|
أعجبني كثيرا هذا الموضوع وأحببت أن تشاركوني قراءته فيما تكلمت مع أسرتي عن الذوق وأن الكثير لا يعرف شيئا بهذا الإسم..
للكاتب جعفر عباس:هذه وقائع من أرشيفي تعود إلى عام 2001، عن غريهام الذي كان مزارعا في إقليم ويلز البريطاني، يبلغ من العمر 67 سنة، وظل يعاني لسنوات طويلة من مشكلة مستعصية (في تقديره)، وهي أن لجاره جونز، البالغ من العمر 93 سنة، ساعة حائط قديمة تمنع دقاتها ورنينها السيد غريهام من النوم، فكان أن لجأ إلى الشرطة والقضاء لإرغام الجار على إزالة الساعة أو إيقافها، فأجرت الشرطة تحرياتها أكثر من مرة واستعانت بجماعة حماية البيئة لقياس مدى التلوث الصوتي الذي تسببه الساعة، وقرر الجماعة أن الإزعاج المزعوم الذي تسببه الساعة في الحدود المصرح بها، وضاقت الشرطة ذرعا بشكاوى عمو غريهام ووجهت إليه تحذيرا بعدم مضايقتها أو مضايقة الجار العجوز، فغضب غريهام وطنطن! لأن الساعة حسب الإحصاءات التي أجراها تدق وترن 639 مرة ما بين الحادية عشرة مساء والسابعة والنصف صباحا، ولأنه كلما دقت جلس في سريره متوترا بانتظار الدقة التالية، ولما يئس غريهام من عدالة القضاء البريطاني اتخذ إجراء حاسما لوضع حد لمعاناته من تلك الساعة.. انتحر! حيث جلس في سيارته وسكب البنزين على نفسه بعد أن أحكم إغلاق أبواب السيارة وأشعل النار في نفسه حتى تفحم. وبداهة فقد انفطر قلبي حزنا على.. السيارة المسكينة التي احترقت مع عمو غريهام الذي قتل نفسه -في اعتقادي- لأنه كان رجلا حقودا ويريد حرمان جاره جونز صاحب الـ93 “ربيعا” من متعة الاحتفاظ بساعة أثرية، ولو كان غريهام هذا جارا لأسرة عربية في مدينة عربية، لانتحر وهو في عامه الثاني، ولأن الجار العربي مجبول على الكرم، فإنه يفتح جهاز التلفزيون عنده بحيث يسمع الجيران كل كلمة من كل برنامج أو مسلسل أو فيلم، وعندما يأتي زائر لهذا الجار الساكن في الطابق العشرين من عمارة ذات ثلاثين طابقا، فإنه يقف أمام مدخل العمارة ويزمّر ببوق سيارته للفت انتباه الجار إلى أنه وصل.. وبعض الضيوف العرب يأتونك مساء، ويودعونك بعد منتصف الليل بإجراءات مصافحة أطول من إجراءات التحية عند اللقاء، ثم يمتطون سياراتهم ويزمرون بيب بيب من باب تحية الوداع.. فنحن شعوب ودودة وحبوبة ولكننا نفتقر إلى الذوق في تعاملنا اليومي مع بعضنا، وفينا جلافة عجيبة.. تمسك بالباب في مستشفى ليمر من يسير خلفك فيلج من الباب دون أن يشكرك وكأنك بواب عند الذين خلّفوه.. وحتى عندما تلقي التحية على أحدهم فإنه قد يتجاهلك أو يرد عليها وكأنك زوج طليقته التي هجرته بأمر قضائي بعد أن أساء معاملتها.. ولحسن حظي فقد عوّدتني الحياة على تحمل إزعاج الجيران، ففي طفولتي كنت أصحو على نهيق الحمير وثغاء الماعز وصياح الديكة في بيتنا وبيوت جيراننا، والبيت السوداني يكون عادة “حوش”، أي فناء ضخم تناثر حوله الغرف على نحو عشوائي في غالب الأحوال، وكثيرا ما يتبادل الجيران الوناسة والأخبار من خلف الجدران، دون أن يكونوا قادرين على رؤية وجوه بعضهم، والديك في منطقة النوبة السودانية (ديار أهلي) كائن يعاني من خلل في ساعته البيولوجية، فتسمعه يصيح في الحادية عشرة مساء والثانية صباحا، وبعض الديكة عندنا تشبه الساعة التي دفعت عمو غريهام للانتحار في أنها تصيح على رأس كل ساعة. وبرغم جلافتنا فإنني أفضّل السكن قرب زريبة بهائم في إحدى الحظائر البشرية في العالم العربي على العيش جارا لأسرة من الفرنجة، لأنهم قوم لا يقيمون وزنا للعلاقات الإنسانية، ومن ثم ينكسرون ويتهاوون إزاء أي انتكاسة ويهربون من مشاكلهم بالانتحار!
|