
انفرد التشريع الإسلامي المنظم للعشرة الزوجية ؛ بخصائص وميزات عديدة ؛ اولها نظرته الكلية لهذه العشرة وإحاطته بكل تفاصيلها وجزئياتها ؛ إضافة الى عمق معالجته لأصولها وأسس بقائها سليمة دون اهتزاز.
في هذا المقال نعرض بمشيئة الله وقوته لمعالم أربعة ؛ وصوى عليها مدار تحقيق السكينة النفسية والمودة الجامعة ؛ والرحمة القلبية ؛ بين كل زوج و زوجة يرومان العيش في كنف الاسلام وهديه :
1- تزين الزوج لزوجته :
إن تزين الزوج لزوجته يجدد الحب بينهما ؛ ويحفظه من الذبول ؛ فمن حق الزوجة على زوجها أن يتزين لها بالشكل الذي ترتضيه ؛ حتى تأ نس إليه وتجد فيه ما يدعوها لمباشرته ؛ والتقرب إليه ؛ وغض البصر عن غيره ؛ فالمرأة ميالة بطبعها إلى عشق الجمال والتنظيم واتساق الألوان والأشكال ؛ وأول من تحب اأن تراه على هذه الصفة هو زوجها.
إن الإسلام لربا نيته ؛ احترم جبلة المرأة في هذا المجال ؛ فحبب أمر التزيين إالى الرجال انسجاما مع المبدإ العام الذي يشير إاليه ابن عباس رضي الله عنه في قوله : " إني ألبس وأتجمل ؛ فإن الله جميل يحب الجمال "
ويروى أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى رجل قد أرسل شعره فقال له : " احلق فإنه يزيد في جمالك ".
هكذا كان الصحابة الكرام على وعي ناضج بخفايا العلاقات الزوجية؛ هذا ابن عباس رضي الله عنه يصرح قائلا : " إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي ؛ وما أحب أن استنظف كل حقي الذي عليها حتى تستوجب حقها الذي لها علي لأن الله تعالى قال : " ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ".
قال العلامة القرطبي معلقا : " أما زينة الرجال فعلى تفاوت أحوالهم ؛ فإ نهم يعملون ذلك على الليق والوفاق ؛ فربما كانت زينة تليق في وقت ولا تليق في وقت ؛ وزينة تليق بالشباب ؛ وزينة تليق بالشيوخ ولا تليق بالشباب ".
لذلك على الزوج ان يظل حذرا ؛ إذ عليه معرفة ذوق زوجته وأنواع الألبسة والروائح التي تحب أن يرتديها ؛ ولا مانع من إفساح المجال أمامها كي تقترح عليه نوع اللباس وشكله ؛ وعليه أن أن يطاوعها إن طلبت منه إزالة ملابس معينة ؛ وتعويضها بأخرى لأنها تظهر بهذا السلوك اهتمامها بزوجها ومحبتها له.
وما دمنا في هذا الصدد فلا بأس من التذكير بقصة أقرب إلى النكتة منها إلى القصة ؛ فقد روي أن شيخا أشيب رأى امرأة فأعجبه حسنها فسألها : - "الك بعل "؟ - قالت : "لا " .-فقال لها : " فإني أخطبك ". -قالت : " لمن ؟" - قال : " لنفسي " - قالت : ولكن في شيئا قد لا يعجبك " . -قال : " وماهو؟" - قالت : " شيب في رأسي "فأعرض عنها وهم أن يفر .- قالت له : " مهلا أيها الشيخ ؛ فوالله مافي رأسي شعرة واحدة بيضاء ؛ وإني لبنت عشرين". - فقال لها : ولماذا تكذبين ؟" - قالت : " لأعلمك أننا معشر النساء ؛ نكره من الرجال مايكرهون منا ؛ ونحب فيهم مايحبون منا " فخجل الرجل وانصرف.
2- مؤانسة الزوجة وملاعبتها :
حتى تكون لبيت الزوجية الجاذبية ؛ وتلك المساكنة بين الزوجية ؛ وحتى يكون هذا البيت مفعما بالحب والطمأنينة ؛ عمد الإسلام إلى أشد الحبال الصلبة لتفجير هذا البيت انسا وحبا وعطاء ؛ فأوجب على الزوج مؤانسة زوجته ومداعبتها عبر عدة جسور ؛ أوهلا إدخال السرور على الأهل عند كل ولوج ألى المنزل ؛ خاصة عند الجوع من السفر ؛ بطلاقة الوجه وبشاشته واختيار التحية المناسبة ؛ والعبارة اللطيفة ؛ ومناداتها بالعبارة الرقيقة المعبرة عن منزلتها ومكانتها في قلب الرجل .
لذلك لا نستغرب إذا وجدنا الشارع الحكيم يعتبر لهو الرجل مع زوجته من أفضل القربات عند الله تعالى .
ومعلوم أن العلاقة الجنسية بين الزوجين ؛ لا تنحصر في الجماع فقط بل أيضا في الملاعبة والاستمتاع والمداعبة والملامسة؛ وترديد أحاديث الحب العفيف ؛ وتغزل الزوج بمحاسن زوجته لاستجلاب عطفها وحبها : لقي سيدنا عثمان رضي الله عنه وهو أمير للمؤمنين سيدنا عبد الله بن مسعود في منى أيام الحج فقال له : "ألا نزوجك جارية شابة لعلها تذكرك بعض ما مضى من زمانك ؟" وكان الصحابي يلقى أخاه فيسأله في مرح ؛ هل عرستم الليلة؟"
إن عبارة عرستم تحيل على الفرح والسعادة والاحتفال الذي يقتضي استعدادا ماديا ونفسيا لهذا الشيء الدي يصفه الصحابة الكرام بالعرس وهو ليس شيئا آخر غير لقاء الزوج زوجته ومجامعته لها . كان سلمان الفارسي رضي الله عنه يفهم هذا جيدا لذلك عالج أخاه أبا الدرداء بالوصية النبوية الناصحة لما اشتكت إاليه زوجة هذا الأخير ضياع حقها من زوجها الذي كان يصوم النهار ويقوم الليل : " يا أبا الدرداء إن لبدنك عليك حقا ولربك عليك حقا ولأهلك عليط حقا ؛صم وأفطر وصل وائت أهلك ؛ واعطي كل ذي حق حقه "
إضافة إالى ذلك فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يداعب زوجاته ويلهو معهن ؛ إذ نجده مثلا يتلطف مع سيدتنا عائشة فيسابقها ؛ تقول : " سابقني رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقته فلبث حتى إذا ارهقني اللحم سابقني فسبقني ؛ فقال : هذه بتلك".
ولعمري إن هذا السلوك الشريف الصادر من حبيب الأمة فيه أكثر من عبرة لكل زوج ؛ إذ فيه دعوة مباشرة للخروج من الانطوائية واليبوسة في التعامل بين الأزواج وفي الحديث : " ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم "
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل الكامل والأسوة الحسنة للرجال في اللطف بأزواجه ؛ والبربهن ؛ واحتمال غضبهن وغيرتهن ؛ وتنازعهن بالأناة والرفق والموعظة الحسنة ؛ فلم يضرب بيده امرأة ولا خادما ؛ وكان ألين الناس إذا خلا بنسائه وأكثرهم مجاملة ومؤانسة لأهله.
3- متعة الجسد :
يلخص هذا العنوان فلسفة الإسلام ونظرته للقاء الجنسي بين الزوجين إذ يعترف الشارع الحكيم بفطرية الدافع الجنسي ؛ ويضبطه بضوابط تمنعه من الارتماء في أحضان البهيمية والتوحش .
إن الإسلام يحصر الممارسة الجنسية في إطارها الحلال (الزواج ) ويحض عليه ؛ بل يعتبره" نصف الدين" لذلك كان رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على من آثروا التبتل على الزواج صريحا وواضحا : ( أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأـزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) (رواه البخاري)
بل إن" المتعة" التي يحصلها من لقاء زوجته تعتبر صدقة يؤجر عليها الإنسان قال المصطفى صلى الله عليه وسلم ( وفي بضع احدكم صدقة قالوا يارسول الله أيأتي احدنا شهوته ويكون له فيها اجر قال أرأيتهم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرا) (رواه مسلم)
نحاول في عجالة واقتضاب مسايرة العملية الجنسية لنرى كيف يوجهها الإسلام ويظبطها ؛ إذ بعد إلزام الزوجة بالإستجابة الفورية لزوجها عندما يريدها لنفسه ؛ على هذا الأخير أن يتزين لها ويلاعبها ؛ ويداعبها حتى يتميز هذا اللقاء عن غيره في عالم الحيوانات ؛ وحتى يكتسي طابعه الإنساني الأخاذ الذي يزيد الالفة والمحبة بينهما ؛ ثم يسمي الله تعالى ويتستر ولا يطؤها إلا في مكان الحرث(الفرج) لا غير . قال الله تعالى "" نسا ؤكم حرث لكم فآتوا حرثكم أنى شئتم "".
إذا رجعنا إلى سيرة الرسول الكريم ؛ نطلع على حدث ذي طرافة خاصة إذ المعروف أن الأنصار رضوان الله عليهم ؛ كانوا يأتون أزواجهم على شق واحد ( على جنوبهم ) ؛ لكن المهاجرين كانوا كما يصفهم عبد المنعم أبو العباس رضي الله عنهما " يشرحون النساء شرحا منكرا ؛ ويتلذذون منهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات " ؛ فلما رحل المهاجرون إلى المدينة وتزوجوا بالأنصاريات ؛ رفضن الوطء إلا على الجنب فرفع الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ عن طريق أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها ؛ فجاء الحل؛ قول الله تعالى : ( نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ) أي مقبلات مدبرات ومستلقيات مادام في موضع المولد ؛ اعتبارا لمن فسر "" أنى شئتم" ب " كيف شئتم " لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضح قائلا : ( لا ؛ إلا في صمام واحد ) أي الفرج. ويقول سيدنا عمر رضي الله عنه " أقبل وأدبر واتق الحيضة والدبر " .إن الشطر الأخير من هذه القولة ؛ يوضح لنا إحدى أهم الآداب الواجب مراعاتها عند الجماع؛ وهي تجنب - بل حرمة - الوطء في الدبر أو عند الحيض . إضافة ذلك فقد سطر الإسلام آدابا واقية وحدودا شافية تزيد العلاقة الجنسية أصالة وعفة ؛ ومن دلك :
أ - حرمة التحدث بأسرار النكاح : فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن من شر الناس منزلة يوم القيامة ؛ الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر أحدهما سر صاحبه ).
ب - انتظار الزوجة حتى تقضي وطرها من الزوج : لما ثبت علميا من تأخرهن ؛ فقد روى أبو يعلى عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا جامع أحدكم أهله فليصدقها فإذا قضى حاجته قبل أن تقضي حاجتها ؛ فلا يعجلها حتى تقضي حاجتها ). يقول حجة الإسلام أبو حامد الغزالي موضحا : (. . . . ثم إذا قضى وطره فليتمهل على أهله حتى تقضي هي أيضا نهمتها ؛ فإن إنزالها ربما يتأخر فيهيج شهوتها ؛ ثم إن القعود عنها إيذاء لها ( أي عدم مساعدتها في تحقيق لذتها ) والإختلاف في طبع الإنزال يوجب التنافر مهما كان الزوج سابقا إلى الإنزال ؛ والتوافق وقت الإنزال ألذ عندها ؛ ولا يشتغل الرجل بنفسه عنها فربما تستحيي .
ج - الجماع بنية العفاف وتكثير سواد الأمة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تزوجوا الودود الودود فإني مباه بكم الأمم ).
د - الاستمرار في الحديث بعد الجماع وعدم الافتراق مباشرة : فهذا الأمر ثقيل على المرأة والذي تكرهه أشد الكراهية.
وعموما ؛ فإن سرور النفس وطيبة الزوجين وسعادتهما الجسدية تكتمل بالتفاهم الرقيق ؛ والكلمة العذبة ؛ واختيار الوقت الأنسب ؛ والحركة الأجمل ؛ مادانم الرجل والمرأة في حلال ؛ فلا حرج عليهما فيما يصنعان من فن المداعبة والملاعبة ودلال المرأةوتعطف الرجل.
4 - الاعتدال في الغيرة : الغيرة حالة نفسية متأصلة في نفوس البشر يخلق الله بسببها في قلب الرجل الأهبة والاستعداد الكامل للمحافظة على شرفه عبر دفعه إلى صيانة أهله من الوقوع في الزلل . اخرج الإمام البخاري في كتاب النكاح قصة الرسول صلى الله عليه وسلم مع سعد بن عبادة رضي الله عنه قال : " لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح " فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : اتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه؛ والله أغير مني.
الغيرة إذن فرض إلهي ؛ وسنة نبوي ؛ وسلوك بشري يجعل الخوف على الأهل من الوقوع في المحرمات خما أساسيا على للزوج . . . . فإذا انعدم هذا الشعور أصبح هذا الأخير موسوما بصفات الاستكانة والخنوع ؛ أو لنقل ببساطة إنه يصبح ديوثا لكن الشارع الحكيم لم يترك " الغيرة " على عواهنها بل قننها حتى لا تنقلب إلى سلاح مدمر للأسرة إذا تجاوز حدوده المعقولة ؛ فيأمر الرسول الكريم الأزواج في الاعتدال في غيرتهم وعدم الشطط في تفسير نوايا أزواجهم وعدم الاستجابة لهواتف الشيطان وإملاءاته فتشديد الخناق على الزوجة والمبالغة في تصيد هفواتها تحت ستار الغيرة أمر يمقته الله ورسوله خاصة إذا بنيت هذه الغيرة على أساس هش ؛ كما في الظن الكاذب على الزوجة بخيانتها لزوجها ؛ وإلى ذلك يشير الرسول صلى الله عليه وسل : ( إن من الغيرة مايحبه الله ؛ ومنها مايبغضه الله ؛ فأما الغيرة التي يحبها الله ؛ فالغيرة في الريبة؛ والغيرة التي يبغضها الله فالغيرة في غير ريبة. . . .).
وخلاصة القول ؛ إن ما سلف من بيانات وشروح اعلاه لا يعدو أن يكون قطرة في بحر التشريع الإسلامي الزاخر الذي أحاط الحياة الزوجية بكل الضمانات التي تجعل منها مؤسسة حاضنة للأجيال ؛ ومؤطرة لحركة الأمة ؛ وموطنا لصناعة الرجال والحياة . إن الصوى والمعالم أعلاه تخاطب دفعة واحدة كلا من الرجل والمرأة اعتبارا للشراكة والميثاق الغليظ الذي يربطهما ؛ واعتبارا لكونهما - معا - الضمانة الحقيقية للحفاظ على قيم النبل والفضيلة ؛ إن هما اعتصما بحبل الله ؛ وعلما أن مؤسسة الزواج إطارا لعبادة الله والخوف منه ؛ والتقرب منه ؛ والتوبة الدائمة إليه ؛ والخشوع الضارع المتبتل أمام كبرياء الله ؛ جل الله ؛ ولا إلاه إلا الله.
|