وكانت وفود القبائل تَقْدَم على الرسول صلى الله عليه وسلم للمفاخرة فكان الرسول عليه الصلاة والسلام يستعين بشاعره حسان للرد عليهم ومفاخرتهم، وكانت الروح الإيمانية والبراعة الشعرية عند حسان مدعاة لاعتناق بعض القبائل الإسلام، فقد اعتلى حسان المنبر في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم يوم انتصاره الأدبي العظيم على شعراء بني تميم في وفودهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وفدوا عليه بعد فتح مكة ليفاخروه، وفيهم ساداتهم البارزون، ونخبة من خطبائهم وشعرائهم، أمثال الأقرع بن حابس، والزَّبْرِقان بن بدر، وعُطارد بن حاجب، وقيس بن عاصم، فألقوا خطبهم وقصائدهم، فانتدب النبي صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت للرد على شاعرهم الزِّبْرقان بن بدر، فنقض قصيدته بالقصيدة العينية التي يقول فيها:
إنّ الذوائب من فهر وإخــوتهم قــد بينوا ســنةً للناس تُتّبع
يرضى بها كل من كانت سريرته تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا
قومٌ إذا حاربوا ضروا عـدوّهم أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
سجية تلك منهم غير محــدثة إن الخلائق_فاعلم_ شرُّها البدع
إن كان في الناس سبّاقون بعدهم فكل سبق لأدنى سبقهم تبــع
ولايضنون عن مولى بفضــلهم ولايصيبهم في مطـــمع طبع
لايجهلون وإن حاولت جهلـهم في فضل أحلامهم عن ذاك مُتسع
أعفّةٌ ذكرت في الوحي عفتـهم لايطمعــون ولايرديهم الطمع
كم من صديق لهم نالوا كـرامته ومن عدوٍ علـيهم جاهد جدعوا
أعطوا نبي الهدى والبر طاعتـهم فما ونى نصرهم عــنه ومانزعوا
أكرم بقوم رسول الله شيعتهـم إذا تفرقت الأهواء والشـــيّع
فلما سمع القوم ماقاله حسان، قال الأقرع بن حابس: إن هذ الرجل لمؤتى له، والله لخطيبه أخطب من خطيبنا، وشاعره أشعر من شاعرنا، وأصواتهم أعلى من أصواتنا، ثم أقبلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه وأسلموا.
المديح عند حسان:
كان حسان ينظر في مديحه للرسول صلى الله عليه وسلم، ولأصحابه رضي الله عنهم، من الزاوية الدينية، لا من الزاوية القبلية،لذلك جاءت مدائحه صادقة، ونابعة من قلبه وعقله، وهذه أبيات يمدح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أَغـــرّ عليه للنبوة خاتم مـن الله مشهود يلوح ويشهد
وضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن: أشهد
وشق لــه من اسمه ليجله فـذو العرش محمود وهذا محمد
نبي أتانا بعــد يأس وفترة مــن الرسل، والأوثانُ في الأرض تعبد
فأمسى سراجاً مستنيراًوهادياً يلـوح كما لاح الصقيل المهند
وأنذرنا ناراً وبشّــر جنةً وعلمـــنا الإسلام فالله نحمد
وأنت إله الخلق ربي وخالقي بذلك ماعـمّرت في الناس أشهد
ومن قوله يمدحه عليه الصلاة والسلام:
وأحسن منك لم تر قط عيني وأجمل منك لم تلد النساء
خُلِقْتَ مبرءاً من كل عيب كأنك قد خُلِقْتَ كما تشاء
أحب الصالحين ولست منهم لعلي أنـال بهـم شفاعـة وأكره من تجارته المعاصي ولو كلنا سواء في البضاعة |