حين انتهى القارئ من تلاوة سورة البلد، نظرت لصاحبي مليًّا وقلت: "عجيب أمر هذا القرآن، كلما عدت إليه أمدك بمدد روحي وإشراقي جديد!" فقال لي: "وما العجب في هذا، ألم يقل فيه النبي صلي الله عليه وسلم إن عجائبه لا تنقضي؟، ولكنه يحتاج روحًا شفافة تستجلي عبره، وتستكشف آفاقه السامقة، وتستخرج درره وأسراره".
حين هرعت إلى منزلي، جلست أفكر في سورة البلد، سورة مكية أتت تصبر النبي صلى الله عليه وسلم على ما كان يلاقيه من أذى قريش، وتعنف أحدًا من أعتى خصومه وتوبخه بطريقة تعرفه حجمه وتعلمه قدره. ولأنها سورة البلد، فهي حكاية كل بلد، ولأن الله أقسم فيها بالوالد وما ولد، فهي حكاية الإنسان في كل جيل، في كل عصر ومصر. هي حكاية تتكرر على مدى الأزمان، طالما في الزمان شيء اسمه الإنسان.
السورة غايتها أعمق من مجرد أن تكون رسالة إنذار لظالم واحد، فرسالتها عميقة في الإصلاح النفسي والتهذيب الروحي لكل نفس تشرد عن طريق ربها، أو شذت عن الغاية التي خلقت من أجلها.
سورة البلد رسالة لا تنتهي صلاحيتها لانعدام آفاق محدوديتها. فهي رسالة عامة لا تتأثر بالطقس ولا بالظروف، ورسالة إنسانية تخاطب في الإنسان عقله وروحه سواء بسواء؛ دون تمييز للون أو جنس.
هي رسالة يحتاجها البشر في زمن التجبر المادي والتسلط الإلكتروني، وطغيان حضارة المادة على فطرة الروح. هي رسالة إصلاحية هدفها الإنسان مجرد من الزمان والمكان والأوصاف والألوان، وهدفها المجتمع المفتقر إلى قيم التراحم والصبر والتعاون والبر.
فسبحان الله |