وانصرف إلى بيته، والمطعمُ بن عدى وولده محدِقون به بالسِّلاح حتى دخل بيته.
فصل
ثم أُسرِىَ برسول الله صلى الله عليه وسلم بِجَسَدِهِ على الصحيح، مِن المسجد الحرامِ إلى بيتِ المقدس، راكباً على البُراقِ، صُحبة جبريل عليهما الصلاةُ والسَّلام، فنزل هُناكَ، وصَلَّى بالأنبياء إِماماً، وربط البُراقَ بحَلْقَةِ بابِ المسجد.
وقد قيل: إنه نزل ببيتِ لحمٍ، وصلَّى فيه، ولم يَصِحَّ ذَلكَ عَنْهُ البتة.
ثمَّ عُرِجَ بِهِ تِلكَ الليلةَ مِنْ بَيْتِ المقدسِ إِلى السَّمَاءِ الدُّنيا، فاستفتح لَهُ جِبْريلُ، فَفُتِحَ لَهُ، فَرَأَى هُنَالِكَ آدَمَ أَبَا البَشَرِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ، ورحَّبَ بِهِ، وَأَقَرَّ بِنُبوَّتِه، وَأَرَاهُ الله أرْوَاحَ السُّعَدَاءِ عَنْ يَمِينِهِ، وَأَرْوَاحَ الأَشْقِيَاءِ عَنْ يَسَارِهِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَاسْتَفْتَحَ لَهُ، فَرَأى فِيهَا يَحْيَى بن زَكَرِيَّا وَعِيسَى بْنَ مَرْيَمَ، فَلَقِيَهُمَا وَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا، فَردَّا عليه، وَرَحَّبَا بِه، وَأَقَرَّا بِنُبُوَّتِهِ، ثُمَّ عُرج بهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَة، فَرأى فيها يوسف، فسلَّمَ عليه، فردَّ عليه، ورحَّبَ به، وأقرّ بنبوتِه، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، فَرَأَى فِيهَا إِدْريسَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَرَحَّبَ بِهِ، وَأَقَرَّ بِنبوَّتِهِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الخَامِسَةِ، فَرَأَى فِيهَا هَارون بْنَ عِمْرَان، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَرَحَّبَ بِهِ، وَأَقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، ثُمَّ عُرِجُ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَلَقِىَ فِيهَا مُوسَى بْن عِمْرَان، فَسَلَّمَ عَلَيهِ وَرَحَّبَ بِهِ، وَأَقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، فَلَمَّا جَاوَزَهُ، بَكَى مُوسَى، فَقِيلَ لَهُ مَا يُبْكِيكَ ؟ فَقَالَ: أَبْكِى، لأَنَّ غُلاَمَاً بُعِثَ مِنْ بَعْدِى، يَدْخُلُ الجنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يَدْخُلُهَا مِنْ أُمَّتِى، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَلَقِىَ فِيهَا إِبْرَاهِيمَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَرَحَّبَ بِهِ، وَأَقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، ثُمَّ رُفِع إِلَى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، ثُمَّ رُفِعَ لَهُ البَيْتُ المَعْمُورُ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى الجبَّارِ جَلَّ جَلالُه، فَدَنَا مِنْهُ حَتَّى كَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أوْ أَدْنَى. فَأَوْحَى إِلى عَبْدِهِ مَا أوْحَى، وَفَرَضَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ صَلاَةً. فَرَجِعَ حَتَّى مَرَّ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ لَهُ: بِمَ أُمِرْتَ ؟ قَالَ: بِخَمْسِينَ صَلاَةً، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تُطِيقُ ذَلِكَ، ارْجعْ إِلىَ رَبِّكَ، فَاسْأْلْهُ التَّخْفِيفَ لأُمَّتِكَ، فالْتَفَتَ إِلَى جِبْرِيلَ كَأَنَّهُ يَسْتَشِيرُهُ في ذلِكَ، فَأَشَارَ أَنْ نَعَمْ إِنْ شِئْتَ، فَعَلاَ بِهِ جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى بِهِ الجَبَّارَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وهُوَ في مَكَانِهِ هذا لفظُ البخارى في بعض الطرق فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرَاً، ثُمَّ أُنْزِلَ حَتَّى مَرَّ بِمُوسَى، فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: ارْجعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ مُوسَى، وَبَيْنَ الله عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى جَعَلَهَا خَمْسَاً، فَأَمَرَهُ مُوسَى بالرُّجُوعِ وَسُؤَالِ التَّخْفِيفِ، فَقَالَ: (قَدِ اسْتَحْييْتُ مِنْ رَبِّى، وَلكِنْ أَرْضَى وَأُسلِّمُ)، فَلَمَّا بَعُدَ نَادَى مُنَادٍ: قَدْ أَمْضيْتُ فَرِيضَتِى، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِى.
واختلف الصحابةُ: هل رأى ربَّهُ تلك الليلةَ، أم لا ؟ فصحَّ عن ابن عَبَّاس أنه رأى ربَّهُ، وصحَّ عنه أنه قال: (رَآهُ بِفُؤَادِهِ).
وصحَّ عَنْ عَائِشَةَ وابْن مًَسْعُودٍ إِنْكَارُ ذلِكَ، وقَالاَ: إِنَّ قَوْلَه: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى} [النجم: 13-14] إِنَّمَا هُوَ جِبْريلُ.
وَصَحَّ عَنْ أبى ذَرَّ أَنَّه سَأَلَهُ: هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ ؟ فقالَ: (نُورُ أَنَّى أرَاهُ) أى: حال بينى وبين رؤيته النور، كما قال في لفظ آخر: (رَأَيْتُ نُورَاً).
وقد حكى عثمانُ بن سعيد الدَّارمى اتفاقَ الصَّحَابة على أنه لم يره.
قال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية قدَّس الله روحَه: وليس قولُ ابن عباس: (إنه رآه) مناقِضاً لهذا، ولا قولُه: (رآهُ بفُؤاده) وقد صحَّ عنه أنه قال: (رأيتُ ربِّى تَبَارَكَ وتَعَالَى ) ولكن لم يكن هذا في الإسراء، ولكن كان في المدينة لما احتُبِسَ عنهم في صلاة الصبح، ثم أخبرهم عن رؤيةِ رَبِّه تبارك وتعالى تِلْكَ اللَّيْلَةَ في منامه، وعلى هذا بنى الإمامُ أحمد رحمه الله تعالى، وقال: (نعم رآه حقاً، فإنَّ رؤيا الأنبياء حق، ولا بُدَّ)، ولكن لم يَقُلْ أحمد رحمه الله تعالى: إنَّه رآهُ بِعَيْنَىْ رأسِهِ يقظةً، ومَن حكى عنه ذلك، فقد وَهِمَ عليه، ولكن قال مرّة: (رآه)، ومرَّة قال: (رآه بفؤاده)، فَحُكِيَتْ عنه رِوايتان، وحُكِيَت عنه الثالثة مِن تصُّرفِ بعض أصحابه: أنه رآه بعينى رأسه، وهذه نصوصُ أحمد موجودة، ليس فيها ذلك.
وأمَّا قولُ ابنِ عباس: (إنَّه رآهُ بفُؤادِهِ مرتين)، فإن كان استنادُه إلى قوله تعالى: {مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى} [النجم: 11]، ثم قال: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم: 13] والظاهر أنه مستندُه، فقد صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أن هذا المرئى جبريلُ، رآهُ مرَّتَيْنِ في صُورته التي خُلِقَ عَلَيْهَا، وقول ابن عباس هذا هو مُسْتَنَدُ الإمام أحمد في قوله: رآه بفؤاده، والله أعلم.
وأما قولُهُ تعالى في سورة النجم: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} [النجم: 8] فهو غير الدُّنو والتَّدلى في قصة الإسراء، فإنَّ الذي في (سورة النجم) هو دنُّو جبريل وتدلِّيه، كما قالت عائشةُ وابنُ مسعود، والسياقُ يَدُلُّ عليه، فإنه قال: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} [النجم: 5] وهو جبريل {ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} [النجم: 6-8]، فالضمائر كُلُّها راجعة إلى هذا المعلِّم الشديد القوى، وهو ذُو المِرَّة، أى: القوة، وهو الذي استوى بالأفق الأعلى، وهو الذي دنى فتدلَّى، فكان من محمد صلى الله عليه وسلم قَدْرَ قوسين أو أدنى، فأما الدُّنُوُّ والتدَّلى الذي في حديث الإسراء، فذلك صريحٌ في أنه دنوُّ الربِّ تبارك وتدلِّيه ولا تَعَرُّض في (سورة النجم) لِذلك، بل فيها أنه رآه نزلةً أُخرى عِند سِدرةِ المنتهى، وهذا هو جبريلُ، رآهُ محمد صلى الله عليه وسلم على صُورته مرتين: مرة في الأرض، ومرة عند سدرة المنتهى، والله أعلم.
فصل
فلما أصبحَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في قومِه، أخبرهم بما أراه اللهُ عَزَّ وجَلَّ من آياتهِ الكبرى، فاْشْتَدَّ تكذيبُهم له، وأذاهُم وضراوتُهم عليه، وسألوه أن يَصِفَ لَهُمْ بَيْتَ المَقْدِسِ، فجلاَّهُ الله له حَتَّى عَايَنَهُ، فَطَفِقَ يُخِبُرهم عَنْ آياتِهِ، وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ أَن يَرُدُّوا عَلَيْهِ شَيْئًا.
وأخبَرَهُم عَنْ عِيرهم في مَسْرَاهُ ورجوعِهِ، وأخبَرَهُم عن وقتِ قُدومِهَا، وأخبَرَهُم عن البعير الذي يَقْدُمُها، وكان الأمرُ كما قال، فلم يِزَدْهُم ذلك إلا نفوراً، وأبى الظالمون إلا كُفوراً.
فصل
وقد نقل ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية أنهما قالا: (إنما كان الإسراء بروحه، ولم يَفْقِد جسدَه)، ونُقِلَ عن الحسن البَصرى نحو ذلك، ولكن ينبغى أن يُعلم الفرقُ بين أن يُقال: كان الإسراءُ مناماً، وبين أن يُقال: كان بروحه دونَ جسده، وبينهما فرقٌ عظيم، وعائشة ومعاوية لم يقُولا: كان مناماً، وإنما قالا: (أُسْرِىَ بِرُوحِهِ ولم يَفْقِدْ جَسَدَهُ)، وَفَرْقٌ بين الأمرين، فإن ما يراه النائم قد يكون أمثالاً مضروبة للمعلوم في الصُّور المحسوسة، فيرى كأنَّه قد عُرِجَ به إلى السماء، أو ذُهِبَ به إلى مكة وأقطار الأرض، وروحُه لم تصعَد ولم تذهب، وإنما مَلَكُ الرؤيا ضَرَبَ له المِثَال، والَّذِينَ قالوا: عُرِجَ برسولِ الله صلى الله عليه وسلم طائفتان: طائفةٌ قالت: عُرِجَ بروحه وبدنه، وطائفة قالت: عُرِجَ بروحه ولم يَفْقِدْ بدَنه، وهؤلاء لم يُرِيدُوا أن المِعراجَ كان مناماً، وإنما أرادوا أن الرُّوحَ ذاتَها أُسْرِىَ بها، وعُرِجَ بِهَا حقيقةً، وباشرت مِنْ جِنس ما تُباشِرُ بعد المفارقة، وكان حالُهَا في ذلك كحالها بعد المفارقة في صُعودها إلى السَّموات سماءً سماءً حتى يُنْتهى بها إلى السماء السابعة، فَتَقِفُ بَيْنَ يدى الله عَزَّ وجَلَّ، فيأمرُ فيها بمَا يَشَاءُ، ثم تنزل إلى الأرض، والذي كان لِرسولِ الله صلى الله عليه وسلم ليلةَ الإسراء أكملُ مما يحصُلُ للروح عند المفارقة.
ومعلوم أن هذا أمرٌ فوقَ ما يراهُ النائمُ، لكن لما كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في مقام خَرْقِ العَوائِدِ، حتى شُقَّ بطنُهُ، وهو حى لا يتألم بذلك، عُرِجَ بذاتِ روحه المقدسة حقيقةً من غير إماتة، ومَنْ سِوَاهُ لا ينالُ بذاتِ روحِهِ الصُّعودَ إلى السماءِ إلا بَعْدَ الموتِ والمُفارقة، فالأنبياءُ إنما استقرَّت أرواحُهُم هناك بعد مفارقة الأبدان، وروحُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم صَعِدَت إلى هُنَاكَ في حال الحياة ثم عادَت، وبعد وفاته استقرَّت في الرفيق الأعلى مع أرواح الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومع هذا، فلها إشراف على البَدَنِ وإشراقٌ وتعلُّق به، بحيث يَرُدُّ السلامَ على مَن سَلَّمَ عَلَيْهِ، وبهذا التعلق رأى موسى قائماً يُصَلِّى في قبره، ورآهُ في السماء السادسة. ومعلوم أنه لم يُعْرَجْ بموسَى مِن قبره، ثم رُدَّ إليه، وإنما ذلك مقامُ رُوحِه واستقرارُها، وقبرُه مقامُ بدنه واستقراره إلى يوم معاد الأرواح إلى أجسادها، فرآهُ يُصَلِّى في قبره، ورآه في السماء السَّادِسَةِ، كما أنه صلى الله عليه وسلم في أرفع مكان في الرفيق الأعلى مستقِراً هناك، وبَدَنُه في ضريحه غيرُ مفقود، وإذا سلَّم عليه المسلِّم ردَّ الله عليه روحه حتى يَرُدَّ عليه السلام، ولم يفارق الملأ الأعلى، ومن كَثُفَ إدراكُهُ، وغلظت طباعه عن إدراك هذا، فلينظرْ إلى الشَّمسِ في عُلُوِّ محلها، وتعلُّقِهَا، وتأثيرهَا في الأرض، وحياة النبات والحيوان بها، هذا وشأنُ الروح فوق هذا، فلها شأنٌ، وللأبدان شأن، وهذه النارُ تكون في محلها، وحرارتُها تؤثِّر في الجسم البعيد عنها، مع أنَّ الارتباط والتعلُّقَ الذي بَيْنَ الروحِ والبدنِ أقوى وأكملُ مِن ذلك وأتم، فشأنُ الروح أعلى من ذلك وألطف.
فَقُــلْ للعُيُــونِ الرُّمْــدِ إِيَّاكِ أَنْ تَرَىْ ** سَنَا الشَّمْسِ فَاسْتَغْشِى ظَلاَمَ اللَّيَالِيَا
فصل
قال موسى بن عُقبة عن الزهرى: (عُرِجَ بُروحِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إلى بيتِ المقدس وإلى الساء قبلَ خروجه إلى المدينة بسنة)، وقال ابن عبد البر وغيره: كان بين الإسراء والهجرة سنة وشهران.. انتهى.
وكان الإسراءُ مرَّةً واحدة. وقيل: مَرَّتين: مرة يقظةً، ومرة مناماً، وأربابُ هذا القول كأنَّهُم أرادوا أن يجمعوا بين حديثِ شريك، وقوله: ثم استيقظتُ، وبين سائرِ الروايات، ومنهم مَنْ قال: بل كان هذا مرتين، مرة قبل الوحى لقوله في حديث شريك: (وذلك قبل أن يُوحَى إليه)، ومرة بعد الوحى، كما دلَّت عليه سائر الأحاديث، ومنهم مَن قال: بل ثلاثُ مرات: مرة قبل الوحى، ومرَّتين بعده، وكل هذا خبط، وهذه طريقةُ ضعفاء الظاهرية مِنْ أرباب النَّقْلِ الذين إذا رأوا في القصة لفظة تُخالِفُ سياقَ بعضِ الروايات، جعلُوه مرة أخرى، فكلما اختلفت عليهم الرواياتُ، عدَّدوا الوقائع، والصوابُ الذي عليه أئمةُ النقل أن الإسراء كان مرةً واحِدةً بمكَّة بعد البِعثة.
ويا عجبا لهؤلاء الذين زعموا أنه مراراً، كيف ساغ لهم أن يظنُّوا أنه في كل مرة تُفرض عليه الصلاة خمسين، ثم يتردَّد بين ربه وبين موسى حتى تصيرَ خمساً، ثم يقول: (أمضيتُ فريضتى، وخففتُ عن عبادى) ثم يعيدها في المرة الثانية إلى خمسين، ثم يحطها عشراً عشراً، وقد غلَّط الحُفَّاظُ شريكاً في ألفاظ مِن حديث الإسراء ومسلم أورد المسند منه ثم قال: فقدَّم وأخَّر وزاد ونقص، ولم يسرد الحديث، فأجاد رحمه الله.
فصل: في مبدأ الهجرة التي فرَّق اللهُ فيها بين أعدائه وأوليائه،وجعلها مبدأً لإعزاز دينه ونصر عبده ورسُوله
قال الواقدى: حدَّثنى محمدُ بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن رومان وغيرهما قالوا: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ ثلاثَ سِنِينَ مِن أوَّلِ نُبوته مُستخفياً، ثم أعلنَ في الرَّابِعة، فدعا النَّاسَ إلى الإسلام عَشْرَ سِنِينَ، يُوافى المَوْسِمَ كُلَّ عام، يتَّبعُ الحاجَّ في منازلهم، وفى المواسم بعُكاظ، ومَجَنَّة، وذى المَجَاز، يدعوهم إلى أن يمنَعُوهُ حتى يُبَلِّغَ رِسَالاتِ ربِّه ولهم الجنةُ، فلا يَجِدُ أحداً ينصُره ولا يُجيبه، حتى إنه ليسألُ عن القبائل ومنازِلهَا قبيلةً قبيلةً، ويقول: (يا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: لاَ إِلهَ إِلا الله تُفْلِحُوا، وَتمْلِكُوا بِهَا العَرَبَ، وتَذِلَّ لَكُم بِهَا العَجَمُ، فَإذَا آمَنْتُم، كُنْتُم مُلُوكاً في الجَنَّةِ)، وأبو لَهَبٍ وراءَه يقولُ: لا تُطِيعُوهُ فإنَّهُ صَابِىء كَذَّاب، فيردُّونَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبحَ الرَّدِّ، ويُؤذونه، ويقولون: أُسرتُك وعشيرتُكَ أعلمُ بِكَ حيثُ لم يَتَّبِعُوك، وهُوَ يدعُوهم إلى الله، ويقول: (اللَّهُمَّ لَوْ شِئْتَ لَمْ يَكُونُوا هكَذَا) قال: وكان ممن يسمَّى لنا مِن القبائِلِ الَّذِينَ أتاهُم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم، وعَرَضَ نفسَه عليهم: بنو عامر بن صَعْصَعَةَ، ومحارب بن حَصَفة، وفَزَارَة، وغسَّان، ومُرَّة، وحنيفة، وسُلَيم، وعَبْس، وبنو النَّضر، وبنو البكاء، وكِندة، وكلب، والحارث بن كعب، وعُذرة، والحضَارِمة، فلم يستجب منهم أحد.
فصل
وكان مِما صنع الله لِرسوله أن الأوسَ والخزرجَ كانُوا يسمعُونَ مِن حُلفائهم مِن يهودِ المدينةِ أن نبياً من الأنبياء مبعوثٌ في هذا الزمانِ سَيَخْرُج، فَنَتَّبِعُهُ ونقتُلكُم معه قَتْلَ عَادٍ وإرَمٍ، وكانت الأنصارُ يحجُّونَ البيتَ كما كانتِ العربُ تحجُّه دونَ اليهود، فلما رأى الأنصارُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناسَ إلى اللَّهِ عزَّ وجَلَّ، وتأمَّلُوا أحوَاله، قال بعضُهم لبعض: تَعْلَمُونَ واللهِ يا قَوْمُ أَنَّ هذا الذي تَوَعَّدُكُم بِهِ يَهُودُ، فَلا يَسْبِقُنَّكُم إِلَيْهِ. وكانَ سُويدُ بنُ الصَّامِت من الأوسِ قد قَدِمَ مَكَّةَ، فدعاه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فلم يُبْعِدْ وَلَم يُجِبْ حتَّى قَدِمَ أنس بن رافع أبو الحيسر في فِتيةٍ مِن قومهِ من بنى عَبْدِ الأَشْهَلِ يطلُبُون الحِلف، فدعاهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسْلام، فقال إياسُ بنُ معاذ وكان شاباً حَدَثاً: يا قومُ ؛ هذا واللهِ خَيْرٌ مِما جئِنَا له، فضربَه أبو الحيسر وانتهره، فسكتَ، ثم لم يَتِمَّ لهم الحِلْفُ، فانصرَفُوا إلى المدينةِ.
فصل
ثم إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لَقِىَ عِنْدَ العَقَبَةِ في المَوْسِمِ سِتَّةَ نَفَرٍ مِنَ الأنصارِ كُلُّهم مِن الخزرج، وهم: أبو أُمامة أسعدُ بنُ زُرَارَة، وعوفُ بن الحارث، ورافِعُ بن مالك، وقُطبةُ بن عامر، وعُقبة بن عامر، وجابرُ بن عبد الله بن رئاب، فَدَعَاهُم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسْلامِ فأسلمُوا.
ثم رجعوا إلى المدينةِ، فَدَعَوْهُم إلى الإسلام، ففشا الإسلامُ فيها حتَّى لم يبق دارٌ إلا وقد دخلها الإسلامُ، فلما كان العامُ المقبلُ، جاء مِنهم اثنا عشَرَ رَجُلاً، الستة الأُوَل خلا جابر بن عبد الله، ومعهم معاذ بن الحارث بن رفاعة أخو عوف المتقدِّم، وذكوان بنُ عبد القيس، وقد أقامَ ذَكوان بمكة حتى هاجر إلى المدينة، فيقال: إنه مُهاجرى أنصارى، وعُبادة بن الصامت، ويزيدُ بن ثعلبة، وأبو الهيثم بن التَّيهان، وعُويمر بن مالك هم اثنا عشر.
وقال أبو الزبير عن جابر: (إن النبى صلى الله عليه وسلم لَبِثَ بِمَكَّةَ عشرَ سنين يَتَّبعُ الناسَ في منازلهم في المواسم، وَمَجَنَّة، وعُكَاظ، يقول: (مَنْ يُؤْوينى ؟ مَنْ يَنْصُرُنى ؟ حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالاَتِ رَبِّى، ولَهُ الجَنَّةُ، فَلاَ يَجِدُ أَحَدَاً يَنْصُرُهُ وَلاَ يُؤْوِيِهِ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَرْحَلُ مِنْ مُضَرَ أَوْ اليَمَنِ إِلى ذِى رَحِمِهِ، فَيَأْتِيهِ قَوْمهُ فَيَقُولُونَ له: (احْذَرْ غُلاَمَ قُريْشٍ لاَ يَفْتِنْكَ، وَيَمْشِى بَيْنَ رِجَالِهِم يَدْعُوهُمْ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وَهْم يشيرُونَ إِلَيْهِ بِالأَصَابعِ، حَتَّى بَعَثَنَا اللهُ مِنْ يَثْرِبَ، فَيَأْتِيهِ الرَّجُلُ مِنَّا فَيُؤْمِنُ به ويُقْرِئُهُ القُرْآنَ، فَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ، فَيُسْلِمُونَ بإِسْلاَمِهِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دورِ الأنْصَارِ إِلاَّ وَفِيهَا رَهْطٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، يُظْهُرونَ الإسْلاَمَ، وَبَعَثَنَا اللهُ إلَيْهِ، فَائْتَمَرْنَا وَاجْتَمَعْنَا وقلنا: حتَّى مَتَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُطرَّد في جِبَال مَكَّةَ وَيَخَافُ، فَرَحْلَنَا حَتَّى قَدِمْنَا عَلَيْهِ في المَوْسِمِ، فَوَاعَدَنَا بَيْعَةَ العَقَبَة، فَقَالَ لَهُ عَمُّه العَبَّاسُ، يَا ابنَ أَخِى مَا أَدْرى مَا هَؤُلاءِ القَوْمُ الَّذِينَ جَاؤوكَ، إِنِّى ذُو مَعْرِفَةٍ بِأَهْلِ يَثْرِبَ، فَاجْتَمَعْنَا عِنْدَهُ مِنْ رَجُلٍ وَرَجُلَيْنِ، فَلَمَّا نَظَرَ العَبَّاسُ في وُجُوهِنَا، قَالَ: هَؤُلاءِ قَوْمٌ لاَ نَعْرِفُهُم، هَؤُلاءِ أَحْدَاثٌ، فَقُلْنَا: يَا رَسُول الله ؛ عَلامَ نُبَايِعُكَ ؟ قَالَ: (تُبَايِعُونِى عَلى السَّمع وَالطَّاعَةِ، في النَّشَاطِ والكَسَلِ. وَعلَى النَّفَقَةِ في العُسْرِ وَاليُسْرِ، وَعَلَى الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْى عَنِ المُنْكَرِ، وَعَلَى أَنْ تَقُولُوا في اللهِ لا تَأْخُذُكُم لَوْمَةُ لاَئِمٍ، وَعلَى أَنْ تَنْصُرونى إِذا قَدِمْتُ عَلَيْكُم، وَتَمْنَعُونِى مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُم وَأَبْنَاءَكُم وَلَكُمُ الجَنَّةُ)، فَقُمْنَا نُبَايِعُهُ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وهُوَ أَصْغَرُ السَّبْعِينَ، فَقَالَ: رُوَيْدَاً يَا أَهْلَ يَثْرِبَ، إِنَّا لَمْ نَضْربْ إِلَيْهِ أَكْبَادَ المَطِىِّ إلاَّ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ، وأنَّ إِخْرَاجَهُ اليَوْمَ مُفَارَقَةُ العَرَبِ كَافَّةً، وَقَتْلُ خِيَارِكُم، وأَنْ تَعَضَّكُم السُّيوفُ، فإِمَّا أَنْتُمْ تَصْبِرُونَ عَلَى ذلِكَ، فَخُذُوهُ، وَأَجْرُكُم عَلَى اللهِ، وَإِمَّا أَنْتُمْ تَخَافُونَ مِنْ أَنْفُسِكُم خِيفَةً فَذَرُوهُ، فَهُوَ أَعْذَرُ لَكُم عِنْدَ اللهِ، فَقَالُوا: يَا أَسْعَدُ ؛ أَمِطْ عَنَّا يَدَكَ، فَوَاللَّهِ لاَ نَذَرُ هَذِهِ البَيْعَةَ، ولا نَسْتَقِيلُها، فَقُمْنَا إِلَيْهِ رَجُلاً رَجُلاً، فأَخَذَ عَلَيْنَا وشرط، يُعْطِينَا بِذَلِكَ الجَنَّةَ).
ثمَّ انصرفوا إلى المدينةِ، وبعثَ معهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عمروُ بنَ أُمَّ مكتوم، ومُصْعَبَ بْن عُمير يُعَلَّمان مَن أسلم منهم القرآن، ويدعوان إلى الله عزَّ وجلَّ، فنزلا على أبى أمامة أسعدَ بن زُرارة، وكان مُصعبُ بنَ عمير يَؤمُّهم، وجمَّع بهم لما بلغوا أربعين فأسلم على يديهما بَشرٌ كثيرٌ، منهم أُسَيْدُ بنُ الحُضَيْرِ، وسعدُ بن معاذ، وأسلم بإسلامهما يومئذ جميع بنى عبد الأشهل الرجالُ والنساء، إلا أُصيرم عمرو بن ثابت بن وقش، فإنه تأخَّر إسلامه إلى يوم أُحُد، وأسلم حينئذ، وقاتل فقُتِل قبل أن يَسجد للهِ سجدة، فأُخبر عنه النبى صلى الله عليه وسلم فقال: (عَمِلَ قَليلاً، وَأُجِرَ كَثِيراً).
وكثر الإسلامُ بالمدينة، وظهر، ثم رَجَعَ مُصعبُ إلى مكة، ووافى الموسِمَ ذلك العامَ خلقٌ كثير من الأنصار مِن المسلمين والمشركين، وزعيمُ القومِ البَراءُ بنُ معرور، فلما كانت لَيْلَةُ العقبةِ الثلثَ الأول مِن الليل تسلَّل إلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ثلاثةُ وسبعونَ رَجُلاً وامرأتانِ، فبايعُوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خِفية مِن قومهم، ومِن كُفَّارِ مكة، على أن يمنعُوه مما يمنعونَ مِنه نساءهم وأبناءهم وأزُرَهم، فكانَ أَوَّلَ مَنْ بَايَعَهُ ليلتئذٍ البَرَاءُ بن معرور، وكانت له اليدُ البيضاء، إذ أكَّدَ العقدَ، وبادر إليه، وحضرَ العباسُ عمُّ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مؤكداً لبيعته كما تقدم، وكان إذ ذاك على دينِ قومه، واختارَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم منهم تلك الليلة اثنى عشر نقيباً، وهم: أسعدُ بن زرارة، وسعدُ بنُ الربيع، وعبدُ الله بن رواحة، ورافِعُ بن مالك، والبَراءُ بن مَعرور، وعبد الله ابن عمرو بن حرام والد جابر، وكان إسلامُه تِلك الليلة، وسعدُ بنُ عبادة، والمنذرُ بن عمرو، وعبادةُ بن الصامت، فهؤلاء تِسعةٌ من الخزرجِ، وثلاثةٌ من الأوس: أُسَيْدُ بنُ الحضير، وسعدُ بن خيثمة، ورِفاعةُ بن عبد المنذر. وقيل: بل أبو الهيثم بن التيهان مكانه.
وأما المرأتان: فأُم عُمارة نُسيبة بنتُ كعبِ بنِ عمرو، وهى التي قَتَل مُسَيْلِمةُ ابنَهَا حبيبَ بْنَ زيد، وأسماء بنت عمرو بن عدى.
فلما تمت هذه البيعةُ استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يميلوا على أهل العقبةِ بأسيافهم، فلم يأذَنْ لهم في ذلك، وصرخَ الشيطانُ عَلَى العَقَبَةِ بأنفَذِ صوت سُمِع: يا أهلَ الجباجب هل لكم في مُذَمَّمٍ والصُّبَاةُ معه قد اجتمعوا على حربكم ؟ فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (هذا أَزَبُّ العقبة، هذا ابنُ أزيْب، أما واللهِ يا عدُوَّ الله لأَتَفَرَّغَنَّ لَكَ).
ثم أمرهم أن ينفضُّوا إلى رحالهم، فلما أصبحَ القومُ، غدَتْ عليهم جِلَّةُ قريش وأشرافهُم حتى دخلوا شِعب الأنصار، فقالوا: يا معشرَ الخزرجِ ؛ إنه بلغنا أنكم لَقِيتُم صاحِبَنَا البارحة، وواعدتمُوه أن تُبايعُوه على حربنا، وايمُ اللهِ ما حىٌ مِن العرب أبغضَ إلينا من أن يَنْشَبَ بيننا وبينه الحربُ مِنكم، فانبعثَ مَن كان هُناك من الخزرج مِن المشركين، يحلِفُونَ لهم بالله: ما كان هذا وما عَلِمْنا، وجعل عبدُ الله بنُ أُبَىّ بن سلول يقول: هذا باطل، وما كان هذا، وما كان قومى لِيفتاتُوا عَلَىّ مِثل هذا، لو كنتُ بيثربَ ما صنع قومى هذا حتى يُؤامرونى، فرجعتْ قريش مِن عندهم، ورحل البراءُ بن معرور، فتقدَّم إلى بطنِ يَأْجَج، وتلاحق أصحابُه مِن المسلمين، وتطلَّبتهُم قريشٌ، فأدركوا سعدَ بْنَ عُبادة، فربطوا يديهِ إلى عُنقهِ بِنسْعِ رَحْلِه، وجعلوا يضرِبُونه، ويَجرُّونه، ويَجْذِبونَهُ بِجُمَّتِهِ حتى أدخلُوه مكَّة، فجاء مُطْعِمُ بنُ عدى والحارث بن حرب بن أُمية، فخلصَّاه من أيديهم، وتشاوَرَتِ الأنصارُ حين فقدُوه أَن يَكِرُّوا إليه، فإذا سَعْدُ قد طَلَعَ عليهم، فوصلَ القومُ جميعاً إلى المدينةِ.
فأذِنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين بالهِجْرةِ إلى المدينة، فبادرَ الناسُ إلى ذلك، فكان أوَّلَ مَنْ خرج إلى المدينة أبُو سلمة بن عبد الأسد، وامرأتُهُ أُمُّ سلمة، ولكنها احتُبِسَت دونه، ومُنِعَت من اللَّحَاق به سنة، وحِيلَ بينها وبين ولدِها سلمة، ثم خرجت بعد السَّنة بولدها إلى المدينة، وشيَّعها عثمانُ بنُ أبى طلحة،.
ثم خَرجَ الناسُ أرسالاً يتبعُ بعضُهم بعضاً، ولم يبق بمكة مِن المسلمين إلا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعلىّ، أقاما بأمره لهما، وإلا مَن احتبسه المشرِكُونَ كرهاً، وقد أعدَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم جهَازَه ينتظر متى يُؤمر بالخروج، وأعدَّ أبو بكر جَهَازَهُ.
فصل
فلما رأى المشركُون أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تجهَّزُوا، وخرجُوا، وحملُوا، وساقوا الذَّرارِى والأطفالَ والأموالَ إلى الأوسِ والخزرَج، وعرفُوا أن الدارَ دارُ مَنَعَةٍ، وأَن القومَ أَهلُ حَلْقَةٍ وَشَوْكَةٍ وبأسٍ، فخافوا خروجَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إليهم ولحوقَه بهم، فيشتدَّ عليهم أمره، فاجتمعوا في دار الندوة، ولم يتخلَّفْ أحدٌ من أهل الرأى والحجا منهم ليتشاوروا في أمره، وحضرهم وليُّهم وشيخُهم إبليسُ في صُورة شيخ كبير من أهل نجد مشتمل الصَّمَّاء في كِسائه، فتذاكَرُوا أمرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار كُلُّ أحد منهم برأى، والشيخُ يردُّهُ ولا يرضاه، إلى أن قال أبو جهل: قد فُرِقَ لى فيه رأى ما أراكم قد وقعتُم عليه، قالوا: ما هو ؟ قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة من قريش غلاماً نَهْداً جَلْداً، ثمَّ نعطيِه سَيْفاً صارماً، فيضربونه ضربةَ رجلٍ واحد، فيتفرَّقُ دمه في القبائل، فلا تدرى بنو عبد مناف بعد ذلك كيف تصنعُ، ولا يُمكِنُهَا معاداة القبائل كلها، ونسوقُ إليهم ديته، فقال الشيخ: للهِ دَرُّ الفتى، هذا واللهِ الرأىُ، قال: فتفرَّقوا على ذلك، واجتمعوا عليه، فجاءه جبريلُ بالوحى من عند ربه تبارك وتعالى، فأخبره بذلك، وأمره أن لا ينام في مَضجعِه تلكَ الليلة.
وجاء رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى أبى بكر نِصفَ النهار في ساعةٍ لم يكن يأتيه فيها مُتَقَنَّعاً، فقالَ له:
(أخْرِجْ مَنْ عِنْدَك) فقَالَ: إنما هُم أهُلكَ يا رسولَ الله، فقال: (إنَّ الله قَدْ أَذِنَ لِى في الخُرُوجِ) فقال أبُو بكر: الصحبة يا رسولَ الله ؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (نعم) فقال أبو بكر: فخذ بأبى وأُمّى إحدَى راحلتىَّ هاتين، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (بالثمن).
وأمر علياً أن يبيت في مَضْجَعِهِ تلكَ الليلة، واجتمعَ أُولئكَ النفرُ مِن قريش يتطلعون من صِيْرِ الباب ويرصُدُونه، ويُرِيدون بياتَه، ويأتمرونَ أيهم يكونُ أشقاها، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم فأخذ حَفنةً من البطحاء، فجعل يَذُرُّهُ على رؤوسهم، وهم لا يرونه، وهو يتلو: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} [يس: 9]، ومضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبى بكر، فخرجا مِن خَوْخَةٍ في دار أبى بكر ليلاً، وجاء رجلٌ، ورأى القوم ببابه، فقال: ما تنتظرون ؟ قالوا: محمداً، قال: خِبْتُم وخَسِرْتُم، قد واللهِ مرَّ بِكُمْ وذرّ على رؤوسكم الترابَ، قالوا: واللهِ ما أبصرناه، وقاموا ينفضُون التراب عن رؤوسهم، وهم: أبو جهل، والحكمُ بنُ العاص، وعُقْبَةُ بن أبى مُعيط، والنَّضرُ بن الحارث، وأُميَّةُ بن خلف، وزمعةُ بن الأسود، وطُعيمة بن عدى، وأبو لهب، وأُبَىُّ بن خلف، ونبيه ومنبّه ابنا الحجاج، فلما أصبحوا، قام علىٌ عن الفراش، فسألُوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لا عِلم لى به.
ثم مضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى غار ثورٍ، فدخلاه، وضربَ العنكبوتُ على بابه.
وكانا قد استأجرَا عبدَ الله بن أُرَيْقِطٍ الليثى، وكان هادِياً ماهِراً بالطريق، وكان على دِين قومه من قريش، وأمناه على ذلك، وسلَّما إليه راحلتيهما، وواعداه غارَ ثور بعد ثلاث، وجدَّت قريش في طلبهما، وأخذوا معهم القافَة، حتى انتهوا إلى بابِ الغار، فوقفوا عليه.
ففى (الصحيحين) أن أبا بكر قال: يا رسول اللهِ ؛ لو أنَّ أحَدَهُم نظر إلى ما تحت قَدَمَيْهِ لأبصرنا فقال: (يَا أَبَا بَكُرٍ ؛ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا، لاَ تَحْزَنْ فإنَّ الله مَعَنَا) وكان النبىُّ صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يسمعانِ كلامَهم فوقَ رؤوسهما، ولكن الله سُبحانه عمَّى عليهم أمَرهما، وكان عامِر بن فُهيرة يرعى عليهما غنماً لأبى بكر، ويتسمَّع ما يُقالُ بمكة، ثم يأتيهما بالخبر، فإذا كان السَحَر سَرَحَ مع الناسِ.
قالت عائشة: وجهَّزناهُما أحث الجِهاز، ووضَعْنَا لهمَا سُفرة في جِرابٍ، فَقَطَعَتْ أسماءُ بنتُ أبى بكر قطعةً مِنْ نِطاقها، فأوْكَتْ بهِ الجِراب، وقطعتِ الأُخرى فصيرَّتها عِصاماً لِفم القِربة، فلذلك لُقِّبتْ: ذاتَ النطاقين.
وذكر الحاكم في (مستدركه) عن عمر قال: (خرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار، ومعه أبو بكر، فجعل يمشى ساعة بين يديه، وساعة خلفَه، حتى فَطِنَ له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فسأله، فقال له: يا رسول الله ؛ أذكُر الطلبَ، فأمشى خلفك، ثم أذكُر الرصَدَ، فأمشى بين يديك فقال: (يا أبا بكر ؛ لو كان شىء أحببتَ أن يكون بِكَ دونى؟) قال: نعم والذي بعثك بالحقِّ، فلما انتهى إلى الغار قال أبو بكر: مكانَكَ يا رسول الله حتى أستبرىءَ لك الغارَ، فدخل، فاستبرأه، حتى إذا كان في أعلاه ذكر أنه لم يستبرىء الجِحَرَةَ، فقال: مكانك يا رسول الله حتى أستبرىء الجِحَرَةَ ثم قال: انزلْ يا رسولَ الله، فنزل، فمكثا في الغار ثلاثَ ليالٍ حتى خمدت عنهما نارُ الطلب، فجاءهما عبد اللهِ بن أُريقط بالراحلتين، فارتحلا، وأردف أبو بكر عامر بن فُهيرة، وسار الدليلُ أمامهما، وعينُ الله تكلؤهما، وتأييدُه يصحبُهما، وإسعاده يرحلُهما ويُنزلهما.
ولما يئس المشركون مِن الظَّفرِ بهما، جعلُوا لمن جاء بهما دِيةَ كل واحد منهما، فجدَّ الناسُ في الطَّلب، واللهُ غالبٌ على أمره، فلما مرُّوا بحى بنى مُدُلجٍ مُصعدِين من قُديد، بَصُرَ بهم رجلُ من الحىِّ، فوقف على الحىِّ فقال: لقد رأيتُ آنِفاً بالساحل أَسْوِدَةً ما أُراها إلا محمداً وأصحابَه، فَفَطِنَ بالأمر سُراقة بن مالك، فأراد أن يكون الظفرُ له خاصة، وقد سبق له من الظَّفَرِ ما لم يكن في حسابه، فقال: بل هم فلان وفلان، خرجا في طلب حاجة لهما، ثم مكث قليلاً، ثم قام فدخل خِباءه وقال لخادمه: اخْرُجْ بالفرس من وراءِ الخِباء، وموعِدُك وراء الأكمة، ثم أخذ رُمحه، وخفض عَالِيه يَخُطُّ به الأرضَ حتى رَكِبَ فرسه، فلما قَرُبَ منهم وسمع قِراءة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر يُكْثِرُ الالتفات، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلتفت، فقال أبو بكر: يا رسولَ الله ؛ هذا سُراقة بن مالك قد رَهَقَنَا، فدعا عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فساخت يدا فرسه في الأرضِ، فقال: قد علمتُ أن الذي أصابنى بدعائكما، فادعوا الله لى، ولكما علىّ أن أردَّ الناسَ عنكما، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأُطلق، وسأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن يكتُب له كتاباً، فكتب له أبو بكر بأمره في أديم وكان الكتابُ معه إلى يوم فتح مكة، فجاءه بالكتِاب، فوفَّاه له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وقال: (يَوْمُ وَفَاءٍ وَبِرٍّ)، وعرض عليهما الزاد والحِملان، فقالا: لا حاجة لنا به، ولكن عَمِّ عنَّا الطلبَ، فقالَ: قد كُفيتم، ورجع فوجَدَ الناسَ في الطلب، فجعل يقول: قد استبرأتُ لكم الخبر، وقد كُفيتم ما ههنا، وكان أول النهار جاهداً عليهما، وآخره حارساً لهما.
فصل
ثُمَّ مَرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره ذلك حتى مرَّ بخيمتى أُمَّ مَعْبَدٍ الخُزَاعية، وكانت امرأة بَرْزَةً جَلْدَةً تحتبى بفناء الخيمة، ثم تُطعِمُ وتَسقى مَنْ مَرَّ بها، فسألاها: هل عندها شىء ؟ فقالت: واللهِ لو كان عندنا شىء ما أعْوَزَكُم القِرَى، والشَّاءُ عازِب، وكانت سنة شهباء، فنظَر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة في كِسْرِ الخيمة، فقال: (ما هذه الشاة يا أُمّ مَعْبَد) ؟ قالت: شاة خلفها الجَهْدُ عن الغنم، فقال: (هل بِهَا مِنْ لبن) ؟ قالت: هي أجهدُ مِن ذلك، فقال: (أتأذنين لى أن أَحلِبهَا) ؟ قالت: نعم، بأبى وأُمى، إن رأيتَ بها حَلْباً فاحلُبها، فمسحَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بِيدِهِ ضَرْعَها، وسمَّى الله ودعا، فتفاجَّت عليه، ودرَّت، فدعا بإناء لها يُربِضُ الرَّهطَ، فحلب فيه حتى علته الرَّغوة، فسقاها فشربت حتى رَوِيَت، وسقى أصحابه حتى رَووْا، ثم شرب، وحلب فيه ثانياً، حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها، فارتحلُوا، فقلَّما لَبِثتْ أن جاء زوجُها أبو معبد يسوق أعنزاً عِجافاً، يتساوكن هُزالاً لا نِقى بهن، فلما رأى اللَّبن، عَجِبَ، فقال: مِن أين لكِ هذا، والشاةُ عازب ؟ ولا حَلُوبةَ في البيت ؟ فقالت: لا واللهِ إلا أنَّه مرَّ بنا رجلٌ مبارَكٌ كان من حديثه كيت وكيت، ومن حاله كذا وكذا. قال: واللهِ إنى لأُراه صاحِبَ قريش الذي تطلُبه، صِفيه لى يا أُمّ مَعْبَد، قالت: (ظاهِرُ الوَضَاءة، أبلجُ الوجه، حَسَنُ الخَلْقِ، لم تعبه ثُجْلَة، ولم تُزْر به صُعْلَة، وسيم قَسِيم، في عَيْنَيْهِ دَعَجٌ، وفى أَشْفَارهِ وطَفٌ، وفى صْوته صَحَل، وفى عُنُقِهِ سَطَعٌ، أحورُ، أكحلُ، أزجُّ، أقرنُ، شديدُ سواد الشَعْر، إذا صمت علاه الوقارُ، وإن تكلم علاه البهاءُ، أجملُ الناس وأبهاهُم مِن بعيد، وأحسنُه وأحلاه من قريب، حُلْوُ المنطق، فَصْلٌ، لا نَزْر ولاَ هَذْر، كأنَّ منطقه خرزاتُ نَظْمٍ يَتَحَدَّرْنَ، ربعةٌ، لا تقحمُه عينٌ مِن قصر، ولا تشنؤُه مِن طول، غصنٌ بين غُصنين، فهو أنضرُ الثلاثة منظراً، وأحسنُهم قَدْرَاً، له رُفقاء يحفُّون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادرُوا إلى أمره، محفودٌ محشودٌ، لا عابسٌ ولا مُفْنِدٌ)، فقال أبو مَعْبَد: (واللهِ هذا صاحبُ قريش الذي ذكروا من أمره ما ذكروا، لقد هممتُ أن أصحَبه، ولأفعلنَّ إن وجدتُ إلى ذلك سبيلاً)، وأصبح صوت بمكة عالياً يسمعُونه ولا يرون القائل:
جَزَى اللهُ ربُّ العَرْشِ خَيْر جَزَائِـهِ ** رَفِيقَـيْنِ حَلاَّ خَيْمَتَىْ أُمَّ مَعْـبَدِ
هُـمَا نَـزلاَ بِالبِـرِّ وَارْتَـحَلاَ بِـهِ ** وَأَفْلَحَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمَّدِ
فَيَا لَقُصَـىٍّ مَا زَوَى الله عَنْكُــمُ ** بِهِ مِنْ فَعَال لاَ يُجَازَى وَسُودَدِ
لِيَهْن بَنِى كَعْـبٍ مَكَانُ فَتَــاتِهمْ ** وَمَقْـعَدُهَا لِلْمُؤمِنينَ بِمَرْصَدِ
سَلُوا أُخْتَـكُمْ عَنْ شَاتِهَا وَإِنَائِهَا ** فَإِنَّكُمُ إِنْ تَسْأَلُوا الشَّاءَ تَشْهَدِ
قالت أسماء بنت أبى بكر: ما دَرَيْنَا أين توجه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، إذ أقبل رجل من الجن من أسفل مكة، فأنشد هذه الأبيات، والنَّاس يتَّبعونه ويسمعونَ صوته، ولا يرونه حتى خرج من أعلاها، قالت: فلما سَمِعْنَا قولَه، عرفنا حيثُ توجه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وأن وجههُ إلى المدينة.
فصل
وبلغ الأنصارَ مخرجُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مِن مكَّةَ، وقصدُه المدينة. وكانوا يخرجونَ كُلَّ يوم إلى الحرَّة ينتظِرونه أول النهار، فإذا اشتد حرُّ الشمس، رجعُوا على عادتهم إلى منازلهم، فلما كان يومُ الاثنين ثانى عشر ربيع الأول على رأس ثلاث عشرة سنةً مِن النبوة، خرجُوا على عادتهم، فلما حَمِىَ حَرُّ الشمس رجعوا، وصَعِدَ رجل من اليهود على أطم من آطام المدينة لبعض شأنه، فرأى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مُبيِّضِينَ، يزولُ بهم السرابُ، فصرخ بأعلى صوته: يا بنى قَيْلَةَ ؛ هذا صَاحِبُكم قد جاء، هذا جَدُّكُم الذي تنتظرونه، فبادر الأنصار إلى السلاح ليتلقَّوْا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وسُمِعَتِ الرَّجَّةُ والتَّكْبِيرُ في بنى عمرو بن عوف، وكبَّر المسلمون فرحاً بقُدومه، وخرجوا للقائه، فتلقَّوْه وحيَّوْه بتحية النبوة. فأحدقوا به مطيفين حوله، والسَّكينة تغشاه، والوحى ينزِل عليه {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} [التحريم: 4]، فسار حتى نزل بقُباء في بنى عمرو بن عوف، فنزل على كُلْثُومِ بْنِ الهِدْمِ. وقيل: بل على سَعْدِ بن خَيْثَمَةَ، والأول أثبت، فأقام في بنى عمرو بن عوف أربع عشرةَ ليلةً وأسَّس مسجِدَ قُباء، وهو أوَّلُ مسجد، أُسِّسَ بعد النبوة.
فلما كان يوم الجمعة رَكِبَ بأمر الله له، فأدركته الجمعةُ في بنى سالم بن عوف، فجمَّع بهم في المسجد الذي في بطن الوادى.
ثم رَكِبَ، فأخذوا بِخِطَام راحلته، هَلُمَّ إلى العدد والعُدَّة والسلاح والمنعة، فقال: (خَلُّوْا سَبِيلَهَا، فَإنَّهَا مَأْمُورَةٌ) فلم تزل ناقته سائرة به لا تمرُّ بدارٍ من دُور الأنصار إلا رغِبُوا إليه في النزول عليهم، ويقول: (دَعُوهَا فإنَّهَا مَأْمُورَةٌ) فسارت حتَّى وصلت إلى موضع مسجده اليومَ، وبركت، ولم ينزل عنها حتى نَهَضَتْ وسَارَتْ قليلاً، ثم التفتت، فرجعت، فبركت في موضعها الأول، فنزل عنها، وذلك في بنى النجار أخوالِهِ صلى الله عليه وسلم. وكان من توفيق الله لها، فإنه أحبَّ أن ينزِل على أخواله، يُكرمهم بذلك، فجعل الناس يُكلِّمون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في النزول عليهم، وبادر أبو أيوب الأنصارى إلى رحله، فأدخله بيتَه، فجعل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقول: (المَرْءُ مَعَ رَحْلِهِ) وجاء أسعدُ بن زرارة، فأخذ بزمام راحلته، وكانت عنده وأصبح كما قال أبو قيس صِرمة الأنصارى، وكان ابن عباس يختلِف إليه يتحفَّظُ منه هذه الأبيات:
ثَوَى في قُرَيْشٍ بِضْعَ عَشْـرَةَ حِجَّةً ** يُذَكَّرُ لَوْ يَلْقَى حَبِيباً مُوَاتِــيَا
وَيَعْـرِضُ في أهْلِ المَوَاسِـمِ نَفْسَهُ ** فَلَمْ يَرَ مَنْ يُؤوِي وَلَمْ يَرَ دَاعِـيَا
فَلَمَّا أَتَانَا وَاسْتَقَرَتْ بِهِ النَّــوَى ** وأَصْبَـحَ مَسْرُورَاً بِطَيْببَةَ رَاضِيَا
وَأصْبَحَ لاَ يَخْشَى ظُلاَمَةَ ظَـالمٍ ** بَعِيدٍ وَلاَ يَخْشَى مِنَ النَّاسِ بَاغِيَا
بَذَلْنَا لَهُ الأَمْـوَالَ مِنْ حِلِّ مَالِنـا ** وَأَنْفُسَنَا عِنْدَ الوَغَى والتآسِـيَا
نُعَادِى الذي عَادَى مِنَ النَّاس كُلِّهِمْ ** جَمِيعاً وَإِنْ كَانَ الحَبِيبَ المُصَافِيَا
وَنَعْلَـمُ أَنَّ اللهَ لاَ رَبَّ غَيْــرُهُ ** وَأَنَّ كِتَابَ اللهِ أَصْبَــحَ هَادِيَا
قال ابنُ عباس: (كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فأُمِرَ بالهِجْرَةِ وأُنزلَ عَلَيْهِ: {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّى مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً} [الإسراء: 80]).
قال قتادة: (أخرجه الله مِن مكَّة إلى المدينة مخْرَجَ صدق ونبىُّ الله يعلم أنه لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل الله سُلطاناً نصيرا، وأراه اللهُ عَزَّ وجَلَّ دار الهِجرة، وهو بمكَّة فَقَالَ: (أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ بِسَبْخَةٍ ذَاتِ نَخْلٍ بَيْنَ لابَتَيْنِ).
وذكر الحاكم في (مستدركه) عن علىّ بن أبى طالب أن النبىَّ صلى الله عليه وسلم قال لجبريل: (مَنْ يُهَاجِرُ مَعِى ؟ قال: أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ) .
قال البراءُ: (أَوَّلُ مَن قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ أصحَابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مُصْعَبُ بنُ عُمير وابنُ أُمِّ مكتومٍ، فجعلا يُقْرِئانِ النَّاسَ القرآنَ، ثم جاء عمارُ وبِلالُ وسعدٌ، ثم جاء عمرُ بنُ الخطَّابِ رضى الله عنه في عشرين راكباً، ثُمَّ جاء رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فما رأيتُ النَّاسَ فَرِحُوا بشىءٍ كَفَرحِهِمْ بِهِ حَتَّى رَأَيْتُ النِّسَاءَ والصِّـبْيَانَ والإِمَاءَ يَقُولُونَ: هَذَا رَسُولُ الله قَدْ جَاءَ).
وقال أنس: (شهدتُه يومَ دخلَ المدينة فما رأيتُ يوماً قطُّ، كان أحسنَ ولا أضوأَ مِن يوم دخلَ المدينة علينا، وشهدتُه يَوْمَ ماتَ، فما رأيتُ يوماً قطُّ، كان أقبحَ ولا أظلمَ مِن يومِ مات).
فأقام في منزل أبى أيوب حتى بنى حُجَرَه ومسجدَه، وبعثَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهو في منزل أبى أيوب زيدَ بْنَ حارِثة وأبا رافع، وأعطاهما بَعِيَريْنِ وخمسمائة درهم إلى مكة فَقَدِمَا عليه بفاطمة وأُمِّ كلثوم ابنتيه، وسَوَدةَ بنتِ زمعة زوجتهِ، وأُسامةَ بنِ زيد، وأُمَّه أُم أيمن، وأما زينبُ بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يُمَكِّنْهَا زوجُها أبو العاص بن الربيع من الخروج، وخَرج عبدُ الله بن أبى بكر معهم بِعيال أبى بكر، ومنهم عائشة فنزلوا في بيت حارثة بن النعمان.
فصل: في بناء المسجد
قال الزهرى: (بَرَكَتْ ناقةُ النبىِّ صلى الله عليه وسلم مَوْضِع مسجده وهو يومئذ يُصلِّى فيه رجالٌ من المسلمين، وكان مِرْبَداً لِسَهْلٍ وَسُهَيْل غلامين يتيمين من الأنصار، كانا في حَجْرِ أسعد بنِ زُرارة، فساوم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الغلامَيْنِ بالمِرْبَدِ، لِيتخذَهُ مسجداً، فقالا: بل نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ الله، فَأَبَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَابْتَاعَهُ مِنْهُمَا بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ، وكانَ جِدَارَاً لَيْسَ لَهُ سَقْفٌ، وقِبلتهُ إِلى بَيْتِ المقدِسِ، وكانَ يُصلِّى فِيهِ ويُجَمِّعُ أسعدُ بن زرارة قبل مَقْدَمِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وكان فيهِ شَجَرَةُ غَرْقَدٍ وخِرَبٌ ونَخْلٌ وَقُبورٌ لِلمُشْرِكِينَ، فَأَمَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالقبور فنُبِشَتْ، وبالخرب فَسُوِّيت وبالنَّخلِ والشَّجَرِ فقطعت وصُفَّت في قِبلة المسجد، وجعلَ طولَه مما يلى القِبْلةَ إلى مؤخره مائةَ ذراع، والجانبين مثلَ ذلك أو دونَهُ، وجعلَ أساسه قريباً من ثلاثة أذرع، ثم بنوه باللَّبنِ، وجعل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يبنى معهم، وَيَنْقُلُ اللَّبِنَ والحِجَارَةَ بنفسه ويقول:
اللَّهم لا عَيْشَ إلاَّ عَيْشُ الآخِرةْ ** فَاغْفِـرْ للأَنْصَارِ وَالمُهَـاجِـرَةْ
وكان يقول:
هَذَا الحِمَالُ لا حِـمَالُ خَيْبَر ** هَــذَا أَبَـرُّ رَبَّــنَا وَأَطْهَرُ
وجعلوا يرتَجِزُونَ، وهم ينقلُونَ اللَّبِنَ، ويقول بعضهم في رجزه:
لَئِنْ قَعَدْنَا وَالرَّسُولُ يَعْمـل ** لَـذَاكَ مِـنَّا العَـمَلُ المُضَـلَّلُُ
وجعل قِبلته إلى بيتِ المقدس، وجعل له ثلاثةَ أبواب: باباً في مؤخره، وباباً يقال له: باب الرحمة، والباب الذي يدخل منه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وجعل عمده الجذوع، وسَقَفَه بالجريد، وقيل له: ألا تُسَقِّفه، فقال: (لا، عَرِيشٌ كَعَرِيشِ مُوسَى) وبنى إلى جنبه بيوت أزواجه باللَّبِن، وسقَّفها بالجريدِ والجذوع، فلما فرغ من البناء بنى بعائشة في البيت الذي بناهُ لها شرقى المسجد قبليه، وهو مكان حُجرته اليوم، وجعل لسَوَدة بنتِ زمعة بيتاً آخر.
ثمَّ آخى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجِرينَ والأنصار في دار أنسِ بن مالك، وكانُوا تسعين رجلاً، نِصفهم مِن المهاجرينَ، ونِصفُهم مِن الأنصارِ، آخى بينهم على المواساة، يتوارثون بعدَ الموتِ دون ذوى الأرحام إلى حين وقعة بدر، فلما أنزل اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَأُوْلُوْا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ في كِتَابِ اللهِ} [الأنفال: 75] رد التوارث إلى الرَّحِم دون عقد الأُخوة .
وقد قيل: إنه آخى بين المهاجرين بعضِهم مع بعض مؤاخاة ثانية، واتخذ فيها علياً أخاً لنفسه والثابت الأول، والمهاجِرون كانوا مستغنين بأخوة الإسلام، وأخوة الدار، وقرابةِ النسب عن عقد مؤاخاة بخلاف المهاجرين مع الأنصار، ولو آخى بَيْنَ المهاجرينَ، كان أحقَّ الناسِ بأُخوته أحبُّ الخلق إليه ورفيقُه في الهِجرةِ، وأنيسُه في الغارِ، وأفضلُ الصحابة وأكرمُهم عليهِ أبو بكر الصِّدِّيق، وقد قال: (لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذاً مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ خَلِيلاً لاتخَّذْتُ أَبَا بَكْر خَلِيلاً، وَلَكِنْ أُخْوَّةُ الإسْلاَمِ أَفْضَلُ) وفى لفظ: ( وَلَكِنْ أَخِى وَصَاحِبِى) وهذه الأُخوة في الإسلام وإن كانت عامة، كما قال: (وَدِدْتُ أن قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا) قَالُوا: أَلَسْنَا إِخْوَانَكَ ؟ قَالَ: (أَنْتُمْ أَصْحَابى، وإِخْوَانِى قَوْمٌ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِى يُؤْمِنونَ بى وَلَمْ يَرَوْنِى) فَلِلصِّدِّيق من هذه الأُخوة أعلى مراتبها، كما له من الصُّحبة أعلى مراتبها، فالصحابة لهم الأُخوة، ومزيةُ الصحبة، ولأتباعه بعدهم الأخوة دون الصحبة.
(زاد المعاد في هدي خير العباد).
أميره في مملكتي الصغيره
08-23-2009, 03:36 AM
ولما نزل الاذن بالقتال راى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يبسط سيطرته على الطريق الرئيس الذي تسلكه قريش من مكة الى الشام في تجاراتهم، واختار لذلك خطتين:
الاولى: عقد معاهدات الحلف او عدم الاعتداء مع القبائل التي كانت مجاورة لهذا الطريق، او كانت تقطن ما بين هذا الطريق وما بين المدينة، وقد عقد صلى الله عليه وسلم معاهدة مع جهينة قبل الاخذ في النشاط العسكري، وكانت مساكنهم على ثلاث مراحل من المدينة، كما عقد معاهدات اخرى اثناء دورياته العسكرية، وسياتي ذكرها.
الثانية: ارسال البعوث واحدة تلو الاخرى الى هذا الطريق.
( الرحيق المختوم ) .
***
الغزوات والسيرايا قبل بدر
ولتنفيذ هاتين الخطتين بدا بالتحركات العسكرية فعلاً بعد نزول الاذن بالقتال وكانت اشبه بالدوريات الاستطلاعية، وكان المطلوب منها كما اشرنا:
الاستكشاف والتعرف على الطرق المحيطة بالمدينة، والمسالك المؤدية الى مكة.
عقد المعاهدات مع القبائل التي مساكنها على هذه الطرق.
اشعار مشركي يثرب ويهودها واعراب البادية الضاربين حولها بان المسلمين اقوياء وانهم تخلصوا من ضعفهم القديم.
انذار قريش عُقبَى طيشها، حتى تفيق عن غَيها الذي لا يزال يتوغل في اعماقها، وعلها تشعر بتفاقم الخطر على اقتصادها واسباب معايشها فتجنح الى السلم، وتمتنع عن ارادة قتال المسلمين في عقر دارهم، وعن الصد عن سبيل الله، وعن تعذيب المستضعفين من المؤمنين في مكة، حتى يصير المسلمون احراراً في ابلاغ رسالة الله في ربوع الجزيرة.
وفيما يلى احوال هذه السرايا بالايجاز:
غزوة ذي العشيرة:
في جمادى الاولى، وجمادى الاخرة سنة 2 هـ، الموافق نوفمبر وديسمبر سنة 623هـ، خرج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم في خمسين ومائة ويقال: في مائتين، من المهاجرين، ولم يكره احداً على الخروج، وخرجوا على ثلاثين بعيراً يعتقبونها، يعترضون عيراً لقريش، ذاهبة الى الشام، وقد جاء الخبر بفصولها من مكة، فيها اموال لقريش فبلغ ذا العشيرة، فوجد العير قد فاتته بايام، وهذه هي العير التي خرج في طلبها حين رجعت من الشام، فصارت سبباً لغزوة بدر الكبرى.
وكان خروجه صلى الله عليه وسلم في اواخر جمادى الاولى، ورجوعه في اوائل جمادى الاخرة، على ما قاله ابن اسحاق، ولعل هذه هو سبب اختلاف اهل السير في تعيين شهر هذه الغزوة.
وفي هذه الغزوة عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم معاهدة عدم اعتداء مع بنى مدلج وحلفائهم من بنى ضمرة.
واستخلف على المدينة في هذه الغزوة ابا سلمة بن عبد الاسد المخزومي، وكان اللواء ابيض، وحامله حمزة بن عبد الملطب رضي الله عنه.
غزوة بدر الكبرى اول معركة من معارك الاسلام الفاصلة
سبب الغزوة
سبق في ذكر غرزة العشيرة ان عيراً لقريش افلتت من النبي صلى الله عليه وسلم في ذهابها من مكة الى الشام، فلما قرب رجوعها من الشام الى مكة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد الى الشمال ليقوما باكتشاف خبرها، فوصلا الى الحوراء ومكثا حتى مر بهما ابو سفيان بالعير، فاسرعا الى المدينة واخبرا رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر.
وكانت العير تحمل ثروات طائلة لكبار اهل مكة ورؤسائها: الف بعير موقرة باموال لا تقل عن خمسين الف دينار ذهبي. ولم يكن معها من الحرب الا نحو اربعين رجلا.
انها فرصة ذهبية للمسلمين ليصيبوا اهل مكة بضربة اقتصادية قاصمة، تتالم لها قلوبهم على مر العصور، لذلك اعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً: (هذه عير قريش فيها اموالهم، فاخرجوا اليها لعل الله ينفلكموها).
ولم يعزم على احد بالخروج، بل ترك الامر للرغبة المطلقة، لما انه لم يكن يتوقع عند هذا الانتداب انه سيصطدم بجيش مكة - بدل العير- هذا الاصطدام العنيف في بدر؛ ولذلك تخلف كثير من الصحابة في المدينة، وهم يحسبون ان مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الوجه لن يعدو ما الفوه في السرايا والغزوات الماضية؛ ولذلك لم ينكر على احد تخلفه في هذه الغروة.
واستعد رسول الله صلى الله عليه وسلم للخروج ومعه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً ـ 313، او 314، او 317 رجلاً ـ 82 او 83 او 86 من المهاجرين و 61 من الاوس و 170 من الخرزج. ولم يحتفلوا لهذا الخروج احتفالا بليغا، ولا اتخذوا اهبتهم كاملة، فلم يكن معهم الا فرس او فرسان: فرس للزبير بن العوام، وفرس للمقداد بن الاسود الكندي، وكان معهم سبعون بعيرا يعتقب الرجلان والثلاثة على بعير واحد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي ومرثد بن ابي مرثد الغنوي يعتقبون بعيراً واحد.
واستخلف على المدينة وعلى الصلاة ابن ام مكتوم، فلما كان بالروحاء رد ابا لبابة ابن عبد المنذر، واستعمله على المدينة.
ودفع لواء القيادة العامة الى مصعب بن عمير القرشي العبدري، وكان هذا اللواء ابيض.
وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الجيش غير المتاهب، فخرج من نقب المدينة، ومضى على الطريق الرئيسي المؤدي الى مكة، حتى بلغ بئر الروحاء، فلما ارتحل منها ترك طريق مكة الى اليسار، وانحرف ذات اليمين على النازية يريد بدراً فسلك في ناحية منه حتى جزع ودياً يقال له: رحقان بين النازية وبين مضيق الصفراء، ثم مر على المضيق ثم انصب منه حتى قرب من الصفراء، ومن هنالك بعث بسبس بن عمرو الجني وعدي بن ابي الزغباء الجهي الى بدر يتجسسان له اخبار العير.
النذير في مكة
واما خبر العير فان ابا سفيان - وهو المسئول عنها - كان على غاية من الحيطة والحذر، فقد كان يعلم ان طريق مكة محفوف بالاخطار، وكان يتحسس الاخبار ويسال من لقى من الركبان، ولم يلبث ان نقلت اليه استخباراته بان محمداً صلى الله عليه وسلم قد استنفر اصحابه ليوقع بالعير، وحينئذ استاجر ابو سفيان ضمضم بن عمرو الغفاري الى مكة مستصرخاً لقريش بالنفير الى عيرهم؛ ليمنعوه من محمد صلى الله عليه وسلم واصحابه، وخرج ضمضم سريعاً حتى اتى مكة، فخرخ ببطن الوادي واقفاً على بعيره، وقد جدع انفه وحول رحله، وشقق قميصه، وهو يقول: يا معشر قريش، اللطيمة، اللطيمة اموالكم مع ابي سفيان قد عرض لها لها محمد في اصحابه، لا ارى ان تدركوها، الغوث... الغوث.
( الرحيق المختوم ) .
***
ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جُمادى الاخرة على راس ستة عشر شهراً، وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب، وكان ابيضَ، واستخلف على المدينة ابا سلمة بن عبد الاسد المخزومى، وخرج في خمسين ومائة، ويقال: في مائتين مِن المهاجرين، ولم يُكْرِهْ احداً على الخروج، وخرجوا على ثلاثين بعيراً يَعْتَقِبُونَها يَعْترِضُون عيراً لقريش ذاهبة الى الشام، وقد كان جاءه الخبرُ بفصولها مِن مكة فيها اموالٌ لقريش، فبلغ ذَا العُشيرَةِ وقيل: العُشيراء بالمد. وقيل: العُسيرة بالمهملة وهى بناحية ينبع، وبين ينبع والمدينة تسعة بُرُد، فوجد العِيرَ قد فاتته بايام، وهذه هي العيرُ التي خرج في طلبها حين رجعت من الشام، وهى التي وعده الله اياها، او المقاتلة، وذات الشَوْكة، ووفَّى له بوعده.
وفى هذه الغزوة، وادع بنى مُدْلِج وحُلفاءهم من بنى ضَمْرَة.
قال عبد المؤمن بن خلف الحافظ: وفى هذه الغزوة كنى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم علياً ابا تُراب، وليس كما قال، فان النبىَّ صلى الله عليه وسلم: انما كَنَّاهُ ابا تراب بعد نكاحه فاطمة، وكان نِكاحُها بعد بدر، فانه لما دخل عليها وقال: (ايْنَ ابْنُ عَمِّكِ) ؟ قالت: خَرَجَ مُغاضِباً، فجاءَ الى المسجد، فوجده مضطجعاً فيه، وقد لصق به التراب، فجعل ينفُضه عنه ويقول: (اجْلِسْ ابا تُرابٍ، اجْلِسْ ابا تُرابٍ) وهو اول يوم كُنى فيه ابا تراب.
( زادالمعاد في هدي خير العباد )
***
ولما اجمع هذا الجيش على المسير ذكرت قريش ما كان بينها وبين بني بكر من العداوة والحرب، فخافوا ان تضربهم هذه القبائل من الخلف، فيكونوا بين نارين، فكاد ذلك يثنيهم، ولكن حينئذ تبدى لهم ابليس في صورة سُرَاقة بن مالك بن جُعْشُم المدلجى ـ سيد بني كنانة ـ فقال لهم: انا لكم جار من ان تاتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه.
وكان من قصة ابي سفيان انه كان يسير على الطريق الرئيسى، ولكنه لم يزل حذرًا متيقظًا، وضاعف حركاته الاستكشافية، ولما اقترب من بدر تقدم عيره حتى لقى مَجْدِىَّ بن عمرو، وساله عن جيش المدينة، فقال: ما رايت احدًا انكره الا اني قد رايت راكبين قد اناخا الى هذا التل، ثم استقيا في شن لهما، ثم انطلقا، فبادر ابو سفيان الى مناخهما، فاخذ من ابعار بعيرهما، ففته فاذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب، فرجع الى عيره سريعًا، وضرب وجهها محولًا اتجاهها نحو الساحل غربًا، تاركًا الطريق الرئيسى الذي يمر ببدر على اليسار، وبهذا نجا بالقافلة من الوقوع في قبضة جيش المدينة، وارسل رسالته الى جيش مكة التي تلقاها في الجحفة.
اما استخبارات جيش المدينة فقد نقلت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهو لا يزال في الطريق بوادي ذَفِرَان ـ خبر العير والنفير، وتاكد لديه بعد التدبر في تلك الاخبار انه لم يبق مجال لاجتناب اللقاء الدامي، وانه لا بد من اقدام يبني على الشجاعة والبسالة، والجراءة، والجسارة، فمما لا شك فيه انه لو ترك جيش مكة يجوس خلال تلك المنطقة يكون ذلك تدعيمًا لمكانة قريش العسكرية، وامتدادًا لسلطانها السياسي، واضعافًا لكلمة المسلمين وتوهينًا لها،بل ربما تبقى الحركة الاسلامية بعد ذلك جسدًا لا روح فيه، ويجرؤ على الشر كل من فيه حقد او غيظ على الاسلام في هذه المنطقة.
ثم هل هناك ضمان للمسلمين بامتناع جيش مكة عن مواصلة سيره نحو المدينة، حتى ينقل المعركة الى اسوارها، ويغزو المسلمين في عقر دارهم؟ كلا! فلو حدث من جيش المدينة نكول ما، لكان له اسوا الاثر على هيبة المسلمين وسمعتهم.
المجلس الاستشاري
ونظرًا الى هذا التطور الخطير المفاجيء عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسًا عسكريًا استشاريًا اعلى، اشار فيه الى الوضع الراهن، وتبادل فيه الراي مع عامة جيشه وقادته. وحينئذ تزعزع قلوب فريق من الناس،وخافوا اللقاء الدامى،وهم الذين قال الله فيهم: {كَمَا اَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَاِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَاَنَّمَا يُسَاقُونَ اِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ} [الانفال:5، 6]، وامــا قادة الجيش فقـام ابو بكر الصديق فقال واحسن،ثم قام عمر بن الخطاب فقال واحسن،ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض لما اراك الله،فنحن معك،والله لا نقول لك كما قالت بنو اسرائيل لموسى: {فَاذْهَبْ اَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا اِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة:24]، ولكن اذهب انت وربك فقاتلا انا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا الى بَرْك الغِمَاد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرًا ودعا له به.
وهؤلاء القادة الثلاثة كانوا من المهاجرين، وهم اقلية في الجيش، فاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يعرف راي قادة الانصار؛ لانهم كانوا يمثلون اغلبية الجيش، ولان ثقل المعركة سيدور على كواهلهم، مع ان نصوص العقبة لم تكن تلزمهم بالقتال خارج ديارهم، فقال بعد سماع كلام هؤلاء القادة الثلاثة: (اشيروا علىّ ايها الناس) وانما يريد الانصار، وفطن الى ذلك قائد الانصار وحامل لوائهم سعد بن معاذ.
فقال: والله، ولكانك تريدنا يا رسول الله؟
قال: (اجل).
قال: فقد امنا بك، فصدقناك، وشهدنا ان ما جئت به هو الحق، واعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما اردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره ان تلقى بنا عدونا غدًا، انا لصُبُر في الحرب، صُدَّق في اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تَقَرَّ به عينك، فسِرْ بنا على بركة الله.
وفي رواية ان سعد بن معاذ قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لعلك تخشى ان تكون الانصار ترى حقًا عليها الا تنصرك الا في ديارهم، واني اقول عن الانصار واجيب عنهم: فاظعن حيث شئت، وصِلْ حَبْل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من اموالنا ما شئت، واعطنا ما شئت، وما اخذت منا كان احب الينا مما تركت، وما امرت فيه من امر فامرنا تبع لامرك، فهو الله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غِمْدان لنسيرن معك، ووالله لئن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك.
فَسُرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد، ونشطه ذلك، ثم قال: (سيروا وابشروا، فان الله تعالى قد وعدنى احدى الطائفتين، والله لكاني الان انظر الى مصارع القوم).
وتحرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بجيشه ليسبق المشركين الى ماء بدر، ويحول بينهم وبين الاستيلاء عليه، فنزل عشاء ادنى ماء من مياه بدر، وهنا قام الحُبَاب بن المنذر كخبير عسكرى وقال: يا رسول الله، ارايت هذا المنزل، امنزلًا انزلكه الله، ليس لنا ان نتقدمه ولا نتاخر عنه؟ ام هو الراي والحرب والمكيدة؟ قال: (بل هو الراي والحرب والمكيدة).
قال: يا رسول الله، ان هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى ناتى ادنى ماء من القوم ـ قريش ـ فننزله ونغوّر ـ اي نُخَرِّب ـ ما وراءه من القُلُب، ثم نبني عليه حوضًا، فنملاه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد اشرت بالراي).
فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجيش حتى اتى اقرب ماء من العدو، فنزل عليه شطر الليل، ثم صنعوا الحياض وغوروا ما عداها من القلب.
ثم عبا رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشه. ومشى في موضع المعركة، وجعل يشير بيده: (هذا مصرع فلان غدًا ان شاء الله، وهذا مصرع فلان غدا ان شاء الله). ثم بات رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الى جذع شجرة هنالك، وبات المسلمون ليلهم هادئي الانفاس منيري الافاق، غمرت الثقة قلوبهم، واخذوا من الراحة قسطهم؛ ياملون ان يروا بشائر ربهم بعيونهم صباحًا: {اِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ اَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الاَقْدَامَ} [الانفال:11].
كانت هذه الليلة ليلة الجمعة، السابعة عشرة من رمضان في السنة الثانية من الهجرة، وكان خروجه صلى الله عليه وسلم في 8 او12 من نفس الشهر.
وفي مساء ذلك اليوم بعث صلى الله عليه وسلم استخباراته من جديد ليبحث عن اخبار العدو، وقام لهذه العملية ثلاثة من قادة المهاجرين؛ على بن ابي طالب والزبير بن العوام وسعد ابن ابي وقاص في نفر من اصحابه، ذهبوا الى ماء بدر فوجدوا غلامين يستقيان لجيش مكة، فالقوا عليهما القبض، وجاءوا بهما الى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة، فاستخبرهما القوم، فقالا: نحن سقاة قريش، بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم، ورجوا ان يكونا لابي سفيان ـ لاتزال في نفوسهم بقايا امل في الاستيلاء على القافلة ـ فضربوهما ضربًا موجعًا حتى اضطر الغلامان ان يقولا: نحن لابي سفيان فتركوهما.
ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم مـن الصلاة قال لهم كالعاتب: (اذا صدقاكم ضربتموهما، واذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله، انهما لقريش).
ثم خاطب الغلامين قائلًا: (اخبراني عن قريش)، قالا: هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى، فقال لهما: (كم القوم؟) قالا: كثير. قال: (ما عدتهم؟) قالا: لا ندرى، قال: (كم ينحرون كل يوم؟) قالا: يومًا تسعًا ويومًا عشرًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (القوم فيما بين التسعمائة الى الالف)، ثم قال لهما: (فمن فيهم من اشراف قريش؟) قالا: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وابو البَخْتَرىّ بن هشام، وحكيم بن حِـزام، ونَوْفَل بن خويلد، والحارث بن عامر، وطُعَيْمَة بن عدى، والنضر بن الحارث، وَزمْعَة بن الاسود، وابو جهل بن هشام، واميــة بن خلف في رجال سمياهم.
فاقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال: (هذه مكة قد القت اليكم افلاذ كبدها).
ساعة الصفر واول وقود المعركة
وكان اول وقود المعركة الاسود بن عبد الاسد المخزومى ـ وكان رجلًا شرسًا سيئ الخلق ـ خرج قائلًا: اعاهد الله لاشربن من حوضهم او لاهدمنه او لاموتن دونه. فلما خرج خرج اليه حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه فلما التقيا ضربه حمزة فاطَنَّ قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخب رجله دمًا نحو اصحابه، ثم حبا الى الحوض حتى اقتحم فيه، يريد ان تبر يمينه، ولكن حمزة ثنى عليه بضربة اخرى اتت عليه وهو داخل الحوض.
المبـــارزة
وكان هذا اول قتل اشعل نار المعركة، فقد خرج بعده ثلاثة من خيرة فرسان قريش كانوا من عائلة واحدة، وهم عتبة واخوه شيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، فلما انفصلوا من الصف طلبوا المبارزة، فخرج اليهم ثلاثة من شباب الانصار عَوْف ومُعَوِّذ ابنا الحارث ـ وامهما عفراء ـ وعبد الله بن رواحة، فقالوا: من انتم؟ قالوا: رهط من الانصار. قالوا: اكِِفَّاء كرام، ما لنا بكم حاجة، وانما نريد بني عمنا، ثم نادى مناديهم: يا محمد، اخرج الينا اكفاءنا من قومنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا على)، فلما قاموا ودنوا منهم، قالوا: من انتم؟ فاخبروهم، فقالوا: انتم اكفاء كرام، فبارز عبيدة ـ وكان اسن القوم ـ عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة، وبارز على الوليد. فاما حمزة وعلى فلم يمهلا قرنيهما ان قتلاهما، واما عبيدة فاختلف بينه وبين قرنه ضربتان، فاثخن كل واحد منهما صاحبه، ثم كَرَّ على وحمزة على عتبة فقتلاه، واحتملا عبيدة وقد قطعت رجله، فلم يزل ضَمِنًا حتى مات بالصفراء،بعد اربعة او خمسة ايام من وقعة بدر، حينما كان المسلمون في طريقهم الى المدينة. وكان على يقسم بالله ان هذه الاية نــزلت فيهم: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} الاية [الحج:19].
الهجوم العام
وكانت نهاية هذه المبارزة بداية سيئة بالنسبة للمشركين؛ اذ فقدوا ثلاثة من خيرة فرسانهم وقادتهم دفعة واحدة،فاستشاطوا غضبًا،وكروا على المسلمين كرة رجل واحد.
واما المسلمون فبعد ان استنصروا ربهم واستغاثوه واخلصوا له وتضرعوا اليه تلقوا هجمات المشركين المتتالية، وهم مرابطون في مواقعهم، واقفون موقف الدفاع، وقد الحقوا بالمشركين خسائر فادحة، وهم يقولون: احَد احَد.
الرسول صلى الله عليه وسلم يناشد ربه
اما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان منذ رجوعه بعد تعديل الصفوف يناشد ربه ما وعده من النصر، ويقول: (اللّهم انجز لي ما وعدتني، اللهم اني انشدك عهدك ووعدك)، حتى اذا حَمِىَ الوَطِيسُ، واستدارت رحى الحرب بشدة واحتدم القتال، وبلغت المعركة قمتها، قال: (اللهم ان تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد، اللهم ان شئت لم تعبد بعد اليوم ابدًا). وبالغ في الابتهال حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فرده عليه الصديق، وقال: حسبك يا رسول الله، الححت على ربك.
واوحى الله الى ملائكته: {اَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ امَنُواْ سَاُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ} [الانفال: 12]،واوحى الى رسوله: {اَنِّي مُمِدُّكُم بِاَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الانفال:9] ـ اي انهم ردف لكم، او يردف بعضهم بعضًا ارسالًا، لا ياتون دفعة واحدة.
نزول الملائكة
واغفي رسول الله صلى الله عليه وسلم اغفاءة واحدة، ثم رفع راسه فقال: (ابشر يا ابا بكر، هذا جبريل على ثَنَاياه النَّقْعُ) [اي الغبار] وفي رواية ابن اسحاق: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ابشر يا ابا بكر، اتاك نصر الله، هذا جبريل اخذ بعنان فرسه يقوده، وعلى ثناياه النقع).
ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب العريش وهو يثب في الدرع ويقول: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر:45] ،ثم اخذ حَفْنَةً من الحَصْبَاء، فاستقبل بها قريشًا وقال: (شاهت الوجوه) ورمى بها في وجوههم، فما من المشركين من احد الا اصاب عينيه ومنخريه وفمه من تلك القبضة، وفي ذلك انزل الله: {وَمَا رَمَيْتَ اِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى} [الانفال:17].
الهجوم المضاد
وحينئذ اصدر الى جيشه اوامره الاخيرة بالهجمة المضادة فقال: (شدوا)، وحرضهم على القتال، قائلًا: (والذي نفس محمد بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر، الا ادخله الله الجنة)، وقال وهو يحضهم على القتال: (قوموا الى جنة عرضها السموات والارض)، [وحينئذ] قال عُمَيْر بن الحُمَام: بَخْ بَخْ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يحملك على قولك: بخ بخ؟) قال: لا، والله يا رسول الله الا رجاء ان اكون من اهلها، قال: (فانك من اهلها). فاخرج تمرات من قَرَنِه فجعل ياكل منهن، ثم قال: لئن انا حييت حتى اكل تمراتى هذه انها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل.
وكذلك ساله عوف بن الحارث ـ ابن عفراء ـ فقال: يا رسول الله، ما يضحك الرب من عبده؟ قال: (غَمْسُه يده في العَدُوّ حاسرًا)، فنزع درعا كانت عليه فقذفها، ثم اخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل.
وحين اصدر رسول الله صلى الله عليه وسلم الامر بالهجوم المضاد كانت حدة هجمات العدو قد ذهبت وفتر حماسه، فكان لهذه الخطة الحكيمة اثر كبير في تعزيز موقف المسلمين، فانهم حينما تلقوا امر الشد والهجوم ـ وقد كان نشاطهم الحربي على شبابه ـ قاموا بهجوم كاسح مرير، فجعلوا يقلبون الصفوف، ويقطعون الاعناق. وزادهم نشاطًا وحدة ان راوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع، وقد تقدمهم فلم يكن احد اقرب من المشركين منه، وهو يقول في جزم وصراحة: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} فقاتل المسلمون اشد القتال ونصرتهم الملائكة. ففي رواية ابن سعد عن عكرمة قال: كان يومئذ يَنْدُر راس الرجل لا يدرى من ضربه، وتندر يد الرجل لا يدرى من ضربها. وقال ابن عباس: بينما رجل من المسلمين يشتد في اثر رجل من المشركين امامه اذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: اقدم حَيْزُوم، فنظر الى المشرك امامه، فخر مستلقيًا، فنظر اليه فاذا هو قد خطم انفه وشق وجهه كضربة السوط، فاخْضَرَّ ذلك اجمع، فجاء الانصارى فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة).
وقال ابو داود المازنى: اني لاتبع رجلًا من المشركين لاضربه اذ وقع راسه قبل ان يصل اليه سيفي، فعرفت انه قد قتله غيرى، وجاء رجل من الانصار بالعباس بن عبد المطلب اسيرًا،فقال العباس: ان هذا والله ما اسرني، لقد اسرني رجل اجلح، من احسن الناس وجهًا على فرس ابْلَق، وما اراه في القوم، فقال الانصاري: انا اسرته يا رسول الله، فقال: (اسكت فقد ايدك الله بملك كريم).
وقال علي: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، ولابي بكر: (مع احدكما جبريل ومع الاخر ميكائيل، واسرافيل ملك عظيم يشهد القتال، او يكون في القتال).
ابليس ينسحب عن ميدان القتال
ولما راى ابليس ـ وكان قد جاء في صورة سراقة بن مالك بن جُعْشُم المدلجي كما ذكرنا، ولم يكن فارقهم منذ ذلك الوقت ـ فلما راي ما يفعل الملائكة بالمشركين فر ونكص على عقبيه، وتشبث به الحارث بن هشام ـ وهو يظنه سراقة ـ فوكز في صدر الحارث فالقاه، ثم خرج هاربًا، وقال له المشركون: الى اين يا سراقة؟ الم تكن قلت: انك جار لنا، لا تفارقنا؟ فقال: {اِنِّي اَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ اِنِّيَ اَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الانفال:48]، ثم فر حتى القى نفسه في البحر.
الهزيمة الساحقة
وبدات امارات الفشل والاضطراب في صفوف المشركين، وجعلت تتهدم امام حملات المسلمين العنيفة، واقتربت المعركة من نهايتها، واخذت جموع المشركين في الفرار والانسحاب المبدد، وركب المسلمون ظهورهم ياسرون ويقتلون، حتى تمت عليهم الهزيمة.
صمود ابي جهل
اما الطاغية الاكبر ابو جهل، فانه لما راى اول امارات الاضطراب في صفوفه حاول ان يصمد في وجه هذا السيل، فجعل يشجع جيشه ويقول لهم في شراسة ومكابرة: لا يهزمنكم خذلان سراقة اياكم، فانه كان على ميعاد من محمد، ولا يهولنكم قتل عتبة وشيبة والوليد، فانهم قد عجلوا، فواللات والعزى لا نرجع حتى نقرنهم بالحبال، ولا الفين رجلًا منكم قتل منهم رجلًا، ولكن خذوهم اخذًا حتى نعرفهم بسوء صنيعهم.
ولكن سرعان ما تبدت له حقيقة هذه الغطرسة، فما لبث الا قليلًا حتى اخذت الصفوف تتصدع امام تيارات هجوم المسلمين. نعم، بقى حوله عصابة من المشركين ضربت حوله سياجًا من السيوف، وغابات من الرماح، ولكن عاصفة هجوم المسلمين بددت هذا السياج، واقلعت هذه الغابات، وحينئذ ظهر هذا الطاغية، وراه المسلمون يجول على فرسه، وكان الموت ينتظر ان يشرب من دمه بايدى غلامين انصاريين.
مصرع ابي جهل
قال عبد الرحمن بن عوف رضي اله عنه اني لفي الصف يوم بدر اذ التفت، فاذا عن يمينى وعن يسارى فتيان حديثا السن، فكاني لم امن بمكانهما، اذ قال لي احدهما سرًا من صاحبه: يا عم، ارني ابا جهل، فقلت: يابن اخي، فما تصنع به؟ قال: اخبرت انه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: والذي نفسي بيده لئن رايته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الاعجل منا، فتعجبت لذلك. قال: وغمزني الاخر، فقال لي مثلها، فلم انشب ان نظرت الى ابي جهل يجول في الناس. فقلت: الا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسالاني عنه، قال: فابتدراه فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فـقال: (ايكما قتله؟) فقـال كـل واحد منهما: انا قتلته، قال: (هل مسحتما سيفيكما؟) فـقالا: لا. فنـظر رسول الله صلى الله عليه وسلم الــى السيفـين فقال: (كلاكما قتله)، وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسَلَبِه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح ومُعَوِّذ ابن عفراء.
وقال ابن اسحاق: قال معاذ بن عمرو بن الجموح: سمعت القوم، وابو جهل في مثل الحَرَجَة ـ والحرجة: الشجر الملتف، او شجرة من الاشجار لا يوصل اليها، شبه رماح المشركين وسيوفهم التي كانت حول ابي جهل لحفظه بهذه الشجرة ـ وهم يقولون: ابو الحكم لا يخلص اليه، قال: فلما سمعتها جعلته من شاني فصمدت نحوه، فلما امكنني حملت عليه، فضربته ضربة اطَنَّتْ قدمه ـ اطارتها ـ بنصف ساقه، فوالله ما شبهتها حين طاحت الا بالنواة تَطِيحُ من تحت مِرْضِخَة النوى حين يضرب بها. قال: وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي، فتعلقت بجلدة من جنبي، واجهضني القتال عنه، فلقد قاتلت عَامَّةَ يومي واني لاسحبها خلفي، فلما اذتني وضعت عليها قدمي، ثم تَمَطَّيْتُ بها عليها حتى طرحتها، ثم مر بابي جهل ـ وهو عَقِيرٌ ـ مُعَوِّذ ابن عفراء فضربه حتى اثبته، فتركه وبه رَمَق، وقاتل معوذ حتى قتل.
ولما انتهت المعركة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ينظر ما صنع ابو جهل؟) فتفرق الناس في طلبه، فوجده عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وبه اخر رمق، فوضع رجله على عنقه واخذ لحيته ليحتز راسه، وقال: هل اخزاك الله يا عدو الله؟ قال: وبماذا اخزاني؟ ااعمد من رجل قتلتموه؟ او هل فوق رجل قتلتموه؟ وقال: فلو غير اكَّار قتلنى، ثم قال: اخبرني لمن الدائرة اليوم؟ قال: لله ورسوله، ثم قال لابن مسعود ـ وكان قد وضع رجله على عنقه: لقد ارتقيت مرتقى صعبًا يا رُوَيْعِىَ الغنم، وكان ابن مسعود من رعاة الغنم في مكة.
وبعد ان دار بينهما هذا الكلام احتز ابن مسعود راسه، وجاء به الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، هذا راس عدو الله ابي جهل، فقال: (الله الذي لا اله الا هو؟) فرددها ثلاثًا، ثم قال: (الله اكبر، الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الاحزاب وحده، انطلق ارنيه)، فانطلقـنا فــاريته ايـاه، فقال: (هذا فرعون هذه الامة).
( السيره النبويه - الرحيق المختوم ) .
أميره في مملكتي الصغيره
08-23-2009, 03:37 AM
قَينُقَاع ينقضون العهد
لكنهم لما راوا ان الله قد نصر المؤمنين نصراً مؤزراً في ميدان بدر، وانهم قد صارت لهم عزة وشوكة وهيبة في قلوب القاصي والداني. تميزت قدر غيظهم، وكاشفوا بالشر والعداوة، وجاهروا بالبغي والاذي
كان في معني ما اجاب به بنو قينقاع هو الاعلان السافر عن الحرب، ولكن كظم النبي صلى الله عليه وسلم غيظه، وصبر المسلمون، واخذوا ينتظرون ما تتمخض عنه الليالى والايام.
وازداد اليهود ـ من بني قينقاع ـ جراءة، فقلما لبثوا ان اثاروا في المدينة قلقاً واضطراباً، وسعوا الى حتفهم بظلفهم، وسدوا على انفسهم ابواب الحياة.
روي ابن هشام عن ابي عون: ان امراة من العرب قدمت بجَلَبٍ لها، فباعته في سوق بني قينقاع، وجلست الى صائغ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فابت، فَعَمَد الصائغ الى طرف ثوبها فعقده الى ظهرها ـ وهي غافلة ـ فلما قامت انكشفت سواتها فضحكوا بها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله ـ وكان يهودياً ـ فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ اهل المسلم المسلمين على اليهود، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع.
وحينئذ عِيلَ صبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستخلف على المدينة ابا لُبَابة بن عبد المنذر، واعطي لواء المسلمين حمزة بن عبد المطلب، وسار بجنود الله الى بني قينقاع، ولما راوه تحصنوا في حصونهم، فحاصرهم اشد الحصار، وكان ذلك يوم السبت للنصف من شوال سنة 2 هـ، ودام الحصار خمس عشرة ليلة الى هلال ذي القعدة، وقذف الله في قلوبهم الرعب ـ فهو اذا ارادوا خذلان قوم وهزيمتهم انزله عليهم وقذفه في قلوبهم ـ فنزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في رقابهم واموالهم ونسائهم وذريتهم، فامر بهم فكتفوا.
وحينئذ قام عبد الله بن ابي بن سلول بدور نفاقه، فالح على رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يصدر عنهم العفو، فقال: يا محمد، احسن فـي موالى ـ وكـان بنـو قينـقاع حلفـاء الخزرج ـ فابطا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فكرر ابن ابي مقالته فاعرض عنه، فادخل يده في جيب درعه، فقال له رسول اللَّّه صلى الله عليه وسلم: (ارسلني)، وغضب حتى راوا لوجهه ظُللاً ، ثم قال: (ويحك، ارسلني). ولكن المنافق مضى على اصراره وقال: لا والله لا ارسلك حتى تحسن في موالى اربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الاحمر والاسود، تحصدهم في غداة واحدة ؟ اني والله امرؤ اخشي الدوائر.
وعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المنافق ـ الذي لم يكن مضي على اظهار اسلامه الا نحو شهر واحد فحسب ـ عامله بالحسنى. فوهبهم له، وامرهم ان يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها، فخرجوا الى اذْرُعَات الشام، فقل ان لبثوا فيها حتى هلك اكثرهم.
وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم اموالهم، فاخذ منها ثلاث قِسِي ودرعين وثلاثة اسياف وثلاثة رماح، وخمس غنائمهم، وكان الذي تولي جمع الغنائم محمد بن مسلمة.
( الرحيق المختوم ) .
__________
غزوة ذي أمر
وهي أكبر حملة عسكرية قادها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل معركة أحد، قادها في المحرم سنة 3 هـ.
وسببها أن استخبارات المدينة نقلت إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن جمعاً كبيراً من بني ثعلبة ومحارب تجمعوا، يريدون الإغارة على أطراف المدينة، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين، وخرج في أربعمائة وخمسين مقاتلاً ما بين راكب وراجل، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان.
وفي أثناء الطريق قبضوا على رجل يقال له: جُبَار من بني ثعلبة، فأدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاه إلى الإسلام فأسلم، فضمه إلى بلال، وصار دليلاً لجيش المسلمين إلى أرض العدو.
وتفرق الأعداء في رءوس الجبال حين سمعوا بقدوم جيش المدينة. أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد وصل بجيشه إلى مكان تجمعهم، وهو الماء المسمي [بذي أمر] فأقام هناك صفراً كله ـ من سنة 3 هـ ـ أو قريباً من ذلك، ليشعر الأعراب بقوة المسلمين، ويستولي عليهم الرعب والرهبة، ثم رجح إلى المدينة.
قال ابن إسحاق: مر شاس بن قيس ـ وكان شيخاً [يهودياً] قد عسا ، عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم ـ على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم، يتحدثون فيه، فغاظه ما رأي من ألفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال: قد اجتمع ملأ بني قَيْلَةَ بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار، فأمر فتي شاباً من يهود كان معه، فقال: اعمد إليهم، فاجلس معهم، ثم اذكر يوم بُعَاث وما كان من قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار، ففعل، فتكلم القوم عند ذلك، وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم رددناها الآن جَذَعَة ـ يعني الاستعداد لإحياء الحرب الأهلية التي كانت بينهم ـ وغضب الفريقان جميعاً، وقالوا: قد فعلنا، موعدكم الظاهرة ـ والظاهرة: الحَرَّة ـ السلاح السلاح، فخرجوا إليها [وكادت تنشب الحرب].
فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم فقال: (يا معشر المسلمين، الله الله، أبدعوي الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر وألف بين قلوبكم)
فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم، فبكوا، وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضاً، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس.
هذا نموذج مما كان اليهود يفعلونه ويحاولونه من إثارة القلاقل والفتن في المسلمين، وإقامة العراقيل في سبيل الدعوة الإسلامية، وقد كانت لهم خطط شتي في هذا السبيل. فكانوا يبثون الدعايات الكاذبة، ويؤمنون وجه النهار، ثم يكفرون آخره؛ ليزرعوا بذور الشك في قلوب الضعفاء، وكانوا يضيقون سبل المعيشة على من آمن إن كان لهم به ارتباط مإلى، فإن كان لهم عليه يتقاضونه صباح مساء، وإن كان له عليهم يأكلونـه بالباطل، ويمتنعون عن أدائه وكانوا يقولون: إنما كان علينا قرضك حينما كنت على دين آبائك، فأما إذ صبوت فليس لك علينا من سبيل.
كانوا يفعلون كل ذلك قبل بدر على رغم المعاهدة التي عقدوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يصبرون على كل ذلك؛ حرصاً على رشدهم، وعلى بسط الأمن والسلام في المنطقة.
بنو قَينُقَاع ينقضون العهد
لكنهم لما رأوا أن الله قد نصر المؤمنين نصراً مؤزراً في ميدان بدر، وأنهم قد صارت لهم عزة وشوكة وهيبة في قلوب القاصي والداني. تميزت قدر غيظهم، وكاشفوا بالشر والعداوة، وجاهروا بالبغي والأذي.
وكان أعظمهم حقداً وأكبرهم شراً كعب بن الأشرف ـ وسيأتي ذكره ـ كما أن شر طائفة من طوائفهم الثلاث هم يهود بني قينقاع، كانوا يسكنون داخل المدينة ـ في حي باسمهم ـ وكانوا صاغة وحدادين وصناع الظروف والأواني، ولأجل هذه الحرف كانت قد توفرت لكل رجل منهم آلات الحرب، وكان عدد المقاتلين فيهم سبعمائة، وكانوا أشجع يهود المدينة، وكانوا أول من نكث العهد والميثاق من اليهود.
فلما فتح الله للمسلمين في بدر اشتد طغيانهم، وتوسعوا في تحرشاتهم واستفزازاتهم، فكانوا يثيرون الشغب، ويتعرضون بالسخرية، ويواجهون بالأذي كل من ورد سوقهم من المسلمين حتى أخذوا يتعرضون بنسائهم.
وعندما تفاقم أمرهم واشتد بغيهم، جمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوعظهم ودعاهم إلى الرشد والهدي، وحـذرهم مغـبة البغـي والـعدوان، ولكنهم ازدادوا في شرهم وغطرستهم.
روي أبو داود وغيره، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً يوم بدر، وقدم المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع. فقال: (يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشاً). قالوا:يا محمد، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله تعالى: {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ} [آل عمران 12، 13].
كان في معني ما أجاب به بنو قينقاع هو الإعلان السافر عن الحرب، ولكن كظم النبي صلى الله عليه وسلم غيظه، وصبر المسلمون، وأخذوا ينتظرون ما تتمخض عنه الليإلى والأيام.
وازداد اليهود ـ من بني قينقاع ـ جراءة، فقلما لبثوا أن أثاروا في المدينة قلقاً واضطراباً، وسعوا إلى حتفهم بظلفهم، وسدوا على أنفسهم أبواب الحياة.
روي ابن هشام عن أبي عون: أن امرأة من العرب قدمت بجَلَبٍ لها، فباعته في سوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فَعَمَد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها ـ وهي غافلة ـ فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله ـ وكان يهودياً ـ فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع.
الحصار ثم التسليم ثم الجلاء
وحينئذ عِيلَ صبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستخلف على المدينة أبا لُبَابة بن عبد المنذر، وأعطي لواء المسلمين حمزة بن عبد المطلب، وسار بجنود الله إلى بني قينقاع، ولما رأوه تحصنوا في حصونهم، فحاصرهم أشد الحصار، وكان ذلك يوم السبت للنصف من شوال سنة 2 هـ، ودام الحصار خمس عشرة ليلة إلى هلال ذي القعدة، وقذف الله في قلوبهم الرعب ـ فهو إذا أرادوا خذلان قوم وهزيمتهم أنزله عليهم وقذفه في قلوبهم ـ فنزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في رقابهم وأموالهم ونسائهم وذريتهم، فأمر بهم فكتفوا.
وحينئذ قام عبد الله بن أبي بن سلول بدور نفاقه، فألح على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصدر عنهم العفو، فقال: يا محمد، أحسن فـي موإلى ـ وكـان بنـو قينـقاع حلفـاء الخزرج ـ فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فكرر ابن أبي مقالته فأعرض عنه، فأدخل يده في جيب درعه، فقال له رسول اللَّّه صلى الله عليه وسلم: (أرسلني)، وغضب حتى رأوا لوجهه ظُللاً ، ثم قال: (ويحك، أرسلني). ولكن المنافق مضى على إصراره وقال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالى أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة ؟ إني والله امرؤ أخشي الدوائر.
وعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المنافق ـ الذي لم يكن مضي على إظهار إسلامه إلا نحو شهر واحد فحسب ـ عامله بالحسنى. فوهبهم له، وأمرهم أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها، فخرجوا إلى أذْرُعَات الشام، فقل أن لبثوا فيها حتى هلك أكثرهم.
وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أموالهم، فأخذ منها ثلاث قِسِي ودرعين وثلاثة أسياف وثلاثة رماح، وخمس غنائمهم، وكان الذي تولي جمع الغنائم محمد بن مسلمة.
( الرحيق المختوم ) .
__________
في غزوة اُحُد
ولما قتل الله اشرافَ قريشٍ ببدر، واُصيبُوا بمصيبةٍ لم يُصابُوا بمثلها، ورَاَسَ فيهم ابو سفيانَ بنُ حربٍ لِذهاب اكابرهم، وجاء كما ذكرنا الى اطرافِ المدينة في غزوة السَّويق، ولم يَنَلْ ما في نفسه، اخذ يُؤلِّبُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين، ويجمِّع الجموعَ، فجمع قريباً مِن ثلاثةِ الافٍ من قريش، والحلفاء، والاحابيش، وجاؤوا بنسائهم لئِلا يَفِرُّوا، وليحاموا عنهن، ثم اقبل بهم نحوَ المدينة، فنزل قريباً من جبل اُحُد بمكان يقال لهُ: عَيْنَيْنِ، وذلك في شوَّال مِن السنة الثالثةِ،
واستشار رسولُ الله صلى الله عليه وسلم اصحابًَه اَيخرُج اليهم، ام يمكثُ في المدينة ؟ وكان راُيُه الا يخرجُوا من المدينة، وان يتحصَّنُوا بها، فان دخلوها، قاتلهم المسلمون على افواه الازقة، والنِّساء مِن فوق البيوت، ووافقه على هذا الراى عبدُ الله بن اُبَىّ، وكان هو الراىَ، فبادر جماعةٌ مِن فُضلاء الصحابة ممن فاته الخروجُ يوم بدر، واشاروا عليه بالخروج، واَلحُّوا عليه في ذلك، واشار عبد الله بن اُبَىّ بالمُقام في المدينة، وتابعه على ذلك بعضُ الصحابةِ، فالحَّ اولئك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهض ودخل بيته ، ولَبِسَ لاْمَتَهُ، وخرج عليهم، وقد انثنى عزمُ اُولئك، وقالوا: اكْرَهْنَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم على الخُروج، فقالوا: يا رسولَ الله؛ ان احببتَ ان تَمْكُثَ في المدينة فافعَلْ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَا يَنبَغِى لِنَبِىٍّ اذَا لَبِسَ لاْمَتَهُ اَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ عدوِّه).
فخرج رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في الف من الصحابة، واستعمل ابنَ اُمِّ مكتُوم على الصلاة بمن بقى في المدينة، وكان رسولُ الله راى رؤيا، وهو بالمدينةِ، راى ان في سيفِه ثُلْمَةً، وراى ان بقراً تُذبح، وانه ادخل يده في درع حَصِينةٍ، فتاوَّل الثُّلمة في سيفه برجل يُصاب مِن اهل بيته، وتاوَّل البقرَ بِنَفَرٍ من اصحابه يُقتلون، وتاوَّل الدِّرع بالمدينة.
فخرج يوم الجمعة، فلما صار بالشَّوْط بَيْنَ المدينةِ واُحُد، انخزَلَ عبدُ الله ابن اُبَىّ بنحو ثُلثِ العسكر، وقال: تُخالفنى وتسمَعُ مِن غيرى، فتبعهم عبدُ الله بن عمرو بن حرام، والد جابر بن عبد الله يوبِّخهم ويحضُّهم على الرجوع، ويقول: تعَالَوْا قاتِلُوا في سبيل الله، او ادفعوا. قالوا: لو نَعلَمُ انكم تُقاتلون، لم نرجع، فرجع عنهم، وسبَّهم، وساله قوم من الانصار ان يستعينوا بحُلفائهم مِن يهود، فابى، وسلك حرَّة بنى حارثة، وقال: (مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ بِنَا عَلَى القَوْمِ مِنْ كَثَبٍ) ؟، فخرج به بعضُ الانصارِ حتى سلَك في حائط لِبعض المنافقين، وكان اعمى، فقام يحثو الترابَ في وجوه المسلمين ويقول: لا اُحِلُّ لكَ ان تدخُلَ في حائطى ان كنتَ رسولَ اللهِ ، فابتدره القومُ لِيقتلوه، فقال: (لا تقتُلوه فهذا اعمى القلب اعمى البصرِ).
ونفذ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلَ الشِّعبَ مِن اُحُد في عُدْوَةِ الوَادِى، وجعلَ ظهرَه الى اُحُد، ونهى الناسَ عَنِ القِتَال حتى يامرهمْ، فلما اصبحَ يومَ السبت، تَعَبَّى للقتال، وهو في سبعِمائة، فيهم خمسون فارساً، واستعمل على الرُّماة وكانوا خمسين عبدَ الله بن جُبير، وامره واصحابَه ان يَلزمُوا مركزهم، والا يُفارقُوه، ولو راى الطيرَ تتخطفُ العسكر، وكانوا خلفَ الجيش، وامرَهُم انْ يَنْضَحُوا المُشرِكِينَ بالنَّبْلِ، لِئَلا ياتُوا المُسْلِمِينَ مِنْ وَرَائِهِم.
فظاهر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بَيْنَ دِرعَيْن يومئِذٍ، واعطى اللِّواء مُصْعَبَ بنَ عُمير، وجعل على احدى المجَنِّبَتَيْنِ الزبيرَ بنَ العوام، وعلى الاخرى المُنذرَ بنَ عمرو، واستعرض الشبابَ يومئذٍ، فردَّ مَن استصغره عن القتال، وكان منهم عبدُ الله بنُ عمر، واُسامَة بن زيد، واُسَيْدُ بن ظَهِيرٍ، والبراءُ بن عازب، وزيد بن ارقم، وزيدُ بن ثابت، وعَرَابةُ بن اوس، وعمرو بنُ حَزْمٍ، واجازَ مَن راهُ مُطِيقاً، وكان مِنهم سَمُرَةُ بنُ جُنْدَبٍ، ورافعُ بن خَديج، ولهما خمسَ عشْرة سنة. فقيل: اجاز مَن اجاز لبلوغه بالسِّنِّ خمس عشرة سنةً، وردَّ مَن رَدَّ لِصغره عن سِنِّ البُلُوغ، وقالت طائفة: انما اجازَ مَنْ اجاز لاطاقته، وردَّ مَن رَدَّ لِعدم اطاقته، ولا تاثيرَ للبلوغ وعدمِه في ذلك قالوا: وفى بعض الفاظ حديث ابن عمر: ( فلمَّا رَانى مُطِيقاً اَجَازَنى ).
وتعبَّتْ قريشٌ للقتال، وهم في ثلاثةِ الافٍ، وفيهم مائتا فارسٍ، فجعلوا على ميمنتهم خالدَ بن الوليـد، وعلى الميسرةِ عِكرمةَ بنَ ابى جهل، ودفعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سيفَه الى ابى دُجَانَة سِمَاكِ بن خَرَشَةَ، وكان شُجاعاً بطلاً يَخْتَالُ عِند الحرب.
وكان اوَّلَ مَنْ بَدَر مِن المشركين ابو عامر الفاسِقُ، واسمه عبد عَمْرِو بن صَيْفِى، وكان يُسمَّى ( الرَّاهبَ )، فسمَّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسِقَ، وكان راس الاوس في الجاهلية، فلما جاء الاسلامُ، شَرِقَ به، وجاهَرَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بالعَدَاوة، فخرج مِنَ المدينة، وذهب الى قُريش يُوَلِّبُهُم عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ويحضُّهم على قِتاله، ووعدَهم بان قومَه اذا راوه اطاعُوه، ومالُوا معه، فكان اوَّل مَنْ لَقِىَ المسلمينَ، فنادى قومَه، وتعرَّف اليهم، فَقَالُوا له: لا انعم اللهُ بكَ عيناً يَا فَاسِقُ، فقال: لقد اصابَ قومى بعدى شرٌ، ثم قاتل المسلمين قِتالاً شديداً، وكان شِعارُ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ: اَمِتْ.
وابلى يومئذ ابو دُجَانَةَ الانصارىُّ، وطلحةُ بنُ عبيد الله، واسدُ الله واسدُ رسوله حمزةُ بنُ عبد المطَّلب، وعلىُّ بنُ ابى طالب، وانسُ بن النضر، وسعدُ بنُ الربيع.
وكانت الدولةُ اوَّلَ النهارِ للمسلمين على الكفَّار، فانهزم عدوُّ اللهِ ، وولَّوا مُدْبِرينَ حتى انتَهَوْا الى نِسائهم، فلما راى الرُمَاةُ هزيمتَهم، تركوا مركَزَهم الذي امرهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بحفظه، وقالوا: يا قومُ الغنيمةَ، فذكَّرهم اميرُهم عهدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يسمعُوا، وظنوا ان ليس للمشركين رجعةٌ، فذهبُوا في طلب الغنيمةِ، واخْلُوا الثَّغْرَ، وكرَّ فُرسَانُ المشركين، فوجدوا الثَّغْر خالياً، قد خلا مِن الرُّماة، فجازُوا منه، وتَمكَّنُوا حتى اقبل اخِرهُم، فاحاطُوا بالمسلمين، فاكرم اللهُ مَنْ اكرمَ منهم بالشهادة، وهم سبعون ، وتولَّى الصَّحَابة،
وخلَصَ المشركون الى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فجرحُوا وجهَه، وكسروا رَباعِيَّتَه اليُمْنى، وكانت السُّفلى، وهَشَمُوا البيضة على راسه ورمَوْهُ بالحِجَارة حتى وقع لِشقه، وسقط في حُفرة مِن الحُفَرِ التي كان ابو عامر الفاسِقُ يَكيدُ بها المسلمين، فاخذ علىُّ بيده، واحتضنه طلحةُ بنُ عُبيد الله، وكان الذي تولَّى اذاه صلى الله عليه وسلم عَمْرُو بنُ قَمِئَةَ، وعُتُبَةُ بنُ ابى وقاص، وقيل: ان عبد الله بن شهاب الزهرىَّ، عمّ محمد بن مسلم بن شهاب الزهرى، هو الذي شجَّهُ.
وقُتِلَ مصعبُ بن عمير بين يديه، فدفع اللِّواء الى علىِّ بن ابى طالب، ونشبت حَلَقَتَانِ مِن حلق المِغْفَرِ في وجهه، فانتزعهما ابو عبيدة بن الجرَّاح، وعضَّ عليهما حتى سقطت ثنيتاه مِن شدَّةِ غوصِهِمَا في وجْهِهِ
وامتصَّ مَالكُ بنُ سنان والد ابى سعيد الخدرى الدَّمَ مِن وجنته، وادركه المشركون يُريدُونَ ما اللهُ حائلٌ بينَهُم وبينَه، فحال دُونَه نفرٌ مِن المسلمين نحو عشرة حتى قُتِلُوا، ثم جالدهم طلحةُ حتى اجهضهم عنه، وترَّسَ ابو دُجانة عليه بظهره، والنبل يقع فيه، وهو لا يتحرَّك، واصيبت يومئذ عينُ قتادة بن النعمان، فاتى بها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فردَّها عليه بيده، وكانَتْ اصحَّ عينيه واحسنَهما، وصرخ الشيطانُ باعلى صوتِهِ: انَّ محمداً قَد قُتِلَ، ووقع ذلك في قلوب كثيرٍ من المسلمين، وفرَّ اكثرُهم، وكان امرُ الله قدراً مقدوراً.
ومر انسُ بنُ النَّضر بقوم من المسلمين قد القَوا بايديهم، فقال: ما تنتظِرُونَ ؟ فقالوا: قُتِلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فقال: ما تَصْنَعُونَ في الحياة بعده ؟ قومُوا فموتُوا على ما مَاتَ عليه، ثم استقبلَ الناسَ، ولقى سعدَ بنَ معاذ فقال: يَا سَعْدُ؛ انى لاَجِدُ رِيحَ الجَنَّةِ مِنْ دُونِ اُحُد، فقاتل حتى قُتِلَ، ووُجِدَ به سبعونَ ضَربة،
وجُرِحَ يومئذ عبد الرحمن بن عوف نحواً من عشرينَ جِراحة.
واقبل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نحوَ المسلمين، وكان اوَّل مَن عرفه تحتَ المِغْفَرِ كعبُ بن مالك، فصاحَ باعلى صوته: يا معشرَ المسلمين؛ اَبْشِرُوا هذا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فاشار اليه ان اسْكُت، واجتمع اليه المسلمونَ ونهضُوا معه الى الشِّعب الذي نزل فيه، وفيهم ابو بكر، وعمر، وعلى، والحارث بنُ الصِّمَّة الانصارى وغيرُهم، فلما استندوا الى الجبل، ادركَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم اُبىُّ بنُ خَلَف على جواد له يُقال له: العَوْذ، زعم عدوُّ اللهِ انه يقتُل عليه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فلما اقترب منه، تناول رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الحربةَ مِن الحارث بنً الصِّمَّةِ، فطعنَه بها فجاءت في تَرْقُوتِهِ، فكرَّ عدوُّ الله منهزِمَاً، فقال له المشركون: واللهِ ما بك من باسٍ، فقال: واللهِ لو كان ما بى باهلِ ذِى المَجَازِ، لماتُوا اجمعُون، وكانَ يَعْلِفُ فرسَه بمكةَ ويقولُ: اقْتُلُ عليه محمداً، فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ( بَلْ انَا اَقْتُلُه انْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى ) فلما طعنَه، تَذكَّر عدوُّ الله قوله: ( انا قاتِلهُ )، فايقن بانه مقتول مِن ذلك الجرح، فمات منه في طريقه بِسَرِفَ مَرْجِعَهُ الى مكَّةَ.
وجاءَ علىّ الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء ليشرب منه، فوجده اجناً، فرده، وغسل عن وجهه الدم، وصبَّ على راسه، فاراد رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ان يعلُوَ صخرةً هُنالك، فلم يَسْتَطِع لِما به، فجلس طلحةُ تحتَه حتى صَعِدَهَا، وحانتِ الصلاةُ، فصلَّى بهم جالساً، وصار رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم تحتَ لِواء الانصار.
وشدَّ حنظلةُ الغسيل وهو حنظلةُ بن ابى عامر على ابى سفيان، فلما تمكَّن منه، حَمَلَ على حنظلة شَدَّادُ بنُ الاسود فقتله، وكان جُنُباً، فانه سَمِعَ الصَّيْحَـةَ، وهو على امراته، فقَامَ مِن فَوره الى الجهاد، فاخبرَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم اصْحَابَهُ: ( انَّ المَلائِكَةَ تُغَسِّلُهُ ) ثم قال: ( سَلُوا اَهْلَهُ: مَا شَاْنُهُ ) ؟ فسالُوا امراته، فَاَخْبَرَتْهُمُ الخَبَرَ. وجعل الفقهاءُ هذا حُجة، ان الشهيدَ اذا قُتِلَ جُنباً، يُغسَّل اقتداءً بالملائكة.
وقتل المسلمون حامِلَ لواءِ المشركينَ، فرفَعَتْهُ لهم عَمْرَةُ بنتُ علقمةَ الحارِثِيَّة، حتى اجتمعوا اليه، وقاتلت اُمُّ عُمارة، وهى نُسيبة بنتُ كعب المازنية قِتالاً شديداً، وَضَرَبَتْ عمرَو بن قَمِئَةَ بالسَّيْفِ ضَرَبَاتٍ فَوَقَتْهُ دِرعانِ كانتا عليه، وضربها عمرو بالسِّيْفِ، فجرحها جُرحاً شديداً على عاتقها.
وكان عمرو بن ثابتِ المعروفُ بالاُصَيْرم من بنى عبد الاشهل يابى الاسلامَ، فلما كان يَوْمَ اُحُدٍ، قذف اللهُ الاسلامَ في قلبه للحُسْنى التي سبقت له منه، فاسلم واخذ سيفَه، ولَحِقَ بالنبى صلى الله عليه وسلم، فقَاتل فاُثْبِتَ بالجِرَاحِ، ولم يعلم احدٌ بامره، فلما انجلت الحرب، طاف بنو عبد الاشهل في القتلى، يلتمِسُون قتلاهم، فوجَدوا الاُصَيْرمَ وبهِ رَمَقٌ يسير، فقالوا: واللهِ ان هذا الاصيرمَ، ما جاء به ؟ لقد تركناه وانه لَمُنْكِرٌ لهذا الامر، ثم سالوه ما الذي جاء بك ؟ اَحَدَبٌ عَلى قَوْمِكَ، ام رغبةٌ في الاسلام ؟ فقال: بل رغبةٌ في الاسلام، امنتُ باللهِ ورسوله، ثم قاتلتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اصابنى ما تَرَوْنَ، ومات من وقته، فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ( هُوَ مِنْ اَهْلِ الجَنَّةِ ). قال ابو هريرة: ولم يُصَلِّ للهِ صَلاَةً قَطُّ.
ولما انقضَتِ الحربُ، اشرف ابو سفيان على الجبل، فنادى: افيكُم محمد ؟ فلم يُجيبُوهُ، فقال: افيكُمُ ابنُ ابى قُحَافة ؟ فلم يُجيبوه. فقال: افيكُم عُمرُ بنُ الخطاب ؟ فلم يجيبوه، ولم يَسْاَلْ الاَّ عن هؤلاء الثلاثة لِعلمه وعِلم قومه ان قِوَامَ الاسلام بهم، فقال: امَّا هَؤلاء، فقد كُفيتُموهم، فلم يَملِكُ عُمَر نفسَه ان قال: يَا عَدُوَّ اللهِ؛ انَّ الَّذِينَ ذكرتَهُمْ احياءٌ، وقد ابقى اللهُ لَكَ ما يَسُوءُكَ، فقال: قَدْ كان في القوم مُثْلَةٌ لم امُر بها، ولم تسؤْنى، ثم قال: اعْلُ هُبَلُ. فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ( الا تُجِيبُونَه ) ؟ فَقَالُوا: ما نقُولُ ؟ قال: ( قُولُوا: اللهُ اَعْلَى واَجَلُّ )، ثم قال: لَنَا العُزَّى ولا عُزَّى لكم. قال: ( الا تُجِيبُونَه ) ؟ قالُوا: ما نقول ؟ قال: ( قولُوا: اللهُ مَوْلاَنَا وَلاَ مَوْلَى لَكم ). فامرهم بجوابه عند افتخاره بالهته، وبِشرْكِهِ تعظيماً للتوحيد، واعلاماً بعزة مَنْ عبده المسلمون، وقوةِ جانبه، وانه لا يُغلب، ونحن حزبُه وجُنده، ولم يامرهم باجابته حين قال: افيكم محمد ؟ افيكم ابنُ ابى قُحافة ؟ افيكم عمر ؟ بل قد رُوى انه نهاهم عن اجابته، وقال: ( لا تُجيبوه )، لان كَلْمَهُمْ لم يكن بَرَدَ بَعْدُ في طلب القوم، ونارُ غيظهم بعد متوقِّدة، فلما قال لاصحابه: اما هؤلاء فقد كُفيتموهم، حمىَ عمر بنُ الخطاب، واشتد غضبُه وقال: كذبْت يا عدوَّ الله، فكان في هذا الاعلام من الاذلال، والشجاعة، وعدمِ الجُبن، والتعرفِ الى العدو في تلك الحال، ما يُوذِنُهم بقوة القوم وبَسالتهم، وانهم لم يَهِنُوا ولم يَضْعُفُوا، وانه وقومَه جديرون بعدم الخوفِ منهم، وقد ابقى اللهُ لهم ما يسوؤهُم منهم، وكان في الاعلام ببقاء هؤلاء الثلاثة وهلة بعد ظنَّهِ وظنِّ قومه انهم قد اُصيبوا من المصلحة، وغيظ العدو وحِزبِهِ، والفتِّ في عَضُدِهِ ما ليس في جوابه حين سال عنهم واحداً واحداً، فكان سؤالُه عنهم، ونعيُهم لِقومه اخِر سهام العدو وكيده، فصبر له النبىُّ صلى الله عليه وسلم حتى استوفى كيده، ثم انتدب له عُمَرُ، فرد سِهَام كيدِهِ عليه، وكان تركُ الجوابِ اولاً عليه احسن، وذكره ثانياً احسن، وايضاً فان في ترك اجابته حين سال عنهم اهانةً له، وتصغيراً لشانه، فلما منَّته نفسُه موتَهم، وظنَّ انهم قد قتِلُوا، وحصل بذلك من الكِبر والاشر ما حصل، كان في جوابه اهانةٌ له، وتحقيرٌ، واذلالٌ، ولم يكن هذا مخالفاً لقول النبى صلى الله عليه وسلم: ( لا تُجِيبُوه )، فانه انما نهى عن اجابته حين سال: افيكم محمّدٌ ؟ افيكم فلانٌ ؟ افيكم فلانٌ ؟ ولم ينه عن اجابته حين قال: اما هؤلاء، فقَد قُتِلُوا، وبكل حال، فلا احسنَ من ترك اجابته اولاً، ولا احسنَ من اجابته ثانياً.
ثمَّ قال ابو سفيان: يَوْمٌ بِيوم بَدْرٍ، والحَرْبُ سِجَالٌ، فاجابه عُمَرُ فقال: لاَ سَوَاء، قَتْلانَا في الجَنَّةِ، وَقَتْلاكُمْ في النَّارِ.
وقال ابن عباس: ما نُصِرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في مَوْطِنٍ نَصْرَه يَوْمَ اُحُد، فاُنْكِرَ ذلِكَ عليه، فَقَالَ: بينى وبَيْنَ من يُنكِرُ كِتابُ الله، انَّ الله يَقُولُ: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ اذْ تَحُسُّونَهُم بِاذْنِهِ} [ال عمران: 152]، قال ابنُ عباس: والحَسُّ: القتلُ، ولقد كان لِرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ولاصحابه اوَّلُ النهار حَتَّى قُتِلَ مِن اصحابِ المشركينَ سبعةٌ او تسعةٌ... وذكر الحديث.
وانزل اللهُ عليهم النُّعاسَ امنةً مِنْهُ في غَزاةِ بدرٍ واُحُدٍ، والنعاسُ في الحرب وعند الخوفِ دليل على الامنِ، وهو من الله، وفى الصَّلاة ومجالِس الذكر والعِلم مِن الشيطان.
وقاتلت الملائكةُ يومَ اُحُدٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففى ( الصحيحين ): عن سعدِ بن ابى وقاص، قال: ( رايتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَ اُحُدٍ وَمَعَهُ رَجُلانِ يُقََاتِلانِ عَنْهُ، عليهمَا ثِيَابٌ بِيْضٌ كَاَشَدِّ القِتَالِ، مَا رَاَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلاَ بَعْدُ ).
ولـمَّا انهزم الناسُ، لم ينهزِمْ انسُ بنُ النضر. وقال: اللَّهُمَّ انِّى اَعْتَذِرُ الَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هؤلاَءِ، يعنى المُسْلِمِينَ، وَاَبْرَاُ الَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هؤلاَءِ، يَعنى المُشْرِكِينَ، ثم تقدَّم، فَلَقِيَه سعدُ بن معاذ، فقال: اينَ يا ابا عُمَرُ ؟ فَقَالَ اَنَسٌ: واهاً لِرِيحِ الجَنَّةِ يَا سَعْدُ، انِّى اجِدُهُ دُونَ اُحُدٍ، ثُمَّ مَضَى، فَقَاتَلَ القَوْمَ حَتَّى قُتِلَ، فَمَا عُرفَ حَتَّى عَرَفَتْهُ اُخْتُه بِبَنَانِهِ، وَبِهِ بِضْعٌ وثَمَانُونَ، مَا بَيْنَ طَعْنَةٍ بِرُمْحٍ، وَضَرْبَةٍ بًسَيْفٍ، وَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ.
وانهزم المشركون اوَّل النهارِ كما تقدَّم، فصرخ فيهم ابليسُ: اىْ عِبادَ الله، اخزاكم اللهُ، فارجِعُوا مِن الهزيمة، فاجتلدوا.
( زاد المعاد في هدي خير العباد ) .
أميره في مملكتي الصغيره
08-30-2009, 01:55 PM
استنكار الحليس على ابي سفيان تمثيله حمزة
قال ابن اسحاق : ولقد كان الحليس بن زبان ، اخو بني الحارث بن عبد
مناة ، وهو يومئذ سيد الاحابيش ، قد مر بابي سفيان ، وهو يضرب في
شدق حمزة بن عبدالمطلب بزج الرمح ويقول : ذق عقق ؛ فقال الحليس :
يا بني كنانة هذا سيد قريش يصنع بابن عمه ما ترون لحما ، فقال :
ويحك !اكتمها عني ، فانها كانت زلة .
ابو سفيان يشمت بالمسلمين
ثم ان ابا سفيان بن حرب ، حين اراد الانصراف ، اشرف على الجبل ، ثم
صرخ باعلى صوته فقال : انعمت فعال ، وان الحرب سجال يوم بيوم ، اعل
هبل ، اي اظهر دينك ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قم يا عمر
فاجبه ، فقل : الله اعلى واجل ، لا سواء ، قتلانا في الجنة ، وقتلاكم في
النار .
فلما اجاب عمر ابا سفيان ، قال له ابو سفيان : هلم الي يا عمر ؛
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر : ائته فانظر ما شانه ؛ فجاءه ،
فقال له ابو سفيان : انشدك الله يا عمر ، اقتلنا محمدا ؟ قال عمر :
اللهم لا ، وانه ليسمع كلامك الان ؛ قال : انت اصدق عندي من ابن قمئة
وابر ؛ لقول ابن قمئه لهم : اني قد قتلت محمدا .
قال ابن هشام : واسم ابن قمئة : عبدالله .
( السيره النبويه) .
***
قال الامام احمد: حدثنا عبد الله، حدثني ابي، حدثني سليمان بن داود،
اخبرنا عبد الرحمن بن ابي الزناد، عن ابيه، عن عبيد الله، عن ابن عباس
انه قال: ما نصر الله في موطن كما نصر يوم اُحد، قال: فانكرنا ذلك
فقال: بيني وبين من انكر ذلك كتاب الله، ان الله يقول في يوم احد: {ولقد
صدقكم الله وعده اذ تحسونهم باذنه}.
يقول ابن عباس: والحس القتل.
{حتى اذا فشلتم} الى قوله: {ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين}
وانما عنى بهذا الرماة، وذلك ان النبي صلى الله عليه وسلم اقامهم في
موضع.
ثم قال: ((احموا ظهورنا فان رايتمونا نقتل فلا تنصرونا، وان
رايتمونا نغنم فلا تشركونا)).
فلما غنم النبي صلى الله عليه وسلم واباحوا عسكر المشركين، اكب الرماة
جميعاً فدخلوا في العسكر ينهبون، وقد التقت صفوف اصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم فهم هكذا - وشبك بين اصابع يديه - والتبسوا.
فلما اخلَّ الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها، دخلت الخيل من ذلك
الموضع على اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فضرب بعضهم بعضاً
فالتبسوا، وقتل من المسلمين ناس كثير، وقد كان لرسول الله واصحابه اول
النهار حتى قتل من اصحاب لواء المشركين سبعة او تسعة.
وجال المسلمون جولة نحو الجبل، ولم يبلغوا حيث يقول الناس الغار،
انما كان تحت المهراس وصاح الشيطان، قتل محمد ! فلم يشك فيه انه
حق، فما زلنا كذلك ما نشك انه حق، حتى طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم
بين السعدين نعرفه بكتفيه اذا مشى.
قال: ففرحنا كانه لم يصبنا ما اصابنا.
قال: فرقى نحونا وهو يقول: ((اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله))
ويقول مرة اخرى: ((اللهم انه ليس لهم ان يعلونا)) حتى انتهى الينا
فمكث ساعة، فاذا ابو سفيان يصيح في اسفل الجبل: اُعلُ هبل، اُعلُ هبل
مرتين، يعني: الهته، اين ابن ابي كبشة؟ اين ابن ابي قحافة؟ اين ابن
الخطاب؟
فقال عمر بن الخطاب: الا اجيبه؟
قال: بلى. (ج/ص: 4/ 28)
قال: فلما قال: اُعلُ هبل قال: الله اعلى واجل. فقال ابو سفيان: يا ابن
الخطاب قد انعمت عينها، فعاد عنها - او فعال عنها - فقال: اين ابن
ابي كبشة؟ اين ابن ابي قحافة؟ اين ابن الخطاب؟
فقال عمر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا ابو بكر، وها انا ذا
عمر.
قال: فقال ابو سفيان: يوم بيوم بدر، الايام دول، وان الحرب سجال.
قال: فقال عمر: لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار.
قال: انكم لتزعمون ذلك، لقد خبنا اذن وخسرنا.
ثم قال ابو سفيان: اما انكم سوف تجدون في قتلاكم مثلة، ولم يكن ذلك
عن راي سراتنا.
قال: ثم ادركته حمية الجاهلية، فقال: اما انه ان كان ذلك لم نكرهه.
وقد رواه ابن ابي حاتم، والحاكم في (مستدركه)، والبيهقي في (
الدلائل) من حديث سليمان بن داود الهاشمي به.
وهذا حديث غريب، وهو من مرسلات ابن عباس. وله شواهد من وجوه كثيرة،
سنذكر منها ما تيسر ان شاء الله، وبه الثقة، وعليه التكلان وهو
المستعان.
قال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن اسرائيل، عن ابي اسحاق عن
البراء قال: لقينا المشركين يومئذٍ، واجلس النبي صلى الله عليه وسلم
جيشاً من الرماة، وامر عليهم عبد الله بن جبير وقال: ((لا تبرحوا ان
رايتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وان رايتموهم ظهروا علينا فلا
تعينونا)).
فلما لقينا هربوا حتى رايت النساء يشتددن في الجبل، رفعن عن سوقهن،
قد بدت خلاخلهن فاخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة ! فقال عبد الله: عهد
اليَّ النبي صلى الله عليه وسلم ان لا تبرحوا فابوا، فلما ابوا صرفت
وجوههم فاصيب سبعون قتيلاً، واشرف ابو سفيان فقال:
افي القوم محمد؟ فقال: ((لا تجيبوه)).
فقال: افي القوم ابن ابي قحافة؟
فقال: ((لا تجيبوه)).
فقال: افي القوم ابن الخطاب؟
فقال: ان هؤلاء قتلوا، فلوا كانوا احياء لاجابوا، فلم يملك عمر نفسه
فقال: كذبت يا عدوَ الله، ابقى الله عليك ما يحزنك.
فقال ابو سفيان: اُعلُ هبل.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اجيبوه)).
قالوا: ما نقول؟
قال: ((قولوا الله اعلى واجل)).
فقال ابو سفيان: لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اجيبوه)).
قالوا: ما نقول؟
قال: ((قولوا الله مولانا ولا مولى لكم)).
قال ابو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، وتجدون مثلة لم امر
بها، ولم تسؤني.
وهذا من افراد البخاري دون مسلم.
( البدايه والنهايه ) .
***
استعمال ابن ام مكتوم على المدينة في هذه الغزوة
قال ابن اسحاق : فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى الى حمراء
الاسد ، وهي من المدينة على ثمانية اميال ، واستعمل على المدينة ابن
ام مكتوم ، فيما قال ابن هشام :
قال ابن اسحاق : فاقام بها الاثنين والثلاثاء والاربعاء ، ثم رجع الى
المدينة .
شان معبد الخزاعي
قال : وقد مر به كما حدثني عبدالله بن ابي بكر ، معبد بن ابي معبد
الخزاعي ، وكانت خزاعة ، مسلمهم ومشركهم عيبة نصح لرسول الله صلى الله
عليه وسلم ، بتهامة ، صفقتهم معه ، لا يخفون عنه شيئا كان بها ،
ومعبد يومئذ مشرك ، فقال : يا محمد ، اما والله لقد عز علينا ما اصابك
، ولوددنا ان الله عافاك فيهم ، ثم خرج ورسول الله صلى الله عليه وسلم
بحمراء الاسد ، حتى لقي ابا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء ، وقد
اجمعوا الرجعة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه ، وقالوا :
اصبنا احد اصحابه واشرافهم وقادتهم ، ثم نرجع قبل ان نستاصلهم !
لنكرن على بقيتهم ، فلنفرغن منهم ، فلما راى ابو سفيان معبدا ،
قال : ما وراءك يا معبد ؟ قال : محمد قد خرج في اصحابه يطلبكم في
جمع لم ار مثله قط ، يتحرقون عليكم تحرقا ، قد اجتمع معه من كان
تخلف عنه في يومكم ، وندموا على ما صنعوا فيهم من الحنق عليكم شيء
لم ار مثله قط ؛ قال : ويحك ! ما تقول ؟ قال : والله ما ارى ان ترتحل
حتى ارى نواصي الخيل ، قال : فوالله لقد اجمعنا الكرة عليهم لنستاصل
بقيتهم ، قال : فاني انهاك عن ذلك ؛ قال : والله لقد حملني ما رايت
على ان قلت فيهم ابياتا من شعر قال ؛ وما قلت ؟ قال : قلت :
كادت تهد من الاصوات راحلتي * اذ سالت الارض بالجرد الابابيل
تردي باسد كرام لا تنابلة * عند اللقاء ولا ميل معازيل
فظلت عدوا اظن الارض مائلة * لما سمو برئيس غير مخذول
فقلت ويل ابن حرب من لقائكم * اذا تغطمطت البطحا بالجيل
اني نذير لاهل البسل ضاحية * لكل ذي اربة منهم ومعقول
من جيش احمد لا وخش تنابلة * وليس يوصف ما انذرت بالقيل
فثنى ذلك ابا سفيان ومن معه .
رسالة ابي سفيان مع الركب بالوعيد
ومر به ركب بن عبدالقيس ، فقال : اين تريدون ؟ قالوا : نريد
المدينة ؟ قال : ولم ؟ قالوا : نريد الميرة ؛ قال : فهل انتم
مبلغون عني محمدا رسالة ارسلكم بها اليه ، واحمل لكم هذه غدا زبيبا
بعكاظ اذا وافيتموها ؟ قالوا : نعم قال ؛ فاذا وافيتموه فاخبروه
انا قد اجمعنا السير اليه والى اصحابه لنستاصل بقيتهم ، فمر الركب
برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الاسد ، فاخبروه بالذي قال ابو
سفيان ؛ فقال : حسبنا الله ونعم الوكيل .
كف صفوان لابي سفيان عن معاودة الكرة
قال ابن هشام : حدثنا ابو عبيدة : ان ابا سفيان بن حرب لما انصرف
يوم احد ، اراد الرجوع الى المدينة ، ليستاصل بقية اصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فقال لهم صفوان بن امية بن خلف : لا تفعلوا ، فان
القوم قد حربوا ، وقد خشينا ان يكون لهم قتال غير الذي كان ،
فارجعوا ، فرجعوا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الاسد ،
حين بلغه انهم هموا بالرجعة : والذي نفسي بيده ، لقد سومت لهم
حجارة ، لو صبحوا بها لكانوا كامس الذاهب .
قتل الرسول ابا عزة ومعاوية بن المغيرة
قال ابوعبيدة : واخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في جهة ذلك قبل رجوعه
الى المدينة ، معاوية بن المغيرة بن ابي العاص بن امية بن عبد شمس
، وهو جد عبدالملك بن مروان ، ابو امه عائشة بنت معاوية ، وابا عزة
الجمحي ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم اسره ببدر ، ثم من عليه ؛
فقال : يا رسول الله ، اقلني ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والله لا
تمسح عارضيك بمكة بعدها وتقول : خدعت محمدا مرتين ، اضرب عنقه يا
زبير . فضرب عنقه " .
قال ابن هشام : وبلغني عن سعيد بن المسيب انه قال : قال له رسول الله
صلى الله عليه وسلم : ان المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين ، اضرب عنقه يا
عاصم بن ثابت ، فضرب عنقه .
مقتل معاوية بن المغيرة
قال ابن هشام : ويقال : ان زيد بن حارثة وعمار بن ياسر ، قتلا
معاوية بن المغيرة بعد حمراء الاسد ، كان لجا الى عثمان بن عفان
فاستامن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فامَّنه ، على انه ان وجد بعد ثلاث
قتل ، فاقام بعد ثلاث وتوارى فبعثهما النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال
: انكما ستجدانه بموضع كذا وكذا ، فوجداه فقتلاه .
(السيره النبويه ) .
***
غزوة بني المصطلق
قال ابن اسحاق : فاقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعض جمادى
الاخرة ورجبا ، ثم غزا بني المصطلق من خزاعة ، في شعبان سنة ست .
قال ابن اسحاق : فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبدالله بن ابي بكر ،
ومحمد بن يحيى بن حبان ، كل قد حدثني بعض حديث بني المصطلق ، قالوا
: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ان بني المصطلق يجمعون له ، وقائدهم
الحارث بن ابي ضرار ابو جويرية بنت الحارث ، زوج رسول الله صلى الله عليه
وسلم ؛ فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم خرج اليهم ، حتى لقيهم
على ماء لهم ، يقال له : المريسيع ، من ناحية قديد الى الساحل ،
فتزاحف الناس واقتتلوا ، فهزم الله بني المصطلق ، وقتل من قتل منهم ،
ونفَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم ابناءهم ونساءهم واموالهم ، فافاءهم
عليه .
وقد اصيب رجل من المسلمين من بني كلب بن عوف بن عامر بن ليث بن بكر
، يقال له : هشام بن صبابة ، اصابه رجل من الانصار من رهط عبادة بن
الصامت ، وهو يرى انه من العدو ، فقتله خطا .
فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك الماء ، وردت واردة الناس ،
ومع عمر بن الخطاب اجير له من بني غفار ، يقال له : جهجاه بن مسعود
يقود فرسه ، فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهني ، حليف بني عوف بن
الخزرج على الماء ، فاقتتلا ، فصرخ الجهني : يا معشر الانصار ، وصرخ
جهجاه : يا معشر المهاجرين ؛ فغضب عبدالله بن ابي بن سلول ، وعنده رهط
من قومه فيهم : زيد بن ارقم ، غلام حدث ، فقال : اوقد فعلوها ، قد
نافرونا وكاثرونا في بلادنا ، والله ما اعدنا وجلابيب قريش الا كما قال
الاول : سمن كلبك ياكلك ، اما والله لئن رجعنا الا المدينة ليخرجن الاعز
منها الاذل .
ثم اقبل على من حضره من قومه ، فقال لهم : هذا ما فعلتم بانفسكم ،
احللتموهم بلادكم ، وقاسمتموهم اموالكم ، اما والله لو امستكم عنهم ما
بايديكم لتحولوا الى غير داركم . فسمع ذلك زيد بن ارقم ، فمشى به
الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك عند فراغ رسول الله صلى الله عليه
وسلم من عدوه ، فاخبره الخبر ، وعنده عمر بن الخطاب ، فقال : مُرْ به
عباد بن بشر فليقتله ؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : فكيف يا
عمر اذا تحدث الناس ان محمدا يقتل اصحابه ! لا ولكن اذن بالرحيل ،
وذلك في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها ، فارتحل
الناس .
وقد مشى عبدالله بن ابي بن سلول الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حين
بلغه ان زيد بن ارقم قد بلَّغه ما سمع منه ، فحلف بالله : ما قلت ما
قال ، ولا تكلمت به - وكان في قومه شريفا عظيما - ، فقال من حضر
رسول الله صلى الله عليه وسلم من الانصار من اصحابه : يا رسول الله ، عسى ان
يكون الغلام قد اوهم في حديثه ، ولم يحفظ ما قال الرجل ، حدبا على
ابن ابي سلول ، ودفعا عنه .
قال ابن اسحاق : فلما استقل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار ، لقيه
اسيد بن حضير ، فحياه بتحية النبوة وسلم عليه ، ثم قال : يا نبي الله
، والله لقد رحت في ساعة منكرة ، ما كنت تروح في مثلها ؛ فقال له رسول
الله صلى الله عليه وسلم : اوما بلغك ما قال صاحبكم ؟ قال : و اي صاحب يا
رسول الله ؟ قال : عبدالله بن ابي ؛ قال : وما قال ؟ قال : زعم انه ان
رجع الى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل ، قال : فانت يا رسول الله والله
تخرجه منها ان شئت ، وهو والله الذليل وانت العزيز ؛ ثم قال : يا رسول
الله ، ارفق به ، فوالله لقد جاءنا الله بك ، وان قومه لينظمون له الخرز
ليتوّجوه ، فانه ليرى انك قد استلبته ملكا .
ثم مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس يومهم ذلك حتى امسى ،
وليلتهم حتى اصبح ، وصدر يومهم ذلك حتى اذتهم الشمس ، ثم نزل
بالناس ، فلم يلبثوا ان وجدوا مسّ الارض فوقعوا نياما ، وانما فعل
ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالامس
، من حديث عبدالله بن ابي .
ثم راح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس ، وسلك الحجاز حتى نزل عل
ماء بالجحاز فويق النقيع ؛ يقال له : بقعاء . فلما راح رسول الله صلى
الله عليه وسلم هبت على الناس ريح شديدة اذتهم وتخوفوها ؛ فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : لا تخافوها ، فانما هبت لموت عظيم من عظماء
الكفار .
فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت ، احد بني
قينقاع ، وكان عظيما من عظماء يهود ، وكهفا للمنافقين ، مات في ذلك
اليوم .
( السيره النبويه ) .
***
غزوة بني قريظة
وفي اليوم الذي رجع فيه رسول الله إلى المدينة، جاءه جبريل \ عند
الظهر، وهو يغتسل في بيت أم سلمة، فقال: أو قد وضعت السلاح؟ فإن
الملائكة لم تضع أسلحتهم، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم، فانهض بمن
معك إلى بني قريظة، فإني سائر أمامك أزلزل بهم حصونهم، وأقذف في
قلوبهم الرعب، فسار جبريل في موكبه من الملائكة.
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذناً فأذن في الناس: من كان سامعاً
مطيعاً فلا يصَلِّينَّ العصر إلا ببني قريظة، واستعمل على المدينة ابن أم
مكتوم، وأعطي الراية على بن أبي طالب، وقدّمه إلى بني قريظة، فسار
على حتى إذا دنا من حصونهم سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله
عليه وسلم.
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في موكبه من المهاجرين والأنصار، حتى
نزل على بئر من آبار قريظة يقال لها: بئر أنَّا. وبادر المسلمون إلى
امتثال أمره، ونهضوا من فورهم، وتحركوا نحو قريظة، وأدركتهم العصر
في الطريق فقال بعضهم: لا نصليها إلا في بني قريظة كما أمرنا، حتى إن
رجالاً منهم صلوا العصر بعد العشاء الآخرة، وقال بعضهم: لم يرد منا
ذلك، وإنما أراد سرعة الخروج، فصلوها في الطريق، فلم يعنف واحدة من
الطائفتين.
هكذا تحرك الجيش الإسلامي نحو بني قريظة أرسالاً حتى تلاحقوا بالنبي صلى
الله عليه وسلم، وهم ثلاثة آلاف، والخيل ثلاثون فرساً، فنازلوا حصون بني
قريظة، وفرضوا عليهم الحصار.
ولما اشتد عليهم الحصار عرض عليهم رئيسهم كعب بن أسد ثلاث خصال: إما
أن يسلموا ويدخلوا مع محمد صلى الله عليه وسلم في دينه، فيأمنوا على
دمائهم وأموالهم وأبنائهم ونسائهم ـ وقد قال لهم: والله، لقد تبين لكم
أنه لنبي مرسل، وأنه الذي تجدونه في كتابكم ـ وإما أن يقتلوا
ذراريهم ونساءهم بأيديهم، ويخرجوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم
بالسيوف مُصْلِِتِين، يناجزونه حتى يظفروا بهم، أو يقتلوا عن آخرهم،
وإما أن يهجموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويكبسوهم يوم
السبت ؛ لأنهم قد أمنوا أن يقاتلوهم فيه، فأبوا أن يجيبوه إلى واحدة
من هذه الخصال الثلاث، وحينئذ قال سيدهم كعب بن أسد ـ في انزعاج
وغضب: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازماً.
ولم يبق لقريظة بعد رد هذه الخصال الثلاث إلا أن ينزلوا على حكم رسول
الله صلى الله عليه وسلم، ولكنهم أرادوا أن يتصلوا ببعض حلفائهم من
المسلمين، لعلهم يتعرفون ماذا سيحل بهم إذا نزلوا على حكمه، فبعثوا
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرسل إلينا أبا لُبَابة نستشيره، وكان
حليفاً لهم، وكانت أمواله وولده في منطقتهم، فلما رأوه قام إليه
الرجال، وجَهَشَ النساء والصبيان يبكون في وجهه، فَرَقَّ لهم، وقالوا: يا
أبا لبابة، أتري أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم ؛ وأشار بيده إلى
حلقه، يقول: إنه الذبح، ثم علم من فوره أنه خان الله ورسوله فمضي على
وجهه، ولم يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتي المسجد النبوي
بالمدينة، فربط نفسه بسارية المسجد، وحلف ألا يحله إلا رسول الله صلى الله
عليه وسلم بيده، وأنه لا يدخل أرض بني قريظة أبداً. فلما بلغ رسول الله
صلى الله عليه وسلم خبره ـ وكان قد استبطأه ـ قال: (أما إنه لو جاءني
لاستغفرت له، أما إذ قد فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه
حتى يتوب الله عليه).
وبرغم ما أشار إليه أبو لبابة قررت قريظة النزول على حكم رسول الله
صلى الله عليه وسلم، ولقد كان باستطاعة اليهود أن يتحملوا الحصار
الطويل ؛ لتوفر المواد الغذائية والمياه والآبار ومناعة الحصون؛ ولأن
المسلمين كانوا يقاسون البرد القارس والجوع الشديد وهم في العراء،
مع شدة التعب الذي اعتراهم ؛ لمواصلة الأعمال الحربية من قبل بداية
معركة الأحزاب، إلا أن حرب قريظة كانت حرب أعصاب، فقد قذف الله في
قلوبهم الرعب، وأخذت معنوياتهم تنهار، وبلغ هذا الانهيار إلى نهايته
أن تقدم علي بن أبي طالب والزبير بن العوام، وصاح علي: يا كتيبة
الإيمان، والله لأذوقن ما ذاق حمزة أو لأفتحن حصنهم.
وحينئذ بادروا إلى النزول على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر
رسول الله صلى الله عليه وسلم باعتقال الرجال، فوضعت القيود في أيديهم
تحت إشراف محمد بن مسلمة الأنصاري، وجعلت النساء والذراري بمعزل عن
الرجال في ناحية، وقامت الأوس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا:
يا رسول الله، قد فعلت في بني قينقاع ما قد علمت، وهم حلفاء إخواننا
الخزرج، وهؤلاء موالينا، فأحسن فيهم، فقال: (ألا ترضون أن يحكم فيهم
رجل منكم؟) قالوا: بلي. قال: (فذاك إلى سعد بن معاذ). قالوا: قد
رضينا.
فأرسل إلى سعد بن معاذ، وكان في المدينة لم يخرج معهم للجرح الذي
كان قد أصاب أكْحُلَه في معركة الأحزاب. فأُركب حماراً، وجاء إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فجعلوا يقولون، وهم كَنَفَيْهِ: يا سعد، أجمل في
مواليك، فأحسن فيهم، فإن رسول الله قد حكمك لتحسن فيهم، وهو ساكت لا
يرجع إليهم شيئاً، فلما أكثروا عليه قال: لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله
لومة لائم، فلما سمعوا ذلك منه رجع بعضهم إلى المدينة فنعي إليهم
القوم.
ولما انتهى سعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال للصحابة: (قوموا إلى
سيدكم)، فلما أنزلوه قالوا: يا سعد، إن هؤلاء قد نزلوا على حكمك.
قال: وحكمي نافذ عليهم؟ قالوا: نعم. قال: وعلى المسلمين؟ قالوا:
نعم، قال: وعلى من هاهنا؟ وأعرض بوجهه وأشار إلى ناحية رسول الله صلى
الله عليه وسلم إجلالاً له وتعظيمًا. قال: (نعم، وعلي). قال: فإني أحكم
فيهم أن يقتل الرجال، وتسبي الذرية، وتقسم الأموال، فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات).
وكان حكم سعد في غاية العدل والإنصاف، فإن بني قريظة، بالإضافة إلى
ما ارتكبوا من الغدر الشنيع، كانوا قد جمعوا لإبادة المسلمين ألفاً
وخمسمائة سيف، وألفين من الرماح، وثلاثمائة درع، وخمسمائة ترس،
وحَجَفَة ، حصل عليها المسلمون بعد فتح ديارهم.
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحبست بنو قريظة في دار بنت الحارث
امرأة من بني النجار، وحفرت لهم خنادق في سوق المدينة، ثم أمر بهم،
فجعل يذهب بهم إلى الخنادق أرسالاً أرسالاً، وتضرب في تلك الخنادق
أعناقهم. فقال من كان بعد في الحبس لرئيسهم كعب بن أسد: ما تراه
يصنع بنا؟ فقال: أفي كل موطن لا تعقلون؟ أما ترون الداعي لا ينزع؟
والذاهب منكم لا يرجع؟ هو والله القتل ـ وكانوا ما بين الستمائة إلى
السبعمائة، فضربت أعناقهم.
وهكذا تم استئصال أفاعي الغدر والخيانة، الذين كانوا قد نقضوا
الميثاق المؤكد، وعاونوا الأحزاب على إبادة المسلمين في أحرج ساعة
كانوا يمرون بها في حياتهم، وكانوا قد صاروا بعملهم هذا من أكابر
مجرمي الحروب الذين يستحقون المحاكمة والإعدام.
وقتل مع هؤلاء شيطان بني النضير، وأحد أكابر مجرمي معركة الأحزاب حيي
بن أخطب والد صفية أم المؤمنين رضي الله عنها كان قد دخل مع بني قريظة
في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان ؛ وفاء لكعب بن أسد بما كان
عاهده عليه حينما جاء يثيره على الغدر والخيانة أيام غزوة الأحزاب،
فلما أتي به ـ وعليه حُلَّة قد شقها من كل ناحية بقدر أنملة لئلا
يُسْلَبَها ـ مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
أما والله ما لمت نفسي في معاداتك، ولكن من يُغالب الله يُغْلَب. ثم قال:
أيها الناس، لا بأس بأمر الله، كتاب وقَدَر ومَلْحَمَة كتبها الله على بني
إسرائيل، ثم جلس، فضربت عنقه.
وقتل من نسائهم امرأة واحدة كانت قد طرحت الرحى على خَلاَّد بن سُوَيْد
فقتلته، فقتلت لأجل ذلك.
وكان قد أمر رسول الله بقتل من أنْبَتَ، وترك من لم ينبت، فكان ممن لم
ينبت عطية القُرَظِي، فترك حياً فأسلم، وله صحبة.
واستوهب ثابت بن قيس، الزبير بن باطا وأهله وماله ـ وكانت للزبير
يد عند ثابت ـ فوهبهم له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له ثابت بن
قيس: قد وهبك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ، ووهب لي مالك وأهلك فهم
لك. فقال الزبير بعد أن علم بمقتل قومه: سألتك بيدي عندك يا ثابت
إلا ألحقتني بالأحبة، فضرب عنقه، وألحقه بالأحبة من اليهود، واستحيا
ثابت من ولد الزبير بن باطا عبد الرحمن بن الزبير، فأسلم وله صحبة.
واستوهبت أم المنذر سلمي بنت قيس النجارية رفاعة بن سموأل القرظي،
فوهبه لها فاستحيته، فأسلم وله صحبة.
وأسلم منهم تلك الليلة نفر قبل النزول، فحقنوا دماءهم وأموالهم
وذراريهم.
وخرج تلك الليلة عمرو بن سعدي ـ وكان رجلاً لم يدخل مع بني قريظة في
غدرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ـ فرآه محمد بن مسلمة قائد الحرس
النبوي، فخلي سبيله حين عرفه، فلم يعلم أين ذهب.
وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أموال بني قريظة بعد أن أخرج منها
الخمس، فأسهم للفارس ثلاثة أسهم؛ سهمان للفرس وسهم للفارس، وأسهم
للراجل سهماً واحداً، وبعث من السبايا إلى نجد تحت إشراف سعد بن زيد
الأنصاري فابتاع بها خيلاً وسلاحاً.
واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه من نسائهم رَيْحَانة بنت عمرو بن
خُنَافة، فكانت عنده حتى توفي عنها وهي في ملكه، هذا ما قاله ابن
إسحاق.وقــال الكلبي: إنه صلى الله عليه وسلم أعتقها، وتزوجها سنة 6
هـ، وماتت مرجعـه مـن حجة الـوداع، فدفنها بالبقيـع.
ولما تم أمر قريظة أجيبت دعوة العبد الصالح سعد بن معاذ رضي الله عنه
ـ التي قدمنا ذكرها في غزوة الأحزاب ـ وكان النبي صلى الله عليه وسلم
قد ضرب له خيمة في المسجد ليعوده من قريب، فلما تم أمر قريظة
انتقضت جراحته. قالت عائشة: فانفجرت من لَبَّتِهِ فلم يَرُعْهُمْ ـ وفي
المسجد خيمة من بني غفار ـ إلا والدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل
الخيمة، ما هذا الذي يأتينا من قبلكم، فإذا سعد يغذو جرحه دماً،
فمات منها.
وفي الصحيحين عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اهتز عرش
الرحمن لموت سعد بن معاذ). وصحح الترمذي من حديث أنس قال: لما حملت
جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون: ما أخف جنازته، فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (إن الملائكة كانت تحمله).
قتل في حصار بني قريظة رجل واحد من المسلمين، وهو خلاد بن سُوَيْد الذي
طرحت عليه الرحى امرأة من قريظة. ومات في الحصار أبو سِنان بن مِحْصَن
أخو عُكَّاشَة.
وأما أبو لُبابة، فأقام مرتبطاً بالجذع ست ليال، تأتيه امرأته في وقت
كل صلاة فتحله للصلاة، ثم يعود فيرتبط بالجذع، ثم نزلت توبته على
رسول الله صلى الله عليه وسلم سَحَرًا وهو في بيت أم سلمة، فقامت على باب
حجرتها، وقالت: يا أبا لبابة، أبشر فقد تاب الله عليك، فثار الناس
ليطلقوه، فأبي أن يطلقه أحد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما مر
النبي صلى الله عليه وسلم خارجاً إلى صلاة الصبح أطلقه.
وقعت هــذه الغــزوة فـي ذي القعدة سنـة 5 هـ، ودام الحصار خمساً
وعشريـن ليلة.
( الرحيق المختوم ) .
أميره في مملكتي الصغيره
08-30-2009, 02:01 PM
ثم نقض العهد بنُو النضير، قال البخارى: وكان ذَلِكَ بعد بدرٍ بستَّةِ
أشهر، قاله عروة: وسببُ ذلكَ أنه صلى الله عليه وسلم خرج إليهم في نَفَرٍ
من أَصْحَابه، وكلَّمهم أن يُعينُوهُ في دِية الكِلاَبِيَيْنِ اللَّذَيْنِ قتلَهُمَا عمرُو
بنُ أُميَّة الضَّمْرِى، فقالوا: نفعلُ يا أبا القاسم، اجلِس ههنا حتى نَقْضِىَ
حاجَتك، وخلا بعضُهم ببعض، وسوَّلَ لهُم الشيطانُ الشقاء الذي كُتِبَ عليهم،
فتآمروا بقتله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: أيُّكُم يأخذ هذه الرَّحا
ويصعَدُ، فيُلقيها على رأسه يَشْدَخُه بها ؟ فقال أشقاهم عمرو بْنُ جِحَاشٍ:
أنا. فقال لهم سلامُ بْنُ مِشْكم: لا تفعلوا ؛ فواللهِ ليُخَبَّرَنَّ بما هممتُم به،
وإنه لنقضُ العهدِ الذي بيننا وبينَه، وجاء الوحىُ على الفور إليه من
ربه تبارك وتعالى بما همُّوا به، فنهض مسرعاً، وتوجَّه إلى المدينة،
ولَحِقَهُ أصحاُبه، فقالُوا: نهضْتَ ولم نَشْعُرْ بِكَ، فأخبرهم بما همَّتْ يهود به،
وبعث إليهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أن اخرجُوا مِن المدِينةِ، ولا
تساكِنُونى بها، وقد أجَّلتُكم عشراً، فمن وجدتُ بعد ذلك بها، ضَرَبْتُ عُنُقَهُ،
فأقاموا أياماً يتجهَّزُونَ، وأرسل إليهم المنافِقُ عبدُ الله بن أُبَىّ: أن لا
تَخْرُجُوا مِنْ دياركم، فإن معىَ ألفين يدخلُونَ معكم حِصنكم، فيموتون
دُونكم، وتنصُرُكم قُريظةُ وحلفاؤكم مِن غَطَفَان، وطَمِعَ رئيسُهم حُيَىّ بنُ أخطَب
فيما قال له، وبعثَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنَّا لا نَخْرُجُ مِن
دِيَارِنَا، فاصْنَعْ ما بَدَا لك، فكبَّر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابُه،
ونهضُوا إليه، وعلىُّ بنُ أبى طالب يحمِل اللِّواء، فلما انتهى إليهم،
قامُوا على حُصونهم يرمُون بالنَّبل والحِجارة، واعتزلتهم قُريظة، وخانهم
ابنُ أُبىٍّ وحُلفاؤُهم مِن غَطَفَان، ولهذا شبَّه سبحانه وتعالى قِصتهم، وجعل
مثلَهم {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إذْ قَالَ للإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إنَّى بَرِىءٌ
مِّنكَ} [الحشر: 16]، فإن سورة الحشر هي سورة بنى النضير، وفيها مبدأ
قِصتهم ونِهَايتها، فحاصرَهُم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وقطَعَ نخلهم،
وحرَّق، فأرسلوا إليه: نحن نخرج عن المدينة، فأَنزلَهم على أن يخرجوا
عنها بنفوسِهم وذراريهم، وأن لهم ما حَمَلَتِ الإبلُ إلا السلاَح، وقبض النبىُّ
صلى الله عليه وسلم الأموالَ والحَلْقَةَ، وهى السلاح، وكانتْ بنو النضير
خالِصةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم لِنوائبه ومصالحِ المُسلمين، ولم
يُخمِّسها لأن الله أفاءها عليه، ولم يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهَا بِخَيْلٍ وَلا رِكَابٍ.
وخَمَّسَ قُرَيْظَةَ.
قال مالك: خمَّس رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قُريظة، ولم يُخَمِّسْ بنى النضير،
لأن المسلمين لم يُوجِفُوا بخيلهم ولا رِكابهم على بنى النَّضِير، كما
أوجفوا على قُريظة وأجلاهم إلى خيبر، وفيهم حُيىَ بنُ أَخْطَب كبيرُهم، وقبضَ
السِّلاح، واستولى على أرضهم وديارِهم وأموالهِم، فوجد من السِّلاح خمسينَ
دِرعاً، وخمسينَ بَيْضةً، وثلاثَمِائةٍ وأربعين سيفاً، وقالَ: (هؤلاء في قَوْمِهِمْ
بِمَنْزِلَةِ بنى المُغِيرَةِ في قُرَيْشٍ) وكانت قصتُهم في ربيع الأول سنة أربعٍ مِن
الهجرة.
فصل
وأما قُريظة، فكانت أشدَّ اليهودِ عداوةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم،
وأغلظَهم كُفراً، ولذلك جرى عليهم ما لم يجرِ على إخوانهم.
وكان سببُ غزوهم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة الخندق
والقوم معه صُلْحٌ، جاء حُـيَىّ بن أخطَب إلى بنى قُريظة في ديارهم، فقال:
قد جئتُكم بعزِّ الدَّهر، جئتكم بقُريش على سادتها، وغَطَفَان على قادتها،
وأنتم أهلُ الشَّوْكَة والسلاح، فهلمَّ حتى نناجِزَ محمداً ونفرُغ منه، فقالَ لهُ
رئيسُهم: بل جئتنى والله بذُلِّ الدهر، جئتنى بسحاب قد أراق ماءه، فهو
يرعُدُ ويبرُق، فلم يزل حُـيَىّ يُخادعه ويَعِده ويُمنيه حتى أجابه بشرط أن
يدخل معه في حِصنه، يُصيبه ما أصابهم، ففعل، ونقضُوا عهدَ رسول الله صلى الله
عليه وسلم، وأظهروا سبَّه، فبلغ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم الخبرُ، فأرسلَ
يستعلِمُ الأمرَ، فوجدهم قد نقضُوا العهد، فكبَّر وقال: (أبْشِرُوا يا مَعْشرَ
المسلمين).
فلما انصَرَفَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، لم يكن إلا أن وضع
سِلاحه، فجاءه جبريلُ، فقال: أوضعتَ السِّلاح؟ والله إن الملائكةَ لم تضعْ
أسلحَتِها، فانهض بمن معكَ إلى بنى قُريظة، فإنى سائرٌ أمامك أُزلزل بهم
حصونَهم، وأقذِف في قلوبهم الرُّعبَ، فسار جبريلُ في موكبه من الملائكة،
ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم على أثره في موكبه مِن المهاجرِين والأنصار ،
وقال لأصحابه يومئذ: (لا يُصَلَّيَنَّ أَحَدُكُم العَصْرَ إِلا في بنى قُرَيْظَةَ)،
فبادروا إلى امتثال أمرِه، ونهضُوا مِن فورهم، فأدركتهم العصرُ في
الطريق، فقال بعضُهم: لا نُصليها إلا في بنى قُريظة كما أمرنا، فصلَّوها
بعد عشاء الآخرة، وقال بعضُهم: لم يُرِدْ منَّا ذلك، وإنما أراد سُرعة
الخروج، فَصَلَّوْهَا في الطريق، فلم يُعنِّفْ واحدة من الطائفتين.
واختلف الفقهاء أَيُّهمَا كان أصوَب ؟ فقالت طائفةٌ: الذين أخَّروها هم
المُصيبُون، ولو كُنَّا معهم، لأخَّرناها كما أخَّرُوها، ولما صلَّيْنَاها إلا في
بنى قُريظة امتثالاً لأمره، وتركاً للتأويل المخالف للظاهر.
وقالت طائفة أخرى: بل الذين صَلَّوْها في الطريق في وقتها حازوا قَصَبَ
السَّبْقِ، وكانوا أسعدَ بالفضيلتين، فإنهم بادروا إلى امتثال أمره في
الخروج، وبادرُوا إلى مرضاته في الصلاة في وقتها، ثم بادرُوا إلى
اللِّحاق بالقوم، فحازوا فضيلةَ الجهاد، وفضيلةَ الصلاة في وقتها،
وفهِمُوا ما يُراد منهم، وكانوا أفقهَ من الآخرين، ولا سيما تلك الصلاةَ،
فإنها كانت صلاة العصر، وهى الصلاةُ الوسطى بنصِ رسول الله صلى الله عليه
وسلم الصحيح الصريح الذي لا مدفعَ له ولا مطعن فيه، ومجىء السُّـنَّة
بالمحافظة عليها، والمبادرة إليها، والتبكير بها، وأن مَن فاتته،
فقد وُتِرَ أهله وماله، أو قد حَبِطَ عملُه، فالذى جاء فيها أمرٌ لم يجىء
مثلُه في غيرها، وأما المؤخِّرون لها، فغايتهم أنهم معذورون، بـل
مأجورون أجراً واحداً لتمسُّكِهم بظاهر النص، وقصدهم امتِثَال الأمر، وأما
أن يكونوا هم المصيبين في نفس الأمر، ومَن بادر إلى الصلاة وإلى
الجهاد مخطئاً، فحاشا وكلا، والَّذِينَ صلَّوْا في الطريق، جمعوا بين الأدلة،
وحصَّلُوا الفضيلتين، فلهم أجران، والآخرون مأجورون أيضاً رضى الله عنهم.
( زاد المعاد ) .
***
غزوة حمراء الأسد
وبات الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يفكر في الموقف، فقد كان يخاف أن
المشركين إن فكروا في أنهم لم يستفيدوا شيئاً من النصر والغلبة التي
كسبوها في ساحة القتال، فلا بد من أن يندموا على ذلك، ويرجعوا من
الطريق لغزو المدينة مرة ثانية، فصمم على أن يقوم بعملية مطاردة
الجيش المكي.
قال أهل المغازي ما حاصله: إن النبي صلى الله عليه وسلم نادي في
الناس، وندبهم إلى المسير إلى لقاء العدو ـ وذلك صباح الغد من
معركة أحد، أي يوم الأحد الثامن من شهر شوال سنة 3 هـ ـ وقال: (لا
يخرج معنا إلا من شهد القتال)، فقال له عبد الله بن أبي: أركب معك؟
قال: (لا)، واستجاب له المسلمون على ما بهم من الجرح الشديد، والخوف
المزيد، وقالوا: سمعاً وطاعة. واستأذنه جابر بن عبد الله، وقال: يا
رسول الله، إني أحب ألا تشهد مشهداً إلا كنت معك، وإنما خلفني أبي على
بناته فائذن لي أسير معك، فأذن له.
وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه حتى بلغوا حمراء الأسد،
على بعد ثمانية أميال من المدينة، فعسكروا هناك.
وهناك أقبل مَعْبَد بن أبي معبد الخزاعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فأسلم ـ ويقال: بل كان على شركه، ولكنه كان ناصحاً لرسول الله صلى الله
عليه وسلم لما كان بين خزاعة وبني هاشم من الحلف ـ فقال: يا محمد،
أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك، ولوددنا أن الله عافاك.
فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلحق أبا سفيان فَيُخَذِّلَه.
ولم يكن ما خافه رسول الله صلى الله عليه وسلم من تفكير المشركين في
العودة إلى المدينة إلا حقاً، فإنهم لما نزلوا بالروحاء على بعد ستة
وثلاثين ميلاً من المدينة تلاوموا فيما بينهم، قال بعضهم لبعض:لم
تصنعوا شيئاً، أصبتم شوكتهم وحدهم، ثم تركتموهم، وقد بقي منهم رءوس
يجمعون لكم، فارجعوا حتى نستأصل شأفتهم.
ويبدو أن هذا الرأي جاء سطحياً ممن لم يكن يقدر قوة الفريقين
ومعنوياتهم تقديراً صحيحاً ؛ ولذلك خالفهم زعيم مسئول [صفوان بن
أمية] قائلاً: يا قوم، لاتفعلوا فإني أخاف أن يجمع عليكم من تخلف من
الخروج ـ أي من المسلمين في غزوة أحد ـ فارجعوا والدولة لكم، فإني
لا آمن إن رجعتم أن تكون الدولة عليكم. إلا أن هذا الرأي رفض أمام
رأي الأغلبية الساحقة، وأجمع جيش مكة على المسير نحو المدينة. ولكن
قبل أن يتحرك أبو سفيان بجيشه من مقره لحقه معبد بن أبي معبد
الخزاعي ولم يكن يعرف أبو سفيان بإسلامه، فقال: ما وراءك يا معبد؟
فقال معبد ـ وقد شن عليه حرب أعصاب دعائية عنيفة: محمد قد خرج في
أصحابه، يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقاً، قد
اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على ما ضيعوا، فيهم من
الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط.
قال أبو سفيان: ويحك، ما تقول؟
قال: والله ما أري أن ترتحل حتى تري نواصي الخيل ـ أو ـ حتى يطلع أول
الجيش من وراء هذه الأكمة.
فقال أبو سفيان: والله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم.
قال: فلا تفعل، فإني ناصح.
وحينئذ انهارت عزائم الجيش المكي وأخذه الفزع والرعب، فلم ير
العافية إلا في مواصلة الانسحاب والرجوع إلى مكة، بيد أن أبا سفيان
قام بحرب أعصاب دعائية ضد الجيش الإسلامي، لعله ينجح في كف هذا الجيش
عن مواصلة المطاردة، وطبعاً فهو ينجح في تجنب لقائه. فقد مر به ركب
من عبد القيس يريد المدينة، فقال: هل أنتم مبلغون عني محمداً رسالة،
وأوقر لكم راحلتكم هذه زبيبًا بعكاظ إذا أتيتم إلى مكة؟
قالوا: نعم.
قال: فأبلغوا محمداً أنا قد أجمعنا الكرة ؛ لنستأصله ونستأصل
أصحابه.
فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهم بحمراء الأسد،
فأخبرهم بالذي قال له أبو سفيان، وقالوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ
فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ} ـ أي زاد المسلمين قولهم ذلك ـ {إِيمَاناً وَقَالُواْ
حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ
وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ}[آل عمران: 173، 174].
أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد ـ بعد مقدمه يوم الأحد ـ
الإثنين والثلاثاء والأربعاء ـ 9، 10، 11 شوال سنة 3 هـ ـ ثم رجع إلى
المدينة، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الرجوع إلى المدينة أبا
عَزَّة الجمحي ـ وهو الذي كان قد منّ عليه من أساري بدر ؛ لفقره وكثرة
بناته، على ألا يظاهر عليه أحداً، ولكنه نكث وغدر فحرض الناس بشعره
على النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، كما أسلفنا، وخرج لمقاتلتهم
في أحد ـ فلما أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا محمد، أقلني،
وامنن على، ودعني لبناتي، وأعطيك عهداً ألا أعود لمثل ما فعلت، فقال
صلى الله عليه وسلم: (لا تمسح عارضيك بمكة بعدها وتقول: خدعت محمداً
مرتين، لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)، ثم أمر الزبير أو عاصم بن
ثابت فضرب عنقه.
( الرحيق المختوم ) .
***
قال ابن اسحاق : فاقام رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ، وعدوهم
محاصروهم ، ولم يكن بينهم قتال ، الا ان فوارس من قريش ، منهم عمرو
بن عبد ود بن ابي قيس ، اخو بني عامر بن لؤي .
قال ابن هشام : ويقال عمرو بن عبد بن ابي قيس -
قال ابن اسحاق : وعكرمة بن ابي جهل ، وهبيرة بن ابي وهب المخزوميان
، وضرار بن الخطاب الشاعر ابن مرداس ، اخو بني محارب بن فهر ،
تلبسوا للقتال ، ثم خرجوا على خيلهم ، حتى مروا بمنازل بني كنانة ،
فقالوا : تهيئوا يا بني كنانة للحرب ، فستعلمون من الفرسان اليوم .
ثم اقبلوا تُعْنِق بهم خيلهم ، حتى وقفوا على الخندق ، فلما راوه
قالوا : والله ان هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها .
سلمان يشير بحفر الخندق
قال ابن هشام : يقال : ان سلمان الفارسي اشار به على رسول الله صلى الله
عليه وسلم .
وحدثني بعض اهل العلم : ان المهاجرين يوم الخندق قالوا : سلمان منا
؛ وقالت الانصار : سلمان منا ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سلمان
منا اهل البيت .
علي يقتل عمرو بن عبد ود
قال ابن اسحاق : ثم تيمموا مكانا ضيقا من الخندق ، فضربوا خيلهم
فاقتحمت منه ، فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع ، وخرج علي بن
ابي طالب عليه السلام في نفر معه من المسلمين ، حتى اخذوا عليهم
الثغرة التي اقحموا منها خيلهم ، واقبلت الفرسان تُعْنِق نحوهم ، وكان
عمرو بن عبد ود قد قاتل يوم بدر حتى اثبتته الجراحة ، فلم يشهد يوم
احد ؛ فلما كان يوم الخندق خرج مُعْلِما ليرى مكانه . فلما وقف هو
وخيله ، قال : من يبارز ؟ فبرز له علي بن ابي طالب ، فقال له : يا
عمرو ، انك قد كنت عاهدت الله الا يدعوك رجل من قريش الى احدى خَلَّتين الا
اخذتها منه ، قال له : اجل ؛ قال له علي : فاني ادعوك الى الله والى
رسوله ، والى الاسلام ؛ قال : لا حاجة لي بذلك ؛ قال : فاني ادعوك الى
النـزال ؛ فقال له : لم يابن اخي ؟ فوالله ما احب ان اقتلك ، قال له
علي : لكني والله احب ان اقتلك ؛ فحمى عمرو عند ذلك ، فاقتحم عن فرسه
، فعقره ، وضرب وجهه ، ثم اقبل على علي ، فتنازلا وتجاولا ، فقتله
علي رضي الله عنه . وخرجت خيلهم منهزمة ، حتى اقتحمت من الخندق هاربة .
( السيره النبويه ) .
***
غزوة دُوَمة الجندل
عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر، وقد ساد المنطقة الأمن والسلام،
واطمأنت دولته، فتفرغ للتوجه إلى أقصي حدود العرب حتى تصير السيطرة
للمسلمين على الموقف، ويعترف بذلك الموالون والمعادون.
مكث بعد بدر الصغري في المدينة ستة أشهر، ثم جاءت إليه الأخبار بأن
القبائل حول دومة الجندل ـ قريباً من الشام ـ تقطع الطريق هناك،
وتنهب ما يمر بها وأنها قد حشدت جمعاً كبيرا تريد أن تهاجم المدينة،
فاستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة سِبَاع ابن عُرْفُطَة
الغفاري، وخرج في ألف من المسلمين لخمس ليال بقين من ربيع الأول سنة
5هـ، وأخذ رجلاً من بني عُذْرَة دليلاً للطريق يقال له: مذكور.
خرج يسير الليل ويكمن النهار حتى يفاجئ أعداءهم وهم غارون، فلما
دنا منهم إذا هم مغربون، فهجم على ما شيتهم ورعائهم، فأصاب من
أصاب، وهرب من هرب.
وأما أهل دومة الجندل ففروا في كل وجه، فلما نزل المسلمون بساحتهم
لم يجدوا أحداً، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم أياماً، وبث السرايا
وفرق الجيوش، فلم يصب منهم أحداً، ثم رجع إلى المدينة، ووادع في تلك
الغزوة عيينة بن حصن. ودُومة بالضم: موضع معروف بمشارف الشام بينها
وبين دمشق خمس ليال، وبُعْدُها من المدينة خمس عشرة ليلة.
بهذه الإجراءات السريعة الحاسمة، وبهذه الخطط الحكيمة الحازمة نجح
النبي صلى الله عليه وسلم في بسط الأمن، وتنفيذ السلام في المنطقة،
والسيطرة على الموقف، وتحويل مجري الأيام لصالح المسلمين، وتخفيف
المتاعب الداخلية والخارجية التي كانت قد توالت عليهم وأحاطت بهم
من كل جانب، فقد سكت المنافقون واستكانوا، وتم إجلاء قبيلة من
اليهود، وبقيت الأخري تظاهر بإيفاء حق الجوار، وبإيفاء العهود
والمواثيق، واستكانت البدو والأعراب، وحادت قريش عن مهاجمة
المسلمين، ووجد المسلمون فرصة لنشر الإسلام وتبليغ رسالات رب
العالمين.
( الرحيق المختوم ) .
***
فتح مكه ..
قدمنا في وقعة الحديبية أن بنداً من بنود هذه المعاهدة يفيد أن من
أحب أن يدخل في عقد محمد صلى الله عليه وسلم وعهده دخل فيه، ومن أحب
أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، وأن القبيلة التي تنضم إلى أي
الفريقين تعتبر جزءاً من ذلك الفريق، فأي عدوان تتعرض له أي من تلك
القبائل يعتبر عدواناً على ذلك الفريق.
وحسب هذا البند دخلت خُزَاعَة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخلت
بنو بكر في عهد قريش، وصارت كل من القبيلتين في أمن من الأخري، وقد
كانت بين القبيلتين عداوة وتوترات في الجاهلية، فلما جاء الإسلام،
ووقعت هذه الهدنة، وأمن كل فريق من الآخر ـ اغتنمها بنو بكر،
وأرادوا أن يصيبوا من خزاعة الثأر القديم، فخرج نَوْفَل بن معاوية
الدِّيلي في جماعة من بني بكر في شهر شعبان سنة 8 هـ، فأغاروا على
خزاعة ليلاً، وهم على ماء يقال له: [الوَتِير] فأصابوا منهم رجالاً،
وتناوشوا واقتتلوا، وأعانت قريش بني بكر بالسلاح، وقاتل معهم رجال
من قريش مستغلين ظلمة الليل، حتى حازوا خزاعة إلى الحرم، فلما
انتهوا إليه قالت بنو بكر: يا نوفل، إنا قد دخلنا الحرم، إلهك
إلهك، فقال كلمة عظيمة: لا إله اليوم يا بني بكر، أصيبوا ثأركم.
فلعمري إنكم لتَسرِقُون في الحرم، أفلا تصيبون ثأركم فيه؟
ولما دخلت خزاعة مكة لجأوا إلى دار بُدَيْل بن وَرْقَاء الخزاعي، وإلى
دار مولي لهم يقال له: رافع.
وأسرع عمرو بن سالم الخزاعي، فخرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه
وسلم المدينة، فوقف عليه، وهو جالس في المسجد بين ظهراني الناس
فقال:
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نصرت يا عمرو بن سالم)، ثم عرضت له
سحابة من السماء، فقال: (إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب).
ثم خرج بُدَيْل بن وَرْقَاء الخزاعي في نفر من خُزَاعَة، حتى قدموا على رسول
الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فأخبروه بمن أصيب منهم، وبمظاهرة قريش
بني بكر عليهم، ثم رجعوا إلى مكة.
ولعشر خلون من شهر رمضان المبارك 8 هـ، غادر رسول الله صلى الله عليه
وسلم المدينة متجهاً إلى مكــة، في عشرة ألاف من الصحابة رضي الله عنهم،
واستخـلف على المدينة أبا رُهْم الغفاري.
ولما كان بالجُحْفَة ـ أو فوق ذلك ـ لقيه عمه العباس بن عبد المطلب،
وكان قد خرج بأهله وعياله مسلماً مهاجراً، ثم لما كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم بالأبواء لقيه ابن عمه أبو سفيان ابن الحارث وابن عمته
عبد الله بن أبي أمية، فأعرض عنهما، لما كان يلقاه منهما من شدة الأذي
والهجو، فقالت له أم سلمة: لا يكن ابن عمك وابن عمتك أشقي الناس بك.
وقال على لأبي سفيان بن الحارث: ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل
وجهه، فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف: {قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا
وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ} [يوسف:91]، فإنه لا يرضي أن يكون أحد أحسن منه
قولاً. ففعل ذلك أبو سفيان، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: {قَالَ لاَ
تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف:92]،
فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال: (أنتَ طَرَّدْتَنِي كل مُطَرَّد؟).
وواصل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيره وهو صائم، والناس صيام، حتى بلغ
الكُدَيْد ـ وهو ماء بين عُسْفَان وقُدَيْد ـ فأفطر، وأفطر الناس معه. ثم
واصل سيره حتى نزل بمر الظهران ـ وادي فاطمة ـ نزله عشاء، فأمر
الجيش، فأوقدوا النيران، فأوقدت عشرة آلاف نار، وجعل رسول الله صلى الله
عليه وسلم على الحرس عمر بن الخطاب رضي الله عنه
وركب العباس ـ بعد نزول المسلمين بمر الظهران ـ بغلة رسول الله صلى الله
عليه وسلم البيضاء، وخرج يلتمس، لعله يجد بعض الحَطَّابة أو أحداً يخبر
قريشاً ليخرجوا يستأمنون رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يدخلها.
وكان الله قد عمي الأخبار عن قريش، فهم على وَجَلٍ وترقب، وكان أبو سفيان
يخرج يتجسس الأخبار، فكان قد خرج هو وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء
يتجسسون الأخبار.
قال العباس: والله إني لأسير عليها ـ أي على بغلة رسول الله صلى الله عليه
وسلم ـ إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء، وهما يتراجعان، وأبو
سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيراناً قط ولا عسكراً. قال: يقول بديل:
هذه والله خزاعة، حَمَشَتْها الحرب، فيقول أبو سفيان: خزاعة أقل وأذل من
أن تكون هذه نيرانها وعسكرها.
قال العباس: فعرفت صوته، فقلت: أبا حَنْظَلَة؟ فعرف صوتي، فقال: أبا
الفضل؟ قلت: نعم. قال: مالك؟ فداك أبي وأمي. قلت: هذا رسول الله صلى الله
عليه وسلم في الناس، واصباح قريش والله.
قال: فما الحيلة فداك أبي وأمي؟، قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك،
فاركب في عجز هذه البغلة، حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم
فأستأمنه لك، فركب خلفي، ورجع صاحباه.
قال: فجئت به، فكلما مررت به على نار من نيران المسلمين، قالوا: من
هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عليها قالوا: عم
رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته. حتى مررت بنار عمر بن الخطاب
فقال: من هذا؟ وقام إلى، فلما رأي أبا سفيان على عجز الدابة قال:
أبو سفيان، عدو الله؟ الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج
يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وركضتُ البغلة فسبقت، فاقتحمت عن
البغلة، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل عليه عمر، فقال:
يا رسول الله، هذا أبو سفيان فدعني أضرب عنقه، قال: قلت: يا رسول الله،
إني قد أجرته، ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه،
فقلت: والله لا يناجيه الليلة أحد دوني، فلما أكثر عمر في شأنه قلت:
مهلاً يا عمر، فوالله لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت مثل هذا،
قال: مهلاً يا عباس، فوالله لإسلامك كان أحب إلى من إسلام الخطاب، لو أسلم،
وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم من إسلام الخطاب.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا
أصبحت فأتني به)، فذهبت، فلما أصبحت غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فلما رآه قال: (ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أن لا
إله إلا الله؟) قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك؟ لقد ظننت
أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغني عني شيئاً بعد.
قال: (ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟)، قال:
بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك: أما هذه فإن في النفس حتى
الآن منها شيء. فقال له العباس: ويحك أسلم، واشهد أن لا إله إلا الله،
وأن محمداً رسول الله، قبل أن تضرب عنقك، فأسلم وشهد شهادة الحق.
قال العباس: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئاً.
قال: (نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو
آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن)
وفي هذا الصباح ـ صباح يوم الثلاثاء للسابع عشر من شهر رمضان سنة 8
هـ ـ غادر رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران إلى مكة، وأمر العباس
أن يحبس أبا سفيان بمضيق الوادي عند خَطْمِ الجبل، حتى تمر به جنود الله
فيراها، ففعل، فمرت القبائل على راياتها، كلما مرت به قبيلة قال:
يا عباس، من هذه؟ فيقول ـ مثلا ـ سليم، فيقول: مإلى ولِسُلَيْم؟ ثم تمر
به القبيلة فيقول: يا عباس، من هؤلاء؟ فيقول: مُزَيْنَة، فيقول: ما لي
ولمزينة؟ حتى نفذت القبائل، ما تمر به قبيلة إلا سأل العباس عنها،
فإذا أخبره قال: مالي ولبني فلان؟ حتى مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم
في كتيبته الخضراء، فيها المهاجرون والأنصار، لا يري منهم إلا الحَدَق
من الحديد، قال: سبحان الله! يا عباس، من هؤلاء؟ قال: هذا رسول الله صلى الله
عليه وسلم في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قِبَلٌ ولا طاقة.
ثم قال: والله يا أبا الفضل، لقد أصبح مُلْكُ ابن أخيك اليوم عظيماً. قال
العباس: يا أبا سفيان، إنها النبوة، قال: فنعم إذن.
وكانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة، فلما مر بأبي سفيان قال له:
اليوم يوم الملحمة، اليوم تُسْتَحَلُّ الحُرْمَة، اليـوم أذل الله قـريشاً. فلما
حـاذي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان قال: يا رسول الله، ألم تسمع
ما قال سعد؟ قال: (وما قال؟) فقال: قال كذا وكذا. فقال عثمان وعبد
الرحمن بن عوف: يا رسول الله، ما نأمن أن يكون له في قريش صولة، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بل اليوم يوم تُعَظَّم فيه الكعبة، اليوم يوم
أعز الله فيه قريشاً) ثم أرسل إلى سعد فنزع منه اللواء، ودفعه إلى ابنه
قيس، ورأي أن اللواء لم يخرج عن سعد. وقيل: بل دفعه إلى الزبير.
نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمهاجرون والأنصار بين يديه وخلفه
وحوله، حتى دخل المسجد، فأقبل إلى الحجر الأسود، فاستلمه، ثم طاف
بالبيت، وفي يده قوس، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما، فجعل يطعنها
بالقوس، ويقول: {جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}[
الإسراء:81]، {قُلْ جَاء الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} [سبأ:49]
والأصنام تتساقط على وجوهها.
وكان طوافه على راحلته، ولم يكن محرماً يومئذ، فاقتصر على الطواف،
فلما أكمله دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، فأمر بها
ففتحت فدخلها، فرأي فيها الصور، ورأي فيها صورة إبراهيم، وإسماعيل
ـ عليهما السلام ـ يستقسمان بالأزلام، فقال: (قاتلهم الله، والله ما استقسما
بها قط). ورأي في الكعبة حمامة من عيدان، فكسرها بيده، وأمر بالصور
فمحيت.
( الرحيق المختوم ) .
***
غـزوة حنين
إن فتح مكة جاء عقب ضربة خاطفة شَدَهَ لها العرب، وبوغتت القبائل
المجاورة بالأمر الواقع، الذي لم يكن يمكن لها أن تدفعه، ولذلك لم
تمتنع عن الاستسلام إلا بعض القبائل الشرسة القوية المتغطرسة، وفي
مقدمتها بطون هوازن وثقيف، واجتمعت إليها نَصْرٌ وجُشَمٌ وسعد بن بكر
وناس من بني هلال ـ وكلها من قيس عَيْلان ـ رأت هذه البطون من نفسها
عزا وأنَفَةً أن تقابل هذا الانتصار بالخضوع، فاجتمعت إلى مالك ابن عوف
النَّصْري، وقررت المسير إلى حـرب المسلمين.
جاءت إلى مالك عيون كان قد بعثهم للاستكشاف عن المسلمين، جاءت هذه
العيون وقد تفرقت أوصالهم، قال: ويلكم، ما شأنكم؟ قالوا: رأينا
رجالاً بيضا على خيل بُلْق، والله ما تماسكنا أن أصابنا ما تري.
ونقلت الأخبار إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بمسير العدو، فبعث أبا
حَدْرَد الأسلمي، وأمره أن يدخل في الناس، فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم،
ثم يأتيه بخبرهم، ففعل وفي يوم السبت ـ السادس من شهر شوال سنة 8
هـ ـ غادر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مكةـ وكان ذلك اليوم التاسع عشر
من يوم دخوله في مكة ـ خرج في اثني عشر ألفاً من المسلمين ؛ عشرة
آلاف ممن كانوا خرجوا معه لفتح مكة، وألفان من أهل مكة. وأكثرهم
حديثو عهد بالإسلام واستعار من صفوان بن أمية مائة درع بأداتها،
واستعمل على مكة عَتَّاب بن أسيد.
ولما كان عشية جاء فارس، فقال: إني طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا
بهوازن على بكرة آبائهم بِظُعُنِهم ونَعَمِهم وشائهم اجتمعوا إلى حنين،
فتبسم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقال: (تلك غنيمة المسلمين غدًا إن
شاء اللّه)، وتطوع للحراسة تلك الليلة أنس بن أبي مَرْثَد الغَنَوي.
وفي طريقهم إلى حنين رأوا سِدْرَة عظيمة خضراء يقال لها: ذات أنْوَاط،
كانت العرب تعلق عليها أسلحتهم، ويذبحون عندها ويعكفون، فقال بعض
أهل الجيش لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم: اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم
ذات أنواط. فقال: (اللّه أكبر، قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم
موسي: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال: إنكم قوم تجهلون، إنها
السَّنَنُ، لتركبن سَنَنَ من كان قبلكم).
انتهي الجيش الإسلامي إلى حنين، الليلة التي بين الثلاثاء والأربعاء
لعشر خلون من شوال، وكان مالك بن عوف قد سبقهم، فأدخل جيشه بالليل
في ذلك الوادي، وفرق كُمَنَاءه في الطرق والمداخل والشعاب والأخباء
والمضايق، وأصدر إليهم أمره بأن يرشقوا المسلمين أول ما طلعوا، ثم
يشدوا شدة رجل واحد.
وبالسَّحَر عبأ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم جيشه، وعقد الألوية والرايات،
وفرقها على الناس، وفي عَمَاية الصبح استقبل المسلمون وادي حنين،
وشرعوا ينحدرون فيه، وهم لا يدرون بوجود كمناء العدو في مضايق هذا
الوادي، فبينا هم ينحطون إذا تمطر عليهم النبال، وإذا كتائب العدو
قد شدت عليهم شدة رجل واحد، فانشمر المسلمون راجعين، لا يلوي أحد
على أحد، وكانت هزيمة منكرة، حتى قال أبو سفيان بن حرب، وهو حديث
عهد بالإسلام: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر ـ الأحمر ـ وصرخ جَبَلَةُ أو
كَلَدَةُ بن الحَنْبَل: ألا بطل السِّحْر اليوم.
وانحاز رسول اللّه صلى الله عليه وسلم جهة اليمين وهو يقول: (هَلُمُّوا إلى
أيها الناس، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد اللّه) ولم يبق معه في موقفه
إلا عدد قليل من المهاجرين والأنصار. تسعة على قول ابن إسحاق، واثنا
عشر على قول النووي، والصحيح ما رواه أحمد والحاكم في المستدرك من
حديث ابن مسعود، قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فولي
عنه الناس وثبت معه ثمانون رجلاًمن المهاجرين والأنصار، فكنا على
أقدامنا ولم نُوَلِّهم الدُّبُر، وروي الترمذي من حديث ابن عمر بإسناد حسن
قال: لقد رأيتنا يوم حنين وإن الناس لمولين، وما مع رسول اللّه صلى الله
عليه وسلممائة رجل.
وحينئذ ظهرت شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم التي لا نظير لها، فقد طفق
يركض بغلته قبل الكفار وهو يقول:
(أنــا النبي لا كَذِبْ ** أنا ابن عبد المطلب)
بيد أن أبا سفيان بن الحارث كان آخذا بلجام بغلته، والعباس بركابه،
يكفانها ألا تسرع، ثم نزل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فاستنصر ربه قائلاً:
(اللّهم أنزل نصرك).
وأمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عمه العباس ـ وكان جَهِيَر الصوت ـ أن
ينادي الصحابة، قال العباس: فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السَّمُرَة؟
قال: فوالله لكأن عَطْفَتَهُم حين سمعوا صوتي عَطْفَة البقر على أولادها،
فقالوا: يا لبيك، يا لبيك. ويذهب الرجل ليثني بعيره فلا يقدر عليه،
فيأخذ درعه، فيقذفها في عنقه، ويأخذ سيفه وترسه، ويقتحم عن بعيره،
ويخلي سبيله، فيؤم الصوت، حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة استقبلوا
الناس واقتتلوا.
وصرفت الدعوة إلى الأنصار: يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار، ثم قصرت
الدعوة في بني الحارث بن الخزرج، وتلاحقت كتائب المسلمين واحدة تلو
الأخري كما كانوا تركوا الموقعة، وتجالد الفريقان مجالدة شديدة،
ونظر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى ساحة القتال، وقد استحر واحتدم،
فقال: (الآن حَمِي الوَطِيسُ). ثم أخذ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قبضة من
تراب الأرض، فرمي بها في وجوه القوم وقال: (شاهت الوجوه)، فما خلق اللّه
إنساناً إلا ملأعينيه تراباً من تلك القبضة، فلم يزل حَدُّهُم كَلِيلاً وأمرهم
مُدْبِرًا.
وما هي إلا ساعات قلائل ـ بعد رمي القبضة ـ حتى انهزم العدو هزيمة
منكرة، وقتل من ثَقِيف وحدهم نحو السبعين، وحاز المسلمون ما كان مع
العدو من مال وسلاح وظُعُن.
وهذا هو التطور الذي أشار إليه سبحانه وتعالى في قوله: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ
إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ
وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ
جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ} [التوبة:25،
26]
( الرحيق المختوم ) .
***
غزوة الطائف
وهذه الغزوة في الحقيقة امتداد لغزوة حنين، وذلك أن معظم فلول
هَوَازن وثَقِيف دخلوا الطائف مع القائد العام ـ مالك بن عوف النَّصْرِي ـ
وتحصنوا بها، فسار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فراغه من حنين
وجمع الغنائم بالجعرانة، في الشهر نفسه ـ شوال سنة 8 هـ.
وقدم خالد بن الوليد على مقدمته طليعة في ألف رجل، ثم سلك رسول
اللهصلى الله عليه وسلم إلى الطائف، فمر في طريقه على نخلة اليمانية،
ثم على قَرْنِ المنازل، ثم على لِيَّةَ، وكان هناك حصن لمالك بن عوف فأمر
بهدمه، ثم واصل سيره حتى انتهي إلى الطائف فنزل قريباً من حصنه،
وعسكر هناك، وفرض الحصار على أهل الحصن.
ودام الحصار مدة غير قليلة، ففي رواية أنس عند مسلم: أن مدة حصارهم
كانت أربعين يوماً، وعند أهل السير خلاف في ذلك، فقيل: عشرين يوماً،
وقيل: بضعة عشر، وقيل: ثمانية عشر، وقيل: خمسة عشر.
ووقعت في هذه المدة مراماة، ومقاذفات، فالمسلمون أول ما فرضوا
الحصار رماهم أهل الحصن رمياً شديداً، كأنه رِجْل جراد، حتى أصيب ناس
من المسلمين بجراحة، وقتل منهم اثنا عشر رجلاً، واضطروا إلى الارتفاع
عن معسكرهم إلى مسجد الطائف اليوم، فعسكروا هناك.
ونصب النبي صلى الله عليه وسلم المنجنيق على أهل الطائف، وقذف به
القذائف، حتى وقعت شدخة في جدار الحصن، فدخل نفر من المسلمين تحت
دبابة.
ودخلوا بها إلى الجدار ليحرقوه، فأرسل عليهم العدو سكك الحديد
محماة بالنار. فخرجوا من تحتها، فرموهم بالنبل وقتلوا منهم رجالاً.
وأمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ـ كجزء من سياسة الحرب لإلجاء العدو
إلى الاستسلام ـ أمر بقطع الأعناب وتحريقها، فقطعها المسلمون قطعاً
ذريعاً، فسألته ثقيف أن يدعها للّه والرحم، فتركها للّه والرحم.
ونادى مناديه صلى الله عليه وسلم: أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا
فهو حر، فخرج إليهم ثلاثة وعشرون رجلاً ، فيهم أبو بكرة ـ تسور حصن
الطائف، وتدلي منه ببكرة مستديرة يستقى عليها، فكناه رسول اللّه صلى الله
عليه وسلم [أبا بكرة] ـ فأعتقهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ودفع كل
رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه، فشق ذلك على أهل الحصن مشقة
شديدة.
ولما طال الحصار واستعصي الحصن، وأصيب المسلمون بما أصيب من رشق
النبال وبسكك الحديد المحماة ـ وكان أهل الحصن قد أعدوا فيه ما
يكفيهم لحصار سنة ـ استشار رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نَوْفَل بن معاوية
الدِّيلي فقال: هم ثعلب في جحر، إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم
يضرك، وحينئذ عزم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على رفع الحصار والرحيل،
فأمر عمر بن الخطاب فأذن في الناس، إنا قافلون غداً إن شاء اللّه، فثقل
عليهم وقالوا: نذهب ولا نفتحه؟ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (اغدوا
على القتال)، فغدوا فأصابهم جراح، فقال: (إنا قافلون غداً إن شاء اللّه)
فسروا بذلك وأذعنوا، وجعلوا يرحلون، ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم يضحك.
ولما ارتحلوا واستقلوا قال: قولوا: (آيبون تائبون عابدون، لربنا
حامدون).
وقيل: يا رسول اللّه، ادع على ثقيف، فقال: (اللّهم اهد ثقيفا، وائت بهم)
.
ولما فرغ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من قسمة الغنائم في الجِعْرَانة أهلَّ
معتمراً منها، فأدي العمرة، وانصرف بعد ذلك راجعاً إلى المدينة بعد
أن ولي على مكة عَتَّاب بن أسيد، وكان رجوعه إلى المدينة ودخوله فيها
لست ليال بقيت من ذي القعدة سنة 8 هـ.
( الرحيق المختوم ) .
أميره في مملكتي الصغيره
08-30-2009, 02:05 PM
معركة مؤتة
وهذه المعركة أكبر لقاء مُثْخِن، وأعظم حرب دامية خاضها المسلمون في
حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي مقدمة وتمهيد لفتوح بلدان
النصاري، وقعت في جمادي الأولي سنة 8 هـ، وفق أغسطس أو سبتمبر سنة
926 م.
وسبب هذه المعركة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الحارث بن عمير
الأزدي بكتابه إلى عظيم بُصْرَي. فعرض له شُرَحْبِيل بن عمرو الغساني ـ
وكان عاملاً على البلقاء من أرض الشام من قبل قيصر ـ فأوثقه رباطاً،
ثم قدمه، فضرب عنقه.
وكان قتل السفراء والرسل من أشنع الجرائم، يساوي بل يزيد على إعلان
حالة الحرب، فاشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نقلت إليه
الأخبار، فجهز إليهم جيشاً قوامه ثلاثة آلاف مقاتل ، وهو أكبر جيش
إسلامي لم يجتمع قبل ذلك إلا في غزوة الأحزاب.
ولما تهيأ الجيش الإسلامي للخروج حضر الناس، وودعوا أمراء رسول الله صلى
الله عليه وسلم، وسلموا عليهم، وحينئذ بكي أحد أمراء الجيش ـ عبد الله بن
رواحة ـ فقالوا: ما يبكيك؟ فقال: أما والله ما بي حب الدنيا، ولا صبابة
بكم، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية من كتاب الله يذكر
فيها النار:{وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا} [مريم:71]
، فلست أدري كيف لي بالصدور بعد الورود؟ فقال المسلمون: صحبكم الله
بالسلامة، ودفع عنكم، وردكم إلينا صالحين غانمين، فقال عبد الله بن
رواحة:
لكنني أسأل الرحمن مغفــرة ** وضربة ذات فرع تقذف الزبدا
أو طعنة بيدي حران مجـهزة ** بحربة تنفذ الأحشـاء والكبدا
حتى يقال إذا مروا على جدثي ** أرشده الله من غاز وقد رشدا
ثم خرج القوم، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مشيعاً لهم حتى بلغ ثنية
الوداع، فوقف وودّعهم.
وهناك في مؤتة التقي الفريقان، وبدأ القتال المرير، ثلاثة آلاف رجل
يواجهون هجمات مائتي ألف مقاتل. معركة عجيبة تشاهدها الدنيا
بالدهشة والحيرة، ولكن إذا هبت ريح الإيمان جاءت بالعجائب.
أخذ الراية زيد بن حارثة ـ حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وجعل يقاتل
بضراوة بالغة، وبسالة لا يوجد لها نظير إلا في أمثاله من أبطال
الإسلام، فلم يزل يقاتل ويقاتل حتى شاط في رماح القوم، وخر صريعاً.
وحينئذ أخذ الراية جعفر بن أبي طالب، وطفق يقاتل قتالاً منقطع
النظير، حتى إذا أرهقه القتال اقتحم عن فرسه الشقراء فعقرها، ثم
قاتل حتى قطعت يمينه، فأخذ الراية بشماله، ولم يزل بها حتى قطعت
شماله، فاحتضنها بعضديه، فلم يزل رافعاً إياها حتى قتل. يقال: إن
رومياً ضربه ضربةً قطعته نصفين، وأثابه الله بجناحيه جناحين في الجنة،
يطير بهما حيث يشاء ؛ ولذلك سمي بجعفر الطيار، وبجعفر ذي الجناحين.
روى البخاري عن نافع؛ أن ابن عمر أخبره: أنه وقف على جعفر يؤمئذ
وهو قتيل، فعددت به خمسين بين طعنة وضربة، ليس منها شيء في دبره،
يعني ظهره.
وفي رواية أخري قال ابن عمر: كنت فيهم في تلك الغزوة، فالتمسنا
جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلي، ووجدنا ما في جسده بضعاً
وتسعين من طعنة ورمية. وفي رواية العمري عن نافع زيادة: [فوجدنا
ذلك فيما أقبل من جسده].
ولما قتل جعفر بعد أن قاتل بمثل هذه الضراوة والبسالة، أخذ الراية
عبد الله بن رواحة، وتقدم بها، وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه،
ويتردد بعض التردد، حتى حاد حيدة ثم قال:
ثم نزل، فأتاه ابن عم له بعَرْق من لحم فقال: شد بهذا صلبك، فإنك قد
لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده فانتهس منه نَهْسَة، ثم
ألقاه من يده، ثم أخذ سيفه فتقدم، فقاتل حتى قتل.
ومع الشجاعة البالغة والبسالة والضراوة المريرتين، كان مستغرباً جداً
أن ينجح هذا الجيش الصغير في الصمود أما تيارات ذلك البحر الغطمطم
من جيوش الروم. ففي ذلك الوقت أظهر خالد بن الوليد مهارته ونبوغه
في تخليص المسلمين مما ورطوا أنفسهم فيه.
واختلفت الروايات كثيراً فيما آل إليه أمر هذه المعركة أخيراً. ويظهر
بعد النظر في جميع الروايات أن خالد بن الوليد نجح في الصمود أمام
جيش الرومان طول النهار، في أول يوم من القتال. وكان يشعر بمسيس
الحاجة إلى مكيدة حربية تلقي الرعب في قلوب الرومان حتى ينجح في
الانحياز بالمسلمين من غير أن يقوم الرومان بحركات المطاردة. فقد
كـان يعرف جيداً أن الإفلات من براثنهم صعب جداً لو انكشف المسلمون،
وقام الرومان بالمطاردة.
فلما أصبح اليوم الثاني غير أوضاع الجيش، وعبأه من جديد، فجعل
مقدمته ساقه، وميمنته ميسرة، وعلى العكس، فلما رآهم الأعداء أنكروا
حالهم، وقالوا: جاءهم مدد، فرعبوا، وصار خالد ـ بعد أن تراءي
الجيشان، وتناوشا ساعة ـ يتأخر بالمسلمين قليلاً قليلاً، مع حفظ نظام
جيشه، ولم يتبعهم الرومان ظناً منهم أن المسلمين يخدعونهم، ويحاولون
القيام بمكيدة ترمي بهم في الصحراء.
وهكذا انحاز العدو إلى بلاده، ولم يفكر في القيام بمطاردة المسلمين
ونجح المسلمون في الانحياز سالمين، حتى عادوا إلى المدينة.
( الرحيق المختوم ) .
***
غـــزوة تبـــوك في رجب سنة 9هـ
كانت هناك قوة تعرضت للمسلمين من غير مبرر، وهي قوة الرومان ـ أكبر
قوة عسكرية ظهرت على وجه الأرض في ذلك الزمان ـ وقد عرفنا فيما تقدم
أن بداية هذا التعرض كانت بقتل سفير رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ـ
الحارث بن عمير الأزدي ـ على يدي شُرَحْبِيل بن عمرو الغساني، حينما كان
السفير يحمل رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى عظيم بُصْرَي، وأن النبي
صلى الله عليه وسلم أرسل بعد ذلك سرية زيد بن حارثة التي اصطدمت
بالرومان اصطداماً عنيفاً في مؤتة، ولم تنجح في أخذ الثأر من أولئك
الظالمين المتغطرسين، إلا أنها تركت أروع أثر في نفوس العرب، قريبهم
وبعيدهم.
ولم يكن قيصر ليصرف نظره عما كان لمعركة مؤتة من الأثر الكبير لصالح
المسلمين، وعما كان يطمح إليه بعد ذلك كثير من قبائل العرب من
استقلالهم عن قيصر، ومواطأتهم للمسلمين، إن هذا كان خطراً يتقدم
ويخطو إلى حدوده خطوة بعد خطوة، ويهدد الثغور الشامية التي تجاور
العرب، فكان يري أن القضاء يجب على قوة المسلمين قبل أن تتجسد في
صورة خطر عظيم لا يمكن القضاء عليها، وقبل أن تثير القلاقل والثورات
في المناطق العربية المجاورة للرومان.
ونظراً إلى هذه المصالح، لم يقض قيصر بعد معركة مؤتة سنة كاملة حتى
أخذ يهيئ الجيش مـن الرومـان والعرب التابعة لهم من آل غسان
وغيرهم، وبدأ يجهز لمعركة دامية فاصلة.
كانت هذه هي الأحوال والأخبار التي يواجهها ويتلقاها المسلمون، إذ
بلغهم من الأنباط الذين قدموا بالزيت من الشام إلى المدينة أن هرقل
قد هيأ جيشاً عرمرما قوامه أربعون ألف مقاتل، وأعطي قيادته لعظيم من
عظماء الروم، وأنه أجلب معهم قبائل لَخْمٍ وجُذَامٍ وغيرهما من متنصرة
العرب، وأن مقدمتهم بلغت إلى البلقاء، وبذلك تمثل أمام المسلمين
خطر كبير..
ولما قرر الرسول صلى الله عليه وسلم الموقف أعلن في الصحابة أن
يتجهزوا للقتال، وبعث إلى القبائل من العرب وإلى أهل مكة يستنفرهم.
وكان قل ما يريد غزوة يغزوها إلا وَرَّي بغيرها، ولكنه نظراً إلى خطورة
الموقف وإلى شدة العسرة أعلن أنه يريد لقاء الرومان، وجلي للناس
أمرهم ؛ ليتأهبوا أهبة كاملة، وحضهم على الجهاد، ونزلت قطعة من
سورة براءة تثيرهم على الجلاد، وتحثهم على القتال، ورغبهم رسول اللّه
صلى الله عليه وسلم في بذل الصدقات، وإنفاق كرائم الأموال في سبيل اللّه.
نزل الجيش الإسلامي بتبوك، فعسكر هناك، وهو مستعد للقاء العدو، وقام
رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فيهم خطيباً، فخطب خطبة بليغة، أتي بجوامع
الكلم، وحض على خير الدنيا والآخرة، وحذر وأنذر، وبشر وأبشر، حتى
رفع معنوياتهم، وجبر بها ما كان فيهم من النقص والخلل من حيث قلة
الزاد والمادة والمؤنة. وأما الرومان وحلفاؤهم فلما سمعوا بزحف
رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أخذهم الرعب، فلم يجترئوا على التقدم
واللقاء، بل تفرقوا في البلاد في داخل حدودهم، فكان لذلك أحسن أثر
بالنسبة إلى سمعة المسلمين العسكرية، في داخل الجزيرة وأرجائها
النائية، وحصل بذلك المسلمون على مكاسب سياسية كبيرة خطيرة، لعلهم
لم يكونوا يحصلون عليها لو وقع هناك اصطدام بين الجيشين.
جاء يُحَنَّةُ بن رُؤْبَةَ صاحب أيْلَةَ، فصالح الرسول صلى الله عليه وسلم وأعطاه
الجزية، وأتاه أهل جَرْبَاء وأهل أذْرُح، فأعطوه الجزية، وكتب لهم رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم كتاباً فهو عندهم، وصالحه أهل مِينَاء على ربع
ثمارها، وكتب لصاحب أيلة: (بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذه أمنة من اللّه
ومحمد النبي رسول اللّه ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة، سفنهم وسياراتهم في
البر والبحر لهم ذمة اللّه وذمة محمد النبي، ومن كان معه من أهل الشام
وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثاً، فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه
طيب لمن أخذه من الناس، وأنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه، ولا طريقاً
يريدونه من بر أو بحر).
وبعث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى أُكَيْدِرِ دُومَة الجَنْدَل
في أربعمائة وعشرين فارساً، وقال له: (إنك ستجده يصيد البقر)، فأتاه
خالد، فلما كان من حصنه بمنظر العين، خرجت بقرة، تحك بقرونها باب
القصر، فخرج أكيدر لصيدها ـ وكانت ليلة مقمرة ـ فتلقاه خالد في
خيله، فأخذه وجاء به إلى رسول اللّهصلى الله عليه وسلم، فحقن دمه،
وصالحه على ألفي بعير، وثمانمائة رأس وأربعمائة درع، وأربعمائة
رمح، وأقر بإعطاء الجزية، فقاضاه مع يُحَنَّة على قضية دُومَة وتبوك
وأيْلَةَ وَتَيْماء.
وأيقنت القبائل التي كانت تعمل لحساب الرومان أن اعتمادها على
سادتها الأقدمين قد فات أوانه، فانقلبت لصالح المسلمين، وهكذا توسعت
حدود الدولة الإسلامية، حتى لاقت حدود الرومان مباشرة، وشهد عملاء
الرومان نهايتهم إلى حد كبير.
( الرحيق المختوم ) .
***
أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة ، من باب كان نحو دار القضاء ، ورسول
الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب ، فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم
قائما ، ثم قال : يا رسول الله ، هلكت الأموال وانقطعت السبل ، فادع الله
يغثنا . فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ، ثم قال : اللهم أغثنا
، اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا . قال أنس : ولا والله ، ما نرى في السماء
من سحاب ، ولا قزعة ، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار . قال :
فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس ، فلما توسطت السماء انتشرت ثم
أمطرت . فلا والله ما رأينا الشمس ستا . ثم دخل رجل من ذلك الباب في
الجمعة - يعني الثانية - ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب ،
فاستقبله قائما ، فقال : يا رسول الله ، هلكت الأموال ، وانقطعت السبل
، فادع الله يمسكها عنا . قال : فرفع رسول الله يديه ، ثم قال : اللهم
حولينا ولا علينا ، اللهم على الآكام والظراب ، وبطون الأودية ومنابت
الشجر . قال : فأقلعت ، وخرجنا نمشي في الشمس . قال شريك : فسألت
أنسا بن مالك : أهو الرجل الأول ؟ فقال : لا أدري .
الراوي: أنس بن مالك المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري -
الصفحة أو الرقم: 1014
خلاصة الدرجة: [صحيح]
***
أتي النبي صلى الله عليه وسلم بإناء ، وهو بالزوراء ، فوضع يده في
الإناء ، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه ، فتوضأ القوم . قال قتادة
: قلت لأنس : كم كنتم ؟ قال : ثلاثمائة ، أو زهاء ثلاثمائة .
الراوي: أنس بن مالك المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري -
الصفحة أو الرقم: 3572
خلاصة الدرجة: [صحيح]
أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بإناء من ماء ، فأتي بقدح رحراح ،
فيه شيء من ماء ، فوضع أصابعه فيه ، قال أنس : فجعلت أنظر إلى
الماء ينبع من بين أصابعه ، قال أنس : فحزرت من توضأ ، ما بين
السبعين إلى الثمانين .
الراوي: أنس بن مالك المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري -
الصفحة أو الرقم: 200
خلاصة الدرجة: [صحيح]
***
حديث البراء بن عازب في ذلك:
قال البخاريّ: ثنا مالك بن اسماعيل، ثنا اسرائيل عن ابي اسحاق، عن
البراء بن عازب قال: كنَّا يوم الحديبية اربع عشرة مائة، والحديبية
بئر فنزحناها حتى لم نترك فيها قطرة، فجلس رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
على شفير البئر، فدعا بماء فمضمض ومجَّ في البئر، فمكثنا غير بعيد،
ثم استقينا حتَّى روينا وروت او صدرت ركابنا.
تفرد به البخاريّ اسناداً ومتناً.
***
حديث البراء بن عازب في ذلك:
قال البخاريّ: ثنا مالك بن اسماعيل، ثنا اسرائيل عن ابي اسحاق، عن
البراء بن عازب قال: كنَّا يوم الحديبية اربع عشرة مائة، والحديبية
بئر فنزحناها حتى لم نترك فيها قطرة، فجلس رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
على شفير البئر، فدعا بماء فمضمض ومجَّ في البئر، فمكثنا غير بعيد،
ثم استقينا حتَّى روينا وروت او صدرت ركابنا.
تفرد به البخاريّ اسناداً ومتناً.
***
قال الحافظ ابو يعلى: حدَّثنا شيبان، ثنا محمد بن زيادة البرجمي عن
ابي طلال، عن انس، عن امه قال: كانت لها شاة فجمعت من سمنها في عكة
فملات العكة ثم بعثت بها مع ربيبة فقالت: يا ربيبة ابلغي هذه العكة
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ياتدم بها.
فانطلقت بها ربيبة حتى اتت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقالت: يا رسول
الله هذه عكة سمن بعثت بها اليك ام سليم، قال: ((افرغوا لها عكتها))
ففرغت العكة فدفعت اليها، فانطلقت بها وجاءت وام سليم ليست في
البيت، فعلقت العكة على وتد، فجاءت ام سليم فرات العكة ممتلئة تقطر
فقالت ام سليم: يا ربيبة اليس امرتك ان تنطلقي بها الى رسول الله ؟
فقالت: قد فعلت فان لم تصدقيني فانطلقي فسلي رسول الله - صلَّى الله عليه
وسلَّم -، فانطلقت ومعها ربيبة فقالت: يا رسول الله انِّي بعثت معها اليك
بعكة فيها سمن.
قال: ((قد فعلت، قد جاءت)).
قالت: والذي بعثك بالحق، ودين الحق، انها لممتلئة تقطر سمناً.
قال: فقال لها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((يا ام سليم اتعجبين ان
كان الله اطعمك كما اطعمت نبيه؟ كلي واطعمي)).
قالت: فجئت الى البيت فقسمت في قعب لنا وكذا وكذا، تركت فيها ما
ائتدمنا به شهراً او شهرين. (ج/ص:6/114)
حديث اخر في ذلك:
قال البيهقيّ: انَّا الحاكم، انَّا الاصمّ، ثنا عبَّاس الدُّوريّ، ثنا علي بن
بحر القطَّان، ثنا خلف بن خليفة عن ابي هاشم الرمانيّ، عن يوسف بن
خالد، عن اوس بن خالد، عن ام اوس البهزية قالت: سليت سمناً لي
فجعلته في عكة فاهديته لرسول الله فقبله، وترك في العكة قليلاً ونفخ
فيها، ودعا بالبركة ثم قال: ((ردُّوا عليها عكتها)) فردُّوها عليها وهي
مملوءة سمناً.
قالت: فظننت انَّ رسول الله لم يقبلها، فجاءت ولها صراخ فقالت: يا رسول
الله انَّما سليته لك لتاكله، فعلم انَّه قد استجيب له.
فقال: ((اذهبوا فقولوا لها: فلتاكل سمنها، وتدعو بالبركة)).
فاكلت بقية عُمْرِ النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وولاية ابي بكر وولاية عمر،
وولاية عثمان حتَّى كان من امر علي ومعاوية ما كان.
***
قال البخاري: ثنا عبد الله بن يوسف، اخبرنا مالك عن اسحاق بن عبد الله
ابن ابي طلحة انَّه سمع انس بن مالك يقول: قال ابو طلحة لام سليم: لقد
سمعت صوت رسول الله ضعيفاً اعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء ؟
قالت: نعم، فاخرجت اقراصاً من شعير، ثم اخرجت خماراً لها فلفت الخبز
ببعضه، ثم دسَّته تحت يدي ولاثتني ببعضه، ثم ارسلتني الى رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم.
قال: فذهبت به فوجدت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في المسجد ومعه النَّاس،
فقمت عليهم.
فقال لي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((ارسلك ابو طلحة؟))
فقلت: نعم.
قال: ((بطعام؟))
قلت: نعم.
فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لمن معه: ((قوموا)) فانطلق وانطلقت
بين ايديهم حتَّى جئت ابا طلحة فاخبرته.
فقال ابو طلحة: يا ام سليم قد جاء رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم والنَّاس،
وليس عندنا ما نطعمهم.
فقلت: الله ورسوله اعلم، فانطلق ابو طلحة حتَّى لقي رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم، فاقبل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وابو طلحة معه فقال رسول الله: (
(هلمَّ يا ام سليم ما عندك؟)) فاتت بذلك الخبز فامر به رسول الله - صلَّى
الله عليه وسلَّم - ففتَّ، وعصرت ام سليم عكة فادمته، ثم قال رسول الله فيه
ما شاء الله ان يقول ثم قال: ((ائذن لعشرة)) فاذن لهم فاكلوا حتى
شبعوا، ثمَّ خرجوا.
ثمَّ قال: ((ائذن لعشرة)) فاذن لهم، فاكلوا حتى شبعوا، ثمَّ خرجوا.
ثمَّ قال: ((ائذن لعشرة)) فاذن لهم، فاكلوا حتى شبعوا، ثمَّ خرجوا.
ثمَّ قال: ((ائذن لعشرة)) فاكل القوم كلهم، والقوم سبعون، او ثمانون
رجلاً.
وقد رواه البخاريّ في مواضع اخر من صحيحه، ومسلم من غير وجه عن
مالك. (ج/ص:6/116)
طريق اخر عن انس بن مالك رضي الله عنه:
قال ابو يعلى: ثنا هدبة بن خالد، ثنا مبارك بن فضالة، ثنا بكير
وثابت البنانيّ عن انس انَّ ابا طلحة راى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
طاوياً، فجاء الى ام سليم فقال: انِّي رايت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
طاوياً فهل عندك من شيء ؟
قالت: ما عندنا الا نحو من دقيق شعير.
قال: فاعجنيه واصلحيه عسى ان ندعو رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فياكل
عندنا.
قال: فعجنته وخبزته فجاء قرصاً فقال: يا انس ادع رسول الله، فاتيت رسول
الله ومعه اناس.
قال مبارك: احسبه قال: بضعة وثمانون.
قال: فقلت: يا رسول الله ابو طلحة يدعوك.
فقال لاصحابه: ((اجيبوا ابا طلحة)).
فجئت جزعاً حتَّى اخبرته انَّه قد جاء باصحابه.
قال بكر: فعدى قدمه، وقال ثابت: قال ابو طلحة: رسول الله اعلم بما في
بيتي مني.
وقالا جميعاً عن انس: فاستقبله ابو طلحة فقال: يا رسول الله ما عندنا
شيء الا قرص، رايتك طاوياً فامرت ام سليم فجعلت لك قرصاً.
قال: فدعا بالقرص، ودعا بجفنة فوضعه فيها وقال: ((هل من سمن؟))
قال ابو طلحة: قد كان في العكة شيء.
قال: فجاء بها قال: فجعل رسول الله وابو طلحة يعصرانها، حتَّى خرج شيء
مسح رسول الله به سبابته، ثمَّ مسح القرص فانتفخ وقال: ((بسم الله)) فانتفخ
القرص، فلم يزل يصنع كذلك والقرص ينتفخ حتَّى رايت القرص في الجفنة
يميع فقال: ((ادع عشرة من اصحابي)) فدعوت له عشرة.
قال: فوضع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يده وسط القرص وقال: ((كلوا باسم
الله)) فاكلوا من حوالي القرص حتى شبعوا.
ثمَّ قال: ((ادع لي عشرة اخرى)) فدعوت له عشرة اخرى فقال: ((كلوا بسم
الله)) فاكلوا من حوالي القرص حتى شبعوا، فلم يزل يدعو عشرةً عشرةً
ياكلون من ذلك القرص حتى اكل منه بضعة وثمانون من حوالي القرص حتى
شبعوا، وانَّ وسط القرص حيث وضع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يده كم هو.
وهذا اسناد حسن على شرط اصحاب السنن ولم يخرِّجوه، فالله اعلم.
***
قد تقدَّم الحديث الذي رواه مسلم من حديث حاتم بن اسماعيل عن ابي حرزة يعقوب بن مجاهد، عن عبادة بن الوليد بن عبادة، عن جابر بن عبد الله قال: سرنا مع النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم حتَّى نزلنا وادياً افيح فذهب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقضي حاجته، فابتعته باداوة من ماء فنظر فلم ير شيئاً يستتر به، واذا شجرتان بشاطئ الوادي، فانطلق الى احداهما فاخذ بغصن من اغصانها وقال: ((انقادي عليَّ باذن الله)) فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده، حتى اتى الشجرة الاخرى فاخذ بغصن من اغصانها وقال: ((انقادي عليَّ باذن الله)) فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده، حتى اذا كان بالمنتصف فيما بينهما لام بينهما - يعني: جمعهما - وقال: ((التئما عليَّ باذن الله)) فالتامتا.
قال جابر: فخرجت احضر مخافة ان يحس بقربي فيبعد، فجلست احدِّث نفسي فحانت مني لفتة، فاذا انا برسول الله مقبل، واذا الشَّجرتان قد افترقتا وقامت كل واحدة منهما على ساق، فرايت رسول الله وقف وقفة وقال براسه: هكذا يميناً وشمالاً، وذكر تمام الحديث في قصة الماء، وقصة الحوت الذي دسره البحر كما تقدم، ولله الحمد والمنة.
***
قد تقدَّم الحديث الذي رواه مسلم من حديث حاتم بن اسماعيل عن ابي حرزة يعقوب بن مجاهد، عن عبادة بن الوليد بن عبادة، عن جابر بن عبد الله قال: سرنا مع النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم حتَّى نزلنا وادياً افيح فذهب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقضي حاجته، فابتعته باداوة من ماء فنظر فلم ير شيئاً يستتر به، واذا شجرتان بشاطئ الوادي، فانطلق الى احداهما فاخذ بغصن من اغصانها وقال: ((انقادي عليَّ باذن الله)) فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده، حتى اتى الشجرة الاخرى فاخذ بغصن من اغصانها وقال: ((انقادي عليَّ باذن الله)) فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده، حتى اذا كان بالمنتصف فيما بينهما لام بينهما - يعني: جمعهما - وقال: ((التئما عليَّ باذن الله)) فالتامتا.
قال جابر: فخرجت احضر مخافة ان يحس بقربي فيبعد، فجلست احدِّث نفسي فحانت مني لفتة، فاذا انا برسول الله مقبل، واذا الشَّجرتان قد افترقتا وقامت كل واحدة منهما على ساق، فرايت رسول الله وقف وقفة وقال براسه: هكذا يميناً وشمالاً، وذكر تمام الحديث في قصة الماء، وقصة الحوت الذي دسره البحر كما تقدم، ولله الحمد والمنة.
***
الحديث الاول عن ابي كعب:
قال الامام ابو عبد الله محمد بن ادريس الشَّافعيّ رحمه الله: حدَّثنا ابراهيم بن محمد قال: اخبرني عبد الله بن محمد بن عقيل عن الطّفيل بن اُبي بن كعب، عن ابيه قال: كان النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يصلي الى جذع نخلة اذ كان المسجد عريشاً، وكان يخطب الى ذلك الجذع.
فقال رجل من اصحابه: يا رسول الله هل لك ان نجعل لك منبراً تقوم عليه يوم الجمعة فتسمع النَّاس خطبتك ؟
قال: ((نعم)).
فصنع له ثلاث درجات هن اللاتي على المنبر، فلمَّا صنع المنبر ووضع موضعه الذي وضعه فيه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بدا للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم ان يقوم على ذلك المنبر فيخطب عليه فمرَّ اليه، فلما جاوز ذلك الجذع الذي كان يخطب اليه خار حتى تصدع وانشق، فنزل النبي صلَّى الله عليه وسلَّم لما سمع صوت الجذع فمسحه بيده ثمَّ رجع الى المنبر، فلمَّا هدم المسجد اخذ ذلك الجذع اُبي بن كعب - رضي الله تعالى عنه - فكان عنده حتَّى بلي واكلته الارضة وعاد رفاتاً.
وهكذا رواه الامام احمد بن حنبل عن زكريا بن عدي، عن عبيد الله بن عمرو الرقيّ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطّفيل، عن ابي بن كعب فذكره، وعنده فمسحه بيده حتَّى سكن، ثمَّ رجع الى المنبر، وكان اذا صلَّى صلَّى اليه، والباقي مثله.
وقد رواه ابن ماجه عن اسمعيل بن عبد الله الرقي، عن عبيد الله بن عمرو الرقي به. (ج/ص:6/139)
الحديث الثاني عن انس بن مالك:
قال الحافظ ابو يعلى الموصليّ: ثنا ابو خيثمة، ثنا عمرو بن يونس الحنفيّ، ثنا عكرمة بن عمار، ثنا اسحاق بن عبد الله ابن ابي طلحة، حدَّثنا انس بن مالك انَّ رسول الله كان يوم الجمعة يسند ظهره الى جذع منصوب في المسجد يخطب النَّاس.
فجاءه رومي فقال: الا اصنع لك شيئاً تقعد عليه كانَّك قائم؟ فصنع له منبراً درجتان ويقعد على الثالثة، فلمَّا قعد نبي الله على المنبر خار كخوار الثَّور، ارتج لخواره حزناً على رسول الله، فنزل اليه رسول الله من المنبر فالتزمه وهو يخور فلمَّا التزمه سكت.
ثمَّ قال: ((والذي نفس محمد بيده لو لم التزمه لما زال هكذا حتى يوم القيامة حزناً على رسول الله)).
فامر به رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فدفن.
وقد رواه التّرمذيّ عن محمود بن غيلان، عن عمر بن يونس به وقال: صحيح غريب من هذا الوجه.
طريق اخرى عن انس:
قال الحافظ ابو بكر البزَّار في مسنده: ثنا هدبة، ثنا حماد عن ثابت عن انس، عن النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم انَّه كان يخطب الى جذع نخلة فلمَّا اتخذ المنبر تحول اليه فحنَّ، فجاء رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتى احتضنه فسكن وقال: ((لو لم احتضنه لحنَّ الى يوم القيامة)).
وهكذا رواه ابن ماجه عن ابي بكر ابن خلاد، عن بهز بن اسد، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن انس، وعن حماد، عن عمار ابن ابي عمار، عن ابن عبَّاس به، وهذا اسناد على شرط مسلم.
طريق اخرى عن انس:
قال الامام احمد: حدَّثنا هاشم، ثنا المبارك عن الحسن، عن انس بن مالك قال: كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم اذا خطب يوم الجمعة يسند ظهره الى خشبة، فلمَّا كثر النَّاس قال: ((ابنوا لي منبراً)) - اراد ان يسمعهم - فبنوا له عتبتين فتحول من الخشبة الى المنبر.
قال: فاخبر انس بن مالك انَّه سمع الخشبة تحنّ حنين الواله.
قال: فما زالت تحن حتى نزل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن المنبر فمشى اليها فاحتضنها فسكنت.
تفرَّد به احمد.
وقد رواه ابو القاسم البغويّ عن شيبان بن فروخ، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن انس فذكره.
وزاد: فكان الحسن اذا حدَّث بهذا الحديث بكى ثمَّ قال: يا عباد الله الخشبة تحنّ الى رسول الله شوقاً اليه لمكانه من الله فانتم احق ان تشتاقوا الى لقائه.
وقد رواه الحافظ ابو نعيم من حديث الوليد بن مسلم عن سالم بن عبد الله الخياط، عن انس بن مالك، فذكره. (ج/ص:6/140)
(السيره النبويه )
***
حدثنا شيبان بن فروخ. حدثنا حماد بن سلمة. حدثنا ثابت البناني عن انس بن مالك؛ ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
"اتيت بالبراق (وهو دابة ابيض طويل فوق الحمار ودون البغل. يضع حافره عند منتهى طرفه) قال، فركبته حتى اتيت بيت المقدس. قال، فربطته بالحلقة التي يربط به الانبياء. قال، ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين. ثم خرجت. فجاءني جبريل عليه السلام باناء من خمر واناء من لبن. فاخترت اللبن. فقال جبريل صلى الله عليه وسلم: اخترت الفطرة. ثم عرج بنا الى السماء. فاستفتح جبريل فقيل: من انت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث اليه؟ قال: قد بعث اليه. ففتح لنا. فاذا انا بادم. فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا الى السماء الثانية. فاستفتح جبريل عليه السلام. فقيل : من انت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال. محمد. قيل: وقد بعث اليه؟ قال: قد بعث اليه؟ ففتح لنا. فاذا انا بابني الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا صلوات الله عليهما. فرحبا ودعوا لي بخير. ثم عرج بي الى السماء الثالثة. فاستفتح جبريل. فقيل: من انت. قال: جبريل. قيل. ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم. قيل: وقد بعث اليه؟ قال: قد بعث اليه. ففتح لنا. فاذا انا بيوسف صلى الله عليه وسلم. اذا هو قد اعطي شطر الحسن. فرحب ودعا لي بخير. ثم عرج بنا الى السماء الرابعة. فاستفتح جبريل عليه السلام. قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قال: وقد بعث اليه؟ قال: قد بعث اليه. ففتح لنا فاذا انا بادريس. فرحب ودعا لي بخير. قال الله عز وجل: {ورفعناه مكانا عليا} [19/مريم/ اية 57] ثم عرج بنا الى السماء الخامسة. فاستفتح جبريل. قيل من هذا؟ قال: جبريل. قيل : ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث اليه؟ قال: وقد بعث اليه. ففتح لنا. فاذا انا بهارون صلى الله عليه وسلم. فرحب ودعا لي بخير. ثم عرج الى السماء السادسة. فاستفتح جبريل عليه السلام. قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل : وقد بعث اليه؟ قال: قد بعث اليه. ففتح لنا فاذا انا بموسى صلى الله عليه وسلم. فرحب ودعا لي بخير. ثم عرج الى السماء السابعة. فاستفتح جبريل. فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل : ومن معك؟ قال: محمد. قيل. وقد بعث اليه؟ قال: قد بعث اليه. ففتح لنا. فاذا انا بابراهيم صلى الله عليه وسلم، مسندا ظهره الى البيت المعمور. واذا هو يدخله كل يوم سبعون الف ملك لا يعودون اليه. ثم ذهب بي الى السدرة المنتهى. وان ورقها كاذان الفيلة. واذا ثمرها كالقلال. قال، فلما غشيها من امر الله ما غشي تغيرت. فما احد من خلق الله يستطيع ان ينعتها من حسنها. فاوحى الله اليّ ما اوحى. ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة. فنزلت الى موسى صلى الله عليه وسلم. فقال: ما فرض ربك على امتك؟ قلت خمسين صلاة. قال: ارجع الى ربك. فاساله التخفيف. فان امتك لا يطيقون ذلك. فاني قد بلوت بني اسرائيل وخبرتهم. قال، فرجعت الى ربي فقلت: يا رب! خفف على امتي. فحَطّ عني خمسا. فرجعت الى موسى فقلت: حَطَّ عني خمسا. قال: ان امتك لا يطيقون ذلك فارجع الى ربك فاساله التخفيف. قال، فلم ازل ارجع بين ربي تبارك وتعالى وبين موسى عليه السلام حتى قال: يا محمد! انهن خمس صلوات كل يوم وليلة. لكل صلاة عشر. فذلك خمسون صلاة. ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة. فان عملها كتبت له عشرا ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا. فان عملها كتبت سيئة واحدة. قال: فنزلت حتى انتهيت الى موسى صلى الله عليه وسلم فاخبرته. فقال: ارجع الى ربك فاساله التخفيف. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: قد رجعت الى ربي حتى استحييت منه".
[ش (اتيت البراق) قال اهل اللغة: البراق اسم الدابة التي ركبها صلى الله عليه وسلم ليلة الاسراء. (بيت المقدس) قال ابو علي الفارس: لا يخلوا اما ان يكون مصدرا او مكانا. فان كان مصدرا كان كقوله تعالى: اليه مرجعكم، ونحوه من المصادر. وان كان مكانا فمعناه بيت المكان الذي جعل فيه الطهارة. او بيت مكان الطهارة. وتطهيره اخلاؤه من الاصنام وابعاده منها. (فربطته بالحلقة) قال صاحب التحرير: المراد حلقة باب مسجد بيت المقدس. (اخترت الفطرة) فسروا هنا الفطرة بالاسلام والاستقامة. ومعناه، والله اعلم، اخترت علامة الاسلام والاستقامة. وجعل اللبن علامة لكونه سهلا طيبا سائغا للشاربين سليم العاقبة. واما الخمر فانها ام الخبائث وجالبة لانواع من الشر في الحال والمال. (ثم عرج) اي صعد. (الى السدرة المنتهى) هكذا وقع في الاصول، السدرة، بالالف واللام. وفي الروايات بعد هذا، سدرة المنتهى. قال ابن عباس والمفسرون وغيرهم: سميت سدرة المنتهى لان علم الملائكة ينتهي اليها، ولم يجاوزها احد الا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحكي عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: انها سميت بذلك لكونها ينتهي اليها ما يهبط من فوقها وما يصعد من تحتها من امر الله تعالى. (كالقلال) جمع قلة. والقلة جرة كبيرة تسع قربتين او اكثر].
( صحيح مسلم - كتاب الايمان ) .
أميره في مملكتي الصغيره
08-30-2009, 02:09 PM
حجـة الــوداع
تمت أعمال الدعوة، وإبلاغ الرسالة، وبناء مجتمع جديد على أساس إثبات الألوهية للّه، ونفيها عن غيره، وعلى أساس رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وكأن هاتفاً خفياً انبعث في قلب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، يشعره أن مقامه في الدنيا قد أوشك على النهاية، حتى إنه حين بعث معاذا على اليمن سنة 01هـ قال له ـ فيما قال: (يا معاذ، إنك عسي ألا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري)، فبكي معاذا خشعاً لفراق رسول اللّه صلى الله عليه وسلم.
وشاء اللّه أن يري رسوله صلى الله عليه وسلم ثمار دعوته، التي عاني في سبيلها ألواناً من المتاعب بضعاً وعشرين عاماً، فيجتمع في أطراف مكة بأفراد قبائل العرب وممثليها، فيأخذوا منه شرائع الدين وأحكامه، ويأخذ منهم الشهادة على أنه أدي الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة.
أعلن النبي صلى الله عليه وسلم بقصده لهذه الحجة المبرورة المشهودة، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول اللّه صلى الله عليه وسلم. وفي يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة تهيأ النبي صلى الله عليه وسلم للرحيل ، فتَرَجَّل وادَّهَنَ ولبس إزاره ورداءه وقَلَّد بُدْنَه، وانطلق بعد الظهر، حتى بلغ ذا الحُلَيْفَة قبل أن يصلي العصر، فصلاها ركعتين، وبات هناك حتى أصبح. فلما أصبح قال لأصحابه: (أتاني الليلة آت من ربي فقال: صَلِّ في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة).
وقبل أن يصلي الظهر اغتسل لإحرامه، ثم طيبته عائشة بيدها بذَرِيَرة وطيب فيه مِسْك، في بدنه ورأسه، حتى كان وبَيِصُ الطيب يري في مفارقه ولحيته، ثم استدامه ولم يغسله، ثم لبس إزاره ورداءه، ثم صلي الظهر ركعتين، ثم أهل بالحج والعمرة في مُصَلاَّه، وقَرَن بينهما، ثم خرج، فركب القَصْوَاءَ، فأهَلَّ أيضاً، ثم أهَلَّ لما استقلت به على البَيْدَاء.
ثم واصل سيره حتى قرب من مكة، فبات بذي طُوَي، ثم دخل مكة بعد أن صلي الفجر واغتسل من صباح يوم الأحد لأربع ليال خلون من ذي الحجة سنة 01هـ ـ وقد قضي في الطريق ثماني ليال، وهي المسافة الوسطي ـ فلما دخل المسجد الحرام طاف بالبيت، وسعي بين الصفا والمروة، ولم يَحِلَّ ؛لأنه كان قارناً قد ساق معه الهدي، فنزل بأعلى مكة عند الحَجُون، وأقام هناك، ولم يعد إلى الطواف غير طواف الحج.
وأمر من لم يكن معه هَدْي من أصحابه أن يجعلوا إحرامهم عمرة، فيطوفوا بالبيت وبين الصفا المروة، ثم يحلوا حلالاً تاماً، فترددوا، فقال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت)، فحل من لم يكن معه هدي، وسمعوا وأطاعوا.
وفي اليوم الثامن من ذي الحجة ـ وهو يوم التَّرْوِيَة ـ توجه إلى مني، فصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ـ خمس صلوات ـ ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس، فأجاز حتى أتي عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بَنَمِرَة، فنزل بها، حتى إذا زالت الشمس أمر بالقَصْوَاء فرحلت له، فأتي بطن الوادي، وقد اجتمع حوله مائة ألف وأربعة وعشرون أو أربعة وأربعون ألفاً من الناس، فقام فيهم خطيباً، وألقى هذه الخطبة الجامعة:
(أيها الناس، اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلى لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً).
(إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث ـ وكان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هُذَيْل ـ وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع من ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله).
(فاتقوا اللّه في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة اللّه، واستحللتم فروجهن بكلمة اللّه، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مُبَرِّح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف).
(وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب اللّه).
(أيها الناس، إنه لا نبي بعدي، ولا أمة بعدكم، ألا فاعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، طيبة بها أنفسكم، وتحجون بيت ربكم، وأطيعوا أولات أمركم، تدخلوا جنة ربكم).
(وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟) قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت.
فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء، وينكتها إلى الناس: (اللهم اشهد) ثلاث مرات.
وكان الذي يصرخ في الناس بقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ـ وهو بعرفة ـ ربيعة بن أمية ابن خَلَف.
وبعد أن فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من إلقاء الخطبة نزل عليه قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة: 3]، ولما نزلت بكي عمر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (ما يبكيك؟) قال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا، فأما إذا كمل فإنه لم يكمل شيء قط إلا نقص، فقال: (صدقت).
وبعد الخطبة أذن بلال ثم أقام، فصلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالناس الظهر، ثم أقام فصلي العصر، ولم يصل بينهما شيئاً، ثم ركب حتى أتي الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصَّخَرَات ، وجعل حَبْل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القُرْص.
وأردف أسامة، ودفع حتى أتي المُزْدَلِفَة، فصلي بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصلي الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتي المَشْعَرَ الحرام، فاستقبل القبلة، فدعاه، وكبره، وهلّله، ووحده، فلم يزل واقفاً حتى أسْفَر جِدّا.
فَدَفَع ـ من المزدلفة إلى مني ـ قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس حتى أتي بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّك قليلاً، ثم سلك الطريق الوسطي التي تخرج على الجمرة الكبري، حتى أتي الجمرة التي عند الشجرة ـ وهي الجمرة الكبري نفسها، كانت عندها شجرة في ذلك الزمان، وتسمي بجمرة العَقَبَة وبالجمرة الأولي ـ فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها مثل حصي الخَذْف، رمي من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثاً وستين بدنة بيده، ثم أعطي علياً فنحر ما غَبَرَ ـ وهي سبع وثلاثون بدنة، تمام المائة ـ وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قِدْر، فطبخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مَرَقِها.
ثم ركب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فأفاض إلى البيت، فصلي بمكة الظهر، فأتي على بني المطلب يَسْقُون على زمزم، فقال: (انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم)، فناولوه دلواً فشرب منه.
وخطب النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر ـ عاشر ذي الحجة ـ أيضاً حين ارتفع الضحي، وهو على بغلة شَهْبَاء، وعلى يعبر عنه، والناس بين قائم وقاعد ، وأعاد في خطبته هذه بعض ما كان ألقاه أمس، فقد روي الشيخان عن أبي بكرة قال: خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر، قال: (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات، ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مُضَر الذي بين جمادي وشعبان).
وقال: (أي شهر هذا؟) قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: (أليس ذا الحجة؟) قلنا: بلي؟ قال: (أي بلد هذا؟) قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: (أليست البلدة؟) قلنا: بلي. قال: (فأي يوم هذا؟) قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسمية بغير اسمه، قال: (أليس يوم النحر؟) قلنا: بلي. قال: (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا).
(وستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض).
(ألا هل بلغت؟) قالوا: نعم، قال: (اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فَرُبَّ مُبَلَّغ أوعي من سامع).
وفي رواية أنه قال في تلك الخطبة: (ألا لا يجني جَانٍ إلا على نفسه، ألا لا يجني جان على ولده، ولا مولود على والده، ألا إن الشيطان قد يئس أن يُعْبَد في بلدكم هذا أبداً، ولكن ستكون له طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم، فسيرضى به).
وأقام أيام التشريق بمني يؤدي المناسك ويعلم الشرائع، ويذكر الله، ويقيم سنن الهدي من ملة إبراهيم، ويمحو آثار الشرك ومعالمها.
وقد خطب في بعض أيام التشريق أيضاً، فقد روي أبو داود بإسناد حسن عن سَرَّاءِ بنت نَبْهَانَ قالت: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الرءوس، فقال: (أليس هذا أوسط أيام التشريق). وكانت خطبته في هذا اليوم مثل خطبته يوم النحر، ووقعت هذه الخطبة عقب نزول سورة النصر.
وفي يوم النَّفْر الثاني ـ الثالث عشر من ذي الحجة ـ نفر النبي صلى الله عليه وسلم من مني، فنزل بخِيف بني كِنَانة من الأبْطَح، وأقام هناك بقية يومه ذلك، وليلته، وصلي هناك الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة، ثم ركب إلى البيت، فطاف به طواف الوداع، وأمر به الناس.
ولما قضي مناسكه حث الركاب إلى المدينة المطهرة، لا ليأخذ حظاً من الراحة، بل ليستأنف الكفاح والكدح لله وفي سبيل الله.
( الرحيق المختوم ) ..
أميره في مملكتي الصغيره
08-30-2009, 02:12 PM
وفي اليوم الثامن أو التاسع والعشرين من شهر صفر سنة11هـ ـ وكان يوم الاثنين ـ شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة في البقيع، فلما رجع، وهو في الطريق أخذه صداع في رأسه، واتقدت الحرارة، حتى إنهم كانوا يجدون سَوْرَتَها فوق العِصَابة التي تعصب بها رأسه.
وقد صلي النبي صلى الله عليه وسلم بالناس وهو مريض 11 يوماً، وجميع أيام المرض كانت 31، أو 41 يوماً.
وثقل برسول الله صلى الله عليه وسلم المرض، فجعل يسأل أزواجه: (أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟) ففهمن مراده، فأذن له يكون حيث شاء، فانتقل إلى بيت عائشة يمشي بين الفضل بن عباس وعلى بن أبي طالب، عاصباً رأسه، تخط قدماه حتى دخل بيتها، فقضي عندها آخر أسبوع من حياته.
وكانت عائشة تقرأ بالمعوذات والأدعية التي حفظتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت تنفث على نفسه، وتمسحه بيده رجاء البركة
روي أنس بن مالك: أن المسلمين بينا هم في صلاة الفجـر من يوم الاثنين ـ وأبو بكر يصلي بهم ـ لم يفجأهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم كشف ستر حجرة عائشة فنظر إليهم، وهم في صفوف الصلاة، ثم تبسم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه ؛ ليصل الصف، وظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يخرج إلى الصلاة. فقال أنس: وهَمَّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم، فَرَحًا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إليهم بيده رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخي الستر.
ثم لم يأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت صلاة أخرى.
ولما ارتفع الضحى، دعا النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة فسَارَّها بشيء فبكت، ثم دعاها، فسارها بشيء فضحكت، قالت عائشة: فسألنا عن ذلك ـ أي فيما بعد ـ فقالت: سارني النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه، فبكيت، ثم سارني فأخبرني أني أول أهله يتبعه فضحكت.
وبشر النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بأنها سيدة نساء العالمين.
ورأت فاطمة ما برسول الله صلى الله عليه وسلم من الكرب الشديد الذي يتغشاه.
فقالت: وا كرب أباه. فقال لها: (ليس على أبيك كرب بعد اليوم).
ودعا الحسن والحسين فقبلهما، وأوصي بهما خيراً، ودعا أزواجه فوعظهن وذكرهن.
وطفق الوجع يشتد ويزيد، وقد ظهر أثر السم الذي أكله بخيبر حتى كان يقول: (يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبْهَرِي من ذلك السم).
وقد طرح خَمِيصَة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك ـ وكان هذا آخر ما تكلم وأوصي به الناس: (لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ـ يحذر ما صنعوا ـ لا يبقين دينان بأرض العرب).
وأوصى الناس فقال: (الصلاة، الصلاة، وما ملكت أيمانكم)، كــرر ذلك مــراراً.
وبدأ الاختصار فأسندته عائشة إليها، وكانت تقول: إن من نعم الله على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي في بيتي وفي يومي وبين سَحْرِي ونَحْرِي، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته. دخل عبد الرحمن ـ بن أبي بكر ـ وبيده السواك، وأنا مسندة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم. فتناولته فاشتد عليه، وقلت: ألينه لك؟ فأشار برأسه أن نعم. فلينته، فأمره ـ وفي رواية أنه استن به كأحسن ما كان مستنا ـ وبين يديه رَكْوَة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح به وجهه، يقول: (لا إله إلا الله، إن للموت سكرات...) الحديث.
وما عدا أن فرغ من السواك حتى رفع يده أو أصبعه، وشخص بصره نحو السقف، وتحركت شفتاه، فأصغت إليه عائشة وهو يقول: (مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم اغفر لي وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلي. اللهم، الرفيق الأعلي).
كرر الكلمة الأخيرة ثلاثاً، ومالت يده ولحق بالرفيق الأعلي. إنا لله وإنا إليه راجعون.
وقع هذا الحادث حين اشتدت الضحي من يوم الاثنين 12 ربيع الأول سنة 11هـ، وقد تم له صلى الله عليه وسلم ثلاث وستون سنة وزادت أربعة أيام.
( الرحيق المختوم ) .