إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل لله ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً..وبعد..
إن ميدان الصراع بين القوتين العظيمتين: قوة الشيطان وقوة الإنسان هو: قلب الإنسان، لأنه مركز القوة، فإذا فسد القلب فسد الجسد كله، وإذا صلح القلب صلح الجسد كله كما أخبر صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، ثم يمتد الصراع إلى سائر جوانب حياة الإنسان، وهذا القلب إما أن تسيطر عليه القوة الشيطانية ويحتله جنود إبليس، ويقتحمون حصونه، وإما أن تحتله قوة الخير والإيمان وتقتحم حصونه فيصبح مرور الشيطان وجنوده ووساوسه على القلب مروراً سريعاً خفيفاً لا يطول، والإنسان مطالب في هذه الدنيا بأن يحذر كيد الشيطان ويعرف أساليبه ووساوسه في المكر والخديعة.قال تعالى:يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ[فاطر:5-6]
http://dc02.arabsh.com/i/00596/sklixvr66e3m.gif
كثير من الناس مشغولون بأشياء لا تسمن ولا تغني من جوع، الشيطان واحد أو مجموعة؟ إبليس هل هو من الجن أو من غيرهم؟ أين يسكن إبليس؟ هل هو متزوج أم أعزب؟ هل له أولاد أو ليس له أولاد؟ كيف يوسوس الشيطان إلى قلب الإنسان؟! لاشك أن الله عز وجل بين لنا من هذه الأمور ما فيه الكفاية فبين لنا أن له ذريه وأنه يكيد في قلب الإنسان، وأن الشياطين كثر، لكن كثيراً من الناس شغلوا أنفسهم بهذه الفرعيات، ولم يهتموا بالقضية الأصلية وهي قضية معرفة وسائل الشيطان للكيد، وكيفية مقاومته، ولذلك يذكرون عن الإمام المحدث الظريف سليمان الأعمش: أن رجلاً سأله وهو في مجلس حديثه، فقال له: يا إمام هل لإبليس زوجة، فقال له: ذاك نكاح لم أشهده. وهذه طرفة لكن من ورائها تأديب من الإمام للسائل أن هذا السؤال لا ينبغي أن يوجه، ومن ينشغل بهذه الأشياء ويغفل عن كيفية المقاومة !!
لذا من الواجب عليك أختي الفاضلة أن تعرفي سبب الوسوسة ومن ثم آثارها وكيفية التخلص منها..
http://dc02.arabsh.com/i/00596/sklixvr66e3m.gif
http://m002.maktoob.com/alfrasha/up/16078872281933585643.gif
فقد ذكر أهل العلم كالإمام الجويني -رحمه الله- في كتابه الذي سماه: التبصرة في الوسوسة، ثم نقل هذا عنه عدد من العلماء، كـالنووي، والغزالي، وابن الجوزي، وغيرهم -رحمهم الله جميعاً- أن للوسواس سببين، حيث قال: إن الوسواس لا يكون إلا بأحد سببين: إما نقص في غريزة العقل، وإما جهل بمسالك الشريعة.
النقص في غريزة العقل..
وذلك أن كثيراً من الموسوسين في عقولهم ضعف يتمكن الشيطان من التأثير عليهم ولبس الحق بالباطل..
الجهل بمسالك الشريعة :
أما السبب الثاني الذي أشار إليه الجويني وَمنْ بعده: فهو الجهل بمسالك الشريعة، وذلك أن كثيراً من الموسوسين أيضاً يجهلون حكم الله ورسوله فيما يعانونه، يجهلون أسماء الله عز وجل وصفاته وما ينبغي له، وما لا يجوز عليه، فيقعون في الوسوسة في أسماء الله وصفاته، يجهلون أحكام الطهارات والمياه وغيرها فيقعون في الوسوسة في ذلك، فقد يبتلى أحدهم فيقرأ في بعض الفروع التي فيها تفصيلات كثيرة، وتفريعات كثيرة، فيقرأ بعض الأقاويل الفقهية فيتشبث بها ويتمسك بها في وسواسه وينسى ويتجاهل كثيراً مما قرأ مما لا يساعده على ما هو فيه.
وهناك أسباب أخرى..
هو أن الوسواس قد يحدث بسبب ضعف نفس الإنسان وخور إرادته فأنت تجد كثيراً من الموسوسين إذا قابلتهم تجد في شخصياتهم ضعفاً ورداءة، وفي هممهم وعزائمهم وهن وخور وضعف سببه تسلط الشيطان عليه، وتجد كثيراً من الموسوسين يبتلون بتكثير الكلام، وترديده وإعادته، والتنطع في كثير من القضايا، مما يجعلهم ممقوتين عند الله وعند خلقه، نسأل الله العافية والسلامة.
http://dc02.arabsh.com/i/00596/sklixvr66e3m.gif
http://m002.maktoob.com/alfrasha/up/4708160572018498933.gif
فهو أن الوسواس قد يكون بسبب تأثيرات عضوية في جسم الإنسان، وهذا أشار إلى جانب منه الإمام ابن القيم في كتاب زاد المعاد، في الجزء الثالث المتعلق بالطب النبوي، وهو يتحدث عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في النكاح والجماع، فأشار إلى أن حبس الإنسان للماء بترك الزواج وترك الجماع يسبب له أمراض رديئة منها الوسواس والجنون والصرع وغير ذلك.
طبيعة المرحلة :
طبيعة المرحلة التي يعيش فيها الإنسان، فإن الوسواس ينتشر عند كثير من الشباب في مرحلة المراهقة، ذكوراً كانوا أم إناثاً يستوي في ذلك الوسواس المتعلق بالإيمانيات وقضايا الألوهية وغيرها -مما يسميه علماء النفس بالشك الديني، وهو في الواقع ليس شكاً، ولا ينبغي أن يسمى شكاً، إنما هو وسواس- والوسوسة في قضايا الطهارة والصلاة وغيرها من
العبادات، حيث يقبل الشاب على الله عز وجل وعلى الإسلام، ففي بداية مرحلة تعلقه بالدين يصاب بشيء من ذلك، والذي يظهر -والله أعلم- أن أكثر المقبلين على الله عز وجل في هذه المرحلة قد يبتلون بشيء من ذلك؛ لكنه خفيف يسير فيتجاوزونه بتوفيق الله عز وجل، ثم بتوجيه المرشدين الصالحين. وبعضهم يكون هذا الوسواس شديداً معه أو لا يوفق بمن يوجهه التوجيه الصحيح بل قد يزيد هذا الأمر ويزيد الطين بلة -كما يقال- فيزداد الوسواس معه.
فهذه أسباب خمسة يظهرأن معظم ما يصيب الناس من الوسواس يعود إلى أحدها أو إلى أكثر من سبب منها.
http://dc02.arabsh.com/i/00596/sklixvr66e3m.gif
آثاره على غير الموسوس..
أنه يجعل نفسه مسخرة للناس حيث يضحكون به ويسخرون به، وربما نالهم الإثم بسبب غيبتهم له أو ضحكهم منه، أو استهزائهم بأعماله وتصرفاته. ومن آثاره أيضاً أن بعض من يحسنون الظن بهذا الموسوس قد يجارونه ويسايرونه ويقتدون به فيما فعل، فيسبب لهؤلاء الناس ضرراً وإثماً، وكان قدوة سيئة لغيره في ذلك. وهذه من الأضرار العظيمة في هذا العصر خاصة أنه يفتح ثغرة على أهل الخير حيث إن كثيراً من الأشرار وأعداء المؤمنين قد يسخرون منهم بسبب هؤلاء الموسوسين، فإذا وجدوا بين المؤمنين شخصاً موسوساً أطلقوا الوسواس على كل المؤمنين، فإذا رأوا إنساناً يعمل عبادة مشروعة مستحبة، بل ربما يعمل واجباً
قالوا: هذا موسوس، فألصقوا به هذه الفرية بسبب وجود فرد أو أفراد مبتلين بهذا الداء، وبعضهم يقول للأب إذا رأى ابنه مع الصالحين: ابنك سيتحول إلى موسوس ويصاب بما أصيب به فلان من ترك العمل، وترك الدراسة، وكثرة البقاء في دورات المياه وإطالة الصلاة، وما أشبه ذلك من الأمور التي قد يجدونها في بعض الموسوسين.
أما المضار الدنيوية فهي كثيرة منها: أن الإنسان قد يبتلى ببلاء من جنس ما وسوس فيه. يقول أحد المشايخ:أعرف بعض الشباب ابتلي بالوسوسة في التبول، يطيل الأمر في ذلك ومع الزمن صار عنده شيء من سلس البول، فيقول له الأطباء: إن هذا السلس الذي تشعر به ليس سببه عضوياً، كأن يكون عندك مثلاً ارتخاء في أعضاء التبول وما أشبه ذلك، وإنما سببه أن كثرة اهتمامك وتركيزك على خشية نـزول البول وخروجه جعلك مع الاستمرار تشعر بخروج البول ثم يخرج فعلاً قطرات من البول، وهذا يزيد الإنسان ثقة أن الوسواس الذي ابتلي به هو حق، وهو ورع، وهو خروج من النجاسة لا بد منه في الصلاة، هكذا يفكر هذا الموسوس، وهذا ضرر ديني ودنيوي في نفس الوقت. ومن مضاره الدنيوية: أنه يؤثر في صحته وجسمه، حتى إنك إذا رأيت بعض الموسوسين عرفت من قسماته وآثاره وسيما وجهه وجسده أن هذا الرجل أوالمرأة مبتلى بالوسواس، لأن هذا الوسواس فعل فيه وأثَّر فيه تأثيراً بليغاً خاصة إذا طال الزمن. ومن أضراره الدنيوية أنه قد يحرم الإنسان من المنافع الدنيوية، فأعرف من ترك طلب العلم والدراسة، أو التجارة أو غير ذلك وانشغل بهذا الأمر، فإذا انشغل تفرغ لهذا الوسواس وتفرغ الشيطان له، وكما يقال: زاد الطين بلة.
للمعالي سائرة
11-05-2009, 03:36 PM
http://dc02.arabsh.com/i/00596/sklixvr66e3m.gif
وأما المضار الدينية أن هذا الموسوس قد يبغض إليه كثير من أمور الدين بسبب ما ابتلي به من الوسواس، فيبغض العبادة، يبغض الصلاة ويبغض قراءة القرآن لما يعرض له في ذلك من كيد الشيطان، وإذا حصل له هذه النوايا في قلبه بسبب ما ابتلى به من الوسواس ابتلي بوسواس آخر فقال له الشيطان: أنت الآن تبغض قراءة القرآن، أنت تبغض الصلاة لأنك ربما قد وقعت في الكفر، فجره إلى نوع آخر من الوسوسة والعياذ بالله! وانظر كيف يتدرج الشيطان بالإنسان، فهي سلسله من الوساوس إذا بدأت في الإنسان لا تكاد تنتهي، إلا بتوفيق الله عز وجل. ومن المضار الدينية التي يبتلى بها الموسوس أنه قد يترك هذه العبادة، لا يكتفي ببغضها بل قد يتركها، فربما ترك الصلاة أو ترك على الأقل كثيراً من النوافل بسبب الوسوسة. إن الوسوسة تشغل كثيراً من وقته فيما لا فائدة فيه فينشغل عن القراءة والذكر والعلم والدعوة بهذا البلاء المستطير، وربما دخل قلبه شيء من الخوف الذي هو خوف في غير مكانه، وأدى إلى ضرر عظيم على هذا الإنسان.
http://m002.maktoob.com/alfrasha/up/1724340045738382203.gif
فالوسواس داء وما أنـزل الله من داء إلا أنـزل له دواء عَلِمه من عَلِمه وجَهِله من جَهِله. فيا أيها المبتلى بهذا الداء! عليك أن تعرف أين الطريق، وعليك أن تدرك أنك إن أُتيِتَ فمن قبل نفسك، قال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ [آل عمران:166] وفي الآية الأخرى: قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران: الآية165]. فما أصابك فهو بقضاء الله وقدره، وهو أيضاً من عند نفسك، فعليك أن تكون شجاعاً في مواجهة هذا البلاء المستطير ومعالجته، وذلك من خلال الوسائل التالية:
الاقتناع بأن الوسواس مرض يجب التخلص منه:
الوسيلة الأولى: هي أن تدرك فعلاً أن ما أنت فيه هو مرض يجب علاجه والتخلص منه، فإن الإنسان إذا لم يقتنع بأنه مصاب بالمرض فعلاً، فإن استجابته للعلاج ضعيفة أو معدومة، بل قد يرمي غيره بمن لم يبتلوا بهذا الداء بأنهم مفرطون لا يبالون بأي ماء توضئوا، ولا بأي مكان صلوا، ولا بأي نية عملوا، ولا يبالون بأعمالهم وعباداتهم، وأنهم متساهلون في هذه الأشياء وأنه ليس عبادة تؤجر عليها وإليك الدليل :أن الله عز وجل يحب العبادات يحب الطهارة قال تعالى:إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة:222] يحب الصلاة ويحب المصلين، وهو يبغض الوسواس والموسوسين، وفي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد (http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=ft&sh=157&ftp=alam&id=1000016&spid=157) وأبو داود (http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=ft&sh=157&ftp=alam&id=1000166&spid=157) وابن ماجة (http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=ft&sh=157&ftp=alam&id=1000332&spid=157) وسعيد بن منصور (http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=ft&sh=157&ftp=alam&id=1001639&spid=157) بسند حسن، عن عمرو بن شعيب (http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=ft&sh=157&ftp=alam&id=1000365&spid=157) عن أبيه عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم: {توضأ ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: هذا الوضوء فمن زاد فقد أساء وتعدى وظلم} إذاً الموسوس متعدٍ، والله عز وجل يقول في محكم التنـزيل:إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف:55]. إن الله لا يحب المعتدين في الوضوء، والطهارة، والصلاة، والدعاء، وغيره، وغاية ما يقال في شأن الموسوس: إنه مبتلى، وإلا فقد يقال: إنه لو اعتقد أنما هو فيه هو عين الحق والصواب، كما قال الإمام ابن القيم (http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=ft&sh=157&ftp=alam&id=1000011&spid=157) رحمه الله في بعض كتبه: إنه مشاقٌ لله ورسوله، مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، مخالف لمنهج السلف الصالح، قال: وقال شيخنا -يعني: شيخ الإسلام ابن تيمية (http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=ft&sh=157&ftp=alam&id=1000010&spid=157)- إنه يستحق التعزير البليغ على مخالفته لهدي النبي صلى الله عليه وسلم.
http://dc02.arabsh.com/i/00596/sklixvr66e3m.gif
العلم:
وذلك أنه سبق أن من أسباب الوسواس الجهل بمسالك الشريعة، إذاً فدفعه لا بد فيه من العلم، والعلم يشمل أولاً: العلم الصحيح بالعقائد الذي يدفع كيد الشيطان ووساوسه، والعلم الصحيح بالأحكام الشرعية، وخاصة أبواب المياه والطهارات، والوضوء، والغسل، والصلاة، وغيرها ليعبد الإنسان ربه على بصيرة، ولا يقبل كيد الشيطان، ولا يتعلق ببعض الأقوال الفقهية الضعيفة التي ربما يجد فيها بعض الموسوسين مستمسكاً لهم، بل يعرف الهدي الصحيح من القرآن والسنة وهو الذي فيه الهدى والنور.
×××
العزيمة على دفع الوسواس:
وهو سبب مهم جداً أن يكون لدى الإنسان عزيمة، وإرادة على دفعه، وهذا السبب إذا فقد، ربما لا تنفع معظم الوسائل السابقة، إذا لم يوجد عند الإنسان قوة إرادة، وعزيمة فإنه لا يكاد يتخلص من الوسواس، لأن الوسواس حينئذٍ يكون سببه خوراً في نفس الإنسان، وضعفاً في معنويته وإرادته، فلا يكاد يتخلص منه الإنسان، ولذلك بعض الموسوسين إذا وجد من يقوي عزيمته، ويشحذها، فإنه يبدأ شيئاً فشيئاً يتغلب حتى يتخلص من الوسواس ، فإن الإنسان إذا أصر وتحدى هذا الكيد الشيطاني، واستمر على ما هو عليه من المجاهدة، ولم يلتفت ولا يعيد الوضوء، ولا يغسل العضو أكثر من ثلاث مرات، ولا يعيد الصلاة، ولا يرفع صوته فيها، ولا يسجد للسهو، أنه لا يكاد يمر عليه أسبوع، أو عشرة أيام على أكثر تقدير، إلا ويخرج من هذا كأنه لم يصبه، وهذا أمر مجرب ومؤكد لا يشك فيه أحد إلا جاهل.
×××
العلاج الثالث:
أن تتذكري كيد الشيطان، وأن ما أنت فيه إنما هو تزيينه وتشكيكه، فإن الغريب أن كثيراً من الموسوسين يشتكي مما هو فيه مما يدل على أنه يدرك فعلاً أن هذا من إملاء الشيطان.
×××
الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وهديه:
الوسيلة الرابعة من وسائل العلاج: هي الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي جعله الله تبارك وتعالى أسوة وقدوة للمؤمنين الذين يرغبون أن يردوا حوضه، ويرغبون أن يحشروا في زمرته، ويرغبون أن يكونوا من جلسائه في جنات النعيم، ويرغبون أن تشملهم شفاعته يوم الدين، فكيف كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأشياء؟ 1- في الإيمانيات: انظر إلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم في قضايا الاعتقاد والإيمانيات، أعطاهم الدين يسيراً واضحاً لا تعقيد فيه ولا إشكال، وبين لهم أسماء الله عز وجل وصفاته وأفعاله، وحين جاء الصحابة يشتكون إليه ما يجدون من وسوسة الشيطان، هون الموضوع عليهم صلى الله عليه وسلم، فقال لهم كما في صحيح مسلم: {هل وجدتموه قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان، الحمدالله الذي رد كيده إلى الوسوسة} وحين ذكر أبو هريرة (http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=ft&sh=157&ftp=alam&id=1000136&spid=157) رضي الله عنه كما في الصحيح: {أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم أن الشيطان لا يزال يسألكم مَنْ خلق كذا، مَنْ خلق كذا، حتى يقول: مَنْ خلق الله، فليقل الإنسان: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم} وفي حديث صحيح {أنه أمره بقراءة قل هو الله أحد}. 2- في قضايا المياه: تأمل هديه صلى الله عليه وسلم في قضايا المياه كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر في شرقي المدينة يلقى فيها النتن والحيض ولحوم الكلاب، فقالوا: يا رسول الله! إنك تتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها النتن، والحيض، ولحوم الكلاب، فقال صلى الله عليه وسلم: {الماء طهور لا ينجسه شيء} والحديث رواه أصحاب السنن والإمام أحمد (http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=ft&sh=157&ftp=alam&id=1000016&spid=157) وغيرهم، ثم كان يتوضأ بالماء القليل، فكان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع، والمد هو قدر راحة الإنسان المتوسط مبسوطتين ويغتسل بالصاع: وهو أربعة أمداد بل يغتسل بما دون ذلك، ففي صحيح مسلم من حديث عائشة (http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=ft&sh=157&ftp=alam&id=1000070&spid=157) أنه صلى الله عليه وسلم كان يغتسل معها بإناء يسع ثلاثة أمداد أو نحو ذلك. 3- هدي النبي في الطهارة: ثم هديه صلى الله عليه وسلم في الوضوء: كان يتوضأ مرة، مرة، ومرتين مرتين، وثلاثاً ثلاثاً، كما في الصحيحين لا يزيد على ذلك، ثم انظري إلى هديه صلى الله عليه وسلم في النجاسات في الثياب وغيرها، كان يحمل الصبيان والغلمان فربما بال أحدهم على ثوبه صلى الله عليه وسلم، فلا يصنع عليه الصلاة والسلام أكثر من أن يدعو بماء فيرشه وينضحه بالنسبة للصبيان، كما في الصحيحين من حديث أم قيس بنت محصن (http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=ft&sh=157&ftp=alam&id=1001643&spid=157)وأحاديث كثيرة ربما بلغت حد التواتر: {وهي أنه كان ينضح ما يصيبه من بول الصبيان} ثم تأملي هديه صلى الله عليه وسلم في هذا تجدي أنه أكمل الهدي، وأسلمه، وأبعده عن التعمق، والتكلف .
جـ- هذه الوسوسة تحدث للكثير من الرجال والنساء، بحيث يخيل إلى أحدهم أنه أحدث وهو يتوضأ، فيعيد الوضوء مرارا. وكذا يخيل إليه أنه لم يغسل أعضاءه أو بعضها، فتراه يعيدها ويكرر غسل العضو، ظنا منه أنه ما تبلغ بالماء، فربما مكث في الوضوء ساعة أو ساعات، وهكذا في الاغتسال، ولا شك أن هذا من وسوسة الشيطان، الذي هو عدو للإنسان، وقصده أن يثقل العبادة على الإنسان، حتى يكره الصلاة أو ينفر منها لما يلاقي فيها أو قبلها من التعب والمشقة، وقد ينتهي به الأمر إلى ترك الصلاة وهو يحبها، ويبكي على عدم فعلها، ولكن لا حيلة له في أدائها، وهذا ما يطلبه الشيطان من العبد، وهكذا يخيل إلى بعضهم في الصلاة أنه ما نوى أو ما كبر أو غلط في التكبير أو القراءة أو نحو ذلك، فتراه يقف طويلا مع الإمام لا يقدر على التكبير، أو يتردد في النية أو يقطع الصلاة مرارا.
وعلاج ذلك أن يكثر الاستعاذة من الشيطان، وأن يستحضر عداوته وقصده من إفساد الصلاة أو الطهارة أو تثقيلها على المرء أو تكريه العبادة إلى الإنسان، وعليه أن يستحضر يسر الإسلام وسهولته وعدم الحرج في العبادات، وأنه ما جاء بشيء فيه كلفة ولا مشقة، ثم عليه أن ينظر فيمن حوله من المصلين والمتطهرين الذين قد أراحوا أنفسهم، وأدوا جميع العبادات بدون تكلفة أو صعوبة فيلحق نفسه بهم، ويطرح كل ما يلقيه الشيطان من الوسوسة في الطهارة وأن الأصل بقاؤها، فلا ينصرف إلى ما يخطر بباله من انتقاض الحدث حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا كما جاء في الحديث، وأن الأصل وجود النية والنطق الصحيح بالتكبير والقراءة، ويعتبر أن تلك الوساوس لا تعرض له إلا في وقت الصلاة، فيعرف سببها حتى يريح نفسه، ويؤدي العبادة، كما ينبغي، والله أعلم.
منقولة من موقع الشيخ ابن جبرين - رحمه الله-.
http://dc02.arabsh.com/i/00596/sklixvr66e3m.gif
السؤال الثامن من الفتوى رقم (5168)
س: أنا أبلغ من العمر ثلاثاًوثلاثين سنة، وأنا متزوجة وعندي عيال، والذي أريد سؤال فضيلتكم عنه: أنه دخل علي وسواس منذ خمس أو ست سنوات، وهذا الوسواس يشغلني في الوضوء، حتى لا أستطيع الموالاة، أستمر في الوضوء ساعة ونصف في كل وقت، حيث يخيل إلي أنني لم أتم الوضوء،وكذلك في غسل الجنابة، أستمر ثلاث ساعات، ويخيل إلي أنني لم أطهر، وفي غسل العادةثلاث ساعات، وكذلك هذا الوسواس حرمني من لبس الثياب الجميلة، وقد تعالجت في مستشفى الأمراض النفسية بالطائف ولدى الدكتور محمد عرفان بجدة، فأرجو من فضيلتكم النظر في وضعي وإرشادي بما ترونه يساعدني في طرد هذا الوسواس، كما أفيد فضيلتكم أنه قد حصل علي نقص في صيام رمضان منذ صغري ولا أحصي تلك الأيام التي أفطرتها فماذا يجب علي فيها؟ أفتوني وفقكم الله.
ج: أولاً: عليك أن تستعيذي بالله من الشيطان الرجيم،وأن تستعيني بالله سبحانه، واطلبي منه أن يعافيك من مرضك، واقرئي آية الكرسي عندماترقدين في فراشك للنوم، وقولي: (باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا فيالسماء وهو السميع العليم) ثلاث مرات صباحاً، وثلاث مرات مساء، وارقي نفسك بقراءةسورة الإخلاص والمعوذتين ثلاث مرات، وتنفثين بكفيك عقب كل مرة، وتمسحين بهما مااستطعت من بدنك عند النوم، بادئة برأسك ووجهك وصدرك، وادعي الله أن يذهب ما بك منبأس، فقولي: (أذهب الباس رب الناس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لايغادر سقما)، وكرري ذلك ثلاثاً، وادعي أيضاً بدعاء الكرب، فقولي: (لا إله إلا اللهالعظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات وربالأرض ورب العرش الكريم)، وإذا فرغت من الوضوء أو الغسل من حيض أو جنابة فاعتمديأنك قد طهرت ودعي عنك الوسواس، ولا تكرري فإنه من الشيطان، وبذلك ينقطع عنك بإذنالله.
ثانياً: إذا كان الواقع كما ذكرت من أنك أفطرت أياماً من رمضان في الصغرولا تحصين تلك الأيام فصومي أياماً قضاءً عنها، حتى يغلب على ظنك أنك صمت الأيامالتي أفطرتيها من شهر رمضان بعد بلوغك، أما ما قبل البلوغ فليس عليك قضاؤها شفاكالله.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
اللجنةالدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو عضو نائب رئيس اللجنة الرئيس
عبدالله بنقعود - عبدالله بن غديان -عبدالرزاق عفيفي - عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
http://dc02.arabsh.com/i/00596/sklixvr66e3m.gif
الأدعية التي تقال للتخلص من وسوسة الشيطان
س : ما هي الأدعية التي تقال لغرض التخلص من وسوسة الشيطان؟
ج : يدعو الإنسان بما يسر الله له من الدعوات ، مثل أن يقول : ( اللهم أعذني من الشيطان ، اللهم أجرني من الشيطان ، اللهم احفظني من الشيطان ، اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ، اللهم احفظني من مكايد الشيطان ) ، ويكثر من ذكر الله ، وقراءة القرآن ، ويتعوذ بالله من وسوسة الشيطان الرجيم ولو في الصلاة .
وإذا غلب عليه الوسواس في الصلاة شرع له أن ينفث عن يساره ( ثلاث مرات ) ، ويتعوذ بالله من الشيطان ثلاثا ؛ لأنه قد صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه شكا إليه عثمان بن أبي العاص الثقفي رضي الله عنه ما يجده من الوساوس في الصلاة فأمره أن ينفث عن يساره ثلاث مرات ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وهو في الصلاة ففعل ذلك فذهب عنه ما يجده
والحاصل : أن المؤمن والمؤمنة إذا ابتليا بهذا الشيء فعليهما : أن يجتهدا في سؤال الله العافية من ذلك ، وأن يتعوذا بالله من الشيطان كثيرا ويحرصا على مكافحته في الصلاة وفي غيرها ، . وإذا توضأ فليجزم أنه توضأ ولا يعيد الوضوء ، وإذا صلى يجزم أنه صلى ولا يعيد الصلاة ، وكذلك إذا كبر لا يعيد التكبير . مخالفة لعدو الله ، وإرغاما له ، ولا ينبغي أن يخضع لوساوسه ، بل يجتهد في التعوذ بالله منها ، وأن يكون قويا في حرب عدو الله حتى لا يغلب عليه .
فتاوى ومقالات الشيخ بن باز..
نسأل الله بمنه وكرمه ، أن يحفظنا من كيد الشيطان،وأن يعيننا على نزغاته.آميـــن.
وصلي اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..
رجعت لها وساوس الصلاة ، فلا تخشع فيها
كنت أعاني من وساوس الشيطان ، لكن الحمد لله تخلصت منها ، لكن الآن أصبحت مختلفة , أصبحت الوساوس في الصلاة , يعني أنني لا أخشع , وأستعيذ بالله ، وأحاول أبعدها , لكن بدون فائدة ، والمشكلة أن إيماني يقل لدرجة كبيرة , وإذا قلَّ الإيمان تقل الأعمال الصالحة .
الحمد لله
من علامات صلاح العبد وحياة القلب أن لا يزال في مراجعة تامة لأحواله ، وأعماله ، وخطراته ، فالحساب يوم القيامة عسير ، والناقد سبحانه وتعالى بصير ، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .
غير أننا نخطئ حين نظن أن حياة القلب أمر يسير ، يمكن استجلابه في أي حين ، أو يمكن تحصيله بأي سبب ، ولو كان الأمر كذلك لما وجدت درجات الجنة ولا دركات النار ، ولما تفاضل الناس في الإيمان ، بل لصافحتنا الملائكة بالطرقات .
كلنا يعلم – أختي الكريمة – مكامن الضعف في نفسه ، ومواضع الزلل في قلبه ، ومتى يزداد الإيمان في قلوبنا ، ومتى يهن اليقين في عزائمنا ، نَجِدُّ ونكبو ، ونسعى ونتعثر ، ونحن في ذلك كله متعلقون برحمة الله وعطفه وإحسانه ، لا لفضلنا ومنزلتنا ، وإنما لكرمه وجوده وواسع فضله سبحانه ، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد ، يعلم ضعفنا وعجزنا ، وخطأنا وجهلنا ، وكل ذلك عندنا ، بل جعل جميع تلك الخواطر والأحوال من آياته التي يقسم بها ، فقال عز وجل : ( لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ) القيامة/1-2 .
يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله : " أما النفس اللوامة : فقال قرة بن خالد ، عن الحسن البصري في هذه الآية : إن المؤمن - والله - ما نراه إلا يلوم نفسه : ما أردت بكلمتي ؟ ما أردت بأكلتي ؟ ما أردت بحديث نفسي ؟ وإن الفاجر يمضي قُدُما ما يعاتب نفسه " انتهى باختصار .
"تفسير القرآن العظيم" (8/275) .
تأكدي أختي الكريمة أن الذي يظن أنه يجد الطمأنينة التامة في الدنيا ، والخشوع الكامل ، أو أنه لا يتعرض لوساوس الشيطان ونفثات النفس الأمارة بالسوء ، فقد أخطأ ظنه ، ولم يفلح في تجاوز ما يواجه من ذلك ، فالخطوة الأولى في العلاج هي تقبل الأمر ، واحتساب الأجر عند الله عز وجل ، وبهذا تتخلص النفس من أرق كبير يسببه شعورها بالتفرد بالمعاناة ، والشذوذ عن جميع الناس .
ولا يعني ذلك القعود والتكاسل عن تحصيل معالي الأمور ، بل طلب الخشوع من الواجبات باتفاق العلماء ، لكن الذي نعنيه من ذلك الحث على المصابرة والمجاهدة في استجلاب اليقين التام ، والتذلل الكامل لله عز وجل ، في الصلاة وخارجها ، والله سبحانه وتعالى سيكتب لكل من جاهد في سبيل ذلك الأجر العظيم عنده ، قال تعالى : ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) العنكبوت/69 ، وقال سبحانه : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) آل عمران/200 .
والمسلم الذي يؤمن بهذه الآيات الكريمات ، لا يصيبه اليأس من تحصيل ما وعده الله تعالى من النجاح والفلاح ، فالمهم هو سلوك الطريق الصحيح إلى الله عز وجل ، وطلب أسباب الخشوع والطمأنينة ، وتحمل العناء في سبيل ذلك ، فإذا أصاب بعد ذلك المطلوب فهنيئا له جنة الدنيا قبل جنة الآخرة ، وإلا فثوابه في الآخرة عند الله تعالى ثواب الصابرين ، وإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب .
ونرجو من الأخت السائلة أن تستعين بما سبق نشره في موقعنا من نصائح مفيدة في أمر الخشوع ودرء الوساوس وعلاجها ، لم نشأ أن نكررها هنا خشية الإطالة أو الإملال ، وهي تحمل الأرقام الآتية : (25778 (http://www.islam-qa.com/index.php?ref=25778&ln=ara)) ، (39684 (http://www.islam-qa.com/index.php?ref=39684&ln=ara)) ، (106426 (http://www.islam-qa.com/index.php?ref=106426&ln=ara)) .
كما ننصح بمراجعة قسم " الكتب " في موقعنا ، وقراءة رسالة بعنوان ( 33 سببا للخشوع في الصلاة ) ، ففيها أمور مفيدة إن شاء الله تعالى .
ومع ذلك فلا نخلي جوابنا هنا من فائدة جديدة ، ننقلها عن واحد من أكثر العلماء عناية بهذه الأبواب ، وهو الإمام الغزالي رحمه الله ، فنرجو قراءة هذا النص الذي ننقله عنه بمزيد عناية وتأمل .
يقول رحمه الله :
" لا يلهي عن الصلاة إلا الخواطر الواردة الشاغلة ، فالدواء في إحضار القلب هو دفع تلك الخواطر ، ولا يدفع الشيء إلا بدفع سببه .... فمن تشعبت به الهموم في أودية الدنيا لا ينحصر فكره في فن واحد ، بل لا يزال يطير من جانب إلى جانب .
فهذا طريقه أن يرد النفس قهرا إلى فهم ما يقرؤه في الصلاة ، ويشغلها به عن غيره ، ويعينه على ذلك أن يستعد له قبل التحريم ، بأن يجدد على نفسه ذكر الآخرة ، وموقف المناجاة ، وخطر المقام بين يدي الله سبحانه ، وهو المطلع ، ويفرغ قلبه قبل التحريم بالصلاة عما يهمه ، فلا يترك لنفسه شغلا يلتفت إليه خاطره .
فإن كان لا يسكن هوائج أفكاره بهذا الدواء المسكن ، فلا ينجيه إلا المسهل الذي يقمع مادة الداء من أعماق العروق ، وهو أن ينظر في الأمور الصارفة الشاغلة عن إحضار القلب فيعاقب نفسه بالنزوع عن تلك الشهوات ، وقطع تلك العلائق ، فكل ما يشغله عن صلاته فهو ضد دينه ، وجند إبليس عدوه ، فإمساكه أضر عليه من إخراجه ، فيتخلص منه بإخراجه ، كما أنه صلى الله عليه و سلم لما لبس الخميصة التي أتاه بها أبو جهم وعليها علم وصلى بها نزعها بعد صلاته ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( اذهبوا بها إلى أبي جهم فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي ، وائتوني بأنبجانية أبي جهم ) ، وكان صلى الله عليه و سلم في يده خاتم ، وكان على المنبر ، فرماه وقال : ( شغلني هذا ، نظرة إليه ، ونظرة إليكم ) ...... ، ومن انطوى باطنه على حب الدنيا حتى مال إلى شيء منها ، لا ليتزود منها ، ولا ليستعين بها على الآخرة ، فلا يطمعن في أن تصفو له لذة المناجاة في الصلاة ، فإن من فرح بالدنيا لا يفرح بالله سبحانه وبمناجاته .
وهمة الرجل مع قرة عينه ، فإن كانت قرة عينه في الدنيا انصرف لا محالة إليها همه ، ولكن مع هذا فلا ينبغي أن يترك المجاهدة ، ورد القلب إلى الصلاة ، وتقليل الأسباب الشاغلة ، فهذا هو الدواء المر ، ولمرارته استبشعته الطباع ، وبقيت العلة مزمنة ، وصار الداء عضالا .. وليته سلم لنا من الصلاة شطرها أو ثلثها من الوسواس لنكون ممن خلط عملا صالحا وآخر سيئا .
وعلى الجملة فهمة الدنيا وهمة الآخرة في القلب مثل الماء الذي يصب في قدح مملوء بخلٍّ ، فبقدر ما ندخل فيه من الماء يخرج منه من الخلِّ لا محالة ، ولا يجتمعان " انتهى باختصار .
"إحياء علوم الدين" (1/161-165) .
والله أعلم .