موقع و منتدى الفراشة النسائي

يعد هذا الموقع أكبر منتدى نسائي للمرأة العربية وأحد مواقع !Yahoo مكتوب. انضمي الآن وشاركينا تجاربك وخبرتك و تمتعي بالتعرف على صديقات جدد.



+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 7 من 7
Like Tree0الاعجابات

الموضوع: سلسلة { اعترافات فتاة } (1)

  1. #1

    الصورة الرمزية روان العسل
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المشاركات
    1,239




    افتراضي سلسلة { اعترافات فتاة } (1)

    سلسلة { اعترافات فتاة } (1)





    بسم الله الرحمن الرحيم

    أهدي إليكم .. تلك المجموعة القصصية
    جمعتها، كتبتها، لكم من مجلدات مجلة حياة
    وهي احدى الزوايا القائمة في تلك المجلة المباركة ان شاء الله
    الزاوية تحت مسمى: اعترافات فتاة / بقلم نوف الحزامي

    وإليكم هذا الملف الذي أسأل الله تعالى أن يبارك فيه وأن يستفاد منه حق الفائدة
    ويجعله في ميزان حسناتنا وحسنات والدينا يارب العالمين


    - 1 -

    سامحني يا أبي . .

    [IMG]http://saaid.net/gesah/img/cc87***c89.jpg[/IMG]

    كنت أشعر بحاستي . . أن هناك شيء ما سيحصل . .

    كل ما يدور تلك الأيام كان يدل على ذلك . . أبي ترك المنزل . . وأمي تبكي طوال الوقت . .


    وهمسات تدور هنا وهناك بين خالاتي . . واتصالات جدية بالهاتف . .

    ولم يطل الوقت قبل أن أصدم تماماً بما لم أتوقعه أبداً . . طلاق أمي وأبي . .!

    كانت الخلافات بينهما كثيرة جداً . . وقد تعودت على ذلك منذ طفولتي . . لكن لم أتصور يوماً أن يتم الانفصال بينهما . .


    لا أستطيع أن أصف شعوري لحظتها.. حين أخبرتني خالتي بذلك.. رغم أني كنت في المرحلة الثانوية.. إلا أني شعرت بأني عدت طفلة صغيرة.. لا تعرف كيف تتصرف ولا كيف تنحكم في مشاعرها..

    أغرقتني نوبة طويلة من البكاء.. لم أعرف كيف أوقفها.. وبقيت أبكي طوال ليلتين متواصلتين..

    لم أكن قادرة على تصور فكرة أن ينفصل أبي وأمي عن بعضهما.. أن يتركنا أبي.. ويعيش بعيداً عنا..

    لم أكن قادرة على تخيل مكانه الخالي على سفرة الإفطار كل صباح قبل ذهابنا لمدارسنا.. ولا قادرة على تصور المجلس خالياً منه حين يجلس كل مساء يحتسي ق***ه ويقلبَّ أوراق صحيفته..

    كنت لا أعرف لمن أشعر بالرثاء..

    لأمي المسكينة التي صبرت كثيراً.. وضحّت.. وتحمَّلت منه الكثير.. ثم تفاجأ الآن بأنه قد تركها وحيدة..

    أم أشعر بالرثاء لأبي المسكين.. الذي لا أعرف أين سيذهب الآن.. من سيعتني به.. ومن سيصحبه..
    لقد تحمَّل أيضاً هو الآخر من أجلنا..

    لكن شيئاً ما كان يجعلهما غير قادرين على العيش معاً.. كانا مختلفين تماماً.. في كل شيء.. وكانت حياتهما معاً كمزيج من الزيت والماء.. مهما امتزجا.. فإنهما لا يختلطان معاً.. أبداً..

    كنت أشعر أني ضائعة ومشتتة بينهما..

    لكن الطلاق.. لم أكن أفكر به أبداً أبداً..

    * *

    وفيما بعد.. بعد أن انفصلا تماماً.. عشنا فترة طويلة ونحن نشعر بفجوة كبيرة في حياتنا..

    كنت أشعر بحزن كبير تجاه أمي.. وتعاطف تجاه أبي..

    لكني أيضاً.. كنت أكن لوماً وعتباً كبيراً على أبي.. فقد انقطع عنا تماماً.. ولم يحادثنا أو يسأل عنا لمدة شهرين كاملين..

    ولكن بعد فترة.. بدأنا نتأقلم شيئاً فشيئاً مع الوضع.. انشغلت أمي في دوامها.. وانشغلنا نحن بدراستنا وهواياتنا..

    ورغم أن الجرح كان لا يزال في قلبي.. لكني بدأت أعتاد على لفجوة التي خلَّفها غياب أبي عن البيت..

    وذات مرة اتصل علينا أبي.. وحادثني..

    فلم أستطع أن أتحدث.. كنت مشتاقة له جداً.. وأحبه كثيراً.. لكن.. كنت أيضاً عاتبة عليه.. إذ تركنا هكذا ونسينا ولم يسأل عنا منذ عدة أشهر.. شعرت بشيء يخنقني، فلم أستطع أن أنطق حرفاً واحداً.. وأخذت أبكي وأبكي حتى سقطت السماعة من يدي..

    ولم أتذكر من نبرات صوته الدافئ سوى (ربا.. كيف حالك؟.. لقد اشتقت لكم)

    لم أكن أعرف من ألوم على من ألقي ذنب هذا الطلاق.. ولم أجد سوى ربي لألجأ إليه بالدعاء أن يكتب لنا كل ما فيه خيرنا..

    * *

    وفي المدرسة كنت أعاني من الداخل.. لم أكن قادرة على التركيز ولا المشاركة في الفصل.. لكن أي معلمة لم تقدّر ظروفي.. لأني لم أجرؤ على مصارحتهن بما حصل.. ولم يسألنني بدورهن عن أية مشاكل قد أواجهها..

    ولم أعد أحب أن أجلس مع زميلاتي كثيراً.. بل أصبحت أؤثر الوحدة أو الجلوس بصمت بينهن..

    كنت أشعر أن في داخلي.. تفكيراً أسود.. يجعلني أحقد أو أغار من كل زميلاتي حين يتحدثن عن آبائهن، وعن نزهاتهن الأسرية. حين تقول إحداهن: (ذهبت مع أبي بالأمس إلى..) كنت أشعر بمس كهربائي يلسعني بقوة في صدري..

    وكنت أقول لنفسي كثيراً.. ما هذا يا ربي.. هل أصبحت شريرة لهذه الدرجة؟ أيعقل أن تحقدي عليهن فقط لأن لديهن آباء؟

    وكنت أستغفر الله في سري دائماً.. لكن ذلك الشعور كان أقوى مني.. وكنت أشعر دون إرادتي أني أتمنى لو كنت مكان أي واحدة منهن.. أو.. أحياناً.. كنت.. كنت أتمنى لو يتطلّق آباؤهم وأمهاتهم كما حصل لي.. كنت أتمنى أن يذوقوا ما ذقته.. وأن يعيشوا مأساتي..

    * *

    بعد مدة.. اتصل أبي مرة أخرى.. وحاول محادثتي.. لكني رفضت.. كنت أتمنى في سري أن أحادثه وأعرف أخباره.. كنت أحبه كثيراً.. لكن.. كنت عاتبة عليه جداً.. لأنه تركنا هكذا.. بكل سهولة ورحل..

    وحاول أبي عدة مرات زيارتي أو محادثتي.. لكني وبلا إرادة مني.. كنت أرفض بشدة..

    وازداد تعنتي أكثر وأكثر حين علمت أنه سيتزوج..

    شعرت بأنها الطعنة الأخرى التي يوجهها أبي لنا.. شعرت بأنه يفعل أمراً خطأ.. أمراً معيباً له..

    كيف يتركنا ويتجاهلنا.. والآن ويذهب لامرأة أخرى؟

    كان تفكيري متجمداً تماماً وغير قابل للتغيير

    بدأت أشعر أن أبي هو سبب ما نعيشه من تشتت.. فصببت جام غضبي عليه..

    لكن ذات مرة وبعد زواجه أصر على رؤيتنا وأخذنا معه في زيارة لرؤية زوجته الجديدة.. وحين رفضت هددنا بأخذنا من والدتنا خاصة وأننا بنات..

    وانصعت لأمره.. وكان لقاء جامداً..

    تجاهلته فيه تماماً.. رغم أنه كان محملاً بالهدايا لنا.. وكان المسكين مشتاقاً جداً لنا..

    كنت أشعر أني حانقة عليه بشدة..

    شيء لا يمكن وصفه.. أحبه.. ومشتاقة إليه.. لكن عاتبة وغاضبة إلى أبعد حدٍ عليه.. لدرجة أني لا أريد حتى رؤيته أو الجلوس بقربه..

    كنت أشعر أنه لي.. أبي.. أبي لنا..

    فلماذا يتركنا ويرحل.. نحو امرأة أخرى..

    وحين رأيتها ومدت يدها للسلام عليّ.. أدرت وجهي عنها ومددت يدي ببرود.. وملامح وجهي تزدريها بشدة..

    حاولت أن تتحدث معنا بطيبة، وأن تستدرجنا في الحديث.. لكني كنت أصوب نظراتي الحادة تجاه أخواتي الصغار حتى لا يتحدثن معها.. وكنت قد هددتهن قبل قدمونا حتى لا يتجاوبن معها ولا مع أبي..

    شعر أبي بخيبة أمل.. وأعادنا بهدوء بالسيارة دون أن نتبادل حتى كلمة واحدة..

    وحين وصلت إلى المنزل.. أسرعت نحو غرفتي..
    وأخذت أبكي بحرقة.. كنت أعلم أني أحبه ولا أود أن أعامله هكذا.. ولكن لا أستطيع..

    لم أعرف لماذا كنت أبكي بالضبط.. لكني شعرت بحرقة في صدري.. وددت لو أصرخ بشدة حينها..

    تمنيت لو أفتح عيني فأجد نفسي قد استيقظت من حلمٍ مرعب.. ويعود أبي إلينا.. هنا.. كما كان من قبل.. أبي الذي نحبه ويحبنا.. ولا يحب أحداً غيرنا..

    لكن.. هيهات..

    * *

    وذات مرة.. سمعته.. كان شريطاً رائعاً.. عن بر الوالدين.. كنت عائدة من المدرسة.. وسمعته في سيارة خالي.. شعرت بأنه هزني من الأعماق وأيقظني.. وفجأة أحسست بأني حقيرة.. وصغيرة جداً.. وأتفه من أي مخلوق على الأرض.. أيعقل ما قمت به؟

    فقط لأن الله لم يكتب لوالديَّ أن يعيشا معاً.. أقرر مقاطعة أبي ونسيان كل أفضاله عليّ؟.. هل لمجرد كونه انسحب بهدوء من حياتنا فإنني أشن عليه حرباً شعواء..؟ إنه لم يسيء إلينا بأي شكل.. لم يقصر في حقوقنا.. ولا تربيتنا ولم يبخل علينا يوماً بأي شيء نحتاجه – حتى بعد أن تركنا.. بل إنه يحاول أن يرانا وأن يأخذنا لزيارته.. بينما أنا أرفض؟!! هل هذا عدل؟..

    كم أنا غبية ومتعجرفة.. إنه السبب بعد الله في ظهوري لهذه الحياة.. وهو من سهر وقلق على راحتي حين مرضت وهو من حرص على تدريسي ورعايتي في الصغر.. وبعد كل هذه الأفضال.. أعاقبه لمجرد كونه اضطر لأسباب قاهرة أن ينفصل عن أمي؟!

    بدأت أعيد حساباتي وأفكر من جديد..

    وشعرت بحنين كبير لوالدي.. وخفت أن يقبض الله روحي قبل أن أرضيه عني.. نعم لابد أنه لا يزال متضايقاً لما واجهته به من جفاء..

    وما أن وصلت إلى المنزل.. حتى أسرعت ورفعت سماعة الهاتف واتصلت عليه..
    - أبي.. أبي.. أنا آسفة.. أرجوك سامحني..

    - ربا.. ماذا هناك.. ما بال صوتك هكذا.. هل حصل شيء؟

    - أبي.. أنا أحبك.. أقسم بالله أني أحبك.. لكن.. لا أعرف لماذا..

    وانقطع صوتي لأني لم أعد أعرف ماذا أقول وشهقات البكاء تخنقني.. فصمت قليلاً ثم قال..
    وأنا أيضاً أحبك يا ابنتي.. وأعرف تماماً لماذا كنت تتصرفين هكذا.. أعرف أن الأمر شديدٌ عليكن.. ولكن هذا قدر الله.. ماذا أفعل.. أنا أحبكن يا ابنتي وسأظل أحبكن.. ثقي بذلك..

    - هل أنت راض عني إذاً..

    - نعم بارك الله فيك..

    بعد ذلك.. تغيَّرت أشياء كثيرة في داخلي.. ولم أعد أشعر بذلك الحزن وتأنيب الضمير الذي كان يخنقني.. أصبحت حياتي أكثر إشراقاً وراحة.. أصبحت أحرص على بَّر أبي وصلة رحمه وأحاول إرضاءه عني بكل الوسائل..

    * *

    قبل شهر أنجبت زوجة أبي طفلاً.. شعرت لوهلة بشيء من الغيرة لأنها أنجبت ولداً بينما نحن كلنا بنات.. لكن أبي قال لنا بالحرف الواحد وأمام زوجته..
    - ثقي يا ربا.. أن أحمد لن يكون أغلى من أي واحدة منكن.. ووالله أني لن أفضله بأي شيء عليكن، فكلكم أبنائي ولا فرق بينكم..

    فشعرت بارتياح جميل.. وكانت زوجة أبي طيبة جزاها الله خيراً حين سمحت لي بأن أضعه في حضني وأحمله بكل ثقة..

    لأبدأ مرحلة جديدة من حياتي وصفحة بيضاء صافية.. لا مكان فيها للحقد والكره إن شاء الله


    **
    مجلة حياة العدد (33) محرم 1424هـ

    - 2 -

    كلا . . أنا أشعر !


    - ثلوى . .! ثلوى . . هيييه . . .

    هكذا تستقبلني مرام كل يوم حين أقدم من المدرسة . . ثم ترتمي عليَّ لتحضنني .

    لم أكن أهتم بها بصراحة . . ولم أكن أرحب بهذا الاستقبال الحار الذي تستقبلني به كل يوم وأنا منهكة بعد عودتي . .

    وذات مرة حين انقضَّت على حقيبتي لتبحث فيها عن أي حلوى . . أوقعت كتبي على الأرض . . فصرخت في وجهها بشدة . . وضربتها دون أن أفكر . .


    كنت غاضبة جداً بعد أن رفضت مدرسة علم الاجتماع إعادة الاختبار لي وتجادلت معها بحدة .. ولم يكن ينقصني بعد يوم دراسي منهك أن أنحني لجمع كتبي المتناثرة من الأرض.

    تجمدت مرام.. ونظرت إليَّ بجمود حين ضربتها .. دون أن تتنفس بكلمة أو حتى تتألم..

    فأسرعت والدتي تؤنبني بشدة .. حرام عليك يا سلوى!..
    تضربين هالمسكينة ؟!

    - أفف.. لقد مللنا هذه الأسطوانة .. مسكينة .. مسكينة .. وما ذنبنا نحن ؟ ولماذا تخافين على مشاعرها لهذه الدرجة ؟ انظري إليها.. إنها لا تشعر أصلاً..!!

    كنت أعلم أن كلمتي هذه ستجرح أمي التي لا زالت تعتقد أن مرام طفلة شبه طبيعية .. وترفض الاعتراف بأنها متخلفة بالمعنى المعروف..

    صمتت أمي تماماً وهي لا تزال تحتضنها ... بينما أسرعت أواري بصري عن المنظر بالهروب إلى غرفتي ..

    لا أعرف ما الذي جرى لي .. كيف ضربتها هكذا وقلت لأمي ما قلت ..

    لكن .. أنا معذورة .. نعم

    فقد مللت .. مللت اهتمام أمي الزائد والمبالغ فيه بها .. إنها تدللها وتحنو عليها أكثر من أي فرد منا

    استغفر الله العظيم .. ليت الله يأخذ أمانته فيها لنرتاح نفسياً واجتماعياً..

    أمي لا تنفك عن التفكير طوال الوقت في مصيرها .. ودائماً تردد أمامي وصيتها لي في الاهتمام بمرام والعناية بها، بعد وفاتها ... إن هذا الشعور يجلب لي المرض .. لقد مللت من هذا الحزن الذي تصر أمي على إغراقنا فيه بسببها .. لقد حرمت نفسها من الذهاب للكثير من المناسبات الاجتماعية والنزهات والسفر من أجل مرام ..

    حتى زواج ابن خالتي لم تذهب إليه لأني رفضت أن تذهب إليه مرام معنا .. هذا ما كان ينقصنا .. أن نأخذها لتبدأ في الضحك والسلام على كل الحاضرين بفرح وبلادة ثم تبدأ حركاتها المضحكة .. أمي أثارها رفضي هذا .. وقررت ألا تذهب في حال لم تذهب مرام .. كان بإمكانها أن تتركها مع الخادمة ولو تلك الليلة فقط .. لكن أمي.. تصرّ على تعقيد الأمور وبث الحزن والتعاسة في كل موضوع له علاقة بمرام ..

    يا الله .. متى تقتنع أمي أن مرام المسكينة لا تفهم ولا تشعر بشيء.. إنها لم تكن لتشعر بحزن أو سعادة سواء أذهبت لذلك الحفل أو غيره أم لم تذهب..

    يطرق معاذ باب غرفتي ليوقظني من النوم ..
    - هيا استيقظي .. لقد أذن المغرب..

    أقوم ببطء .. أشعر أني منهكة ومتضايقة جداً.. أتوضأ وأصلي.. ثم أبدأ في حل واجباتي.. أفتح دفتر الكشكول الخاص بالهوامش.. فألمح على آخر صفحة منه رسمة .. يبدو أنها إحدى (شخاميط) مرام .. أنظر إليها بهدوء .. إنها رسمة بيت حوله أشجار .. أدقق فيها .. لم أكن أتصور أنها تستطيع رسم صورة كهذه .. لابد أن معاذ علمها ..

    ألقي الدفتر جانباً وأبدأ في حل واجباتي الكثيرة .. وفجأة .. أطلت مرام برأسها الكبير من طرف الباب..

    ضحكت.. ماذا لديك؟.. ادخلي.. ماذا تريدين ؟..

    دخلت بهدوء ونظرت إليَّ ثم جلست على الأرض .. يبدو أن منظر الدفاتر والأقلام قد أغراها كثيراً.. هجمت على أقلامي وأمسكتها .. ثم أمسكت أحد الدفاتر وهي تنظر إليَّ بخوف .. أرثم؟!..

    - كلا... كلا .. إعطيني إياه .. هذا للمدرسة ..

    استسلمت وتركت الأقلام من يدها .. ثم قامت نحو مكانها المفضل .. تسريحتي..
    صعدت على الكرسي .. وأخذت تطلُّ على وجهها في المرآة .. ثم التفتت برجاء وهي تمسك أحد أقلام الشفاه ..
    - ثلوى.. ممكن؟

    لا أعرف لماذا تعاطفت معها هذه المرة .. إنها مؤدبة جداً اليوم ..
    - حسناً.. استخدمي هذا فقط ..

    ارتسمت ابتسامة كبيرة على وجهها وأسرعت تضع اللون على شفاهها بفرح ..

    عدت لإكمال واجباتي .. وانهمكت فيها .. حين لاحظت بعد قليل هدوءها .. التفتّ إليها ..
    فوجدتها تتأمل نفسها بعمق في المرآة ..
    أخذت أراقبها .. كان تنظر بهدوء .. مرة تبتسم ومرة تقطب جبينها ومرة ترفع رأسها .. وفجأة تحدثت وهي تنظر لنفسها بصوت يائس أسمعه منها لأول مرة ..
    - أنا (مو حلوة) ..!
    صدمتني العبارة كثيراً.. وأخذت أنظر إليها بعمق .. شعرت بعطف كبير عليها .. لقد بدأت تعرف أن شكلها يختلف عن الآخرين ..

    عادت بي الذاكرة إلى عشر سنوات خلت .. حين كنا مترقبين لخبر ولادة أمي في المستشفى .. إنها بنت.. يا سلام .. أخيراً أصبح عندي أخت .. الحمد لله ..

    أتت مرام بعد أربع أخوة ذكور .. ففرحت بها جداً.. حتى .. وصلنا الخبر ...
    إنها غير طبيعية .. كيف ؟. تضخم في القلب .. و.. ماذا؟! إنها منغولية .. كنت لا أزال صغيرة ولم أفهم فتساءلت ... ماذا يعني منغولية ؟..

    يعني يا سلوى .. إنها مختلفة قليلاً.. سيكون من الصعب عليها اللعب كثيراً.. أو الكلام بسهولة .. كما أن تفكيرها .. سيكون أقل من أقرانها ..؟

    سكتت وأنا أنظر للدموع التي تلمع في عيني أبي ..

    وحين رأيت مرام لأول مرة .. عرفت كيف أنها مختلفة .. كانت بيضاء وجميلة مثل كل الصغار .. لكنها كانت مختلفة .. لم تكن تشبهنا. وشيئاً فشيئاً حين كبرت بدأت ملامح التخلف تظهر واضحة عليها ..

    يقول الدكتور أن الأشخاص المنغوليين لا يعيشون طويلاً.. إنهم يموتون في سن مبكرة .. غالباً في العشرينات .. أو الثلاثينات من أعمارهم..

    لكن مرام كانت منذ صغرها تعبَّر عن حلمها بأن تصبح عروسة .. مسكينة .. إنها لا تعلم ..

    كنت دائماً قاسية معها .. كنت أشعر بأنها عبء كبير علينا .. كما أنها تشعر .. سواء أصرخت عليها أم شتمتها .. فإنها لا تشعر ولا تتأثر أبداً.. بل إنها لم تبك يوماً في حياتها ..

    لكن الآن .. إنها تقيَّم نفسها .. بدأت تشعر أنها غير طبيعية .. وأن ملامحها مختلفة ..

    أنا (مو حلوة) أنا (مو حلوة) .. أخذت تتردد في ذهني طويلاً.. وشعرت بعطف كبير عليها.. حين اقتربت مني بهدوء وهي تشير بإصبعها السبابة إلى وجهي حتى كادت تلامسه ..
    - ثلوى .. حلللوة..!

    لأول مرة شعرت بأنها بحاجة لمن يضمها .. فاحتضنتها بعطف كبير .. فإذا بها تتمتم في صوت هامس ورأسها على رقبتي وكأنها تحادث نفسها .. وتعيد حواراً قديماً سمعته من قبل..
    - ملام.. مو .. حلوة .. لا .. لا!! ملام مو حلوة .. ما تجي عند الحليم .. ( مرام غير جميلة .. لا .. يجب ألا تدخل عند الحريم ).

    توقفت قليلاً.. وأخذت أفكر في كلامها .. إنها .. إنها تكرر كلامي.. نعم إنه كلامي لأمي قبل شهر حين أتانا بعض الضيوف .. نعم .. كنت غاضبة ورفضت أن تسمح لها أمي بالدخول إلى المجلس .. أذكر أني قلت بالحرف الواحد أمامها.. (كلا يا أمي .. لا .. لا تحرجينا أمامهم بصراحة مرام شكلها (يفشل) .. لا تتركيها تدخل على الحريم أرجوك .. ولم أهتم يومها بأن مرام المسكينة كانت واقفة أمامي .. كنت أعتقد أنها لا تفهم ولا تشعر..
    لكنها .. حفظت ذلك الكلام .. لا زال في قلبها .. إنها تردده .. اليوم ..

    مسكينة يا أختي الحبيبة. كل ذلك كان في قلبك الصغير المريض .. وأنا لا أعرف..

    احتضنتها طويلاً.. وأنا ألمس شعرها .. وهي لا تزال تردد الحوار الهامس في هدوء .. ثم تضيف محادثة نفسها.. (ملام .. وع.. ولا تفهم!..)

    وشعرت بدموع ساخنة تنساب على وجنتي وأنا احتضنها بقوة .. يا حبيبتي يا مرام .. كل هذا .. وأنا لا أعلم .. تشعرين بكل هذا وأنا لا أشعر .. يا لي من إنسانة قاسية وشريرة .. كيف عاملتك هكذا.. أستغفر الله.. كيف تمنيت لك الموت ظهر هذا اليوم. يا حبيبتي الغالية ..

    أعلم أنك لن تعيشي طويلاً.. وإن عشت.. عشت محرومة من الكثير مما يستمتع به بقية الأطفال.. ومع هذا أتمنى لك الموت ؟!.. كم كنت سخيفة حين كنت أخجل منك وأشعر بالحرج من الاعتراف بوجودك للآخرين .. أنت والله يا مرام .. أفضل وأطيب وأنبل من آلاف الأسوياء الذين تجمدت قلوبهم .. تحملت كل تلك القسوة والجفاء مني في قلبك وتغاضيت عنه .. أنت الأجمل يا مرام .. نعم .. أنت أجمل من الكثيرات بقلبك الطاهر البريء ..

    - لا .. مرام حلوة .. حلووووة..

    نظرت إليَّ بتعجب واستغراب .. ملام حلوة ؟!

    - نعم مرام أجمل فتاة في الدنيا ..!

    استغربت وهي تنظر إلى عيني .. ولمعت عيناها بفرح غامر لم أرَ مثله على وجهها .. ثم ضحكت ضحكتها الطفولية التي أراها لأول مرة بهذا الجمال وهذه البراءة والنقاء ..


    **
    مجلة حياة العدد (34) صفر 1424هـ


    - 3 -

    على الشاطئ . .





    شاطيء جدة يصبح ساحراً في أواخر الشتاء . .

    الريح البحرية المنعشة تهب برقة . . محملةً برائحة تذكرني بقصص السندباد . .


    والأضواء تتراقص على صفحات الموج وكأنها مدينة عجيبة تحت البحر . .




    أفتح رئتي لأستنشق المزيد من هذا الهواء المنعش . . علّ رطوبته تروي شيئاً من ظمأ في صدري . .

    فجأة . . شعرت بشيء أملس ينساب فوق خدي . . تلمسته . . إنها دموع . .
    انساب المزيد منها حتى وجدت نفسي أبكي كطفل صغير تائه . . ولا أعرف كيف ولا لماذا . .

    انتبهت لأصوات أخوتي وأبناء خالتي الصغار وهم يلعبون حولي . . فأخفضت صوتي . . وأخذت أنشج بهدوء . . دون أن يشعروا . .


    - (سماح) .. هيا يا ابنتي .. تعالي اتعشي..

    - لا أريد يا أمي..

    أصرّت أمي وخالتي عليّ لكني أشرت لهما بأني شبعى ولا أريد.. وبقيت في مكاني على الشاطئ..

    شيء ما كان يقض مضجعي ويحرمني السعادة والتمتع في الحياة.. شيء أعرفه جيداً..

    إني أغرق فيه.. كما قد يغرق طفل في أعماق هذا البحر..

    الفرق.. أن الطفل يستطيع أن يصرخ حينها ويطلب المساعدة.. قد يلوح بيده هنا وهناك طلباً للنجاة.. لكن أنا..
    أغرق بصمت وهدوء.. دون أن يشعر بي أحد.. ودون أن أستطيع أن أبوح لأحد..

    أشعر بالعطف على نفسي المسكينة كم تحملت وهي لم تجاوز عامها السادس عشر..

    كم عانت وخافت وبكت وهي لم تزل في بداية حياتها..

    كل ذلك.. بسبب (حنان) .. نعم.. إنها السبب.. هي التي زينت لي هذا الطريق الشائك.. هذه الـ..

    كلا.. بل إن أمي هي السبب.. نعم.. أمي التي لم تهتم بي يوماً ولم تحبني.. لقد تركت لي الحرية المطلقة دون أن تسأل عني أو حتى تشك بي ولو للحظة.. ألا تعلم أني بشر.. ضعيفة.. لماذا لم تحتويني يوماً ولم تسألني عن مشاكلي.. لِمَ لم تسألني يوماً إلى أين أذهب مع السائق ومع من كنت أخرج؟.. لماذا يا أمي.. لماذا لا تحبيني وتحرصين عليّ..

    لم أشعر أن أحداً يحبني.. حتى احتواني هو..

    شعرت أني وجدت كل ما أحتاجه لديه.. الحب والحنان والرقة..

    كنت غبية..

    كلا! لم أكن غبية لهذه الدرجة.. أي فتاة مثلي كان بإمكانها أن تصدق ما قاله لقد كان مؤثراً في كل كلمة قالها.. كيف لي أن أعرف أنه لم يكن كذلك؟ إنه ليس ذنبي أن صدقته.. ربما.. هو ذنب.. لا أعرف!

    أحببته من كل قلبي.. ومنحته قلبي البريء المتعطش.. ورغم جفائه لا زلت غير قادرة على كرهه.. فلماذا تركني.. لماذا فعل بي هذا؟ لماذا حطّم قلبي وتركني ضائعة.. أتخبط باحثة عمن يحتويني بعده؟

    استمريت في البكاء مدة طويلة.. حتى مر بائع البالونات.. وحوله بعض الأطفال..
    - مدام.. فيه صرف خمسين ريال..؟
    رفعت رأسي.. نظرت للبالونات الملونة.. ووجوه الأطفال البريئة حوله.. تنتظر صرف المبلغ.. ابتلعت عبراتي.. وأدخلت يدي في حقيبتي.. هذه ورقة عشرين ريال.. وهذه ورقة عشرة.. مم.. ماذا يوجد أيضاً.. هذه ورقة..! أوف.. إنها صورته.. جعدتها بيدي واستمريت أبحث.. نعم.. هذه ورقة عشرين أخرى.. الحمد لله!
    - تفضل..
    - شكراً مدام..
    وناولني ورقة الخمسين..
    لحظة.. لو سمحت إديني وحدة..!!-
    حملق البائع فيّ للحظة وأنا أناوله المبلغ بكل جدية.. ثم ما لبث أن ناولني واحدة.. وأكمل سيره..

    كانت البالونة حمراء جميلة.. على شكل قلب.. لوهلة شعرت بأنها قلبي الضائع الذي ذاب كمداً.. أمسكتها بيدي.. ثم ساورتني رغبة طفولية في أن أدعها تطير عالياً.. وأرقبها من هنا..
    نظرت إليها طويلاً وضممتها.. ثم..
    أطلقت يدي وتركتها تطير..
    بدأت تطير بهدوء وأنا أرقبها.. شعرت في تلك اللحظة أني أحرر قلبي من سجن هذه العلاقة..
    شعرت أني أحرر قلبي من سلطانه الظالم عليّ.. حين استغل طفولتي ونقاوتي ورقة قلبي..
    وجعلني أسيرة لأحرف اسمه..
    ترى.. أي حب هذا كان عليّ أن أتلظى بناره خلف أسوار الخوف والتردد وتأنيب الضمير..
    أكان لهذا الحب أن يعيش..؟ كان يجب أن أعلم يقيناً منذ البداية أنه سيموت لحظة ولادته.. لأنه حب كاذب وغير شرعي..

    توقفت للحظة عن هذا التفكير..

    وأخذت أنظر إلى البالونة وهي تطير نحو السماء.. سبحان الله.. كم هي جميلة.. ضوء القمر انساب على هذه الغيوم فأكسبها غلالة رائعة.. والبالونة تطير.. وتطير.. ثم تخترق الغيوم.. وتطير.. عاااااالياً..
    حتى اختفت..

    فكرت لوهلة.. وماذا خلف هذه السماوات.. ماذا هناك..

    سرت في جسمي قشعريرة غريبة.. حين تخيلت أن الله فوقنا الآن.. إنه ينظر إلي.. في هذه اللحظة.. ويعلم بكل ما يتردد في سري.. فانتابتني خشية لم أشعر بها من قبل..

    سبحان الله.. إنه ينظر إليّ الآن.. وقد كان ينظر إلي منذ ولدت.. وحين كنت أحادث طارق في الهاتف.. وحين كنت أخرج معه.. يا الله.. كان الله ينظر إليّ في كل لحظة.. لكنه أمهلني.. وصبر عليّ وهو الصبور الكريم.. أكرمني ورحمني.. ولم يعجّل بعقابي أو بموتي حتى أموت وأنا عاصية..

    تذكرت فجأة قصة روتها لنا معلمة فاضلة.. حين قالت.. أن سيارة أصيبت في حادث ومات من فيها.. وحين أخرجوهما وجدوهما فتاة وشاب.. فتخيلوا الموقف حين يحضر الأب والأهل.. ويعلموا أن ابنتهم ماتت وهي خارجة مع شاب..! فضيحة في الدنيا والآخرة..

    توقفت لوهلة وتخيلت لو كنت أنا مكانها..
    كيف سأسوّد وجه أبي وأمي وعائلتي.. وقبل كل ذلك.. كيف سيكون مصيري وموقفي.. هناك.. أمام الله؟

    يا الله.. الحمد لله.. أن كتب لي النجاة من هذه العلاقة.. الحمد لله أني نجوت منه قبل أن يحصل ما لا يحمد عقباه..

    الحمد لله أن رحمني ولطف بي وأمهلني حتى هذه اللحظة..

    شعرت بانتعاش يسري في قلبي وكأنه عاد للحياة من جديد.. وبدأ ينبض بصوت الحياة..

    أدخلت يدي في حقيبتي.. وأخرجت صورته.. نظرت إليها طويلاً..
    أيها القاسي.. كيف استطعت أن تعبث بقلب فتاة مثلي بكل برود.. كيف كنت تدعي الحب الصادق والعشق.. وأنت أبعد الناس عنه..؟!

    ابتسمت حين تذكرت عبارات حبه.. وأنا أتذكر لحظة اكتشافي لعلاقته بإحدى صديقاتي في نفس الوقت!

    أشعر بالعجب حقاً كيف كان لي أن أصدقه طوال تلك المدة.. وأصدق أعذاره وحججه..

    نظرت مرة أخرى.. يا الله! خلف ذلك المظهر الوسيم أكان يختفي شخص آخر.. كم كنت بلهاء حين عشقت القناع.. وبعت من أجله راحتي وهدوء نفسي.. بل بعت ديني.. حتماً إنك لا تستحق سوى الرثاء أيها الـ..

    توقفت عن التفكير.. شخص مثله لا يستحق أن أخسر دقيقة في التفكير فيه..

    مزقت صورته مزقتها تماماً.. إلى قطع صغيرة.. رميتها على الأرض ثم وقفت لأطأها برجلي.. شعرت في هذه اللحظة أني أرمي القيد الذي كان يكبلني ويحرمني السعادة.. الحمد لله.. يا الله.. اغفر لي وتب عليّ..

    يا الله.. كم أنت رحيم وكريم.. أمهلتني وصبرت عليّ وأنا أعصيك.. فامنن عليّ بعفوك ومغفرتك وأنا عائدة إليك..

    وفجأة.. شعرت بقرصة جوع، فقمت من مكاني لأجري نحو أمي وخالتي.. بقي شيء من العشاء؟ أنا جائعة!
    وخلفي.. تهادت موجة ماء قوية غمرت مكان جلوسي..
    وابتلعت بقايا صورته...


    **
    مجلة حياة العدد (35) ربيع الأول 1424هـ





    - 4 -


    رحلتي مع الجمال . .







    منذ أن كنت في الخامسة وأنا لا أحب أبداً النظر إلى المرآة مثل بقية الأطفال . .

    كنت أعلم جيداً بغريزتي الطفولية . . أن شكلي لم يكن جذاباً بأية حال . .
    لكن علاقتي بالمرآة بدأت تزداد نفوراً أكثر فأكثر حين دخلت المرحلة المتوسطة . .
    وذات مرة حين تشاجرت مع موضي ابنة المديرة . . قالت لي بكل احتقار :
    "اسكتي . . أيتها القبيحة!"
    كنت دائماً الفتاة الأقوى شخصية والأكثر دخولاً في المشاجرات.. وكان لساني مسموماً كما تقول أمي.. لكني يومها صدمت بالحقيقة التي صفعتني بها موضي.. وسكت لوهلة والدموع تغرق عيني.. ثم انهلت عليها ضرباً حتى لا يلاحظ أحد دموعي..

    نظرت إلي المشرفة الاجتماعية بحدة.. كنت أعلم أنها تكرهني تماماً كما أكرهها.. لكني شعرت بالظلم يومها.. لأني كنت أعلم أنها لن تسمع كلامي.. ولن تفهمه أبداً..
    كنت أعلم أنها تنفر مني بسبب شكلي.. لكني أبديت الجمود التام..
    كانت تنظر لي بكل احتقار.. ثم صرخت في وجهي: (ألن تتأدبي يا بنت..؟ ألم يؤدبك أهلك ويربوك؟)
    سكتُّ وأنا أنظر إلى الأرض..
    التفتت نحو إحدى الإداريات بقربها ثم قالت هامسة بصوت خفيض جداً: (استغفر الله.. سوء خُلق وخلق!) .. لكني سمعتها.. ونزلت كلمتها كالسهم القاتل في قلبي.. لكني سكتُّ أيضاً..

    انتهى اليوم بضربي بشدة بالمسطرة على يدي.. ثم قرار بفصلي لمدة أسبوع..

    وحين عدت إلى البيت.. دخلت إلى غرفتي بهدوء.. وأقفلت الباب..
    ثم نظرت جيداً إلى المرآة..
    وجه أصفر، نحيف وطويل.. عينان جاحظتان.. أنف مقوس طويل.. فك بارز وأسنان متداخلة.. شعر خشن باهت ومنفوش بعد شجار اليوم..
    والجسم.. هزيل ونحيف جداً بالنسبة لحجم الرأس الكبير..
    مررت يدي على شعري.. ثم وجهي.. تلمست صدري الذي تبرز عظامه..
    لم أجد علامة واحدة للجمال أو الأنوثة..
    شعرت بعطف كبير على نفسي.. ولأول مرة أخذت أبكي بحرقة..
    كنت أعلم أني لست على أي قدر من الجمال.. لكني لم أكن مستعدة لتحمل المزيد من الإهانات في حياتي بسبب ذلك..

    ترى.. أهو ذنبي حتى أظلم بهذا الشكل.. أهو ذنبي حتى ينفر مني البعض فقط بسبب شكلي..

    هذا ما جعلني أحقد على العالم أجمع.. حتى أمي التي لم أسلم من تعليقاتها يوماً..

    (شين وقوي عين!) هذا ما تقوله أمي دائماً حين أصر على شيء.. موضي لم تكن لتستطيع إهانتي بأي شكل.. إلا بسبب شكلي.. إنها نقطة ضعفي التي يمسكني منها الآخرون دائماً..

    مرت مرحلة المتوسطة مليئة بالمشاحنات والحقد على الجميع حتى أصبحت منبوذة.. كنت كالقطة المتوحشة المستعدة لمهاجمة كل من يحاول مسها بأذى أو حتى يقترب منها.. كنت أحاول إخفاء الطفلة الحزينة في داخلي بالظهور بمظهر القوية الجامدة التي لا تهتم ولا تأبه بما يقوله الآخرون عنها..

    وحين وصلت للمرحلة الثانوية.. بدأت أشعر أني تعبت من ارتداء القناع.. وأني لم أعد قادرة على التمثيل أكثر من ذلك.. كان دور القوية صعباً ومتعباً ومؤلماً جداً.. ولم أكن قادرة على تقمصه بعد ذلك..

    ولسببٍ ما لا أعرفه.. بدأت أشعر بالانكسار.. والهدوء.. ثم الانعزال..

    كنت أجلس في آخر الصف.. بالكاد أعرف أحداً من زميلات الفصل.. وبالكاد تعرفني إحداهن..
    متجنبة أن أسبب أي أذى لأحد.. أو أن أتعرض أنا بدوري لأذى من أي شخص..

    في تلك الفترة.. بدأت أهتم بالقراءة.. لأقضي بها الوقت الطويل الذي أمضيه وحدي.. سواء في البيت أو المدرسة.. وبهذا أجد بعض السلوى عن انعزالي عن الناس..

    ولعدم وجود من يوجهني لما أقرأ.. وجدت نفسي أغرق في قراءة دواوين الشعر.. وبالذات شعر الغزل.. أصبحت أفكر طوال الوقت بهذه الأبيات وبالرومانسية الحالمة التي تسبح فيها.. حتى لم أعد أفكر بشيء سواها.. غرقت في تخيلات حالمة جميلة حول قصص الحب.. واقتنعت أنه الهدف الوحيد للحياة في هذا العالم.
    وكنت كلما غرقت في هذا التفكير أكثر، كلما شعرت بالأسى والحزن أكثر فأكثر على نفسي، وشعرت أني إنسانة ناقصة غير قادرة على تبادل الحب كغيري، وبالتالي غير قادرة على تحقيق هدف الحياة..
    جلب لي هذا التفكير إهمال كل ما حولي حتى تردى مستواي الدراسي.. وانقطعت علاقتي بشكل أكبر مع أسرتي.. أصبحت دائمة السرحان وحين كنت أجلس وحدي كنت أبكي دون سبب..
    حتى صحتي بدأت تتأثر أيضاً فكثرت أمراضي وساءت تغذيتي فازداد وجهي نحولاً وشحوباً.. مما زاد اكتئابي أكثر فأكثر..

    وذات مرة.. أصرت أمي أن أذهب معها إلى حفل زواج.. كنت أرفض المبدأ تماماً.. وهي تعلم أني لم أحضر أي حفل زواج منذ كنت في الصف السادس لأني لست بحاجة لمزيد من نظرات الاستغراب أو همسات الشفقة..
    لكنها – ولأول مرة- أصرت بشدة وأقسمت عليّ.. ربما لأنها كانت تريد أن تخرجني من حالة الانطواء والحزن التي كانت تثير شفقة كل أسرتي عليّ..
    شعرت أني في مأزق.. لكني أجبرت نفسي على ارتداء فستان قديم بدا واسعاً عليّ.. حاولت وضع بعض المكياج لكني لم أعرف كيف.. وحين جربت وضع ظل أزرق بدوت كمهرج مضحك.. غسلت وجهي ومعه دموعي.. ثم ذهبت للحفل كما أنا.. وبقيت صامتة طوال الوقت أجاهد دموعي حين أرى البعض يتهامس وينظر إليّ..

    في أحد الأيام.. طلبتني أبله هدى،مدرسة التاريخ، هذه الإنسانة أحبها لا أعرف لماذا.. تبدو كشخص يفهم ماذا تعني المشاعر.. واستغربت حين علمت أنها تريدني أن أشاركهم في أنشطة المصلى.. أنا؟.. المصلى؟
    كانت تريد مني أن أساعدها في إعداد النشرات وترتيب المكتبة وتجهيز اللوح وغيرها.. لوهلة.. فرحت..
    ثم فكرت.. ربما كانت مشفقة.. فقد رأتني أكثر من مرة أجلس لوحدي في الفسحة.. لكن.. حسناً.. لا بأس.. لأجرب..

    وبدأت التجربة.. وهناك.. اكتشفت أشياء كثيرة.. اكتشفت أن هناك أشياء كثيرة في الحياة أهم من الحب المادي البسيط الذي نجمع في بوتقته كل معاني الحياة.. هناك الحب الأعظم.. حب الحليم الرحيم.. الله.. الذي خلقني ووهبني النعم الكثيرة.. وهبني العقل والسمع والبصر وسخر لي السماء والأرض وكل شيء..
    الله الذي اختارني من بين الملايين لأكون مسلمة.. جعلني أسير.. وأتكلم وأسمع وأفهم.. منحني آلاف الآلاف من النعم العظيمة.. واختارني للابتلاء حتى يمحو ذنبي.. نعم.. حين خلقني بجمال بسيط كان يريد ابتلائي فهل أصبر أم سأكون من الكافرين بنعمه..

    يا الله.. يا مولاي وسيدي.. أحمدك.. كم أحبك يا الله.. منحتني هذه الحياة.. فيئست منها وكأني أتذمر من هذه الهبة العظيمة.. أمضيت وقتي في الحزن والتذمر ولم أفكر في التوجه إليك سبحانك..

    وبدأت أذوق طعم السعادة التي لم أذقها في حياتي.. وشعرت بالرضا عن نفسي.. بل بدأت أحبها وأحترمها.. وشيئاً فشيئاً بدأت ثقتي بنفسي تزداد حتى استطعت أن ألقي كلمة على الطالبات في المصلى عدة مرات.. كنت أشعر أنهن لا ينظرن إلى أسناني أو عينيَّ الجاحظتين بقدر ما ينظرن إلى الكلمات التي تخرج من قلبي..

    أصبح جدولي مليئاً بالأنشطة.. وأصبحت أواظب على حفظ أجزاء من القرآن مع جماعة المصلى.. أصبح لدي صديقات يضحكن ويمزحن معي دون أن أشعر بأي نقص عنهن.. لأن ما يجمع بيننا لم يكن علاقة دنيوية بسيطة تعتمد على المادة والمظهر والشكل.. العلاقة بيننا كانت أسمى من ذلك.. كانت علاقة أرواح.. علاقة حب في الله.. حبٌ لأجل الروح التي حلقت وسمت في فضاء الحمد والشكر لله..

    أصبحت أنظر لكل شيء بحب وجمال، حتى انعكس ذلك على حديثي وملابسي واهتمامي بنفسي التي أصبحت أحبها..

    وذات مرة طلبت مني والدتي مرافقتها لحفل زواج.. كدت أرفض في البداية لكني براً بها وحباً لها أجبتها.. يومها.. اخترت فستاناً بلون السماء يظهر من أطرافه الدانتيل الأبيض.. وارتديت طقماً لؤلؤياً ناعماً.. سرحت شعري القصير بعناية.. فقد أصبحت أحبه وأعتني به برفق.. حولت خشونته لتموج جميل مع استخدام كريم للشعر.. ثم وضعت شريطاً حريرياً أبيض تتدلى أطرافه على كتفي.. وضعت شيئاً من كريم الأساس تحت عيني الجاحظتين.. ولأول مرة أشعر بجمالها وأنتبه لطول رموشي السوداء..
    أمسكت بأحمر الشفاه وأنا مترددة.. كان فاتحاً وخفيفاً.. وبلون الورد.. وضعت شيئاً منه بخفة.. ثم وضعت تحت أذني زيتاً عطرياً برائحة الفل..
    وشعرت بنفسي لأول مرة.. كفتاة.. نظرت جيداً في المرآة.. يا إلهي.. لا أصدق.. إنها أنا!
    كان وجهي قد تغير وأصبح أكثر إشراقاً وعيني أكثر لمعاناً..
    ماذا حصل يا ترى.. كنت أعلم أنه لم يكن الفستان.. ولا المكياج.. ولا رائحة الفل..
    لقد كانت السعادة التي حين تنبع من روح الإنسان.. فإنها تنعكس جمالاً على وجهه ومن عينيه..

    وفي الحفل.. كنت أسير مع أمي بثقة وسعادة.. واستطعت لأول مرة أن أشاهد الآخرين بمنظار الحب لا منظار الحقد والكره.. فلم أر أي نظرة شفقة أو سخرية.. فهذا كله لم يكن سوى في مخيلتي المريضة..
    لقد عرفت أخيراً كيف تكون الفتاة جميلة حين تريد..

    حين تعرف.. أين يكمن الجمال..

    **
    مجلة حياة العدد (36) ربيع الثاني 1424هـ




    - 5 -

    حين قالت .. أنتِ بلا مخ!





    حين كانت أستاذة منيرة تكتب درسها الممل على السبورة كنت أول من يقوم بقذف

    الطائرات في اتجاهها . .
    وكان هذا العمل يعد بطولياً بالنظر إلى عصبية أبله منيرة وحدتها . . لذا كانت
    الطالبات يحاولن كتم ضحكاتهن التي لا تحتمل حين تضرب إحدى طائراتي الهدف مباشرة!
    كانت تشتعل غضباً وصراخاً باحثة عمن قام بهذا لكنها عبثاً لا تملك أي دليل عليّ فقد
    كنت ممثلة ماهرة جداً . .

    لذا كانت تصب جام غضبها على الطائرات فتقطعها إرباً وهي تتوعدنا بنقص الدرجات التي كانت آخر ما يهمنا.. أو يهمني أنا شخصياً..

    كنت الطالبة المهملة المثالية في تلك المدرسة الابتدائية.. وكان بالإمكان تقليدي وسام (أكسل) طالبة في المدرسة.. كل المدرسات كن يمقتنني وينفرن من تصرفاتي الهوجاء وإهمالي الدراسي.. كما أن أمي لم تكن تعتني بنظافتي وترتيبي كثيراً فاكتملت المأساة..

    وفي كل مرة كانت المشرفة الاجتماعية تعطيني ورقة لأمي كنت أمزقها وأرميها في طريق عودتي للبيت.. أمي لم تكن تقرأ وحتى لو كانت تقرأ فهي لا تهتم أصلاً بهذه الأمور..

    وذات يوم في حصة الرياضيات قالت لي أبله سلمى: (أنت لا تفهمين لأنك لا تملكين مخاً أصلاً مثل باقي البشر!!) كانت كلمتها قاسية جداً وجرحتني، لكني أبديت اللامبالاة ووقفت في صمت خلف باب الفصل لأكمل عقابي لعدم حل الواجب وأيضاً بسبب إضحاكي لزميلاتي طوال الوقت..

    كنت مقتنعة تماماً أني لا أصلح لشيء.. وأن هذه المدرسة ليست لي ولا لأمثالي.. إنها للفتيات اللاتي يعشن مع أسرة طبيعية ويخرجن للنزهات مع أهاليهن.. إنها للفتيات المرفهات وليس المعذبات والمهمَلات أمثالي..

    لذا لم أكن أهتم بأي شيء.. ورسبت للعام الثالث على التوالي في الصف السادس..

    وفي السنة الأخيرة زاد شغبي وإهمالي حتى قررت المدرسة فصلي تماماً من المدرسة.. وعدت إلى البيت لأخبر أمي بأني يجب أن أذهب لمدرسة أخرى..

    وبالطبع لم يكن لأمي أي تعليق حول ذلك.. فقد كان في مجلسها عدد من النساء وكانت مشغولة بالحديث والضحك معهن..

    لذا طلبت من ابنة عمي المتزوجة أن تأتي معي لأسجل في مدرسة أخرى.. وذهبت معي وحاولنا.. لكن المديرة رفضت فقد كان سجلي حافلاً ولا يشجع على القبول بي في أي مدرسة..

    ثم حاولنا في مدرسة أخرى وتم الرفض أيضاً.. ولم يكن أمامي سوى أن أعرض على والدي تسجيلي في مدرسة أهلية، لكنه رفض تماماً.. فقد كان مشغولاً بتكاليف زواجه المقبل.. ولم يكن يستطيع تحمل مصاريف جديدة..

    عندها أيقنت أني يجب أن أجلس في البيت حتى يقضي الله أمره..

    وبقيت في المنزل عامين كاملين.. لم أشعر خلالهما بأي شيء.. كنت أزور بنات عمي ويزرنني بدورهن أحياناً.. وفي الربيع كنا نخرج للبر.. ولم يكن هناك أشياء جديدة..

    طوال تلك المدة كان هناك جرح يؤلمني رغم محاولتي لتجاهله.. إنه تيقني التام.. أني إنسانة فاشلة.. ولا فائدة لها في الحياة.. كانت كلمة أبلة الرياضيات لا تزال ترن في ذهني.. أنت لا تملكين مخاً مثل باقي البشر.. أنت لا تملكين مخاً..!

    لذا برمجت حياتي كلها على هذا الأساس.. وهو أني انسانة بلا مخ.. بلا عقل.. همها فقط الضحك واللعب والحديث..

    وكنت أعرف منذ طفولتي أني محجوزة لابن عمي مساعد.. صديق طفولتي.. والشاب العاقل الوسيم الذي تتمناه كل فتيات أسرتنا.. لكن لسببٍ لا أعرفه لم يتم الحديث حول هذا الموضوع أبداً رغم أني أصبحت أبلغ من العمر 17عاماً وهو عمر مناسب للزواج في نطاقنا العائلي..

    وذات مرة سمعت همسات بين أمي وزوجة عمي، وبدت أمي غاضبة بعض الشيء.. ثم جاء دور أبي الذي ظهر غضبه جلياً.. وسمعت صراخاً بينه وبين عمي في المجلس.. لكن دون أن أعرف حول ماذا..

    وبعد يومين.. عرفت الحقيقة من ابنة عمي.. لقد كانت المسألة كلها حولي أنا.. ومساعد..

    فمساعد الذي بنيت أحلامي عليه.. لا يريدني.. مساعد الذي تخرج الآن من الكلية الأمنية لا يريد فتاة محدودة الأفق والتفكير مثلي.. إنه لا يريد فتاة ناقصة.. أو بلا مخ كما أخبرتني معلمة الرياضيات..!

    وكانت هذه قاصمة الظهر بالنسبة لي..

    لقد أصبت هذه المرة بشدة.. وفي صميم كبريائي..

    استطعت تحمل الصدمة.. وتجاوزت الموضوع رغم الانقطاع الكبير الذي حدث بين أهلي وبين بيت عمي.. لكني أيقنت حينها أني يجب أن أتغير..
    يجب أن أفعل شيئاً لنفسي..

    واتخذت قراري بإكمال تعليمي عن طريق المنازل..

    كان القرار صعباً في البداية.. وكنت مشتتة لأني أعود للدراسة بعد ثلاثة أعوام من نسيانها.. لكن عزيمتي كانت أقوى من أي صعوبات.. توكلت على الله.. وعزمت على التفوق وليس النجاح فقط في دراستي..

    وبالفعل استطعت سنة بعد سنة اجتياز الصف الأول ثانوي وبتقدير جيد جداً.. وهو ما لم أحلم به في حياتي..

    وبعد ذلك شعرت أني بحاجة لشيء يشغل وقت فراغي طوال العام.. فقررت الالتحاق بدار التحفيظ الجديدة التي فتحت قرب بيتنا..
    وبالفعل التحقت بها وانسجمت مع المدرسات والطالبات وشعرت أني بدأت حياة جديدة.. فقد كان الجو ودوداً جداً.. وتحمست جداً لحفظ القرآن الكريم..

    وذات مرة.. أشادت بي المعلمة وقالت أن لي حافظة قوية.. فطأطأت رأسي وقلت لها بخجل.. (أنت تجاملينني فأنا طوال عمري كسولة ولا أملك قدرات عقلية مثل غيري..)
    نظرت إلي أبله هناء باستغراب وقالت.. (ومن قال لك ذلك؟)

    قلت لها: (معلمة الرياضيات قبل ثمان سنوات)

    عندها قالت لي وهي تبتسم : (على العكس تماماً أنت إنسانة ذكية ونبيهة جداً.. ربما كانت فقط ظروفك هي المؤثرة سلباً عليك، وحينما كبرت واستطعت تجاوز هذه الظروف؛ ظهرت قدراتك العقلية التي كانت خافية بسبب الإهمال وبسبب الظروف القاسية).

    لم أستطع حبس دمعة ساخنة في عيني.. فطوال عمري لم أشكو لأحد معاناتي الحقيقية التي كنت أحاول اعتبارها أمراً عادياً.. لذا لم أشعر بنفسي إلا وأنا أسرد لمعلمتي شريط حياتي بكل آلامه..
    حكيت لها عن قسوة أمي وعدم اهتمامها بي ولا بنظافتي ولا تعليمي وتربيتي منذ الطفولة، وحكيت عن أبي الذي لا نراه إلا نادراً بسبب انشغاله بزوجته الجديدة ثم طلاقه وزواجه من جديد.. حكيت لها عن تقتير أبي علينا وحرماننا من أبسط احتياجاتنا.. وعن أسرتنا حيث المشاعر لا أهمية لها ولا مكان سوى للقسوة والحدة في التعامل.. وحكيت كيف شاهدت أمي تضرب عدة مرات من قبل أبي.. وكيف سجن أخي عدة مرات بسبب العصابة الفاسدة التي يصاحبها، وعن الديون التي أغرقت كاهل أبي ودفعته لخلافات كثيرة مع إخوته.. حكيت لها كل ما كان يعتمر قلبي ويكبت أنفاسي منذ سنوات.. ثم حكيت لها عن قصة مساعد وكيف رفضني بسبب كسلي وغبائي..

    وشعرت بالحرج.. كيف أخبرتها عن كل ذلك..

    لكنها ابتسمت لي ربتت على كتفي وقالت.. (عزيزتي نفلة.. الإنسان هو ما يطمح أن يكون.. مهما كانت ظروفه.. أنت الآن على أعتاب طريقك الصحيح فاستمري به وسوف تصلين بإذن الله وتصبحين الإنسانة المحترمة التي تطمحين لأن تكوني إياها.. ثم.. انظري دائماً للجانب الأفضل.. أنت رغم كل تلك الظروف كنت وما زلت نفلة الطيبة المحبوبة التي يحبها الجميع لطيبتها ومرحها.. كما كنت نفلة الخلوقة الصالحة التي لم تنسق وراء المغريات أو تنحرف كما تعلل الكثيرات أسباب انحرافهن بظروف الأسرة.. أنت استطعت مقاومة كل ذلك.. وبالإضافة إليه طورت نفسك وشققت طريقك نحو النجاح في الدنيا والآخرة.. لقد نجحت في الدراسة ونجحت في حفظ نصف القرآن في سنة واحدة وهذا إنجاز كبير جداً ورائع يا نفلة.. أنت إنسانة رائعة وموهوبة ما شاء الله)

    نظرت إلي مرة أخرى ثم قالت وهي تبتسم: (وسيعوضك الله من هو خير من مساعد فلا تقنطي من رحمة الله واستمري في طريقك).

    انسابت كلمات معلمتي كالماء الزلال على الأرض العطشى المتشققة فتشربتها بعطش وارتاحت لها نفسي وشعرت أني أعطيت دافعاً قوياً للسير نحو النجاح..

    والحمد لله بعد عام آخر تخرجت من الثانوية بتقدير لم يتوقعه أحد، كما أتممت ختم كتاب الله في نفس السنة. وفي نفس السنة أيضاً.. تقدم لخطبتي أحد أقاربنا الذي لم أتوقع يوماً أن يخطبني.. لقد كان مهندساً وقادماً للتو من الخارج بعد إكمال دراسته وكان يبحث عن فتاة صالحة.. لقد شعرت لوهلة أن هذا كثيرٌ عليّ.. بعد هذه السنوات كنت أتوقع أن أحظى بأقل من هذا بكثير.. لكن الحمد لله الذي وسعت رحمته كل شيء..


    وتزوجت وعشت في سعادة ولله الحمد.. وشجعني زوجي على إكمال دراستي الجامعية بالانتساب..

    وفي حفل تخريج الخاتمات لكتاب الله.. كنت أتهادى في سيري وأنا حامل في شهري الأخير.. وقد اجتزت السنة الجامعية الأولى في كلية الدعوة وبتقدير امتياز..

    وفي لحظة تسلمي للشهادة شعرت بدموعي الساخنة تترقرق في عيني، وتمنيت لو ألتفت فأرى معلمتي في الرياضيات هنا بين صفوف الحاضرات..

    **
    مجلة حياة العدد (37) جمادى الأولى 1424هـ







    - 6 -
    هذه الزواية من اعداد / أمل السبيعي

    ولدت لأبقى

    يوماً ما كان السكون يملأ داخلي . . عواطفي . . وكل جزء من نفسي . .

    تخرجي من الجامعة والتحاقي بعمل رائع كان يزيد هذا الإحساس الجميل بداخلي يوماً بعد يوم . .

    كنت وسأظل أرسم حلماً كبيراً لحياتي . . هدفاً جميلاً يحركني ويشعل في أعماقي قوة هائلة تزيل دائماً ما يعلق في طريقي من آلام وأحزان . . كنت دائماً وحتى الآن أهرب من واقعي الصاخب إلى حيث الهدوء والسكينة . . إلى صلاتي . . راحتي وسعادتي . . بعض من حولي لا يلتفت إلى هذه السعادة . . لذلك هم دائماً يحسدونني على هذا الرضا والأمان الذي يتخلل أنفاسي . .


    ذات صباح رسمت الحلم مرة ثانية ولكنه اليوم أقوى من أن يُرسَم.. إنه يوم تعييني رئيسة القسم في المستشفى.. ارتديت ملابسي وركبت السيارة وكلمات المدير التي تثني على اتقاني وتفاني في عملي تحيك الحلم بألوان ذهبية أخرى..
    كان أبي يرمقني ونحن في السيارة.. نظرات أبي لم تكن تعجبني.. ترى ما الأمر؟.. لم كل هذا التوجس والقلق في عيني أبي؟..
    وأخيراً تكلم أبي.. خلود!.. تنزلين الآن وتقدمين استقالتك فوراً!
    نزلت هذه الكلمات عليّ كالصاعقة.. ماذا؟!.. استقالتي!.. لماذا؟ ماذا حصل؟.. ماذا هناك؟ لماذا أستقيل من عملي؟
    لم يسمع أبي هذه الكلمات وهو يسبقني إلى مكتب المدير العام ليطلب منه شخصياً استقالتي..
    تفاجأ المدير جداً.. خلود تطلب الاستقالة؟!.. لماذا؟ ماذا حصل؟..
    نفس الكلمات أيضاً لم تلق إجابة من والدي..
    واستقلت..
    هذا الذي عرفته لمدة يومين.. أني استقلت فحسب..
    بعد هذا الموقف العصيب شعرت بتعب شديد.. أخبرت أمي برغبتي في الذهاب إلى الطبيبة.. تغير وجه أمي.. الطبيبة؟.. لماذا؟!
    عادي.. أشعر بتعب شديد.. لعله بسبب ما تعرضت له من صدمة..
    لم ترد عليّ أمي.. إلا أنها أصرت على الذهاب معي..
    وبعد الكشف.. أخبرتني الطبيبة أني مصابة بفقر حاد في الدم.. هنا تفاجأت بسؤال أمي.. فقط فقر دم ... هل أنت متأكدة؟

    نعم .. أجابت الطبيبة ... وعيني لا تكاد تفارق وجه أمي .. ترى لماذا هذا السؤال.. ولماذا كل هذا الخوف في ملامح أمي .. كما أني طوال حياتي وأنا اذهب للطبيبة وحدي .. لماذا أصرت أمي أن تذهب معي هذه المرة؟

    أسئلة كثيرة أخذت تدور في رأسي دون أن أجد لها أي تفسير ...

    دخلت عليّ أختي في هذه الأثناء .. وفجأة وبدون أي مقدمات رمتني بكلمة كادت أن تقتلني .. (ماذا بك؟ .. كل هذا التفكير من أجله؟.. فقدته وافتقدت التنزه معه؟)

    هنا فقط توقفت أخيراً فقد خرج أحد من الصمت المطبق الذي يحيرني وبلا شعور مني صرخت فيها بقوة
    - ماذا تقولين؟

    - أمرك انكشف لأبي وأمي.. وصلهم من أكثر من قريب أنك تخرجين مع أحد زملائك في عملك وعلاقتك به قوية ... لا داعي للإنكار..

    أسرعت إلى أمي وأنا أكاد أسقط من هول الصدمة..
    - نعم أختك قالت الحقيقة! هذا ما حصل بالطبع ... وأخر اتصال وصلني من خالتك .. تطلب مني أن أخرجك من هذا العمل حالا لهذا السبب..

    دافعت عن نفسي كثيراً .. كثيراً جداً.. لكن .. هل صدقني أهلي بعد كل ذلك ... لا أدري ..

    وبعد هذا الموقف العصيب بكيت كثيراً .. الآن عرفت سر إصرار والدتي على الذهاب معي للمستشفى كانت تريد أن تتأكد أني لست حاملاً..

    أغلقت عليّ غرفتي لأيام طويلة ..

    ذات ليلة كان السكون يملأ أرجاء غرفتي الهادئة ... وكعادتي أشعلت شمعة غرفتي الصامدة التي لم تحترق حتى الآن .. تنفست بهدوء .. شعرت أني افتقدت شيئاً غالياً انه أنيس حياتي .. إنها سجادة صلاتي التي من حبي لها دائما تبقى في مكانها ولا تتغير.. صليت كثيرا ودعوت الله كثيراً.. حينئذ بدأت نفس المشاعر والأحاسيس الدافئة تعود رويداً رويداً إلى نفسي تهدؤها وتسكنها.. أخذت ورقة وقلماً وبدأت أكتب..

    ولدت في هذه الحياة لأبقى بإذن الله صامدة وقوية.. أبني نفسي وأسير في طريق حياتي مهما حدث .. وما زلت لن أحيد عن ذلك فلن أتوقف لأي سبب كان ..

    بعدها .. واجهت مواقف قوية من أهلي ترفض عودتي إلى ساحة العمل مرة أخرى .. لكني صبرت وحاولت مرارا ... وبفضل من الله نجحت .. والتحقت بعمل أروع من السابق ... اثبت فيه وجودي وكياني ..

    والآن وبعد مضي ما يقارب أربع سنوات على هذه الحادثة أصبحت اشغل منصب نائبة المديرة العامة في إحدى المؤسسات .. وبما أن الحقيقة لابد بإذن الله أن تظهر يوما ما فقد ذهبت إلى عملي السابق أبارك لإحدى صديقاتي زواجها.. هنا فاجأتني أنها تريد أن تخبرني بأمر هام وهو أن قريبي الذي توسط لي لأدخل إلى عملي السابق وتجاهلت اتصالاته التي لا داعي لها.. هو من أظهر هذه الإشاعة البغيضة وهو من نشرها في أوساط عائلتي..

    هل أخبر أهلي..؟

    سؤال سألته نفسي طوال طريق عودتي للمنزل..

    - أبي..! أريد أن أخبرك شيئاً..

    فرح أبي وقال..
    - هاه يا خلود.. طلع الراتب؟

    ضحكت بلا شعور مني..
    - غداً يا أبي (إن شاء الله)..

    قبلت رأس أبي الذي اعتاد أن أعطيه بعض المال منذ تقاعد..
    تراجعت وسكت وأنا أردد في سري..
    حسبي الله ونعم الوكيل.. وكفى..

    ــــ ـــــــ ــــ ـــــــ

    لن أيأس يا أمي ..

    مع حلول أذان العصر ..
    بدأت أمي تحزم أمتعتها للسفر.. وكنت صغيرة لم أفهم ما تفعل.. كنت أخاطبها..
    - أمي أين تذهبين؟ لماذا تحملين حقائبك؟
    أمي لا ترحلي..

    كان عمري آنذاك ثمان سنوات..

    وقبيل أذان المغرب.. أخذت أصرخ وأبكي.. أمي.. أرجوك.. لا تتركيني..!

    لكن أمي لم ترد..
    قبلتني واحتضنتني.. ثم وضعت حقائبها في السيارة، وذهب بها أخي إلى المطار..

    جلست في حديقتنا أعاني بعد أمي..
    وفي ذلك الوقت.. بدأت أشعر بالمسؤولية.. أخذت أبكي.. وأفكر كيف سأعيش في هذه الحياة القاسية..
    كيف سأنام وحدي بعد أن تعودت أن أنام بجانب أمي وفي حضنها الدافئ؟

    نظرت إلى الشمس وهي تغرب وتختفي.. كما اختفت أمي عن عيني..

    ولم أنم في تلك الليلة حتى آذان الفجر.. تذكرت أمي.. وتذكرت كلماتها..
    (هيا إلى الصلاة) فالله يحب الصلاة..
    عندها.. قمت وتوضأت وصليت.. ودعوت الله أن تعود أمي كما عادت الشمس وأشرقت..

    أريد أن أنام.. ولكن لم أستطع.. لم أتعود النوم وحدي.. وما زلت أدعو الله أن تعود أمي.. وأملي بالله كبير..

    حاولت النوم مرة أخرى لكن لم أستطع.. وبقيت يقظة حتى موعد الذهاب إلى المدرسة.. قمت وجهزت نفسي.. كان أول يوم أجهز فيه نفسي بمفردي..

    كان البرد قارساً.. أخذت معطفي، ولبست حذائي.. ومشطت شعري..

    ثم نهض أبي من نومه ليذهب بي إلى المدرسة..

    لاحظت زميلاتي حزني.. فأين تلك الطالبة المجتهدة التي كانت تملأ حياتها حباً ونشاطاً وحيوية؟؟

    أقبلت زميلاتي عليَّ ليسألنني .. ما بك يا (جيهان)؟ .. لم أجب..
    ثم قلت.. مجرد إرهاق بسيط..
    فقلن لي.. تعالي والعبي معنا، فقلت لا.. فأنا متعبة..

    لاحظت صديقتي المخلصة أنني أكذب ولأول مرة.. فقالت:
    - ما بك يا (جيهان)؟ أنت لست متعبة.. أجيبي بصراحة .. وجهك شاحب وعيناك حمراوان، ثم ما هذا الذي ترتدينه؟ فالبرد قارس وعادة ما تلبسك أمك ما يدفئك...

    فعاودت البكاء ثانية، فقالت: ألم أقل لك أنك تحملين هماً بداخلك.. ماذا يحزنك؟
    حكيت لها الحكاية.. وخففت من همي وحزني.. ثم قالت لي.. لا داعي للبكاء فلن يفيدك في شيء..
    وأخذت تشغلني لأنسى الأمر.. ولكن من الصعب ذلك..

    عدت للبيت.. دخلت المطبخ أبحث عن أمي.. أتخيلها وهي تجهز طعامي..

    واستمرت حياتي على هذا الحال.. وعانيت بعدها سنيناً وأياماً..

    خلالها تدني مستواي الدراسي عن السابق ولكن ليس تماماً فقد كانت أمي مهتمة بي كثيراً خاصة وأني أصغر إخوتي..

    بعد ذلك.. تزوجت أختاي.. وعشت بعدهم وحيدة في المنزل مع أبي..

    وحيدة أصبحت.. فلا أجد من أشكو إليه همي أو أتحدث إليه..

    لكني إلى الآن لم أفقد الأمل ولله الحمد فما زلت أدعو الله أن تعود أمي وتعود الحياة جميلة.. فأعود للفرح.. أعود الطفلة التي كانت تملأ البيت سعادة بصراخها ولعبها..

    أريد أن أذكر كلمة (أمي) مرة أخرى..

    (أمي) أنا جــائعــة! أمي لدينا حفل في المدرسة..

    (أمي) ما أجمل هذه الكلمة التي تتمتع بها كل فتاة في مثل عمري..

    وما زلت أدعو الله من كل قلبي وبكل الشوق أن تعود أمي إليَّ.. وأملي بالله كبير..

    جيهان 13 سنة

    **
    مجلة حياة العدد (38) جمادى الآخر 1424هـ

    - 7 -

    غريبة في بيت أهلي



    حين عدت من المدرسة ذلك اليوم . . ألقيت نفسي على السرير وأخذت أبكي وأبكي بحرقة . .
    فقد شعرت حقاً كم أنا ضعيفة ومهانة . .
    لا أعرف كيف سمحت لها أن تقول عني هذا الكلام . . لقد وصفتني بالمنافقة والكاذبة رغم أني أبعد الناس عن هذه الصفات . .
    لكنها مشكلتي أنا . . نعم . . إنه ذنبي . .
    لم أعرف كيف أعبّر عما أريد قوله . .ولم أرد أو أدافع عن نفسي . . يا لي من غبية حمقاء . .!
    هكذا أخذت أردد على نفسي . . وأنا مستمرة في البكاء والنشيج . .
    كنت أعلم أني على حق وأنني إنسانة بريئة مسالمة لكن سمر التي كانت تكرهني استغلت عبارة بسيطة قلتها لتقلب الموقف عليّ وتحرجني بكلامها الجارح أمام البنات . .

    لا أعرف لماذا سكت تماماً ولم أعرف كيف أرد..
    إنني هكذا دائماً جبانة ومترددة ولا أعرف كيف أتحدث مع الآخرين.. ثم أعود لغرفتي لأبكي على نفسي المهانة..

    - (مي.. هيا دورك..!)

    - ...

    - آآ.. عـ.. عفواً أستاذة..لا أستطيع .. تفضلي موضوعي..

    - كلا يجب أن تقرئيه بنفسك..

    وأمام إصرار المعلمة كنت أقف وقطرات العرق تتصبب وأنا أشعر أن الدنيا تدور بي، وأن الجميع ينظر إلي.. لكني أحاول أن أتماسك وابدأ بالقراءة وأنا أتنفس بعمق.. ودقات قلبي تتصاعد حتى ينتهي الموضوع بسلام..
    هكذا كانت تمر عليّ حصة التعبير برعب لأني أضطر خلالها للوقوف والحديث أمام الجميع..

    كان والدي يعيرني دائماً لأنني لم أرث عنه قوة الشخصية والحديث بطلاقة.. فقد كان أبي اجتماعياً يعرف الكثير من الناس ويتحدث بطلاقة مع الجميع.. لكني كنت أعتقد أن لكونه مديراً لشركة كبرى دوراً في ذلك.. أما أمي فقد كانت مدرسة وتمتلك أيضاً قدراً من قوة الشخصية.. لكنها لم تفهمني يوماً أو تشعر بالعقدة التي أعاني منها..

    ورغم كل العوامل الأسرية الجيدة التي كانت تحيط بي، حيث لم أتعرض للعنف أو الإهانة في المنزل.. لكن شيئاً ما كان يجعلني أشعر بالقلق والخوف دائماً.. كنت أخشى دائماً مجالسة الآخرين ولا أعرف كيف أتحدث أمامهم.. حتى أنني أصبحت منطوية ومنعزلة وقليلة الصداقات بسبب هذا الأمر..

    وما زاد حدة الأمر أن الجميع في أسرتنا كان يتخذني مادة للسخرية نظراً لسرعة ارتباكي وضعف شخصيتي.. فقد كنت مشهورة بأنني أكثر من يحطّم الأواني ويدلق السوائل على المائدة.. حتى أنني أصبت بإحراج شديد يوم أن عرضت علي ابنة عمي أن أساعدها في صب القهوة لبعض الضيفات فقالت لي وهي تضحك بخبث:
    - لا حبيبتي مي.. حتى تكبين القهوة عليهم وتحرقينهم مساكين؟!

    حين كنت في المرحلة المتوسطة.. كنت شديدة النحف.. مما جعل نحفي سبباً آخر لإحساسي بالنقص عمن حولي، كما ساهم في إظهار ضعفي وارتباكي الدائم.. فزاد هذا من مشكلتي وجعلني أنطوي أكثر بعيداً عن نظرات الاستهزاء أو العطف.. وحين كبرت ودخلت المرحلة الثانوية.. تحسنت حالتي بعض الشيء، لكنني كنت لا أزال أشعر بأنني دائماً الأضعف.. وأن الآخرين أقوى مني وأفضل مني.. فحين تتكلم الفتيات عن موضوع ما وأود مشاركتهن أجد لساني عاجزاً عن الحديث فأتلعثم في كلامي وأقلب الكلمات والعبارات بشكل مضحك فيتحول انتباههن للضحك على أخطائي فيحمر وجهي وأزداد إحراجاً وأتمنى لو لم أنطق بحرف..

    وحين تخرجت من الثانوية.. ازداد وضعي سوءاً.. فلم أعد أحضر اجتماعات أقاربي إلا نادراً وتحت إلحاح أمي الشديد.. وبقيت حبيسة غرفتي أقرأ وأطالع الكتب علها تغنيني عن وجود صديقة في حياتي..

    لكني بدأت أشعر حقاً بالمرض.. لقد أدت بي هذه العزلة لمزيد من القلق والخوف من مواجهة الآخرين.. فأصبحت أشعر برعشة في أطرافي حين أضطر للجلوس مع ضيفة ولا أستطيع رفع نظراتي عن الأرض من شدة الارتباك..

    لم أعد قادرة على الحديث حتى مع أفراد أسرتي فقد بدأت اللعثمة تزداد في كلامي وأصبحت أشعر بأن الجميع يهزأ بي وينتظر أخطائي حين أتكلم..

    كنت أعلم أنني مريضة وأن بي خللاً نفسياً يمكن علاجه.. ولكن أحداً لم يراع ذلك بي.. لقد ازداد استهزاء أهلي بي دون أن يعلموا أن هذا يزيد حالتي سوءاً.. كانوا يعتقدون أني أفعل هذا بإرادة مني، ولم يقدروا يوماً العذاب الذي أتعذبه داخل نفسي بسبب هذه المشكلة.. لم يستوعبوا يوماً أني أقضي ليالٍ طويلة وأنا أبكي لأني لم أستطع شرح عذري لشخص أو لأنني تسببت في ضحك الجميع على تصرف قمت به..

    إنه أمرٌ مؤلم.. مؤلم بشكل لا يمكن وصفه.. أن تشعر أنك مخلوق ضعيف.. وأن الناس كلهم أعداءك.. ولا يفهمونك ولا يتركون لك المجال لتثبت نفسك أمامهم..

    لكن أهلي لم يقدروا الألم الذي أعيشه.. ولم يسعوا مرة لأن يفهموني..

    كنت أشعر بالوحدة والغربة في قعر بيتي.. فالجميع مشغول.. أبي بعمله وخروجه المستمر.. وأمي بعملها وزياراتها العائلية.. وأخوتي بلعبهم وبالكمبيوتر..
    وأنا الوحيدة في هذا البيت التي تعيش دون أن تتحدث مع أحد أو يتحدث معها أحد..

    وبعد سنوات مريرة من المكوث في البيت.. بدأت أشعر بنظرات الناس تزداد قسوة.. (لماذا لم تتزوج؟) .. (هل ترفض الزواج؟) .. (مسكينة.. لا دراسة ولا عمل ولا زواج؟!)

    شعرت بالأنصال الحادة تمزق قلبي وكأن هذا هو ما ينقصني.. المزيد من الاستهزاء والاحتقار..

    عندها شعرت بأني بدأت أصاب بعقدة نفسية حقيقية وبخوف شديد جداً من مقابلة الناس.. أصبحت أكرههم وأخاف من الجلوس معهم لدرجة الرعب..

    وذات مرة حين حاولت أمي إجباري على النزول للسلام على بعض القريبات في منزلنا.. رفضت ثم أخذت أبكي وحين ازداد إصرار أمي.. أخذت أصرخ بقوة لم أصرخ مثلها من قبل.. فقد شعرت أني لو سقت إلى الموت لكان أرحم على قلبي من أساق للجلوس مع الناس الذين أخاف منهم وأكرههم.. وحين رأت أمي الرجفة التي سيطرت عليّ انتابها ذعر شديد.. ولم ألبث حتى شعرت بأنفاسي تتوقف من شدة التأثر والخوف والصراخ..

    حاولت أن أسترد أنفاسي لكني لم أستطع..

    كنت كمن يغرق ويبحث عن نفس واحد.. دون جدوى..

    أيقنت أن الموت قريب مني جداً.. وضعت إحدى يدي على عنقي وأخذت أشير بيدي لأعلى أطلب نفساً وأنا أرى أمي تبكي وكأني في حلم.. وكان وجهها الباكي آخر ما رأيت.. ثم.. وقعت في إغماءة..

    وحين أفقت.. كنت في المستشفى.. حيث كل شيء أبيض..

    وعرفت من أبي الذي كان ودوداً جداً معي.. أني أصبت بانهيار عصبي حاد.. وأن طبيبة نفسية ستشرف على علاجي.. شعرت لأول وهلة بطعنة حادة.. طبيبة نفسية؟.. لماذا.. هل ينقصني أن ينعتني الناس بالمجنونة؟!

    لكن تمالكت وقررت خوض التجربة..

    كانت طبيبة حنونة وطيبة.. وكانت تذكرني دائماً بالله وبالأجر الذي ينتظرني على احتسابي لهذا الابتلاء.. أشعرتني بأني قوية وأني قادرة على تجاوز كل هذا.. وكل ما أحتاجه هو فقط شيء من الإرادة والعزم..

    وحين سألتني.. لماذا يا مي؟ لماذا تركت نفسك تعانين من هذا الرهاب الاجتماعي الحاد طوال تلك الفترة دون علاج؟ طأطأت رأسي وأخبرتها أن أحداً لم يساعدني ولم يقدم لي العون.. إن أحداً لم يستمع يوماً لي ولم يناقشني في سبب مشكلتي.. لذا لم أعرف كيف أواجه هذا المرض الذي أخذ يزداد مع انعزالي عن الآخرين..

    وضعت الطبيبة أوراقها جانباً على سريري.. ثم قالت..
    إن المسألة يا عزيزتي ليست في من يدفعك نحو القرار.. إنه قرارك أنت.. لو أصبحت صديقة لنفسك وواجهتها بهذه المشكلة من قبل لعرفت أن الحل سهل جداً بإذن الله.. لقد كان أمامك خيارين: إما مواجهة نفسك وتقوية شخصيتك مع الاستعانة بالله.. وإما بالبحث عن طبيبة نفسية صالحة تفرغين لديها ما تشعرين به من رهاب.. إنها مشيئة الله أن تتأخري في العلاج لكن من رحمته أن استطعت الآن البدء بتجاوز هذا المرض ولله الحمد..

    ومع تكرر جلسات العلاج.. بدأت أشعر بتحسن كبير.. لم يكن التحسن راجعاً للعلاج ذاته ولكن للثقة التي بدأت الطبيبة تزرعها في نفسي.. كما كان لحديثي المتواصل معها أثر في تحسن أسلوب حديثي..

    لقد تغيرت حياتي بعد ذلك.. خاصة حين التحقت بدورة الإلقاء التي نصحتني بها الدكتورة.. والتي شجعتني على تنسيق أسلوب حديثي..

    لم يتغير شيء من حولي.. فأبي وأمي لم يتغيرا كثيراً.. لا زالت الفجوة بيني وبين أسرتي كبيرة.. ولا زلت أشعر أن أحداً لا يفهمني.. لكني عرفت معاني أجمل للحياة..

    وعرفت أنك ترى الحياة كما يصورها لك عقلك أنت..

    لم تكن حياتي هي الأفضل لكنها لم تكن الأسوأ.. وهذا ما لم ألتفت إليه..

    لقد كانت لدي الكثير من المميزات لكني لم أكن أرى سوى عيوبي فصرت أشعر بالنقص والضعف..

    أما الآن.. فقد اختلفت الصورة.. وأصبحت أحاول النظر للمميزات وللجانب الأفضل.. وأدعو الله أن أبقى هكذا حامدة شاكرة متوكلة على الله.. مهما ساءت الظروف..

    **
    مجلة حياة العدد (39) رجب 1424هـ

    - 8 -

    أبي . .
    والحب. .
    وسارة. .
    وأشياء أخرى. .



    في طفولتي كنت أجهل أشياء كثيرة. .
    وكنت أعتقد أني أعرف أشياء كثيرة. .
    ومثل كل الأطفال كنت أعتقد أن والديَّ قادران على حمايتي من كل شيء في هذا العالم الكبير . . ويقدران على توفير كل ما أطلبه وأحتاجه. .
    لكن حين كبرت . . عرفت أني كنت أجهل أكثر مما كنت أتصور وكنت أعرف أقل مما كان بإمكاني أن أتخيل . . .
    كان والدي يدللني كثيراً ولا يرفض لي أي طلب . . فقد كنت ابنته المدللة بين ثلاثة صبيان هم أخوتي . .

    وكان أثر ذلك شديد الوضوح على تصرفاتي وأفكاري.. فقد كنت متميزة بين زميلاتي في المدرسة بملابسي وأدواتي المدرسية الفاخرة وكنت أدرس في إحدى أغلى وأرقى المدارس الخاصة في مدينتي.. لكني في المقابل كنت سطحية الفكر.. لا أهتم إلا بنفسي وأناقتي وزينتي وبمباهاة زميلاتي بسفراتنا المتعددة..

    لم يكن لي صديقة محددة فقد كان الجميع يسايرني وكان من مصادر الفخر لأي فتاة في المدرسة أن تسير معي لكن أي فتاة لم تكن صديقة حميمة لي في يوم من الأيام..

    كنت أبدو دائماً كفتاة واثقة مغرورة محاطة بكثير من الصديقات لكن في الحقيقة كنت دائماً وحيدة وهذا ما كان يجهله الجميع..

    لم أشعر يوماً بالعطف أو الرحمة لغيري... كنت قاسية بشكل لا يصدق.. وحين أتذكر ذلك أستغرب من نفسي.. فلم أحب يوماً الأطفال ولم أتعاطف كثيراً مع الفقراء والمساكين.. كنت أعتقد أنهم جميعاً يكذبون ويتظاهرون.. ولأني لم أجرب يوماً معنى الحاجة والفقر .. لم أكن قادرة على تخيل ذلك الشعور والألم..

    كان والدي يمتلك شركة كبرى للمقاولات، كان يشرف على عقود بناء منازل وقصور كبرى.. وكان وضعه المادي ممتازاً جداً حتى أني كنت أعتقد أنه أغنى رجل في العالم في طفولتي..

    أما أمي فقد كانت تهتم بالرسم والنحت ومنذ صغري وأنا أراها مشغولة دائماً في مرسمها ولم أكن أحتاج للكثير من الذوق لأكتشف أنها لم تكن تمتلك موهبة مميزة جداً.. لكن أبي بوضعه المادي استطاع أن يدعمها ويقيم لها الكثير من المعارض داخل البلاد وخارجها مما جعل اسمها معروفاً على مستوى المجتمع وأصبحت تعد من الفنانات المعروفات على مستوى المملكة .. بل والخليج..

    لم أكن أشعر بالاهتمام الحقيقي من قبل والديَّ.. فرغم أنهما كانا يعاملانني بمنتهى الرقة والحنان والأدب.. إلا أن أحداً منهما لم يكن يسألني عن اهتماماتي أو مشاكلي..

    كانت حياتي تمضي يوماً بعد يوم بلا معنى ولا هدف.. فوالدي دائماً مشغولان .. وأنا طلباتي كلها محققة وليس هناك ما أطلبه أو أبحث عنه .. لكني لم أشعر يوماً بطعم السعادة..

    وذات يوم شعرت أن شيئاً ما قد حدث..

    كان أبي مهموماً جداً وبدا القلق عليه بشكل مخيف.. حتى أمي كانت خائفة وتتحدث بصوت خفيض مرعوب معه..

    - ماما .. ماذا هناك؟

    - لا شيء .. يا لبنى.. اذهبي حبيبتي لغرفتك هيا.. فرشي أسنانك واذهبي الآن..

    - أمي.. أنا لم أعد طفلة..
    نظرت إليها بغضب..
    - عمري الآن ستة عشر عاماً.. أرجوك لا تعامليني كطفلة.. اخبريني ماذا يحصل؟

    نظرت إليَّ طويلاً ثم مسحت بيدها على رأسي..
    - قلت لك لا شيء يا حبيبتي.. بابا يمر بمشكلة في عمله وسيتجاوزها بإذن الله.

    علمت أنها لن تعطيني معلومات أكثر.. فصمت وذهبت لسريري..

    لكن الأمور بدأت تزداد سوءاً.. وكنت أرى أبي يفقد وزنه يوماً بعد يوم ويزداد عصبية.. ومكالماته تزداد صراخاً وتوتراً..

    وذات صباح استيقظت لأجد أن أبي ليس في المنزل.. وأمي تبكي في الصالون.. وعلمت أن شيئاً خطيراً قد حدث..

    جلست قرب أمي بهدوء.. وأنا صامتة.. وانتظرتها حتى تكلمت.
    - لقد ذهب أباك .. أخذوه.. استمريت ساكتة وكأني أشاهد فيلماً عجيباً لا أستطيع أن أخمن أحداثه..
    - ذلك الشريك الوغد.. لقد سرق والدك وتركه بلا سيولة..
    استمرت تبكي... ثم أكملت..
    - لقد أخذوه.. أخذوه.. إنهم يطالبون بعشرة ملايين .. كيف سيسددها.. بل كيف سنعيش بعدها.. كيف

    صدمتني هذه العبارة.. وشعرت بصفعة قوية.. إنها لم تفكر في أبي نفسه ومصيره الآن .. لم تفكر في مشكلته .. لكن تفكر.. تفكر فقط في.. مصاريفها وتبذيرها ومن سيتكفل بمشترياتها.. بعد أن رحل أبي..

    شعرت بحزن كبير يغمر قلبي ..
    ليس فقط لأني فقدت والدي.. وتحطمت صورته القوية أمامي..
    ليس فقط لأني شعرت بالعطف على والدي المسكين الذي تعرض للغدر والسرقة..
    ولكن لأني شعرت أنه حتى أمي.. أقرب الناس إليه قد تخلت عنه وأصبحت تفكر فقط في مصير حياتها هي بعده..

    بقيت لعدة أيام وأنا مصدومة بما حصل لأبي..
    ولا أعرف كيف أواجه الآخرين بما حصل لأبي..

    لكن الأمور مضت بشكل طبيعي حتى انتهت السنة الدراسية بعد شهرين من الحادث..

    وبعدها حادثتني أمي على انفراد وأخبرتني أن ظروفنا قد تغيرت وأننا نحتاج لأن نغير من أسلوبنا في الحياة ..

    وبالفعل.. حولتني أمي لمدرسة حكومية.. وأخذتني لكي نفصل مريولاً قبل بداية الدراسة.. يومها أخذت أبكي بشدة.. وسكتت أمي دون أن تقول شيئاً أو تمنعني من البكاء..

    وبعد فترة اضطررنا لبيع القصر الذي نسكن فيه .. واشترينا منزلاً صغيراً.. سألت أمي:
    - أمي لقد بعنا القصر بأربعة ملايين ألن تسددي منها شيئاً من دين أبي..
    - اسكتي لا دخل لك بهذه الأمور..

    كان أبي قد سجل كل شيء باسم أمي لأنه لم يعتقد يوماً أنها قد تتخلى عنه كما تفعل الآن..

    وذات مرة عرفت من ابنة خالتي أن أمي قد طلقت من أبي.. لم أصدقها بالطبع.. واعتقدت أنها تختلق الأكاذيب كعادتها..

    لكن حين عدت إلى البيت أسرعت لأمي لأخبرها بما قالته هالة..
    لكنها صمت ولم ترد عليَّ..

    - أمي أرجوك أخبريني بالحقيقة ماذا حصل؟..
    - لبنى هذه الأمور للكبار ولا دخل لك بها..

    أخذت أبكي بحرقة..
    - أمي أخبريني بالحقيقة .. سألتحق بالجامعة بعد سنة واحدة .. إنني كبيرة الآن.. أرجوك أخبريني ما الذي يحصل.. هل ما قالته هالة صحيح.. التفتت بغضب ونظرت إليَّ وفرشاتها بيدها..
    - لبنى !.. انظري إليَّ إنني أكافح من أجلكم.. ولا أستطيع أن أبقى هكذا معلقة .. والدك قد يمضي أكثر من عشر سنوات في السجن .. لن أبقى زوجة لرجل مسجون .. لقد جلب لنا العار وتركنا عرضة للفقر.. ماذا تريدين منه؟هه؟

    لم أكن قادرة على الحديث وقد الجمتني الدموع..
    - أمي حرام عليك حرام ما تفعلينه بأبي.. لقد أمضى عمره وهو لا يحرمنا من أي شيء.. وأنت الآن تتخلين عنه ..
    لماذا؟ ألا تملكين قلباً.. ألا ترحمين؟..

    وذهبت لغرفتي وأنا أبكي.. وقد أيقنت أن أشياء كثيرة تحطمت في داخلي..

    عرفت أن المال لا يشتري النفوس.. ولا يشتري الحب ولا الصدق ولا الصداقة ..
    إنه يستعيرها فقط .. يستعيرها ..

    وقررت أن أكون دائماً أنا.. فلا مالي.. ولا ملابسي.. ولا حقائبي الفاخرة ستشتري لي الحب من الناس ..

    وفي مدرستي الجديدة بدأت أرتبط بصداقات من نوع آخر.. إنهم هنا جميعاً لا يعرفونني.. لا يعرفون أنا ابنة من .. ولا أين أعيش ولا إلى كم دولة سافرت..
    إنهم يعرفون لبنى عبد الرحمن الفتاة العادية فقط .. التي ليس لديها ما تفاخر به..

    لقد انكسرت أشياء كثيرة في علاقتي مع أمي.. لكنني لا أزال أحلم بأن يعود والديَّ إلى بعضهما.. وأن نعود للعيش في أمان وسعادة .. لم احلم بالمال يوماً ولا بأن نعود للعيش في قصرنا .. فقط كنت أحلم بالحنان والحب الصادق الذي لا يشوبه كذب ولا نفاق..

    في هذه الفترة التي عشت فيها محتاجة وفاقدة للأمان بعد أن فقدت والدي وفقدت الدلال والحياة المرفهة التي كنت أعيشها .. تعرفت على فتاة بسيطة كانت تجلس بقربي .. لم تكن تتميز بذكاء أو مظهر جذاب..
    لكنها كانت محبوبة جداً كانت طيبة وخلوقة ومؤدبة مع الجميع.. ويوماً بعد يوم توطدت صداقتي مع سارة .. وشعرت بالأمان معها.. كانت دائماً تحثني على المحافظة على الصلاة والدعاء لوالدي.. وكانت تذكرني دائماً برحمة الله وأنه ما من ضيق إلا وبعده فرج ..
    وشعرت بأني بدأت أتأثر بها .. فأصبحت فعلاً أحافظ على صلاتي .. وأحرص على العباءة الساترة التي لم أكن أهتم بها أبداً..
    وشعرت بالراحة والأمان وأنا أسير نحو هدف واضح أمامي في الحياة وهو رضا ربي سبحانه وتعالى..

    وذات يوم .. أخبرتني والدتي.. أن معرضها الذي أقامته في بيروت قد حقق نجاحاً باهراً وتم بيع كل لوحاتها ..
    وأن اليوم قد حان لأن نعود لأسلوب حياتنا السابق خاصة مع ازدهار عمل مكتب تصميم الديكور الذي تديره ..

    شعرت بحزن لأن أمي لم تكن تهتم بشيء سوى المال .. لم تعرف بأني شعرت بالسعادة فقط حين جربت هذه الحياة البسيطة التي عرفت فيها معنى الصداقة الحقيقية، واقتربت فيها من ربي فشعرت بالراحة والأمان اللذين افتقدتهما منذ زمن بعيد ..

    لقد عدنا الآن إلى حياة القصور الفارهة .. والسفرات المتعددة .. وعدت لمدرسة أرقى من مدرستي الأولى .. لكني لازلت أفتقد أبي والحب ..
    والحياة البسيطة و..
    تواضع سارة ..

    **
    مجلة حياة العدد (40) شعبان 1424هـ

    - 9 -

    هل هذه أختك..؟


    - معقول؟ أنت أخت نجلاء؟
    - لااااا ..!! لا يمكن أن نصدق.. نجلاء أختك أنتِ؟
    كنت أطأطئ رأسي بخجل وأتحدث بصوت عادي وأنا أحاول أن أتصنع لهم عدم الاهتمام..
    - نعم.. ألم تكونوا تعرفون من قبل..؟
    - لكن.. لكن.. نجلاء مختلفة تماماً.. إنها..
    وتقاطع إحدى الفتيات الحديث قائلة لي..
    - لحظة.. هل أنت متأكدة؟..نجلاء فهد التي في أول ثانوي؟.. التي تظهر في الإذاعة الصباحية.. هي أختك..؟؟ّ!
    وأجيب والحرج يذيبني ومحاولاتي المصطنعة لعدم الاهتمام تبدو واضحة..
    - نعم.. إنها أختي.. وماذا في ذلك؟
    ثم أستسلم بألم وأعترف..
    - أعرف أنها أحسن مني..
    توقعت أن يشعروا بالخجل لكنهم تمادوا أكثر..
    - لكن يا نورة نجلاء شكلها مختلف جداً.. فهي طويلة.. و.. جميلة.. ومتفوقة.. كما أنها جريئة وتظهر في الأنشطة والمسابقات أما أنت فعلى العكس!
    - نعم.. أعرف ذلك..
    - ثم.. مظهرها.. نعم.. مظهرها مختلف تماماً.. إنها تهتم بمظهرها جداً ما شاء الله..
    ابتلعت هذه الغصة بألم لأني عرفت أنها تعني أن مظهري عادي أو سيء..
    مرت إحدى الزميلات من بعيد فصاحت بها إحدى الجالسات من زميلاتي..
    - سويّر.. سويّر.. إلحقي تعالي!!
    وتأتي سارة مسرعة وخائفة..
    - ماذا هناك..
    - هل عرفت آخر مفاجآت الموسم؟!
    - ماذا؟ خير إن شاء الله؟
    - هل تعرفين نجلاء فهد التي تظهر في الإذاعة دائماً..
    - نعم تلك الفتاة الجميلة الأنيقة..
    - نعم.. تصوري.. إنها أخت نورة.. نورة هذه!!
    - لاااااا!!.. لا يمكن.. احلفي!
    - والله أقسم بالله.. اسأليها..
    ويأتي دور سارة مرة أخرى.. كيف.. ولماذا .. ولا أصدق!
    وأبتلع أنا غصاتي واحدة بعد الأخرى..

    لم يكن أحد يعلم أني في الحقيقة لم أكن أر نجلاء في البيت.. فهي أختي من الأب، وقد عشت طوال حياتي مع أمي المطلقة.. أما نجلاء فهي ابنة الزوجة الثانية.. إنها الابنة المدللة لأبي رغم أنها لا تصغرني سوى بعامين.. لكن الفرق شاسع بيننا.. شاسع كما البعد بين دموع الفرحة والألم..

    فوالدتي امرأة كبيرة نسبياً وهي تقريباً لا تقرأ ولا تكتب.. أما والدتها فلا زالت شابة وهي جميلة ومثقفة وتعمل في وظيفة مرموقة..

    أنا تربت في بيت مشتت.. تربيت في بيت خالي.. حيث المشاكل المستمرة بين زوجته وأمي المسكينة.. وحيث الألم النفسي والبكاء والشعور بالضياع.. وحيث يموت الكبرياء ألف مرة كل يوم..
    أما هي فقد تربيت في أحضان والدها ووالدتها.. تربت كطفلة مدللة هي الأولى والوحيدة لأمها والصغرى لأبيها..

    عشت حياتي وأنا أعرف جيداً معنى الحرمان والفقر.. أعرف جيداً معنى أن أطلب مصروفي من خالي ونظرات زوجته تحرقني من شدة الغيظ.. فوالدي قد حرمني من المصروف مقابل أن أعيش مع أمي..
    أما نجلاء فقد عاشت والمال لا معنى له لديها.. ووالدي يغدق عليها المال دون حساب وكذلك والدتها..

    إذاً.. من الطبيعي أن أكون.. نورة.. الفتاة الخجولة.. المنطوية.. الكسيرة.. الفاقدة للثقة بنفسها والمهملة لمظهرها..
    بينما هي.. نجلاء الفتاة الطموحة الواثقة المتفوقة والأنيقة..

    ورغم كل ذلك.. لم أكن أشعر بأي حقد عليها ولا بأي غيرة تجاهها.. لكن في نفس الوقت.. لم أكن أحبها بصراحة..
    كانت علاقتها بي عادية جداً وشبه فاترة.. فقد كانت تعاملني كإحدى قريباتها من بعيد.. السلام عليكم.. عليكم السلام..فقط!

    إنه شعور محزن أن تشعر بأن هناك من ينتمي إليك.. من لحمك ودمك.. لكن روحك تختلف عن روحه.. ومشاعرك لا تجد لها عبثاً أي صلة بمشاعره..

    حين كنت أراها تمر في المدرسة وأرى حذائها الرياضي الجديد .. وحقيبتها ذات الماركة العالمية.. وشعرها المقصوص بعناية بالغة.. بينما في يدها دفتر فاخر جداً.. كانت لسعة ساخنة تضرب قلبي كسوط قاسٍ.. وتترك حرارة تتوهج ألماً داخله لأيام طويلة..

    وحين أستلقي على سريري في نهاية يوم متعب.. وأجيل نظري في غرفتي الضيقة التي تشاركني فيها والدتي.. أنظر لدولابنا القديم الذي سقط أحد أبوابه.. وللمرآة المشدوخة التي تنكسر فيها صورتي كل صباح.. ثم أنظر لكتبي التي وضعتها على الأرض حيث لا يوجد لي مكتب..
    ثم أتذكر شكل غرفة نجلاء حين زرتها الصيف الماضي.. حيث المفارش الوردية.. والستائر الرقيقة.. والدمى الملونة.. والثلاجة المليئة بأنواع الحلوى..

    حين أقارن لوهلة.. أشعر بغصة وألم في حنجرتي.. وأشتهي البكاء.. فأضع نفسي تحت الغطاء الخشن.. وأبكي بحرقة.. وأكتم صوتي حتى لا تشعر بي أمي.. ثم أبكي.. وأشهق وأنا أرتجف لكيلا يعلو صوتي في الظلام فأوقظ أمي..

    هل نجلاء أختي؟ من لحمي ودمي؟.. كيف نحمل أنا وهي اسم أب واحد.. وكل تلك المسافات الشاسعة تفصلنا؟.. كيف؟

    لم تكن زميلة من زميلاتي تعرف شيئاً من معاناتي.. ولا وضعي..
    لم تكن واحدة منهن تتخيل مدى الألم الذي أتجرعه.. ولم تكن إحداهن تعرف معنى أن تشعر باليتم ووالدها حي كما أعرف أنا جيداً.. لم يكن أحد جرب معنى الظلم دون أن يكون له يد في ما يحصل كما جربته أنا..
    كن ينثرن الملح على الجروح الغائرة بكل قسوة دون أن يعرفن..
    لكنني كنت أصمت وأتظاهر بأن شيئاً لم يحدث..

    لم أشعر بهذا المقدار من الألم في حياتي.. ليس قبل هذه السنة فقط.. حين أصبحت نجلاء معي في المدرسة الثانوية لأول مرة في حياتنا..

    الأستاذة منيرة هي الوحيدة التي عرفت ذات بوم.. حين صارحتها بذلك في لحظة ضعف وبكيت أمامها..
    عندها..حضنتني.. وربتت على كتفي بتأثر..
    وقالت..
    أعرف يا صغيرتي ما تعانين.. فهمت كل شيء..
    وفقط رددت في هدوء وهي تربت على ظهري:
    كان الله في عونك..
    كان الله في عونك..

    **
    مجلة حياة العدد (41) رمضان 1424هـ

    - 10 -

    الخبلة..!

    حين كنت أتشاجر مع أخي نويصر- فأركض وقد خطفت شماغه في لعبة تحدّ لأختبئ خلف ستارة المجلس حيث تجلس أمي.. كانت أمي تفضحني وتدل على مكاني حين تردد وهي تحتسي ق***ها ببرود..
    - يا بنيتي.. اعقلي.. اعقلي هداك الله..
    فيصرخ ناصر مكتشفاً أني في الغرفة ليجري نحوي ويخنقني داخل الستارة التي اختبأت خلفها..
    - يمممممممممه.. الحقيني سأموت!
    - تستاهلين..
    وحين يأخذ شماغه ويخرج منتصراً كنت أصرخ خلفه مهددة إياه بالانتقام في المرة القادمة.. لكن ما أن يلتفت نحوي بعينيه الغاضبتين - (بمزح) – وملوحاً بعقاله.. حتى أجري لأختبئ خلف ظهر أمي..
    لم تكن معاركي اليومية مع نويصر أو سويلم أو سعيدان شيئاً يذكر.. كانت روتيناً يومياً بسيطاً وجزءاً من حياتي اليومية..
    فقد تربيت كفتاة وحيدة بين أربعة أخوة ذكور.. وفي الحقيقة فإن لي أختاً واحدة لكنها أكبر مني بكثير فهي الكبرى وأنا الصغرى.. وهي متزوجة وتعيش في مدينة أخرى منذ زواجها.. ولا تأتي سوى في الأعياد وفترة من الصيف..


    حين كنت في المرحلة المتوسطة كان واضحاً عليّ بأني أخت الأولاد.. فقد كنت لا أهتم بمظهري.. وتصرفاتي خشنة بل متهورة كثيراً ولا تليق بفتاة..
    تقول أمي أن هذا لا علاقة له بكوني أختاً لفتيان.. ولكن طبيعتي – على حد قول أمي – هي الحمق والتهور..
    ويرجع هذا حسب نظرية أمي البيولوجية الوراثية لانجراف جيناتي الوراثية لعمة من عمات أبي رحمها الله.. كانت مشهورة بالحمق والتهور ولها آثار شهيرة في ذلك المجال..

    وفي محيط أقاربي كنت مشهورة بلقب لم أكن أكترث له وهو (الخبلة) .. فقد كانت لي العديد من المواقف الشهيرة التي انتشرت عبر أفراد الأسرة وساعدت في ترسيخ ذلك اللقب وإلصاقه أكثر فأكثر بي..

    ومن تلك المواقف.. ضياعي ذات مرة في حديقة الحيوانات.. وركوبي لدراجة أخي النارية في البر والتي انطلقت بها بسرعة جعلتني أخترق خيمة الرجال!!
    وضياعي في الحرم بسبب لحاقي امرأة اعتقدتها أمي.. هذا سوى المواقف التي صنعت فيها كعكة حجرية وقدمتها للنساء.. وسوى تقديمي للقهوة باليد اليسرى أو سكبي للعصير على أكثر من امرأة.. فهذه أمور عادية..

    وكما ذكرت.. حتى نهاية المرحلة المتوسطة لم يكن هذا العيب يسبب لي أي حرج.. فقد كنت أضحك مثلي مثل الآخرين على عيوبي ومواقفي المضحكة..
    وقد ساعدت أمي للأسف على ترسيخ تلك الفكرة عني لدى الآخرين.. وهي أني متهورة وحمقاء ولا أجيد أي شيء جاد.. وكانت تهزأ بي كثيراً وتذكر كل عيوبي وحركاتي الغبية أمام الآخرين لتضحكهم عليّ..

    لكن.. شيئاً فشيئاً..

    بدأ شيء ما في داخلي ينمو.. ويتغير..

    منذ دخلت المدرسة الثانوية.. وبدأت أتعرف على الكثير من الفتيات المؤدبات والعاقلات وأنسجم معهن.. بدأت أشعر بأنوثتي.. وبأنني أريد فعلاً أن أكون مثلهن.. فتاة راقية عاقلة رقيقة..
    بدأت أراقب تصرفاتهن المهذبة.. واهتمامهن بمظهرهن.. وحديثهن.. وشعرت بالنشوة لأني أصبحت أحاول أن أكون فعلاً فتاة حقيقية..

    كانت لبعض زميلاتي اهتمامات رائعة كتبادل الكتيبات النافعة وحضور جلسات المصلى..
    وأصبحت أقلدهن وأذهب معهن..

    ثم بدأت.. أسمع.. أخبار خطبة فلانة.. وعقد زواج فلانة.. وما أن وصلت للصف الثاني ثانوي.. حتى بدأت أسأل أمي بحماقتي السابقة التي لم أتخل عنها بعد..
    - أمي.. مممم.. ألم..
    أقصد..
    - ماذا قولي.. ماذا لديك؟
    - أردت أن أقول.. ألم يتقدم أحد لخطبتي؟
    ضحكت أمي معتقدةً أني أمزح معها.. فنثرت في وجهي بقية الماء البارد الذي كان في قاع الكأس وهي تبتسم..
    - كفي عن مزحك!.. ألن تعقلي؟
    - أمي! أنا لا أمزح.. فقط أسأل..
    لم تصدقني أمي واعتقدت أني فعلاً أمازحها فتركتني لتكمل عملها في المطبخ..
    وبعد أيام لم يكن من المستغرب أن تنشر أمي الخبر أمام أقاربها.. " سويّر" الخبلة تبحث عن عريس!
    كانت أمي لا تزال تنظر إلي كطفلة صغيرة.. دون أن تعرف أنها تحرجني وتساهم في تحقير صورتي أمام الآخرين..
    يوم أن أخبرتني خلود بما ذكرته أمي في الاجتماع العائلي عني.. أخذت أبكي بحرقة لأن أمي فضحتني دون أن تشعر.. وساهمت في ترسيخ صورة (الخبلة) التي تأبى أن تمسح من أذهان من يعرفونني..

    تخرجت من الثانوية.. ودخلت الكلية.. لكنني كنت لا أزال أعاني من عقدة (الخبلة) فقد أدى ذلك لجعلي مهزوزة الثقة بنفسي.. ضعيفة الشخصية.. سريعة التأثر.. ومتهورة فعلاً..

    كنت أخاف من الالتزام بأي مسؤولية كبيرة لأني أخشى أن أضيعها وأفسدها..
    وكنت أحتقر نفسي ولا أرى أني أستحق أي فخر في هذه الحياة..

    لكني كنت لا أزال أواظب على حضور جلسات المصلى التي كنت أحبها كثيراً..
    وذات يوم عرضت عليّ إحدى الأخوات جزاها الله خيراً أن ألقي كلمة بسيطة..
    - لاااااا.. لا يمكن.. أنا؟!!
    - نعم أنت وماذا في ذلك..
    - لا.. لا.. لا أصلح..
    سيضحك الناس عليّ..
    - ولماذا يضحكون؟ كلامك جيد ولست أقل من غيرك ولله الحمد..
    - لا.. لا.. لا يمكن.. أنت لا تعرفين.. أنا.. أنا.. آآ..
    وتلعثمت قليلاً لأني كدت أن أقول.. أنا (خبلة).. !!
    لكنها أصرت عليّ ووضعتني أمام الأمر الواقع وذكرتني بالأجر العظيم الذي ينتظرني.. وأن الدعوة لله واجب على كل مسلم صغير أو كبير.. كما أن كل من سيستمع إلي هم بشر مثلي..
    شعرت برهبة شديدة لكني تماسكت.. وأخذت أجهز لإلقاء الكلمة قبل أسبوع.. ولم أخبر أمي.. لأني كنت متأكدة أنها ستحبطني وتضحك عليّ لو أخبرتها مما قد يقلل من ثقتي بنفسي..
    وفي ذلك الصباح.. كنت متوترة مشدودة الأعصاب.. كيف ستكون كلمتي؟ هل سيضحكون عليّ؟ هل سأتلعثم أم سأسقط السماعات أم سأتعثر وأقع أمامهم على الأرض..أي نوع من الحمق سيظهر أمامهن.. لكني ذكرت الله وحاولت أن أثبت نفسي..
    وعندما استلمت الميكرفون وابتدأت باسم الله.. كان صوتي يرتجف.. لكنني دخلت في الموضوع..
    وبدأت أتحدث عن أسباب سعادة الإنسان.. وأسباب انشراح صدره..
    ووجدت نفسي أنسجم في الموضوع حتى ذكرت بعض القصص التي لم أكن قد جهزتها.. وأخذت أضرب الأمثال والجميع منصت باهتمام.. استمريت بانفعال وحماس..
    وبدا من وجوه الحاضرات الاستمتاع بالكلمة.. حتى أن الساعة أشارت على بدء وقت المحاضرات لكنهن لم يقمن من أماكنهن حتى انتهيت وختمت كلمتي بالصلاة على رسول الله..

    - جزاك الله خيراً..
    - أسأل الله أن يجعلها في ميزان حسناتك..
    كلمة طيبة ومؤثرة بارك الله فيك..

    هكذا اقتربت مني بعض الحاضرات وهن يبتسمن شاكرات وممتنات بصدق..

    لم أصدق نفسي.. كان ذلك شيئاً لا يصدق.. هل فعلت شيئاً جيداً لأول مرة في حياتي.. هل فعلت شيئاً يستحق الفخر؟ لا أصدق.. سارة الخبلة.. التي كانت طوال عمرها مثار الضحك والسخرية.. أصبحت قادرة على إلقاء كلمة..؟!

    حينها فقط.. وأنا أمسح دموعي بهدوء دون أن يراني أحد.. عرفت جيداً.. أن الإنسان هو من يصنع نفسه إذا أراد – بإذن الله..
    الإنسان هو من يقرر ما إذا كان يريد أن يصبح عظيماً أم لا..
    مهما كانت الظروف من حوله تقنعه بأنه صغير..
    و.. لا شيء..

    **
    مجلة حياة العدد (42) شوال 1424هـ

    - 11 -

    هذه المرة تركنا اعترافات لأقلام بعض القارئات
    المبدعات.. وشاء الله أن تكون كلها حول الطلاق..
    ذلك الشبح الذي إذا حلّ على أسرة أسدل عليها
    الضياع والحزن وأغرقها في بحر الدموع.. الشبح
    الذي يحضره الكبار.. ويعاني منه الصغار..
    نوف

    من المخطئ..؟



    لظروف مبهمة تطلقت أمي من أبي.. وعشت مع أمي إلى أن تزوجت..
    بعدها اصطحبني أبي إلى قريته لأعيش مع زوجته وإخوتي الذين أراهم لأول مرة..
    في البداية كان أبي فرحاً جداً بي لدرجة أنه أحضر كل ما تتمناه نفسي..
    لكن.. هي أيام معدودة.. و..
    مرت لحظات السعادة سريعاً دون أن أشعر بها..
    - منار.. منار..
    - نعم أمي.. عفواً.. عمتي..
    - اسمعي يا منار أنتِ قد كبرت ويجب عليك أن تعتمدي على نفسك!
    - لكن.. لكن..
    - لكن ماذا؟ إذاً ماذا كانت تعمل أمك طيلة التسع سنين الماضية؟ اسمعي.. أنا لدي أولاد ولن أستطيع تحمل مسؤوليتك ومسؤوليتهم.. أتفهمين؟
    استنتجت من أول حوار لي مع زوجة أبي أني لن أعيش كغيري من الأطفال.. شعرت أني بحاجة إلى أمي.. طلبت من أبي أن أكلمها عبر الهاتف.. نهرني بقوة وقال.. (أمك.. أمك ماتت!)
    التفت إلى زوجة أبي ملتمسة عطفاً منها أو حناناً.. لكنها رسمت كل ذلك في ابتسامة تحمل من الحقد معانٍ
    استطعت فهمها وأنا طفلة لا تتجاوز التاسعة..
    علمتني أمي أن الابتسامة تعني الجمال والمحبة والصفاء.. هي باختصار معنى لكل شيء جميل.. لكن هذه الابتسامة مختلفة تماماً.. لا أعرف لماذا.. كل ما أعرفه أني لم أحبها ونفرت منها..
    أين أنت يا أمي؟ لماذا لم تحكي لي أن هناك ابتسامة حقد وكراهية..؟
    اتجهت حينها إلى مخدتي التي أصبحت أنيسة وحدتي.. لم أسأل لم كل هذه القسوة.. كل ما فعلته أني قبعت في ركن من الأسى يدعى الصمت..
    وفي يوم النتائج.. أو يوم الشهادات – كما يحلو لطالبات الابتدائية أن يسمينه استلمت نتيجتي..
    ناااااااجحة!.. يا للفرحة.. لكن.. كيف لي أن أخبر أمي؟؟
    مدت إليّ معلمتي هاتفها النقال قائلة: (خذي يا منار.. أخبري والدتك بنجاحك.. ستفرح كثيراً)
    وببراءة طفولتي ضممت معلمتي وأنا أبكي..
    - شـ.. كـ.. ر.... اً ..
    لم تكد أمي تفهم كلماتي المتقطعة.. فهي لم تكن تسمع سوى شهقاتي المتتالية..
    أخذت معلمتي الهاتف وأخبرت والدتي بنجاحي.. وانتهى يومي بذلك..
    اشتقت لأمي ولن تكفي هذه الكلمة لأعبر عما بداخلي..
    اشتقت لأمي.. فسحبت هاتف بيتنا إلى إحدى زوايا الصالة.. واتصلت بها واشتكيت لها تعامل أبي وزوجته وإخوتي معي.. ولم أكن أعلم أن أبي قد وضع جهاز تسجيل على هاتف المنزل.
    وفي ذلك المساء الذي لن أنساه ما حييت.. جاء أبي والشرر يتطاير من عينيه..
    - مع من تكلمت اليوم؟
    لذت بالصمت..
    وارتفعت يده بالعصا ليضربني.. وضعت يدي على وجهي لأقيه من الضربات التي انهالت عليّ وكأنها قذائف من نار.. بمن أحتمي؟ وإلى من أهرب؟
    صعدت إلى غرفتي ثم ركضت نحو دار تحفيظ القرآن التي أداوم بها.. ذهبت قبل بداية الدوام ولم يكن هناك أحد سواي.. جلست أبكي بدموع تمنيت معها أن تنطفئ حرقة الأسى والحرمان التي تحرق قلبي..
    أبي.. برغم كل القسوة التي ما زلت تعاملني بها.. لم أسألك يوماً ما هو خطأي؟

    بقلم/ مي المفرج – تمير

    - - - -
    (( رد خاص حسب طلب مي: أسلوبك جميل يا مي وجمال قصتك في بساطتها وواقعيتها، وهي مؤثرة.. ادعمي نفسك بالمزيد من القراءة والقراءة لتتطوري أكثر، وتجنبي التكلف في الأسلوب.. وفقك الله.. نوف))
    - - - -

    الحلوى المرة!


    حين كنت طفلةً في نعومة أظافرها لا تتجاوز نعومة أوراق الأزهار.. ويداها الصغيرتان تنبشان كل ما تقع تحتها..
    لم أكن أدرك كل ذلك الكم الهائل من الأسئلة التي بدأت تتقافز خلسة إلى ذهني بعد أن تجاوزت السابعة..
    فوالدي قد خلفا طفلة ذهب بها الفضول إلى متاهات عميقة.. إلى أعماق الحقائق..
    حتى ارتمى ذاك السؤال في أحضان دهشة أمي بعد أن حدقت عيني التي تتم عن فضول مكبوت نحو عنوان على غلاف مجلة..
    - ماما.. ما هو الطلاق؟!
    بريق التردد والامتعاض يلوّح بنجلاوي أمي الطاهرتين..
    وكأنها تريد الحفاظ على عالمي الصغير من جروح الحياة..
    - إنه.. (حلوى) يا بنيتي!..
    أمي.. يا برداً في لهيب الدنى.. ويا دفئاً في برد الحياة..
    ليتك ترحمين رغبتي الماردة للوصول إلى تلك الحلوى..
    رؤيتها.. تذوقها.. لكنك كنت تعلمين أنها حلوى من نوعٍ آخر.. ليست كتلك التي تجلبينها لي كل يوم آخر الدوام..
    وكبرت..
    وأصبحت فتاة في الخامسة عشرة من عمرها..
    جمجمتي الصغيرة لم تمنع خلايا عقلي من فهم كل ما حولي.. حتى أمي!..
    إننا مثل تفاحة انقسمت نصفين..
    ذات يوم.. تفرست في هيكل أمي.. وجهها.. عينيها..
    وشفتي ..
    - أمي الحبيبة.. أعلم بما تكابدينه من أبي .. ولكن اصبري - .. خاطرتني نفسي بتلك العبارة .. خالجني شعور بالندم لعدم مجابهتها بها .. ولكن !!
    أبى اللسان أن ينقض كل الخيوط التي غزلتها ..
    لتلبسنا أجمل حلة خصنا بها الله وهي الحنان ..
    وجدت نفسي في حجرتي .. لطالما تحملت كل آهاتي ودمعاتي العنيدة .. العنيدة جداً .. والتي تجابه عناد الجبال الصلبة أمام الرياح .. ولا ألوم نفسي لهذه الصفة .. فقد ولدت أنا وكبريائي في نفس اليوم .. ولا أذكر أني ذرفت يوماً دمعة محقونة بإرادتي ..
    جلست أتبادل حديثي الصامت مع أوراقي .. وآنس بصرير أقلامي إلى أن تمزق الهدوء بصوتهما المعتاد..
    ولكن هذه المرة كان مخترقاً لصلابة جدران حجرتهما.. هرعت مسرعة إلى باب الحجرة.. لم تحدد أذناي محور حديثهما الساخن.. ولكنها التقطت تلك الكلمة.. لينتهي الحديث في الهواء.. لم يكن الحديث وحده هو من أعلن نهايته الكاسحة.. بل كل شيء في هذا البيت بدا وكأنه يحتضر..
    فؤادي.. وأفئدة أخوتي الصغار التي ذابت ألماً بعد تردد صدى تلك الكلمة في مخيلتنا جميعاً..
    اقتربت ساعة الصفر.. عانقتها بشدة.. وامتزجت دموعنا على صدغيها الطريين..
    والآن.. أحمل لقب اليتيمة السقيمة..
    أبحث عن طيفها في حجرتها.. أتنفس رائحتها بين ملابسها ومناديلها.. سامحك الله يا أبي.. لقد جعلتنا وجبة لآلام الحياة..
    وبينما أنا على سريرها يخيل إلي تلك اللحظة..
    حينما كانت جالسة أمام مرآتها تكحل عينيها فباغتّها بسؤالي وأنا أنظر إلى غلاف مجلتها المفضلة حيث عنوانٌ عن الطلاق..
    حينما أجابت بلغة الفرار المهيب..
    - إنه حلوى يا بنيتي..
    أماه صدقتِ أيتها الحبيبة.. لقد كانت حلوى.. ولكنها مرة..

    جميلة الشهري

    **
    مجلة حياة العدد (43) ذو القعدة 1424هـ



    تحرير: حورية الدعوة
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا دعا الرجل لأخيه بظهر الغيب قالت الملائكة : ولك بمثل »
    ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأله سائل فقال: يا رسول الله( هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ فقال عليه الصلاة والسلام: الصلاة عليهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما )
    الله يرحمك يابوي
    يابوخالد


  2. #2

    افتراضي

    - 12 -

    بيت المشاكل

    - عنيييييييييّد.. الحقي..
    - خير؟ بسم الله.. ماذا هناك؟

    - جدتي سوف تأتي غداً..
    - ماذا؟ كاذبة!

    - والله العظيم لقد سمعت أبي يقول ذلك وهو يكلم عمي على الهاتف.. والله العظيم!

    سقط الكتاب الذي كنت أدرس فيه من يدي لا إرادياً.. ووقفت مصدومة لا أعرف ماذا أقول..
    - لا يمكن.. إنها لم تمض هناك سوى شهراً واحداً فقط.. لماذا تعود بسرعة.. يا ربي!

    أخرجت أريج كيساً من الشيبس من دولابها وبدأت تقرض فيه كالفأرة بصوت مقرمش مزعج وهي تبحث بين ملابسها عن شيء ما بلا مبالاة بينما كنت غارقة في دوامة من التفكير.. كان الحزن يتوشحني لدرجة أني لم أستطع حتى أن أتكلم.. فأنا أعرف جيداً ماذا يعني قدوم جدتي إلينا..
    في المرة الماضية حدثت مشكلة كبيرة بين أبي وأمي بمباركتها.. وكادت أمي أن تطلق بسببها.. وعادت جدتي لمنزل عمي في جدة وقد حلفت ألا تدخل بيتنا مرة أخرى... فكيف الآن تعود.. يا الله..!
    إن الاختبارات على الأبواب.. فما بالها تأتي الآن لتسحب معها المشاكل..

    - عنود!! هل أخذت علبة عصيري؟
    - اغربي عن وجهي.. هل هذا وقته..

    - أقول هل أخذت عصيري؟
    شعرت برغبة في أن أضرب أريج لكني تمالكت نفسي فلست في حاجة لمزيد من المشاكل في هذه الفترة..
    تعوذت بالله من الشيطان الرجيم.. ثم قلت وأنا أضغط على أسناني..
    - أريج!.. لم أر علبة عصيرك.. أحلف لك!.. أرجوك اتركيني لوحدي واخرجي من الغرفة فرائحة البطاطس بالكاتشب هذه تشعرني بالقرف..!
    مدت أريج لسانها المليء ببقايا الشيبس عليّ وخرجت أخيراً.. فأغلقت الباب خلفها..

    يا ربي.. والله.. لقد تعبت.. لا أحد يشعر بي ولا بألمي..
    الجميع يعيش على أعصابه في هذا البيت المليء بالمشاكل..
    أمي والخادمة.. مشاكل وصراخ..
    أبي وأمي.. مشاكل وصراخ..
    أمي وجدتي.. أبي وأخي.. أنا وأختي.. كلنا.. تسود علاقتنا المشاكل والصراخ..
    لقد تعبت.. دائماً نعيش في خوف وقلق.. دائماً نترقب وقت دخول أبي بمنتهى الخوف والتوجس حتى لا تثار أية مشكلة من قبل أي طرف معه..
    نموت خوفاً حين يبدو الغضب على أبي..
    ونموت خوفاً حين تبدو الدموع في عيني أمي..
    ونموت خوفاً حين نسمع جدتي وهي تصرخ على أبي..
    يا الله.. متى.. متى أتزوج وأترك هذا البيت الكئيب وأرتاح.. لقد سئمت وتعبت.. أخذت أبكي بحرقة.. وفجأة سمعت الباب يطرق.. جففت دموعي وعدلت من هيئتي وأسرعت أفتح الباب.. كان أبي.. قال لي بلهجة صارمة..
    - ماذا تفعلين؟
    - لا شيء.. أدرس..
    - اتركي دراستك الآن.. واذهبي لتجهزي غرفة جدتك.. نظفيها جيداً.. وأحضري منقلة جدتك من المخزن.. وجهزي لها الأغطية الصوفية.. هيا بسرعة.. فأمك مزاجها معكر اليوم..
    ابتلعت ريقي بصعوبة.. كان غاضباً جداً.. وبدا أنه قد بدأت مشكلة بينهما قبل قليل.. لابد أن أمي تبكي الآن.. يا الله..!
    نزلت بسرعة وأنا أشعر أني أحمل الدنيا على رأسي..
    وأثناء تجهيزي للغرفة.. كنت أفكر.. يا ترى.. من هو السبب؟.. من سبب المشاكل التي نعيشها.. أهي أمي العنيدة الهادئة.. أم أبي العصبي الغضوب.. أم جدتي اللحوحة الكثيرة التذمر والشكوى.. أم.. من؟
    لماذا لا نكون مثل الآخرين.. مثل بعض الأسر التي تعيش في سعادة وهناء وراحة.. تحيا في تناسق وانسجام ومحبة..؟
    واستغفرت الله في سري.. فما كان لي أن أعترض على قضائه وقدره.. الحمد لله على كل حال..

    × × ×

    وفي المدرسة.. كان شبح المشاكل الرهيب يدور حولي طوال اليوم..
    كنت أفكر في الفيض القادم من المشاكل والذي سيهطل كالعادة مع قدوم جدتي.. ولم أستطع أن أركز في أية كلمة قالتها أية معلمة..
    - العنود.. يا دبة.. ألن تنزلي للفسحة معنا؟
    - كلا شكراً.. أشعر أني متعبة.. سأجلس اليوم في الفصل..
    - بلا سخافة!.. (تتدلعين) علينا؟!
    كنت فعلاً متعبة نفسياً وأنا أفكر في تلك المشاكل الرهيبة القادمة.. فلم أرد على تهاني.. كنت أعلم أنها فتاة مزوح لا يمكن لأحد أن يجالسها ويتوقف عن الضحك.. وأنا لم أكن مستعدة لها اليوم..
    توقعت أن تخرج بسرعة.. لكنها اقتربت مني.. ونظرت إلي بهدوء.. ثم جلست قربي..
    - العنود.. ما بك؟ لست طبيعية اليوم..
    - لا شيء.. متعبة قليلاً..
    - كلا!.. عيناك تقولان أن هناك شيئاً في البيت..
    - كيف عرفت؟
    - أشعر أني أعرف هذا الشعور..
    - أنت؟
    - نعم أعرفه جيداً..
    كانت تهاني تتكلم بهدوء لم أعهده منها من قبل.. لم أتوقع ذلك.. تهاني تعاني مثلي من مشاكل؟!
    سكتت قليلاً.. ثم قالت بلهجة ساخرة..
    - يوووووه.. بيتنا مليااااان مشاكل.. نفكر نبيع منها..
    - تهاني.. أنت لا تعرفين.. أبي وأمي بينهما دائماً مشاكل وشجار.. أبي دائماً يثير الخوف والقلق فينا.. وجدتي.. لا تعرفين مشاكلها وجو القلق والحزن الذي تجعله يسود البيت بسبب كلامها هداها الله..
    نظرت إلي طويلاً وكأنها تفكر فيما إذا كانت ستقول ما تقوله أم لا..
    - طيب.. ما رأيك؟.. أنا أبي.. يضرب أمي.. هل يضرب أبوك أمك؟ .. أبي يضربني حتى الآن.. هل يضربك أبوك؟.. وخذي هذه.. أبي طرد أخي من البيت منذ شهرين ونحن لا نعرف عنه شيئاً حتى الآن.. ما رأيك؟ هل لديك مثل هذه المشاكل؟ لدي الكثير غيرها إن أردت..
    صمت وأنا منذهلة تماماً مما قالته.. هل يعقل.. لا أصدق.. تهاني.. تعاني من هذه المشاكل.. ما أعرفه أن أمها هي وكيلة مدرسة.. وهي فتاة مرحة بشوشة.. لم أتصور أنها تعاني من كل هذا الحزن.. يا حبيبتي يا تهاني.. نظرت إليها بعطف وأنا غير مستوعبة لما قالته..
    وحين شعرت أن الموضوع قد يأخذ طابع الحزن قالت فجأة بنبرة أعلى وهي تبتسم وتضرب على كتفي واقفة..
    - لا يضيق صدرك..
    عااااااااادي.. كل بيت فيه مشاكل من نوع مختلف.. احمدي ربك أنت أحسن من غيرك..
    - الحمد لله..
    - بعدين كل مشكلة فيها فائدة.. يعني شوفيني.. لو ما كان عندي مشاكل.. ما كان صار دمي خفيف عشان أضيع السالفة!!
    - يا سلام؟!..
    رن الجرس معلناً انتهاء الفسحة.. فابتسمت لها وأنا أحمل لها حباً كبيراً..
    وأثناء الحصة كنت أفكر.. فعلاً.. صدقت تهاني.. أنا أحسن من غيري.. فوالدي رغم كل شيء لا يضربنا.. ولم يضرب أمي يوماً.. وهو لا يحرمنا مما يستطيع توفيره لنا.. الحمد لله.. حتى مشاكل جدتي تهون عند مشاكل غيرنا..

    × × ×

    حين عدت إلى البيت.. كانت أمي قد وضعت الغداء للتو وقد حضرت جدتي.. سلمت عليها وجلست آكل بينما بدأت جدتي لمزاتها..
    - الأكل مالح.. ما تدرين أنه فيني ضغط..
    فردت أمي..
    - والله يا خالة ما حطيت ملح إلا شوي..
    - يعني أنا كذابة؟.. أقول مالح.. ما ينوكل!
    أكملت طعامي وقمت لغرفتي وأنا أردد.. الحمد لله.. مهما تكن من مشاكل.. فهي أهون من مشاكل غيري..!


    **
    مجلة حياة العدد (44) ذو الحجة 1424هـ

    - 13 -


    ودفنت الدبة!


    سحبت بخفة قطعة الشوكولاتة من يد روان وهي تشاهد أفلام الكرتون وهربت بسرعة.. فصرخت وأخذت تجري خلفي..
    - يا الدبة! .. أرجعي قطعتي.. لقد أكلتِ أربع قطع..!
    لكني تجاهلتها وأسرعت أهرب منها وأنا أقضم الشوكولاته اللذيذة.. بينما انفجرت بالبكاء وأخذت تصرخ بغضب..
    - انظري لشكلك.. ستنفجرين من كثرة الأكل أيتها الدبة!

    أحسست بصفعة قوية.. فتوقفت..
    كنت أعلم أنها تردد نفس الكلام كثيراً.. لكنها هذه المرة جرحتني حقاً..
    أحسست أن لقطعة الشوكولاته طعماً مراً.. حتى بالكاد استطعت أن أبلعها.. وسقط ما تبقى منها في يدي على الأرض.. شعرت بأنني غبية وبليدة لأنني سمحت لنفسي أن أكون في هذا الموقف السخيف..
    انسحبت بهدوء دون أن أنبس ببنت شفة.. ذهبت إلى غرفتي وأغلقت الباب..
    نظرت إلى نفسي بالمرآة.. يا الله.. ما هذا؟.. كيف تركت نفسي لأصل لهذه المرحلة من البدانة.. إن جسمي بلا ملامح تقريباً.. لا خصر ولا عنق ولا سيقان.. كل شيء متساوي.. كرة مستديرة من جميع الجهات..
    يجب أن أنحف يجب..
    لكن.. الأكل لذيذ.. وأنا أحب الحلويات.. لا أستطيع أن أقاومها..
    لكن.. يجب أن أغيّر من شكلي الذي جلب لي كل الهموم والمشاكل.. وجعلني موضع استهزاء وتندر الجميع.. يجب..
    وقررت أن أبدأ نظاماً غذائياً صارماً منذ الغد..
    وبالفعل بدأت..
    ولكن في المدرسة.. في الفسحة.. سألتني نور..
    - دانة..
    ماذا تريدين؟
    كرواسان بالجبنة أم بالزعتر؟
    - لا شيء..
    كنت أتلمظ وأنا أتخيل شكل الفطائر..
    - معقول؟ لا شيء أبداً.. على الأقل فطيرتين فقط..!
    ابتلعت ريقي بصعوبة.. ثم نكست رأسي للأسفل..
    - حسناً..
    وانقضضت بعد قليل على الفطيرتين والعصير.. ثم لم أقاوم فطلبت فطيرتين أخريين.. وأتبعتها بقطعة شوكولاته بالبندق..
    وحين عدت للمنزل.. كنت أشعر بالخجل من نفسي.. فهذه ليست المرة الأولى ولا العاشرة ولا العشرين التي أبدأ فيها نظاماً غذائياً وأفشل فيه..
    حين عدت للمنزل وخلعت عباءتي.. كانت أمي تصلي في غرفتها..
    ذهبت وجلست على سريرها.. وحين انتهت.. نظرت إليّ..
    - دانة.. ما بك؟ لم تلحي في طلب الغداء اليوم؟
    - لا شيء.. أشعر بالكآبة..
    - أعوذ بالله.. هل حصل شيء اليوم..
    - لا.. فقط هكذا..
    كانت أمي ترتب ثوب الصلاة وتلفه داخل السجادة.. أخذت أنظر إليها.. جسمها جميل.. لا أحد يصدّق أنها أمي.. فهي تبدو أصغر مني سناً.. أشعر بالخجل حين يراني أحد معها..
    وفجأة قالت..
    - زواج شيماء سيكون بعد بداية العطلة بأسبوع..
    شعرت بالقلق والارتباك.. فأنا لم أتوقع أن زواج ابنة خالتي سيكون قريباً لهذه الدرجة..
    - والله؟!
    - نعم.. اليوم قالت لي خالتك ذلك.. فهم لم يجدوا حجزاً إلا في ذلك اليوم..
    سكتت أمي ثم تابعت..
    - ليس أمامنا الكثير لنتجهز للحفل علينا أن نفصّل أو نشتري الملابس المناسبة فليس هناك سوى أربعة أسابيع فقط والمشاغل الآن مزدحمة جداً..
    شعرت بالحسرة والحزن.. فأي شيء له علاقة بالملابس يصيبني بالكآبة ويعيد أحزاني ومواجعي..
    أعرف كم تبدو ملابس السهرة مضحكة عليّ.. وأعرف كم أبدو سخيفة مقارنة بأجسام بنات أخوالي وخالاتي اللاتي يتقافزن كالغزلان.. لا.. لا أريد أن أكون نكتة الحفلة بكيلو غراماتي المائة..
    لم يكن أمامي سوى خيار واحد.. أن أنحف.. نعم.. ساعدتني صديقتي دلال.. فأحضرت لي ورقة بها ريجيم كيميائي مذكور أنه يمكن أن ينحف أربعين كيلو.. وقررت أن أتبعه..
    بدأت بالنظام.. وكنت أشعر بالتعب والإرهاق لكن لأول مرة في حياتي كان لدي العزيمة والمقاومة..
    واستمريت طوال ثلاثة أسابيع.. حتى في أيام الاختبارات رغم أني في سنة ثالث.. كنت أختبر وأنا أشعر بالدوار الشديد..
    وحين وقفت على الميزان.. كانت المفاجئة أني بالفعل قد نقصت خمسة عشر كيلاً.. يا سلاااام!!
    أصبحت أرتدي مقاسات أصغر بكثير.. لكن هذا الدوار كان يتعبني جداً..
    وفي يوم الحفل.. كنت قد نحفت لكني لا أزال بدينة.. ولا يزال الفستان غير أنيق على جسمي المترهل.. وحين وصلت العروس وجلست وبدأت الأناشيد ودفوف الفرح.. صعدت لأسلّم على ابنة خالتي..
    ومع تطاير دخان البخور.. وتعالى زغاريد الفرح والأصوات.. والإضاءة القوية.. شعرت بالدنيا.. تدور.. وتدور.. وسقطت قبل أن أصل.. سقطت أمام العروس.. بل عند قدميها وكأني أتيت لأقدّم نفسي قرباناً!!!
    كان منظري مضحكاً ومحزناً في نفس الوقت..
    (مسكينة) (يا حرام داخت) سمعتها كثيراً تدور في أذني..
    كنت كالغريقة.. أرى الناس يسبحون في عالم متحرك وبالكاد أفهم ما يقولونه.. أتت أمي مسرعة وسحبتني مع بنات خالاتي.. وفي إحدى الغرف الجانبية.. أتت طبيبة إسعاف لتكشف عليّ عندما طالت إغماءتي..
    - يجب نقلها للمستشفى حالاً.. لديها هبوط حاد جداً في الضغط..
    - ماذا؟
    - يبدو أنها لم تأكل شيئاً أليس كذلك..؟
    - يبدو ذلك فأنا لم أرها تأكل اليوم سوى الزبادي..
    وأسرع والدي وخالي ينقلاني للمستشفى بعيداً عن الحفل الذي لم أستمتع به.. وفي المستشفى اكتشفوا أن لدّي فقر دم شديد وهبوط.. كما أن دقات القلب لدي غير منتظمة.. وهذا مؤشر خطر.. كما أن الريجيم الغير صحي سبب لي جفافاً.. وبقيت في المستشفى لمدة يومين حتى استعدت عافيتي..
    وحين خرجت شعرت برغبة عارمة في الأكل
    وتعويض أيام الجوع السابقة.. كانت شهيتي مفتوحة بشكل ليس له مثيل.. وساعدتني أمي – هداها الله – بتقديم أشهى الأطباق لي بحجة تغذيتي..
    وأصبحت لا أتوقف لحظة عن الأكل.. وامتلأ دولابي بالحلويات والبطاطس كما كان من قبل.. وخلال شهر واحد.. عاد وزني لسابقه.. ثم ازداد.. ازداد عشرون كيلو غراماً!!
    نعم أصبح وزني مع بداية الدراسة مائة وعشرون كيلو!.. وعرفت فيما بعد أن هذا أثر طبيعي لاستخدام الريجيم الكيمائي حيث يصبح الجسم قابلاً للزيادة أكثر مما كان.. فيزداد الوزن بعد الانتهاء منه بشكل غير طبيعي..
    وانعزلت عن الحياة.. وأصبحت أكره الاجتماعات.. أكره السوق حتى لا أرى الملابس الجميلة وأنا لا أستطيع لبسها.. حتى الأحذية لم أعد أجد حذاءً مناسباً لي فرجلي صغيرة لكنها ممتلئة جداً.. حتى أنني أصبحت أطلب أحذيتي من محل معيّن يقوم بتفصيل الأحذية في دولة مجاورة.. وأفكر.. إنه حذاء السندريلاااا الدبة!!
    ومع تخرجي من الثانوية.. وعدم قبولي في أي كلية.. ومع الفراغ.. كان الدافع لدي معدوماً.. لكن ذات يوم.. سمعت أمي تتحدث في الهاتف لخالتي دون أن تعلم.. وتقول..
    - ومن يخطبها يا هيا.. مسكينة.. أنت لم تأتي منذ عدة أشهر ولم تريها.. لقد ازدادت سمنة..
    لم أستطع أن أكمل الحديث وأسرعت لغرفتي أبكي.. أقفلت الباب عليّ.. ورميت نفسي على السرير.. وأخذت أبكي وأبكي.. كم أود لو أستمتع مثل بقية الفتيات.. أن ألبس وأتزين.. وأن أخطب في المناسبات.. يا الله ساعدني وارحمني.. يا ربي.. ارحم حالي.. وخلصني من هذه البدانة يا رب..
    وهنا.. قررت أن أعاهد نفسي أن أجعل الجميع ينظر لي بعين أخرى بعد الآن.. لماذا أجعل الآخرين ينظرون لي دائماً بعين الشفقة أو الاحتقار لماذا؟ إن الحل بيدي وليس بيد شخص آخر.. والله سبحانه وتعالى سيعينني إن توكلت عليه..
    وتوكلت على الله ووضعت لي نظاماً معقولاً صممته بنفسي من خلال كتب التغذية التي أصبحت أقرأها كثيراً.. كما قررت أن أمارس الرياضة لمدة نصف ساعة يومياً.. أجري في فناء المنزل أو أتمرن على الجهاز الرياضي الذي في غرفتي.. وأشرب الكثير من السوائل.. وعاهدت نفسي أيضاً أن أصوم كل يومي اثنين وخميس وأفطر إفطاراً معقولاً..
    فالصيام يعود الجسم على التحمل وقلة الطعام كما ينظف الدم من الشوائب والسموم.. وابتعدت عن الحلويات وقللت من أكل المطاعم.. وأصبحت أكثر من الفواكه والخضار والأطعمة المسلوقة والمشوية.. وفيما عدا ذلك لم أحرم نفسي كثيراً..
    والحق يقال أن وزني لم ينزل بسرعة في البداية.. كنت أنزل ببطء شديد لكن جسمي كان يبدو مشدوداً أكثر بكثير من المرة السابقة.. وصغرت مقاسات ملابسي كثيراً.. وأصبحت أشعر بحيوية ونشاط وإقبال على الحياة..
    لقد تغيرت حياتي تماماً.. وما أن حل الصيف التالي إلا وقد أصبح وزني خمسة وستون كيلو غراماً فقط... لقد نزلت خمسة وخمسين كيلو غراماً خلال عشرة أشهر.. إنها المعجزة التي حصلت بفضل الله سبحانه وتعالى.. ثم بإرادتي وعزيمتي..
    تغير شكلي تماماً وأصبحت أبدو أصغر من عمري بعدة سنوات.. حتى وجهي أصبح أكثر تورداً مع عنايتي بالتغذية الصحيحة.. أصبحت أحب الاختلاط بالآخرين وأحب أن أزور أقاربي ولم أعد أشعر بالحرج من نظرات الآخرين..
    وما أن حل زواج ابنة خالي منى حتى كنت أول الحاضرات.. وهذه المرة كنت أمشي بكل ثقة بين الحاضرات وأنا أسمعهن يتهامسن..
    من هذه؟ من تكون؟
    معقول دانة؟ هذه دانة بنت منيرة؟ لا يمكن! كيف؟
    ما شاء الله..
    كيف تغير شكلها هكذا؟
    كنت أحمد الله سبحانه وتعالى أن استجاب لدعائي.. وشعرت وأنا أسير..
    أني قد رميت شخصيتي الأولى.. تلك الفتاة البدينة المنكسرة المعدومة الثقة في نفسها..
    موضع نظرات السخرية والشفقة..
    إنني الآن.. فتاة أخرى.. فقد دفنت دانة.. (الدبة)!

    **
    مجلة حياة العدد (45) محرم 1425هـ

    بيتي ليس هنا



    يا الله يا عيال.. يالله.. سنذهب للبيت الجديد..

    هكذا كان أبي ينادينا فنتقافز فرحاً ونسرع لنحضر عباءاتنا ونتسابق نحو السيارة.. بينما أمي تصرخ..
    - دلييييييييييّل.. عندك اختبار.. وين تروحين؟
    فأعود أدراجي وعباءتي تطير خلفي لأمسك بكتابي وأحضره معي حتى تكف أمي عن تأنيبها، فأشير إليها به (سأدرس هناك!).



    ولا يخلو زحامنا في السيارة طبعاً من المعارك والصراخ.. لكن أكثر ما كان يغيظني هو حين تقوم شوق الصغيرة بسحب (غطوتي) لتثير غضبي.. فقد كنت لا أزال في الصف الأول المتوسط وكنت فرحة جداً بارتداء غطاء الوجه لأعلن أني أصبحت كبيرة ومثل بقية النساء..


    - يبه.. شوف شويق الـ (..) ذبحتني تسحب (غطوتي)!



    - الله يصلحكم.. هل تسكتون أم نعود للبيت؟!



    - لاااااااااااااااا.. خلاص... نسكت.. نسكت..



    كانت رحلتنا الأسبوعية للبيت الجديد الذي نبنيه هي أشبه برحلة خيالية نطل منها على عالم أحلامنا الجميل.. كنا ننتظرها على أحر من الجمر لننطلق في جوانب البيت وروائح رطوبة الاسمنت تعبق أنوفنا.. نصعد الدرج أو ننزل ونتراكض نحو غرفنا المستقبلية لنتناقش ونتجادل..




    - هنيّد.. اسمعي.. شوق سوف تكون معك في غرفتك..



    - يا سلام؟!.. لا.. شوق معك أنت..


    - لا.. أنت الكبيرة.. يجب أن تكون شوق معك حتى تعتنين بها..



    - بالعكس أنا الكبيرة يجب أن تكون لي غرفة لوحدي..




    - يعني تريدين أن تكون شوق مع كل ألعابها وملابسها و(حوستها) في غرفتي.. حرام عليك.. غرفتي صغيرة.. انظري غرفتك أكبر..



    - ليس من شأني..!



    - حسناً سوف أقول لأبي..



    وأذهب لأبي لأجده يتفقد نوافذ بعض الغرف ويتأكد من جودة البناء..



    - يببببببببببه.. اسمع..



    - بسم الله! ماذا هناك؟



    - اسمع.. هنيّد تقول أن شوق يجب أن تكون معي في غرفتي.. وأنا لا أريد.. حرام غرفتي صغيرة أريدها لي وحدي.. هند غرفتها أكبر.. ممم.. ثم.. هند هي الكبيرة.. هي التي تعرف كيف تتعامل مع شوق أما أنا فبالتأكيد سأتضارب مع شويّق طوال الوقت.. أرجوك يا أبي..



    - إممم..



    ويلتفت أبي نحو النافذة ليتحسسها ثم يقول..

    - لم يثبتوا الإطار جيداً..!



    - يببببببببه!



    - اصبري..



    ويخرج خارج البيت ليحادث الحارس.. ويتركني أغلي من شدة الغضب على هند..



    * * * *



    كنا نسكن في بيت قديم جداً في حارة قديمة.. وكان ذلك أمراً يضايقنا بشدة.. نفسياً واجتماعياً.. فقد كان البيت قديماً لدرجة وجود العديد من التصدعات فيه.. كما أن المياه كانت تتسرب من الحمامات – أعزكم الله.. وكانت الصبغة - رغم كل محاولات التجديد – تتقشر بشكل قبيح على الجدران..



    وكنا نشعر بالحرج من دعوة أي شخص لبيتنا.. حيث كل شيء يوحي بالقدم.. كما كان الحي سيئاً وشعبياً حيث الشوارع المليئة بالمياه المنتنة وبراميل القمامة الملقاة على الأرض.. والجيران سيئوا الأخلاق لا يراعون حقاً للجيرة.. فطالما نالنا من شرهم وأذاهم الشيء الكثير..



    كنا نبكي أحياناً حين نشعر بالحرج من بيتنا.. خاصة حين نشعر بالحاجة لدعوة صديقاتنا أو لعمل حفلة بسيطة لكننا لا نستطيع لأن بيْتنا لم يكن ملائماً..



    لذا كان البيت الجديد بالنسبة لنا الحلم المنقذ.. وقصر المستقبل الذي ننتظره.. وكنا نعد الأيام لنخرج من بيتنا المهترئ للبيت الجديد الذي يبنيه والدي.. وكنا نتحادث كثيراً حوله في ليالي الانتظار الطويلة حين نخلد لأسرتنا.. فتقول هند..



    - حين نسكن بيتنا الجديد إن شاء الله سأدعو كل صديقاتي..



    - نعم.. وسأجعل صديقتي مروة تصعد لغرفتي لتراها.. أريد أن تكون غرفتي شقة متكاملة..

    سأضع فيها أريكة للضيوف.. وثلاجة أضع فيها كل ما أحب من حلويات.. ممم.. وسأضع مسجلاً لأسمع أشرطة أناشيدي المفضلة دون أن أزعج أحداً معي في الغرفة.. يا سلاااااااام..



    - ومن أين لك المال اللازم يا حلوة؟



    - إنني أوفر منذ عامين.. لدي الآن.. ثمانمائة ريال.. وخلال سنة إن شاء الله سيصبح لدي ألف ومئتين أو ألف وخمسمائة حسب غزارة العيديات هذه السنة..



    * * * *



    كان من المفترض بإذن الله أن ينتهي بيتنا خلال سنة.. لكن فجأة.. ألمت بوالدي أزمة كبيرة.. فقد كان قد أعطى مبلغاً كبيراً للمقاول.. وإذا بالمقاول يهرب بالمال.. دون أن يعطي العمال ولا أصحاب المواد حقهم.. كان من المفروض أن يكفي هذا المال حتى إكمال البيت.. لكن هروب المقاول واختفاءه سبّب أزمة هائلة فأصبح الجميع يطالب أبي بالمال.. حيث أن المقاول قد خدع أبي بطريقة ما وجعله المسؤول عن دفع الحق للجميع.. وقد وصل الأمر لدرجة استدعاء أبي من قبل الشرطة عدة مرات..



    بدا أبي متماسكاً في البداية.. أو حاول أن يكون كذلك رغم قوة الصدمة.. لكنا فوجئنا ذات يوم بصراخ ماجد الذي كان لا يزال في السادسة من عمره وهو يدخل علينا في المطبخ..



    - يمممممممممه.. الحقي.. أبوي مات!



    لا أزال أذكر هذه العبارة ترن في أذني.. أذكرها جيداً..



    أسرعنا نجري نحو الفناء وأمي غير مصدقة..

    فوجدنا أبي قد وقع أرضاً قرب الباب وهو يمسك قلبه.. اتصلنا على خالي الذي أتى مسرعاً ونقل أبي للمستشفى.. وعلمنا أنه أصيب بجلطة..



    كان أبي المسكين يكابد الألم والمرارة بسببنا..

    فالحل الوحيد أمامه للخروج من هذه الأزمة كان هو بيع البيت.. لكنه لم يرغب أن يحطم أحلامنا التي كنا نعيش ونتنفس عليها.. لم يشأ أن يضيع في لحظة كل ما تمنيناه في حياتنا.



    لم يعلم أبي أنه كان أهم بالنسبة لنا من كل هذه الأحلام، وأن كل شيء يهون ويصغر أمام صورة أبي الحبيب..



    وبعد أن تحسنت حالة أبي.. أقنعناه ببيع البيت برضانا.. وبالفعل.. باع أبي البيت.. ليسدد ديونه..



    في تلك الليلة التي أخبرتنا بها أمي أن أبي باع البيت فعلاً.. صليت صلاة الوتر.. ثم أطفأت الأنوار وألقيت نفسي في سريري.. وأخفيت رأسي تحت الوسادة وأخذت أبكي.. وأبكي بكل حرقة.. لقد فقدت أجمل أحلامي.. فقدت البيت الذي كنت أرسم صورته منذ أعوام في ذهني.. فقدت الغرفة الوردية الجميلة التي كنت أعيد ترتيبها كل ليلة في مخيلتي.. فقدته للأبد.. لم يعد هناك بيت جديد جميل.. سنبقى هنا بقية عمرنا، سنبقى في هذه الغرفة الضيقة التي تتسرب المياه من سقفها، حيث ثلاثة أسرة ومكتبة قديمة ودولاب تساقطت أبوابه..



    بكيت وبكيت كثيراً حتى ابتلت وسادتي ونمت..



    وفي المنام.. رأيت رؤيا لم أرى مثلها في حياتي.. لا تزال بكل صورها وأصواتها عالقة في ذهني وكأني أراها الآن.. رأيت كأني واقفة في مروج عظيمة خضراء تمتد إلى الأفق.. وبينما أنا أنظر إلى تلك المروج.. شعرت بمن يناديني باسمي.. دلال.. وإذا بشخص لم أره.. أحسست فقط بشبح أبيض أمسك يدي.. وقال لي تعالي أريك.. وإذا بي أرى بيتاً صغيراً جميلاً على جسر بين جبلين.. كان بيتاً صغيراً لكنه يقع بشكل غريب على جسر متحرك يهتز بين جبلين وكنت أشعر في كل لحظة أن ذلك البيت سيقع وينزلق من على الجسر نحو الهاوية وكأنه موضوع هنا بشكل مؤقت.. شيء غريب..

    قال لي.. هل تريدين هذا؟ فسكت لأني كنت محتارة.. البيت جميل لكن مكانه خطر سينزلق ويذهب في أي لحظة..
    فقال هو.. كلا.. تعالي أريك.. فإذا بي كأني أطير لأعلى وأرى من بعيد في أقصى المروج قصراً رائع الجمال.. لا أستطيع أن أصف ولا حتى جزءاً من جماله.. به حدائق خضراء ومسابح وزهور.. ولا أعرف كيف أصبحت أنظر إلى داخله من بعيد فإذا بي أرى الصالات الرائعة والأرضيات اللامعة والنوافذ الكبيرة والشرفات التي تطل على الحدائق الخضراء والغرف الجميلة.. بهرت وأنا غير مصدقة..
    وسمعت الصوت يقول لي.. هذا بيتك.. لكن ليس الآن..



    واستيقظت على صوت أمي توقظني لصلاة الفجر..



    كنت أتنفس بشدة وكأني كنت أطير فعلاً قبل قليل..



    - دلال؟! ما بك؟..



    - يمه.. يمه..!



    من شدة فرحتي بذلك الحلم الجميل كنت أتنفس بصوت عال.. حتى خافت علي أمي.. لم أعرف ماذا أقول.. وبلا وعي مني رميت نفسي على أمي أحضنها.. كنت أبكي بانفعال حتى كادت أمي أن تبكي معي وأخذت تذكر اسم الله علي وتعيذني بالله من الشيطان..



    - اسم الله عليك.. ماذا هناك.. بم حلمت؟



    سكت لفترة وأنا أفكر ماذا أقول.. وفي لحظات بسيطة.. قررت أن يكون هذا الأمر سراً خاصاً بي..

    - لا شيء.. حلم مخيف فقط.. الحمد لله لا شيء..



    ومنذ تلك اللحظة.. لم أبك على بيتنا الذي فقدناه.. أصبحت أنظر لكل هذه الدنيا كذلك البيت المتزحلق فوق الجسر.. إنها مجرد دنيا فانية ستزول في أي لحظة.. إننا لا نعرف متى نموت ونغادر هذه الدنيا تاركين كل متعها..

    لكن النعيم الحقيقي والمنزل الحقيقي الذي علينا أن نبنيه ونخطط له هو هناك.. في الدار الآخرة.. حيث النعيم الأبدي..



    ومنذ تلك الليلة أصبحت أسترجع شكل ذلك القصر الباهر الذي رأيته فأنسى كل أحلامي وآلامي في هذه الدنيا، وأسأل الله بيتاً في الجنة.




    **


    مجلة حياة العدد (46) صفر 1425هـ




    - 15 -

    البحث عن الكنز..





    منذ أن فتحت عيني في هذه الدنيا وبدأت أطلب أبسط طلباتي في هذه الحياة بكل براءة الطفولة.. وأنا أسمع عبارة (لا نستطيع).. (لا نقدر).. كان المال هو العائق الكبير الذي يعيق تدفق السعادة في بيتنا..



    وقد كان لنفسية أمي دور كبير في إحساسنا الدائم بالنقص.. فقد كانت تلوم أبي وتتذمر من الحياة معه وتسميها حياة الفقر والنكد.. وهي تشعرنا دائماً بأننا أقل من غيرنا وأن حياتنا ناقصة وكئيبة..

    فقد كانت أمي الزوجة الثانية الصغيرة مقارنة بأبي المسن.. ولم يكن هناك ما يجبرها على الزواج منه سوى الهروب من ظلم زوجة أبيها وتسلطها.. لذا فهي تشعر دائماً بأنها مظلومة بزواجها من أبي..

    كنت أشعر أن وضعنا ليس وضعاً طبيعياً مقارنة بأسر زميلاتي.. فأبي متقاعد مسن.. وأمي امرأة بسيطة جداً بالكاد تجيد القراءة.. بيتنا مليء بالمشاكل.. ونحن محرومون من أبسط احتياجاتنا.. كنت أرمق أحذية زميلاتي وحقائبهن المتجددة فأشعر بالحزن يغمرني وشعور بالإحباط والخيبة يكتنفني لكني أحاول أن أتظاهر بعدم الاهتمام.. كما أحاول بشدة ألا أظهر لزميلاتي أني أعاني من أي حاجة أو حرمان.. فمريولي قديم لأني لا أحب الخروج للسوق لشرء آخر!.. وحذائي المهترئ أرتديه لأني أحبه ولا أرتاح إلا فيه! وحقيبتي الرخيصة أستخدمها لأني لم أجد حقيبة تناسبني في السوق..! وهكذا كنت ألفق الأعذار حتى لا يعتقد أحد أن السبب هو أننا محرومون أو محتاجون..

    ذات ليلة بينما كنت مستلقية أنتظر النوم.. سألت أختي الكبرى..
    - أمل.. هل تعرفين ماذا أتمنى؟

    - ماذا؟

    - أتمنى أن يعثر أبي على كنز لم نتخيله في حياتنا.. ونصبح أغنياااااااااء.. نشتري كل ما نريده.. ملابس أحذية حقائب ألعاب.. كل ما نتمناه..

    بدت أمل مستلذة بأحلامي.. فصمتت تنتظرني أكمل..

    - نعم.. نخرج للسوق وفي محفظة كل واحدة منا خمسمااائة ريال!! و..

    ضحكت أمل..
    - خمسمائة ريال؟.. فقط؟! (يحليلك)! اجعليها ألف أو ألفين.. أرجوك..

    - نعم.. ألف ريال في محفظة كل واحدة.. ونشتري كللللللل ما نريد.. وأشتري لأخوتي الصغار ألعاب وحلوى..

    - لحظة! أليس مع كل واحد ألف ريال دعيهم يشترون بها!

    - لا تقاطعيني.. حسناً.. كل واحد معه نقوده ويشتري ما يريد... وأشتري لي ملابس جميلة.. وأحذية وحقيبة من محل معروف.. وإكسسوارات.. وعطر.. ثم نذهب لمطعم ونتعشى معاً.. ثم.. نركب في سيارة والدي الجديدة ونمر على محل أيسكريم فاخر.. و.. أنا أريد آيسكريم بالفراولة مزين بالمكسرات.. وأنت؟..

    فجأة أحسست أن أمل صامتة تماماً..
    - أمل.. ما بك؟

    جاءني صوتها حالماً..
    - لا شيء.. لا شيء.. أكملي.. حلم راااائع..

    فجأة.. اخترق أسماعنا صوت أمي وهي تصرخ على أبي في الصالة.. وتقول..
    - يا ربي! ماذا أفعل؟.. لقد تعبت.. حياتي معك كلها فقر في فقر.. ما الذي دهاني لأتزوجك.. ليتني أموت وأرتاح من هذه الحياة!
    وتعالى خلفها صوت بكاء أخي الصغير..

    سحبت غطائي الصوفي ليغطي رأسي حتى لا أسمع المزيد.. فقد سأمت.. سأمت حتى المرض من سماع هذه العبارات اليومية من فم أمي.. أشعر فعلاً بأني أكاد أنهار بسبب ذلك.. كلامها وصراخها اليومي مثل السم اللاذع الذي يقتل أصغر فرحة في قلوبنا ويقطع علينا حتى لذة الأحلام..

    استمر صراخها فترة قبل أن تذهب لغرفتها ليهدأ المكان..

    سحبت غطائي شيئاً فشيئاً حتى تأكدت من انتهاء الإعصار.. وبدأت أحاول أن ألم شتاتي.. وأفكر في شيء جيد..
    - أمل.. ماذا عنك.. ما هو حلمك؟

    سكتت أمل قليلاً.. حتى توقعت أنها لن تتكلم.. لكنها بعد فترة نطقت بهدوء.. بصوت أشبه بالهمس..
    - أنا أمنيتي أتزوج وأطلع من هذا البيت..
    وبعد قليل قالت..
    - لا أريد أن يجد أبي كنزاً ونصبح أغنياء.. فهذا لن يحل شيئاً.. أريد أن أتزوج.. حتى لو كان رجلاً فقيراً مثل أبي.. أريد أن أبدأ معه حياة مختلفة عن حياة والديّ.. أريد أن أشعره أني دائماً معه.. أحبه وأسانده.. لا أريد أن أكون مثل أمي..

    شعرت بهزة كبيرة في أعماقي.. لم أتوقع أن تفكر أمل هكذا.. إنها تحلم بالحب والأمان وليس المال..
    وشعرت أن ما تحس به هو شيء نبيل.. نبيل جداً.. حتى أني تأثرت بها.. وأصبحت أفكر مثلها..


    مرت ست سنوات على تلك الليلة الدافئة وتلك الأحلام الصغيرة.. تخرجت.. وأصبحت أخصائية اجتماعية.. وأصبح لي ولأختي أمل راتب..

    تحسنت حالتنا المادية كثيراً.. أصبح في يدي بدل الألف التي كنت أحلم بها.. خمسة أو ستة آلاف ريال..
    لكن السعادة لا تزال بعيدة عن بيتنا.. لا تزال ترفرف عالياً.. وهي تشير لنا من بعيد ساخرة..

    حياتنا لم يغير فيها المال شيئاً.. لا تزال كما هي.. أمي يزداد تذمرها وشكواها كل يوم.. وأبي المسكين هدت جسده الأمراض والهموم.. وبدأت أعراض الهذيان تظهر عليه..

    لم أسمع أمي يوماً تقول عن أبي شيئاً طيباً.. لم تمدحه مرة واحدة في حياتها.. فقد كانت دائماً تتذمر من فقره.. ومن فرق السن بينها وبينه..
    والآن تتذمر من مسؤوليتها تجاهه بعد أن كبر كثيراً..

    وبقيت أنا أحاول أن أزرع المشاعر الجميلة في نفسي وأحافظ عليها حتى لا تموت رغم كل الآلام حولي.. وأدعو الله أن لا يحرمني جنة الفردوس..


    ذات ليلة.. دخلت أمل ساحبة مخدتها وغطائها لغرفتي..
    - جوزاء؟.. أرغب أن أنام في غرفتك اليوم.. أتسمحين؟

    - بالتأكيد.. تفضلي..

    وبعد أن خلدت كل منا لفراشها..
    قالت أمل..
    - جوزاء؟

    - نعم..

    - بماذا تحلمين الآن؟

    - أنا..
    وبقيت للحظات أفكر فيما أقول..
    هل أحلم بالمال؟.. كلا لقد وجدته.. ملابس وأحذية؟.. حقائب.. مطعم.. وآيسكريم بالفراولة؟!
    كلها وجدتها.. ماذا بقي إذن؟.. أمي.. وأبي.. لا فائدة.. لقد فات الأوان ليتغيرا..
    - لا شيء..

    - لا شيء؟!

    - تقريباً.. وأنتِ؟

    صمتت أمل تماماً كما صمتت قبل سبع سنوات.. حين كنا لا نزال في الثانوية العامة.. نداعب أحلاماً لم تخرج من ثوب الطفولة بعد..

    - لا زلت أحلم نفس حلمي القديم.. زوج فقير.. أريده فقيراً.. لأثبت أني أستطيع أن أبني حياة سعيدة مهما كان المال غائباً.. أريد أن أبني أسرة تشع منها السعادة والحب والراحة مهما كان الفقر مسيطراً.. لا أريد لأبنائي أن يعيشوا حرمان الحب والسعادة كما عشناه..

    سبحان الله.. لم يتغير حلمها.. شعرت بأني أود لو أقوم وأضمها إلى صدري.. تعاطفت معها..
    وشعرت أنها تريد أن تنتصر على الشعور بالنقص والحزن الذي زرعته أمي في حياتنا..


    وذات صباح شتوي غطت الغيوم سماءه.. اتجهت لمكتبي وأنا أشعر بهدوء يسري في نفسي رغم تأخري.. لا إله إلا الله.. أصبحنا وأصبح الملك لله.. وحين بدأت أخلع عباءتي وأنظم وضع ملفاتي.. دخلت عليّ إحدى المدرسات..
    - أستاذة جوزاء.. هناك طالبة أرغب أن تتحدثي معها.. لا أعرف ما بها.. إنها دائماً سارحة.. وهي منعزلة عن الطالبات.. ليتك تعرفين ما بها.. فمستواها الدراسي ضعيف جداً..

    - حسناً أعطيني اسمها ودعيني أرى ملفها ثم أرسليها لي بعد نصف ساعة..

    - جزاك الله خيراً..

    سحبت ملف الطالبة لأراه.. وكان أول ما انتبهت إليه.. عمل الوالد.. فوجدته عملاً بسيطاً.. عدد الأخوة أحد عشر.. فهمت..

    وحين وصلت الطالبة.. جلست معها وبعد حديث قصير.. فهمت كل شيء.. نفس معاناتي في صغري.. الفقر.. فهي تشعر بأنها تحرج من زميلاتها لذا لا تحب أن تجلس معهن..

    شعرت بحماس شديد لأن أنتشلها مما غرقت فيه.. وقلت لها..
    - حبيبتي.. أنت لا تزالين في بداية حياتك.. لا تجعلي هذا الشعور يسيطر عليك.. فلو تركت له العنان لحطم حياتك كلها.. الفقر ليس عيباً.. وهو ليس سبباً للحزن أو التعاسة.. فالسعادة والحزن هي نتاجك أنت..
    نعم.. أنت من يستطيع أن يقرر ما إذا كنت تريدين أن تكوني سعيدة أو حزينة.. وليس الفقر أو المال..

    سكتت الفتاة ثم قالت..
    - ولكن الفقر يحرمنا من أشياء كثيرة.. يحرجنا أمام الآخرين..

    - والسعادة ليست في الأشياء.. ولا لدى الآخرين.. السعادة في روحك.. في قلبك.. لو آمنت فعلاً أن هذه الدار ما هي إلا دار مؤقتة للعمل والاختبار فقط.. بينما الدار الآخرة هي التي تحوي السعادة الحقيقية.. لو آمنت بذلك وأيقنت به لما شعرت بالحزن بسبب الفقر أو غيره.. صدقيني يا حبيبة.. والله.. أن السعادة هي التي تنبع من داخلك.. فكم من شخص فقير محبوب يشعر بالراحة وينشر الحب والفرحة في من حوله.. وكم من شخص غني مترف منبوذ مثقل بالمشاكل والهموم ينشر التعاسة أينما حل..

    - كلامك جميل وأنا مقتنعة به ولكن..

    - ولكن ماذا..؟

    واصلت كلامي بهدوء..
    - سأقول لك شيئاً ربما من المفترض ألا أقوله..
    اسمعيني.. لقد عشت مثلك.. عشت حياة محرومة مثلك.. وكنت أعتقد أن ألمنا هو بسبب المال فقط.. لذا كنت أتمناه.. لكن الآن.. حضر المال.. ولم تحضر معه السعادة لبيتنا.. هل تعرفين لماذا.. لأن هناك من يزرع السوداوية والشكوى حول كل شيء.. هناك من لا يقتنع بأي شيء ويطلب المزيد دوماً دون أن يستمتع بما لديه من أشياء بسيطة..
    إذا بقيت تربطين سعادتك وفرحتك بالمال فقط فستتعبين.. لأنه كالسراب.. السعادة هي الرضا بما حولك.. والتفاؤل.. السعادة الحقيقية هي أداء حقوقك لربك وعباده.. وشعورك بالحب لخالقك ولكل من حولك..
    لا تنتظري شيئاً لتصبحي سعيدة.. فلا أحد سيجلب لك السعادة على طبق من ذهب.. ابدئي الآن وابحثي عن كنز السعادة في داخلك.. في روحك.. توكلي على الله وسيكون معك..

    دعت عيناي وأنا أحاول بكل حماس أن أنقذها من الألم الذي جعلتنا نعيش فيه أمي هداها الله طوال حياتنا، وأن أبث فيها الحماس للعيش بسعادة والنجاح في كل جوانب حياتها مهما كانت الظروف حولها..

    وحين خرجت مبتسمة من غرفتي.. شعرت أن انتصرت على شيء ما.. انتصرت على شيء أكرهه.. وسرى في نفسي شعور بالراحة.. وتمتمت.. الحمد لله.. الحمد لله..


    **
    مجلة حياة العدد (47) ربيع أول 1425هـ



    تحرير: حورية الدعوة
    ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأله سائل فقال: يا رسول الله( هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ فقال عليه الصلاة والسلام: الصلاة عليهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما )
    الله يرحمك يابوي
    يابوخالد


  3. #3

    افتراضي

    - 16 -

    كلمة لم أقلها.. بابا!



    في صباح يوم مشرق وداخل مدرستي العزيزة.. أطلق اسمي في جنباتها..
    (منى صالح) .. الطالبة المثالية..
    كم كانت السعادة تغمرني في تلك اللحظة والأمنيات تتراقص أمامي.. فبادرتني (سمية) بقولها..



    -
    <DIV align=center>هنيئاً لك يا منى.. وما أسعد أبيك بك...

    كلماتها تلك ترددت عليَّ فأدمت جروحاً غائرة، فهي لم تكن تعرف أني لا أملك أباً كغيري من الناس، وكم مرة تمنيت أن أقول (بابا).

    أغمضت عيني فتذبذبت أمامي صور شتى بين الإغفاء واليقظة.. كنت أنزف حنيناً إلى أيام نائية وآمنة أستعيد فيها طفولتي معه.. لكني أعود خالية اليدين.. فقد غابت السعادة عن حياتي لتغادر معه عبر مسافات بعيدة تركني فيها وحيدة.. أعانق أحزان حياتي طوال تلك الليالي.. وحاولت احتضان خياله والاحتماء به من قسوة الأيام..

    القلق يسيطر على مخيلتي وأصبحت لا أملك سوى ملف ذكريات حزين.. أسترجعه كل يوم ورقة ورقة.. فكل قطعة من جسدي تشتاق إليه.. فكم تمنيت لو استطعت أن أقاسمه عمري ليعيش معي.. العجيب أن توقفي عند هذه الحقيقة استولى عليَّ حتى بلغت درجة الانشغال عن حالي فشعرت كأن أبواب الحياة قد أغلقت في وجهي.. وعزفت عن المتع... وانعزلت حزينة زاهدة.. حيث قررت أن أضع ستاراً حديدياً بيني وبين أفكاري..

    أعادت أمي عليَّ السؤال، وهي تربت على كتفي وتقول: منى ماذا بك؟

    - أبي.. أين هو؟

    فأجابتني وهي واجمة..
    - ما الذي ذكرك به؟ وهو قد توفي منذ كنت رضيعة..


    فرددت بلهجة باكية..
    - وهل تتوقعين أني نسيته طوال هذه السنوات... إني أراه كل يوم.. أريد أباً..!

    صعدت إلى غرفتي وألقيت بجسدي على سريري وعبراتي تنهمر بحثاً عن إجابة لما أنا فيه...
    فشاهدت أمامي رجلاً يقول:
    - السلام عليك يا ابنتي.. تبكين عليَّ؟.. لست أول من رحل.. ولا آخر من يودع الحياة الفانية.. لست الوحيد في العالم الذي سلم الروح إلى بارئه بصمت.. ولست أنت الوحيدة التي فجعت بوفاة والدها.. ولست وحدك من تبكي على عزيز افتقده بل هناك الكثير.. والكثير ممن يمتحن الله إيمانهم في هذه الدنيا..

    ثم تابع يقول..
    - جففي دموعك.. ولا تحزني.. ولا تتأسفي.. أعلم يا ابنتي أن دموعك صادقة وعبراتك مخلصة.. وحزنك عميق.. فقد افترقنا منذ أن كنت في مهد الطفولة، ولم يخطر ببالك هذه الأحداث.. يا بنيتي جففي دموعك فالدموع أوهن من أن تهدم شيئاً.. ولكنها تهدم صاحبها.. ولا تقولي سوى.. إنا لله وإنا إليه راجعون.. فتحن نموت ونندثر فننسى.. ولا يبقى منا سوى الذكريات وأعمالنا الصالحة..

    كان كلامه يدخل إلى أعماق قلبي العطشى فيرويها.. وأنا أنظر إليه بشوق.. فأكمل مبتسماً..
    - أعلم أنك تحلمين بي.. وتودين رؤيتي.. إذاً أسرعي وتبتلي إلى الله بالدعاء ولكل مسلم ومسلمة وافاهما الأجل أو هدهما المرض.. بنيتي.. لن أقول الوداع.. ولكن إلى اللقاء في يوم لا ظل إلا ظله بمشيئة الله..

    ثبت إلى وعيي بعد ذهول المفاجأة فشعرت بصدري يضطرم وبدمعي ينهمل.. وكل جوارحي تردد (اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ماضٍ في حكمك عدلُ في قضائك.. أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري وجلاء همي وذهاب حزني).

    = = =

    والآن سنزيح الستار عن مشاركة جميلة خطتها قارئة متميزة.. وهي رغم بساطتها إلا أنها تفوق بعبق البدايات الجميلة وتلمع كسنابل أينعت للقطاف

    سأكون أصلب من حجر

    شذى الحميد<FONT face="Times New Roman"><FONT size=3>

    كان كل شيء هادئاً كما اعتدت عليه.. والغرفة كما هي باردة.. الستائر منسدلة وكل شيء مبعثر في الغرفة الملابس والكتب والدمى.. نظرت بصمت إلى الأشياء المبعثرة.. أوصدت الباب بقوة وأنا محملقة في الغرفة أبحث عن جواب لأسئلة ظلت تلح علي منذ زمن بعيد..
    جلست على السرير منهكة.. أسندت ظهري للجدار وتاهت الأفكار في رأسي.. ليتني أستطيع أن أنام.. أحس أن حشرجة ومرارة تغص في حلقي.. أبتلع الدموع وأشعر بمرارتها.. أنظر إلى المكتبة التي تغص بعشرات الكتب.. ولكني لا أقوى على القراءة في مثل هذه الحالة.. فبالي مشغول بما هو أهم..


    في هذا المساء الدافئ يسافر وجهي بعيداً.. كنت أظن أن الحياة قد بدأت تنثر ورودها على وجهي بعد طول صبر.. ولكني لم أنل إلا مزيداً من الصفعات... كانت بريئة حينما تلقيت الصفعة الأولى ثم أتت الصفعة الثانية وتوالت الصفعات.. حتى اعتاد وجهي على الصفعات كجزء لا يتجزأ من روتين كل يوم..

    قاسيت مرارة الحرمان وأنا في سن صغيرة.. ثم التقيت به وأنا في أشد حالات ضعفي فيما يسمى (شات) فتشبثت به كالغريق الذي يعلق أمله في قشة..
    تشبثت به وأنا لم أفهم بعد معنى الحب.. كل ما كنت أفهمه أن في شخصه ما يشدني ويجذبني إليه.. هذا الرجل الذي سمح لنفسه بمناداتي (حبيبتي) .. وكانت المرة الأولى التي أنادى بهذه الطريقة على لسان ذكوري.. وأخذ يغدق علي بسيل من العبارات الرقيقة المسبوكة بدقة محترف..
    لا أعلم أكان حبي له حقيقة أم مجرد إعجاب برجل ساقته الأقدار في طريقي..
    الهدوء يعم المكان.. يساعدني على الاسترسال في التفكير.. فقد نامت عيون الجميع إلا عيني اللتين أتعبهما السهاد.. تسرب صوت المؤذن داخل غرفتي ليحرك مشاعري من جديد.. رددت النداء معه كلمة.. كلمة.. حتى شعرت بالراحة.. صدقت أختي حينما قالت أنه لا راحة توازي الراحة الحاصلة بعد سماع صوت المؤذن وقت الفجر.. والناس نيام.. وأنا وحدي متيقظة أتفكر به وبوضعي ثم أردد النداء بعد المؤذن.. أشعر برعشة تسري في أوصالي وأطراف أصابعي .. رعشة غريبة.. رغبة جامحة في البكاء.. هل هذا ما يسمونه بالخشوع.. أم أنها رغبة في البكاء لا أكثر.. أبكي.. لا لن أبكي عليه.. فهذا بكاء الندم والتوبة عما فات..
    لن أنكسر بسببه فأنا بحاجة إلى كل ذرة قوة..
    يجب أن أساند نفسي وأمدها بجرعات من القوة والإيمان..
    عليَّ ألاّ أتركها تتوه في غياهب الحزن وحدها لتتمكن منها.. ثم لأجل من كل هذا البكاء؟؟ لرجل لا يكن لي قطرة من احترام.. لرجل لا يهمه من أمري سوى طولي ووزني وجمال صوتي وكمية التنازلات التي سأقدمها له.. لرجل يرى أن جميع النساء في النت سخرت له ولأمثاله.. لرجل يعتقد أن كل من تدخل عالم النت هي متحررة من القيم يحل له إقامة علاقة معها بكل بساطة..
    كلا.. غيابه لن يؤثر عليَّ إلى هذه الدرجة.. فقد أرشدني الله من حيث لا أحتسب.. ألهمني الرشد حينما صرخت في وجهه وقلت لأول مرة
    (لااااااااااااا) حينها ظهر على حقيقته نزع عنه ستار الحب والعطف والرحمة.. ظهرت لي أنيابه.. لم يتوقع مني هذه الصحوة المفاجئة.. هزه اعتراضي.. أغضبه صدودي وامتناعي.. بدأ بالتكشير والصراخ.. ثم حاول تلطيف الجو بتمثيل الحب والغرام مرة أخرى.. ولكني استيقظت أخيراً.. ولن يعود قادراً على خداعي مرة أخرى.. لقد رأيت ما فعله بغيري بأم عيني وسمعت آلاف القصص من أفواه فتيات ذقن أقسى الآلام نتيجة لتصديق كلامه المعسول.. عندها قرر الرحيل.. عله يجد ضحية أخرى تكون أكثر سذاجة مني..
    قال لي بكل وقاحة بعد أن لمس حجم التغيير الذي طرأ عليَّ وقرأ عبارات الاحتقار بين كلماتي (أنت لم تحبيني قط ولن تحبي أحداً لأنك امرأة بلا مشاعر ولا تفهمين معنى الحب.. أنت أشد برودة من الثلج.. أنت كالحجر في صلابته.. فهنيئاً لك هذه الحياة الخالية من المشاعر..! وأنا متأكد من أنك ستتجرعين مرارة الحرمان من بعدي وستكون حياتك أشبه بالموت البطيء منها بالحياة.. فوداعاً يا من خدعتني بزيفك وسذاجتك المصطنعة.. يا من تحاولين الآن تمثيل دور المرأة العفيفة أمامي الآن بعد أن سقيتك من كأسي أياماً طوالاً.. فقد مللت مني الآن وحان الوقت للبحث عمن يقدم لي شيئاً آخر لم أستطع تقديمه لك.. فلا تحاولي إقناعي بصفاء سريرتك.. فكل فتيات النت سواء.. كلهن يدعين الصلاح والحياء.. وهن بعيدات كل البعد عن ذلك.. يدعين الدين والاستقامة وأنها أول علاقة لهن! اذهبي فلن أطيل عليك.. الله يوفقك بالحبيب الجديد!)

    لكن سأنسى أمره وأعيش حياتي بلا مشاعر... ولكن هل أنا حجر فعلاً حتى أعيش بلا مشاعر؟
    هل أنا ثلج كما قال؟

    لا لست حجراً.. قال لي يوماً بأني حجر.. أشارك الجوامد بخواص كثيرة.. قال إني غير كل النساء.. ليس لدي مشاعر ولا أحاسيس.. أعلم أنه لا يؤمن بما قاله لسانه.. وأنه ما أطلق علي هذا الحكم الجائر إلا لمعرفته بطبيعتي العاطفية الرومانسية وبطيبة قلبي.. فأحب أن يؤثر علي بهذه الكلمات علي أتراجع عن قراري وأخضع لمطالبه..

    فلو كنت حجراً كما يقول لما تفكرت بكلماته كل هذه الأشهر..
    لو كنت حجراً لكنت عرضت سمعتي وسمعة أهلي للسوء بمثل هذه العلاقة المشبوهة.. لو كنت حجراً لكنت وافقت على بناء سعادتي – إن كانت سعادة – على تعاسة الآخرين وأولهم أهلي ثم زوجته التي لم يفكر يوماً في أمرها..

    قال لي بأني حجر لا يعرف عظيم المشاعر التي يعج بها صدري فأراد أن يثيرني بكلماته القاسية.. ونجح بذلك.. لكني فهمت الدرس جيداً.. واقتنعت بأني سأكون أكثر صلابة من الحجر إن بعت نفسي وتخليت عن ديني من أجل شخص مثله..

    - - - - - - - - - -
    الندية شذى.. مشاركتك جميلة وتبشر بموهبة واعدة إن شاء الله..
    القصة تدور في موقف واحد تتداعى فيه أفكار البطلة وهذا أسلوب فني جميل ومتجدد ويبتعد عن السرد المتسلسل التقليدي للأحداث، كما أن القيمة التي تحويها سامية جداً.. وكذلك اللغة كانت سليمة تقريباً.. أنصحك بالقراءة المكثفة لتطوير موهبتك.. كما أتمنى أن تنتبهي لحدة بعض الألفاظ والتي قمت بتغيير بعضها حتى لا تؤثر على سلاسة النص الجميل.. استمري في القراءة أكثر.. ونحن ننتظر إبداع يراعك النقي..
    رد خاص للأخت الغالية من الدرعية والتي لم أجد اسمها: لقد أتحفتيني بكلامك الرائع.. أشكرك كثيراً.. وسأزور الدرعية قريباً إن شاء الله..
    نوف
    - - - - - - - - - -

    **
    مجلة حياة العدد (48) ربيع ثاني 1425هـ

    فقط هناك لا يوجد ألم
    <FONT size=3><FONT face="Times New Roman"><FONT color=darkred>





    أهدي هذه القصة لطالبة
    عزيزة.. أحبها في الله.. وإلى
    كل الفتيات اللاتي يشتكين
    من آلام حياتهن..


    ها هو أول يوم في العطلة يبدأ..

    الطالبات يخرجن من قاعة الاختبار تتطاير السعادة من أعينهن لانتهاء العام الدراسي وانتهاء همه وتعبه.. فقد بدأت العطلة أخيراً.. وقت الحرية والراحة والنوم..

    الكل فرح ويقفز ويضحك.. إلا أنا..

    خرجت من قاعة الاختبار واجمة.. أشعر أن كل هموم الدنيا ترزح على قلبي..

    أخذت أسير بتثاقل وأنا لا أعرف ماذا أفعل من شدة الحزن والغم..

    لم تكن مشكلتي تتعلق بالدراسة فأنا ولله الحمد متفوقة ولم أخش يوماً الرسوب..
    كان همي في عالم آخر.. عالم من الهم والأحزان يبدأ كل عام مع آخر يوم من الاختبارات النهائية.. إن ذلك يعني لي.. موعد الذهاب لبيت أبي..
    فأنا أعيش عند أمي منذ انفصالها عن أبي.. لكنه يأخذني إجبارياً كل عام طوال الصيف لأعيش معه ومع زوجته وأبنائه..
    وبسبب ذلك أصبحت العطلة الصيفية مصدر قلق وكآبة لي.. وأصبح انتهاءها سبباً لفرحي وسعادتي..

    كنت أسحب قدميَّ بصعوبة والدموع تكاد تنهمر من عيني وأنا أسارع بالخروج.. كان علي العودة للبيت لآخذ أغراضي ثم أذهب لبيت أبي..

    حين دخلت البيت كانت أمي في المطبخ وصوت إذاعة القرآن ينبعث منه ناشراً الراحة والطمأنينة في البيت رغم جو الحزن..

    أسرعت لغرفتي ثم اغتسلت وغيرت ثيابي.. تأكدت من اكتمال حاجياتي في الحقيبة.. وضعت بعض كتيباتي ومجلاتي وأشرطتي الدينية مع مسجلي الصغير.. حاولت أن أتذكر كل ما يمكن أن أكون قد نسيته.. ثم سحبت حقيبتي قرب الباب.. وذهبت لأمي في المطبخ..
    كانت أمي تحاول أن تكون هادئة وطبيعية جداً..
    ابتسمت لي ثم اقتربت مني وسألتني..

    - هل تأكدت أن كل شيء جاهز؟ ألم تنسي شيئاً؟
    - كلا إن شاء الله.. كل شيء موجود..

    - هل أخذت فرشاة أسنانك؟
    - نعم..

    صمتت قليلاً وهي تحاول أن تبحث عن شيء ما لتقوله ثم قالت بارتباك..
    - لا بأس يا بنيتي تحملي.. كوني هادئة وأطيعي والدك.. ولا تتجادلي مع زوجته أرجوك..

    سكت على مضض فقد أصاب كلامها الوتر الحساس في قلبي.. تنهدت بألم ثم قالت وهي تصطنع الابتسامة..
    - يا الله!.. كلها (كم يوم) وستمر بإذن الله.. لا تهتمي ولا تتضايقي..

    وتوقفت قليلاً ثم قالت فجأة..
    - نور.. احرصي على الصلاة.. صلاة الفجر!
    - إن شاء الله يمه..

    كنت أعلم أنها تحترق لفراقي لكنها لا تحب أن تظهر مشاعرها.. وكذلك أنا.. لذا فقد تم وداعنا بالأعين المليئة بالدموع.. عانقتها بهدوء.. ثم افترقنا..
    خرجت نحو الباب فإذا بالسيارة تنتظرني.. كان يبدو غاضباً لتأخري..
    ركبت وسلمت.. سألته عن حاله وهو كذلك.. ثم سرنا طوال الطريق في صمت..
    كنت أنظر إليه طوال الوقت وأسأل نفسي.. ماذا يريد مني؟ لماذا يريدني ويجبرني على العيش معه ومع زوجته؟ لو كان يحبني لما طلّق أمي.. ولو كان يحبني فلماذا لا يتبادل معي ولو شيئاً من الكلام؟! أشعر أنه إنما يصر على أن أذهب إليه ليقهر أمي.. ليرضي غروره وعناده.. أما أنا ففي الحقيقة لا يريدني ولا يشعر بأي مشاعر تجاهي إن لم تكن مشاعر نفور..

    حاولت جاهدة خلال سنوات طويلة أن أحبه.. ولكن عبثاً لم أستطع.. لم أستطع أبداً.. فهو غاضب طوال الوقت.. كلامه صراخ.. وصراخه سب وشتم وإهانات جارحة.. منذ أن نراه والرعب يسيطر علينا.. نخشى أن نتلفظ أمامه بكلمة فيفهمها خطأ فيحدث الزلزال.. أو نخطئ أو ننسى فيصب براكين الغضب على رؤوسنا ليحرق قلوبنا بكل ما لديه من كلمات قاسية جارحة لا ينمحي أثرها في القلب ولو بعد سنوات..

    إنني أحمد الله فقط حين أرى حال أبنائه.. مساكين لأنهم يعيشون لديه طوال الوقت.. على الأقل أنا لا أدخل هذا المعتقل إلا في الصيف.. الحمد لله..

    حين دخلت لم أجد أحداً كالعادة في انتظاري.. كان قدومي أمراً غير مرغوب فيه من قبل الجميع لذا لم يكن من المستغرب أن أدخل لأجد زوجة والدي تصرخ على ابنتها الصغرى دون أدنى اهتمام بي.. كانت تلاحقها لتأمرها بارتداء حذائها وتجري خلفها أمامي في الصالة دون أن تكلف نفسها عناء الوقوف للرد على السلام..

    سحبت حقيبتي وأنا أدوس على عباءتي بأسى واتجهت نحو غرفة أختي نوال التي تصغرني بعامين.. حين دخلت كانت نوال مستلقية تتصفح مجلة ومسجلها يصدح بالغناء كعادتها..
    شعرت بقلبي ينقبض بشدة.. استغفرت الله.. وتوجهت نحوها لأسلم عليها.. فقفزت من مكانها وسلمت علي بحرارة.. والحقيقة أن نوال كانت دائماً طيبة وتحبني رغم اختلافنا الكبير.. فهي صاحبة قلب بريء وطيب لولا تأثير من حولها عليها..
    وحين قمت بوضع حقيبتي على الأرض وعلقت عباءتي خلف الباب.. لم أعرف ماذا أفعل.. جلست قرب نوال على السرير.. كنت محرجة وكأني ضيفة ثقيلة في بيت غرباء..

    - نوال أرجوك أنا متعبة أريد بطانية لأفرشها على الأرض وأنام..
    - لحظة..

    وأسرعت تخرج لتبحث لي عن بطانية بينما قمت لأطفئ المسجل الذي سبب لي صداعاً.. جلست ووضعت رأسي بين يدي وأخذت أعصره بألم..
    وماذا بعد الآن؟.. سأقضي ثلاثة أشهر هنا.. ثلاثة أشهر من الغربة والوحدة والرسمية والشعور بالخوف.. يا ربي ارحمني..

    وحين أتت نوال فرشت المسكينة فراشي على الأرض بعناية.. أخذت أراقبها.. كانت سعيدة بي.. لكنها لا تعبر عن ذلك..

    - يا الله.. شكراً.. أنا فعلاً محتاجة للنوم.. لم أنم جيداً منذ ثلاثة أيام..
    - كان الله في عونك.. نحن انتهينا بالأمس..

    - حقاً؟ نحن لم ننته إلا اليوم..

    التفتت نوال نحو مسجلها مستغربة اختفاء الصوت..
    - أنت أطفأت المسجل؟
    - نعم..

    - لماذا ألا تعجبك الأغنية إنها هادئة ومريحة للأعصاب!

    ابتسمت ولم أعرف ماذا أقول لها.. مسكينة.. كنت متعبة جداً وبالكاد أفتح عيني من شدة النعاس.. لكني حاولت أن أوضح لها..

    - حبيبتي نوال.. حين نقف جميعاً يوم القيامة أمام الله سبحانه وتعالى يوم الحساب.. هل تعتقدين أن هذه الأغاني ستوضع في ميزان أعمالك الصالحة أم السيئة؟

    - لا أعرف..

    - كلا أنت تعرفين جيداً.. اسألي نفسك وأجيبي..

    - ولكن.. إنها تخفف عني الألم والحزن..

    - على العكس.. انظري لنفسك إنك حين تستمعين لها تغرقين في عالم من الحزن والأحلام واليأس من الحياة.. أين هذا من سماع كتاب الله.. هل تسمعين أشرطة دينية أو أشرطة قرآن؟

    - بصراحة كلا..

    - هذا شيء مؤكد.. فمن يستمع للأغاني لا يوجد في قلبه مكان لحب كلام الله.. سبحان الله اسمعي ما يقول الشاعر.. (حب أغانٍ وحب قرآن.. في قلب عبد ليس يجتمعان..) فكيف يجتمع كلام الشياطين مع كلام الله سبحانه وتعالى..

    - صدقيني يا نور.. أنا أريد تركها.. لكن لا أعرف.. كل من حولي يسمعونها.. صديقاتي قريباتي.. سأبدو غريبة ومتخلفة لو تركتها إنها حولي في كل مكان..

    - لكنهم جميعاً لن ينفعوك في قبرك.. لن ينفعوك يوم القيامة.. اعملي لنفسك من الآن.. فلا أحد يعرف متى تنتهي حياته.. لا أحد..

    - كلامك جميل يا نور.. لكن.. أنت لا تعرفين حجم المأساة التي أعيشها.. لا تعرفين مقدار الألم الذي أعانيه كل يوم.. إنني أعيش ضغطاً نفسياً رهيباً.. أبي.. أمي.. كلاهما قاسٍ.. لا أحد يستمع إلي.. لا أحد يقول لي كلمة حب أو حنان.. إنني أشعر بالراحة حين أسمع هذه الأغاني لأنها تعوضني عن معاني الحب والود..

    بدت عيناها تلمعان بالدموع.. شعرت بتعاطف كبير معها.. فأنا فعلاً أقدر الألم الرهيب الذي تعانيه المسكينة..

    - ولكن هذه الأغاني هي مثل المخدر.. إنها تخدرك فقط لتطير بك بعيداً وتجعلك تسبحين في عالم من الوهم والحلم.. ثم ماذا؟! لا شيء.. لا شيء.. تعصين ربك.. وتقضين وقتك في سماع كلام أناس منحرفين.. بينما إخواننا في أصقاع الأرض يقتلون ويذبحون.. بينما الله سبحانه وتعالى يقول لنا.. ادعوني أستجب لكم.. ونحن معرضون عنه.. مشغولون بالاستماع لهذه الأغاني!

    سكتت.. فقلت لها..

    - نوال.. هل تعرفين؟.. الحور تغني في الجنة.. وغناؤها جميييييييل.. رائع.. لا يمكن وصف عذوبة أصواتهن.. ومن يستمع للأغاني في الدنيا يحرم من سماع غناء الجنة.. فهل تبيعين الثمين بالرخيص؟! كوني قوية يا نوال ولا تستسلمي للضغوط وتبحثي عن مخدرات الألم.. عالجي الألم ولا تهدئيه.. كوني قوية وواجهي الألم حتى تستطيعي العيش برضا..

    بدأت الدموع تنساب من عينيها فقد كانت بحاجة لمن تتكلم معه وتشعره بألمها.. قالت بصوت مرتعش..
    - سبحان الله..

    - حبيبتي.. هذه الدار والله لا تستحق دمعة من دموعك.. إنها دار فانية بكل ما فيها من آلام وضغوط.. دار مؤقتة سننتقل بعدها للأبدية.. للحياة التي لا تنتهي.. فأيهما تستحق البكاء عليها.. هذه الدار التي لن نعيش فيها سوى سنوات معدودة أم دار البقاء الأبدي والجنان التي لا معنى للألم فيها.. فقط راحة ونعيم أبدي؟!

    فجأة.. فتح والدي الغرفة بقوة.. بدا هائجاً وغاضباً.. وصرخ..
    - يعني لازم عزيمة على الغدا؟ يا الله.. الله يـ ( ).. لم أستطع أن أقول له أنني لا أستطيع التحرك من التعب وأنني أريد النوم.. بل نظرت لنوال وابتسمنا لبعضنا.. ثم قمت بتثاقل.. وهو يسير أمامنا وبتذمر صارخاً..
    - بنات آخر زمن.. مثل الـ ( ) أكل ومرعى وقلة صنعة..

    في تلك اللحظة.. حمدت الله فعلاً لأن كل هذا سينتهي لا محالة في يوم من الأيام، مهما كان مؤلماً.. كل الألم سينتهي.. وهناك دار أخرى.. حيث لا ألم..




    **

    مجلة حياة العدد (49) جمادى الأولى 1425هـ



    <DIV align=center>
    - 18 -


    يكفي أنها أمي!




    <DIV align=center>في صباح أشعر اليوم بتأنيب الضمير.. فها أنا أسير عائدة من المدرسة وورقة الدعوة لمجلس الأمهات ممزقة في يدي.. لا داعي لأن أريها أمي.. فهي أصلاً لا تقرأ.. ولا داعي لحضورها حتى.. قطعتها إرباً أصغر ورميتها في الشارع والألم يغتالني..

    منذ أن دخلت المرحلة المتوسطة وأنا أحاول بكل استطاعتي أن لا ترى إحدى من صديقاتي أو معلماتي أمي.. لكني اليوم أشعر بتأنيب ضمير بشكل أشد.. فقد فزت بمركز الطالبة المثالية على مستوى المدرسة.. وهذه أول مرة يتم تكريمي فيها في حفل الأمهات.. لكن أمي لن تحضر.. أو بالأحرى.. لا أريدها أن تحضر..

    حين دخلت البيت كان التوتر والحزن بادياً عليّ..
    سألتني أمي بعطف..
    - ما بك يا بنيتي..؟ هل أزعجك شيء؟

    شعرت برغبة في البكاء لكني تماسكت..
    - لا شيء يا أمي.. فقط متعبة قليلاً من الدراسة..

    - الحمد لله.. إذاً ارتاحي في غرفتك وأنا سأحضر لك الغداء هناك..

    - شكراً يا أمي لا أريد.. نفسي "مسدودة"!

    أسرعت لغرفتي غيرت ملابسي وتوضأت وصليت.. ثم استلقيت على سريري.. يا الله.. ما أجمل الراحة! الحمد لله..

    نظرت لغرفتي.. إنها مرتبة.. كل شيء نظيف..
    مسكينة أمي.. حبيبتي.. إنها تتعب كثيراً من أجلي.. فرغم كبر سنها وعدم وجود خادمة تعينها إلا أنها تحاول قدر الإمكان ألا تتعبني معها في عمل البيت رغم إصرار أخواتي المتزوجات عليها بأن ترغمني على العمل..

    أخذت أفكر في حالي.. كم أنا مغرورة ومتعجرفة.. إنها تفعل كل ذلك من أجلي.. وأنا.. أنا.. أستحي منها وأخجل من أن تراها معلماتي وصديقاتي.. يا ربي.. أشعر بصراع داخلي رهيب.. صوت يقول.. حرام! مسكينة أمك.. لماذا تتنكرين لها هكذا وهي الأم الحنون التي تحبك؟.. وصوت يقول لي.. كلا!! أنت على حق.. لا يمكن أن تراها صديقاتك!! أمك إنسانة متخلفة!.. مسكينة تثير الشفقة والسخرية في نفس الوقت.. انظري لطريقة لباسها وكلامها.. ومفرق شعرها اللامع وكحل الإثمد الذي تضعه حول عينيها.. كيف سترينها صديقاتك اللاتي معظمهن أمهاتهن على قدر من العلم والثقافة والأناقة والمركز الاجتماعي؟!.. بالتأكيد سيسخرن منها.. وأنت لا تريدين ذلك؟!

    في إحدى المرات حين كنت في الصف السادس.. أذكر أنها حين أتت للمدرسة سألت إحدى المراقبات الإداريات المسؤولات عن الحضور والغياب عني!.. واعتقدت أنها معلمة فأخذت توصيها بي وتسألها أن ترحمني لأني أدرس طوال الوقت في البيت!! وكدت أموت من شدة الحرج يومها حين رأيت الإدارية تمسك زمام ضحكتها على أمي المسكينة..
    وحين توجهت للتسجيل في المرحلة المتوسطة.. أخذت تسأل المديرة عما إذا كان من الواجب أن نلتزم بلبس "الياقة" البيضاء حول الرقبة – مثل المرحلة الابتدائية.. وهنا كدت أموت أيضاً من شدة الحرج..

    آآه.. يا أمي.. ليتك تعلمين كم أحبك وأحرج في نفس الوقت من تصرفاتك.. لأني أتمنى أن تكوني دائماً أفضل الأمهات ولا أريد لأحد أن يسخر منك..

    أحياناً حين أنظر لأمي.. أشعر أنها مسكينة.. فهي لم تشعر بالحب مرة واحدة في حياتها.. فقد ولدت في بيئة قاسية.. ثم ترعرعت يتيمة وحيدة..
    وتزوجت وهي طفلة لرجل مسن حاد الطباع هو أبي.. أنجبت منه أحد عشر ابناً وابنة ورثوا عن أبيهم حدة طباعه وعصبيته – أنا أصغرهم.. وأنهك المرض والخرف جسم زوجها- أبي فلم يعد يعي شيئاً منذ دخلت أبواب المدرسة وفتحت نوافذ الحياة.. وها هي تعتني به حتى الآن رغم كبر سنها..
    فمن أين يمكن أن تكون ذاقت طعم الحب؟
    مسكينة..
    ذات يوم قلت لها وهي جالسة على أرض المطبخ تقوم بتنقية التمر وغسله استعداداً لكنزه..
    - يمه..

    - هلا..

    شعرت أني سأسألها سؤالاً قاسياً لكنه كان يدور في ذهني منذ مدة طويلة..
    - لقد عشت طفولة معذبة.. هل كان هناك من يحبك ويعطف عليك..؟

    سكتت وأخذت تفكر كمن صدمت بالسؤال..
    سقطت حبتين من التمر من يدها.. ثم مسحت رأسها بجانب ذراعها..
    وقالت..
    - إيه.. كانت هناك ابنة صغيرة من بنات عمي الذي رباني.. كانت تحبني وتعطف علي.. وحين يضربني عمي أو زوجته أو يحرماني من العشاء كانت تخفف من ألمي وبكائي وتعطيني بعض عشائها.. الله يرحمها.. كانت تحبني أكثر من أخوتها..

    - سبحان الله توفت؟!

    - نعم.. توفت.. أصيبت بحمى شديدة بعد موسم المطر.. ثلاث ليالٍ ثم توفت الله يشفع فيها.. كان عمرها تسع سنين وأنا عشر..

    - وبعدين..؟

    - ماذا؟

    - من أصبح يحبك ويعطف عليك بعدها؟

    - لا أحد..

    - لا أحد؟!

    وقفت تفكر بصمت وبوجوم.. ثم تداركت بسرعة..
    - طبعاً الله يخلي لي "عيالي" وأبوهم إن شاء الله.. وحاولت أن تستمر في عملها منشغلة عن هذا الحديث..

    في تلك الليلة.. أخذت أفكر.. أي معاناة عانتها أمي المسكينة في طفولتها.. وأي حرمان من الحب عاشته في حياتها.. ورغم كل ذلك الألم الذي تجرعته.. فإنها قادرة وبكل سخاء على منح الحب والعطف للآخرين مهما قسوا عليها.. كم هي حقاً إنسانة عظيمة تستحق التقدير.. وكم أنا غبية لأني لا أفتخر بأم مثلها..

    وفي الصباح حاولت أن أخبرها أن حفل الأمهات بعد يومين.. لكني وجدت نفسي أتوقف.. وأفكر في مسألة الإحراج مرة أخرى.. وفي مفرق الشعر.. ورائحة الحناء.. والحديث البسيط.. فأحجم عن مفاتحتها بالأمر..

    * * *

    وفي المدرسة.. وكأن الله أرادني أن أشعر بعظمة أمي.. جاءتني صديقتي نورة في الفسحة وجلست بقربي مع الشلة دون أن تتحدث.. شعرت أنها تريد أن تقول شيئاً لا تستطيع قوله أمام البنات..
    - نورة.. تقومين نتمشى؟
    قفزت بسرعة وكأنها كانت تنتظر هذه الدعوة بفارغ الصبر.. وما أن بدأنا نبتعد عن البنات حتى بدأت تفضفض لي ما بصدرها المثقل..
    - إنني متعبة.. متعبة جداً يا مريم.. أكاد أنهار من شدة الألم الذي في قلبي..

    - ماذا هناك.. خيراً إن شاء الله..؟!

    - أمي.. أمي.. إنها قاسية.. قاسية جداً علينا.. تخيلي يا مريم أننا لا نراها ولا نكلمها إلا نادراً ومع هذا فهي لا تواجهنا إلا بوجه متضايق غاضب دائماً..

    - لا ترونها؟.. كيف؟


    <FONT size=4><FONT face="Times New Roman"><FONT color=navy>- أنت تعلمين أنها تعمل.. وهي تقضي بقية اليوم في النوم أو حضور المناسبات الاجتماعية أو الذهاب للنادي.. لذا فإننا لا نراها إلا قلي%
    التعديل الأخير تم بواسطة روان العسل; 11-28-2009، الساعة 04:23 PM
    ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأله سائل فقال: يا رسول الله( هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ فقال عليه الصلاة والسلام: الصلاة عليهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما )
    الله يرحمك يابوي
    يابوخالد


  4. #4

    افتراضي

    - 16 -

    كلمة لم أقلها.. بابا!



    في صباح يوم مشرق وداخل مدرستي العزيزة.. أطلق اسمي في جنباتها..
    (منى صالح) .. الطالبة المثالية..
    كم كانت السعادة تغمرني في تلك اللحظة والأمنيات تتراقص أمامي.. فبادرتني (سمية) بقولها..



    -
    هنيئاً لك يا منى.. وما أسعد أبيك بك...

    كلماتها تلك ترددت عليَّ فأدمت جروحاً غائرة، فهي لم تكن تعرف أني لا أملك أباً كغيري من الناس، وكم مرة تمنيت أن أقول (بابا).

    أغمضت عيني فتذبذبت أمامي صور شتى بين الإغفاء واليقظة.. كنت أنزف حنيناً إلى أيام نائية وآمنة أستعيد فيها طفولتي معه.. لكني أعود خالية اليدين.. فقد غابت السعادة عن حياتي لتغادر معه عبر مسافات بعيدة تركني فيها وحيدة.. أعانق أحزان حياتي طوال تلك الليالي.. وحاولت احتضان خياله والاحتماء به من قسوة الأيام..

    القلق يسيطر على مخيلتي وأصبحت لا أملك سوى ملف ذكريات حزين.. أسترجعه كل يوم ورقة ورقة.. فكل قطعة من جسدي تشتاق إليه.. فكم تمنيت لو استطعت أن أقاسمه عمري ليعيش معي.. العجيب أن توقفي عند هذه الحقيقة استولى عليَّ حتى بلغت درجة الانشغال عن حالي فشعرت كأن أبواب الحياة قد أغلقت في وجهي.. وعزفت عن المتع... وانعزلت حزينة زاهدة.. حيث قررت أن أضع ستاراً حديدياً بيني وبين أفكاري..

    أعادت أمي عليَّ السؤال، وهي تربت على كتفي وتقول: منى ماذا بك؟

    - أبي.. أين هو؟

    فأجابتني وهي واجمة..
    - ما الذي ذكرك به؟ وهو قد توفي منذ كنت رضيعة..


    فرددت بلهجة باكية..
    - وهل تتوقعين أني نسيته طوال هذه السنوات... إني أراه كل يوم.. أريد أباً..!

    صعدت إلى غرفتي وألقيت بجسدي على سريري وعبراتي تنهمر بحثاً عن إجابة لما أنا فيه...
    فشاهدت أمامي رجلاً يقول:
    - السلام عليك يا ابنتي.. تبكين عليَّ؟.. لست أول من رحل.. ولا آخر من يودع الحياة الفانية.. لست الوحيد في العالم الذي سلم الروح إلى بارئه بصمت.. ولست أنت الوحيدة التي فجعت بوفاة والدها.. ولست وحدك من تبكي على عزيز افتقده بل هناك الكثير.. والكثير ممن يمتحن الله إيمانهم في هذه الدنيا..

    ثم تابع يقول..
    - جففي دموعك.. ولا تحزني.. ولا تتأسفي.. أعلم يا ابنتي أن دموعك صادقة وعبراتك مخلصة.. وحزنك عميق.. فقد افترقنا منذ أن كنت في مهد الطفولة، ولم يخطر ببالك هذه الأحداث.. يا بنيتي جففي دموعك فالدموع أوهن من أن تهدم شيئاً.. ولكنها تهدم صاحبها.. ولا تقولي سوى.. إنا لله وإنا إليه راجعون.. فتحن نموت ونندثر فننسى.. ولا يبقى منا سوى الذكريات وأعمالنا الصالحة..

    كان كلامه يدخل إلى أعماق قلبي العطشى فيرويها.. وأنا أنظر إليه بشوق.. فأكمل مبتسماً..
    - أعلم أنك تحلمين بي.. وتودين رؤيتي.. إذاً أسرعي وتبتلي إلى الله بالدعاء ولكل مسلم ومسلمة وافاهما الأجل أو هدهما المرض.. بنيتي.. لن أقول الوداع.. ولكن إلى اللقاء في يوم لا ظل إلا ظله بمشيئة الله..

    ثبت إلى وعيي بعد ذهول المفاجأة فشعرت بصدري يضطرم وبدمعي ينهمل.. وكل جوارحي تردد (اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ماضٍ في حكمك عدلُ في قضائك.. أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري وجلاء همي وذهاب حزني).

    = = =

    والآن سنزيح الستار عن مشاركة جميلة خطتها قارئة متميزة.. وهي رغم بساطتها إلا أنها تفوق بعبق البدايات الجميلة وتلمع كسنابل أينعت للقطاف

    سأكون أصلب من حجر

    شذى الحميد


    كان كل شيء هادئاً كما اعتدت عليه.. والغرفة كما هي باردة.. الستائر منسدلة وكل شيء مبعثر في الغرفة الملابس والكتب والدمى.. نظرت بصمت إلى الأشياء المبعثرة.. أوصدت الباب بقوة وأنا محملقة في الغرفة أبحث عن جواب لأسئلة ظلت تلح علي منذ زمن بعيد..
    جلست على السرير منهكة.. أسندت ظهري للجدار وتاهت الأفكار في رأسي.. ليتني أستطيع أن أنام.. أحس أن حشرجة ومرارة تغص في حلقي.. أبتلع الدموع وأشعر بمرارتها.. أنظر إلى المكتبة التي تغص بعشرات الكتب.. ولكني لا أقوى على القراءة في مثل هذه الحالة.. فبالي مشغول بما هو أهم..


    في هذا المساء الدافئ يسافر وجهي بعيداً.. كنت أظن أن الحياة قد بدأت تنثر ورودها على وجهي بعد طول صبر.. ولكني لم أنل إلا مزيداً من الصفعات... كانت بريئة حينما تلقيت الصفعة الأولى ثم أتت الصفعة الثانية وتوالت الصفعات.. حتى اعتاد وجهي على الصفعات كجزء لا يتجزأ من روتين كل يوم..

    قاسيت مرارة الحرمان وأنا في سن صغيرة.. ثم التقيت به وأنا في أشد حالات ضعفي فيما يسمى (شات) فتشبثت به كالغريق الذي يعلق أمله في قشة..
    تشبثت به وأنا لم أفهم بعد معنى الحب.. كل ما كنت أفهمه أن في شخصه ما يشدني ويجذبني إليه.. هذا الرجل الذي سمح لنفسه بمناداتي (حبيبتي) .. وكانت المرة الأولى التي أنادى بهذه الطريقة على لسان ذكوري.. وأخذ يغدق علي بسيل من العبارات الرقيقة المسبوكة بدقة محترف..
    لا أعلم أكان حبي له حقيقة أم مجرد إعجاب برجل ساقته الأقدار في طريقي..
    الهدوء يعم المكان.. يساعدني على الاسترسال في التفكير.. فقد نامت عيون الجميع إلا عيني اللتين أتعبهما السهاد.. تسرب صوت المؤذن داخل غرفتي ليحرك مشاعري من جديد.. رددت النداء معه كلمة.. كلمة.. حتى شعرت بالراحة.. صدقت أختي حينما قالت أنه لا راحة توازي الراحة الحاصلة بعد سماع صوت المؤذن وقت الفجر.. والناس نيام.. وأنا وحدي متيقظة أتفكر به وبوضعي ثم أردد النداء بعد المؤذن.. أشعر برعشة تسري في أوصالي وأطراف أصابعي .. رعشة غريبة.. رغبة جامحة في البكاء.. هل هذا ما يسمونه بالخشوع.. أم أنها رغبة في البكاء لا أكثر.. أبكي.. لا لن أبكي عليه.. فهذا بكاء الندم والتوبة عما فات..
    لن أنكسر بسببه فأنا بحاجة إلى كل ذرة قوة..
    يجب أن أساند نفسي وأمدها بجرعات من القوة والإيمان..
    عليَّ ألاّ أتركها تتوه في غياهب الحزن وحدها لتتمكن منها.. ثم لأجل من كل هذا البكاء؟؟ لرجل لا يكن لي قطرة من احترام.. لرجل لا يهمه من أمري سوى طولي ووزني وجمال صوتي وكمية التنازلات التي سأقدمها له.. لرجل يرى أن جميع النساء في النت سخرت له ولأمثاله.. لرجل يعتقد أن كل من تدخل عالم النت هي متحررة من القيم يحل له إقامة علاقة معها بكل بساطة..
    كلا.. غيابه لن يؤثر عليَّ إلى هذه الدرجة.. فقد أرشدني الله من حيث لا أحتسب.. ألهمني الرشد حينما صرخت في وجهه وقلت لأول مرة
    (لااااااااااااا) حينها ظهر على حقيقته نزع عنه ستار الحب والعطف والرحمة.. ظهرت لي أنيابه.. لم يتوقع مني هذه الصحوة المفاجئة.. هزه اعتراضي.. أغضبه صدودي وامتناعي.. بدأ بالتكشير والصراخ.. ثم حاول تلطيف الجو بتمثيل الحب والغرام مرة أخرى.. ولكني استيقظت أخيراً.. ولن يعود قادراً على خداعي مرة أخرى.. لقد رأيت ما فعله بغيري بأم عيني وسمعت آلاف القصص من أفواه فتيات ذقن أقسى الآلام نتيجة لتصديق كلامه المعسول.. عندها قرر الرحيل.. عله يجد ضحية أخرى تكون أكثر سذاجة مني..
    قال لي بكل وقاحة بعد أن لمس حجم التغيير الذي طرأ عليَّ وقرأ عبارات الاحتقار بين كلماتي (أنت لم تحبيني قط ولن تحبي أحداً لأنك امرأة بلا مشاعر ولا تفهمين معنى الحب.. أنت أشد برودة من الثلج.. أنت كالحجر في صلابته.. فهنيئاً لك هذه الحياة الخالية من المشاعر..! وأنا متأكد من أنك ستتجرعين مرارة الحرمان من بعدي وستكون حياتك أشبه بالموت البطيء منها بالحياة.. فوداعاً يا من خدعتني بزيفك وسذاجتك المصطنعة.. يا من تحاولين الآن تمثيل دور المرأة العفيفة أمامي الآن بعد أن سقيتك من كأسي أياماً طوالاً.. فقد مللت مني الآن وحان الوقت للبحث عمن يقدم لي شيئاً آخر لم أستطع تقديمه لك.. فلا تحاولي إقناعي بصفاء سريرتك.. فكل فتيات النت سواء.. كلهن يدعين الصلاح والحياء.. وهن بعيدات كل البعد عن ذلك.. يدعين الدين والاستقامة وأنها أول علاقة لهن! اذهبي فلن أطيل عليك.. الله يوفقك بالحبيب الجديد!)

    لكن سأنسى أمره وأعيش حياتي بلا مشاعر... ولكن هل أنا حجر فعلاً حتى أعيش بلا مشاعر؟
    هل أنا ثلج كما قال؟

    لا لست حجراً.. قال لي يوماً بأني حجر.. أشارك الجوامد بخواص كثيرة.. قال إني غير كل النساء.. ليس لدي مشاعر ولا أحاسيس.. أعلم أنه لا يؤمن بما قاله لسانه.. وأنه ما أطلق علي هذا الحكم الجائر إلا لمعرفته بطبيعتي العاطفية الرومانسية وبطيبة قلبي.. فأحب أن يؤثر علي بهذه الكلمات علي أتراجع عن قراري وأخضع لمطالبه..

    فلو كنت حجراً كما يقول لما تفكرت بكلماته كل هذه الأشهر..
    لو كنت حجراً لكنت عرضت سمعتي وسمعة أهلي للسوء بمثل هذه العلاقة المشبوهة.. لو كنت حجراً لكنت وافقت على بناء سعادتي – إن كانت سعادة – على تعاسة الآخرين وأولهم أهلي ثم زوجته التي لم يفكر يوماً في أمرها..

    قال لي بأني حجر لا يعرف عظيم المشاعر التي يعج بها صدري فأراد أن يثيرني بكلماته القاسية.. ونجح بذلك.. لكني فهمت الدرس جيداً.. واقتنعت بأني سأكون أكثر صلابة من الحجر إن بعت نفسي وتخليت عن ديني من أجل شخص مثله..

    - - - - - - - - - -
    الندية شذى.. مشاركتك جميلة وتبشر بموهبة واعدة إن شاء الله..
    القصة تدور في موقف واحد تتداعى فيه أفكار البطلة وهذا أسلوب فني جميل ومتجدد ويبتعد عن السرد المتسلسل التقليدي للأحداث، كما أن القيمة التي تحويها سامية جداً.. وكذلك اللغة كانت سليمة تقريباً.. أنصحك بالقراءة المكثفة لتطوير موهبتك.. كما أتمنى أن تنتبهي لحدة بعض الألفاظ والتي قمت بتغيير بعضها حتى لا تؤثر على سلاسة النص الجميل.. استمري في القراءة أكثر.. ونحن ننتظر إبداع يراعك النقي..
    رد خاص للأخت الغالية من الدرعية والتي لم أجد اسمها: لقد أتحفتيني بكلامك الرائع.. أشكرك كثيراً.. وسأزور الدرعية قريباً إن شاء الله..
    نوف
    - - - - - - - - - -

    **
    مجلة حياة العدد (48) ربيع ثاني 1425هـ
    -
    فقط هناك لا يوجد ألم


    أهدي هذه القصة لطالبة
    عزيزة.. أحبها في الله.. وإلى
    كل الفتيات اللاتي يشتكين
    من آلام حياتهن..


    ها هو أول يوم في العطلة يبدأ..

    الطالبات يخرجن من قاعة الاختبار تتطاير السعادة من أعينهن لانتهاء العام الدراسي وانتهاء همه وتعبه.. فقد بدأت العطلة أخيراً.. وقت الحرية والراحة والنوم..

    الكل فرح ويقفز ويضحك.. إلا أنا..

    خرجت من قاعة الاختبار واجمة.. أشعر أن كل هموم الدنيا ترزح على قلبي..

    أخذت أسير بتثاقل وأنا لا أعرف ماذا أفعل من شدة الحزن والغم..

    لم تكن مشكلتي تتعلق بالدراسة فأنا ولله الحمد متفوقة ولم أخش يوماً الرسوب..
    كان همي في عالم آخر.. عالم من الهم والأحزان يبدأ كل عام مع آخر يوم من الاختبارات النهائية.. إن ذلك يعني لي.. موعد الذهاب لبيت أبي..
    فأنا أعيش عند أمي منذ انفصالها عن أبي.. لكنه يأخذني إجبارياً كل عام طوال الصيف لأعيش معه ومع زوجته وأبنائه..
    وبسبب ذلك أصبحت العطلة الصيفية مصدر قلق وكآبة لي.. وأصبح انتهاءها سبباً لفرحي وسعادتي..

    كنت أسحب قدميَّ بصعوبة والدموع تكاد تنهمر من عيني وأنا أسارع بالخروج.. كان علي العودة للبيت لآخذ أغراضي ثم أذهب لبيت أبي..

    حين دخلت البيت كانت أمي في المطبخ وصوت إذاعة القرآن ينبعث منه ناشراً الراحة والطمأنينة في البيت رغم جو الحزن..

    أسرعت لغرفتي ثم اغتسلت وغيرت ثيابي.. تأكدت من اكتمال حاجياتي في الحقيبة.. وضعت بعض كتيباتي ومجلاتي وأشرطتي الدينية مع مسجلي الصغير.. حاولت أن أتذكر كل ما يمكن أن أكون قد نسيته.. ثم سحبت حقيبتي قرب الباب.. وذهبت لأمي في المطبخ..
    كانت أمي تحاول أن تكون هادئة وطبيعية جداً..
    ابتسمت لي ثم اقتربت مني وسألتني..

    - هل تأكدت أن كل شيء جاهز؟ ألم تنسي شيئاً؟
    - كلا إن شاء الله.. كل شيء موجود..

    - هل أخذت فرشاة أسنانك؟
    - نعم..

    صمتت قليلاً وهي تحاول أن تبحث عن شيء ما لتقوله ثم قالت بارتباك..
    - لا بأس يا بنيتي تحملي.. كوني هادئة وأطيعي والدك.. ولا تتجادلي مع زوجته أرجوك..

    سكت على مضض فقد أصاب كلامها الوتر الحساس في قلبي.. تنهدت بألم ثم قالت وهي تصطنع الابتسامة..
    - يا الله!.. كلها (كم يوم) وستمر بإذن الله.. لا تهتمي ولا تتضايقي..

    وتوقفت قليلاً ثم قالت فجأة..
    - نور.. احرصي على الصلاة.. صلاة الفجر!
    - إن شاء الله يمه..

    كنت أعلم أنها تحترق لفراقي لكنها لا تحب أن تظهر مشاعرها.. وكذلك أنا.. لذا فقد تم وداعنا بالأعين المليئة بالدموع.. عانقتها بهدوء.. ثم افترقنا..
    خرجت نحو الباب فإذا بالسيارة تنتظرني.. كان يبدو غاضباً لتأخري..
    ركبت وسلمت.. سألته عن حاله وهو كذلك.. ثم سرنا طوال الطريق في صمت..
    كنت أنظر إليه طوال الوقت وأسأل نفسي.. ماذا يريد مني؟ لماذا يريدني ويجبرني على العيش معه ومع زوجته؟ لو كان يحبني لما طلّق أمي.. ولو كان يحبني فلماذا لا يتبادل معي ولو شيئاً من الكلام؟! أشعر أنه إنما يصر على أن أذهب إليه ليقهر أمي.. ليرضي غروره وعناده.. أما أنا ففي الحقيقة لا يريدني ولا يشعر بأي مشاعر تجاهي إن لم تكن مشاعر نفور..

    حاولت جاهدة خلال سنوات طويلة أن أحبه.. ولكن عبثاً لم أستطع.. لم أستطع أبداً.. فهو غاضب طوال الوقت.. كلامه صراخ.. وصراخه سب وشتم وإهانات جارحة.. منذ أن نراه والرعب يسيطر علينا.. نخشى أن نتلفظ أمامه بكلمة فيفهمها خطأ فيحدث الزلزال.. أو نخطئ أو ننسى فيصب براكين الغضب على رؤوسنا ليحرق قلوبنا بكل ما لديه من كلمات قاسية جارحة لا ينمحي أثرها في القلب ولو بعد سنوات..

    إنني أحمد الله فقط حين أرى حال أبنائه.. مساكين لأنهم يعيشون لديه طوال الوقت.. على الأقل أنا لا أدخل هذا المعتقل إلا في الصيف.. الحمد لله..

    حين دخلت لم أجد أحداً كالعادة في انتظاري.. كان قدومي أمراً غير مرغوب فيه من قبل الجميع لذا لم يكن من المستغرب أن أدخل لأجد زوجة والدي تصرخ على ابنتها الصغرى دون أدنى اهتمام بي.. كانت تلاحقها لتأمرها بارتداء حذائها وتجري خلفها أمامي في الصالة دون أن تكلف نفسها عناء الوقوف للرد على السلام..

    سحبت حقيبتي وأنا أدوس على عباءتي بأسى واتجهت نحو غرفة أختي نوال التي تصغرني بعامين.. حين دخلت كانت نوال مستلقية تتصفح مجلة ومسجلها يصدح بالغناء كعادتها..
    شعرت بقلبي ينقبض بشدة.. استغفرت الله.. وتوجهت نحوها لأسلم عليها.. فقفزت من مكانها وسلمت علي بحرارة.. والحقيقة أن نوال كانت دائماً طيبة وتحبني رغم اختلافنا الكبير.. فهي صاحبة قلب بريء وطيب لولا تأثير من حولها عليها..
    وحين قمت بوضع حقيبتي على الأرض وعلقت عباءتي خلف الباب.. لم أعرف ماذا أفعل.. جلست قرب نوال على السرير.. كنت محرجة وكأني ضيفة ثقيلة في بيت غرباء..

    - نوال أرجوك أنا متعبة أريد بطانية لأفرشها على الأرض وأنام..
    - لحظة..

    وأسرعت تخرج لتبحث لي عن بطانية بينما قمت لأطفئ المسجل الذي سبب لي صداعاً.. جلست ووضعت رأسي بين يدي وأخذت أعصره بألم..
    وماذا بعد الآن؟.. سأقضي ثلاثة أشهر هنا.. ثلاثة أشهر من الغربة والوحدة والرسمية والشعور بالخوف.. يا ربي ارحمني..

    وحين أتت نوال فرشت المسكينة فراشي على الأرض بعناية.. أخذت أراقبها.. كانت سعيدة بي.. لكنها لا تعبر عن ذلك..

    - يا الله.. شكراً.. أنا فعلاً محتاجة للنوم.. لم أنم جيداً منذ ثلاثة أيام..
    - كان الله في عونك.. نحن انتهينا بالأمس..

    - حقاً؟ نحن لم ننته إلا اليوم..

    التفتت نوال نحو مسجلها مستغربة اختفاء الصوت..
    - أنت أطفأت المسجل؟
    - نعم..

    - لماذا ألا تعجبك الأغنية إنها هادئة ومريحة للأعصاب!

    ابتسمت ولم أعرف ماذا أقول لها.. مسكينة.. كنت متعبة جداً وبالكاد أفتح عيني من شدة النعاس.. لكني حاولت أن أوضح لها..

    - حبيبتي نوال.. حين نقف جميعاً يوم القيامة أمام الله سبحانه وتعالى يوم الحساب.. هل تعتقدين أن هذه الأغاني ستوضع في ميزان أعمالك الصالحة أم السيئة؟

    - لا أعرف..

    - كلا أنت تعرفين جيداً.. اسألي نفسك وأجيبي..

    - ولكن.. إنها تخفف عني الألم والحزن..

    - على العكس.. انظري لنفسك إنك حين تستمعين لها تغرقين في عالم من الحزن والأحلام واليأس من الحياة.. أين هذا من سماع كتاب الله.. هل تسمعين أشرطة دينية أو أشرطة قرآن؟

    - بصراحة كلا..

    - هذا شيء مؤكد.. فمن يستمع للأغاني لا يوجد في قلبه مكان لحب كلام الله.. سبحان الله اسمعي ما يقول الشاعر.. (حب أغانٍ وحب قرآن.. في قلب عبد ليس يجتمعان..) فكيف يجتمع كلام الشياطين مع كلام الله سبحانه وتعالى..

    - صدقيني يا نور.. أنا أريد تركها.. لكن لا أعرف.. كل من حولي يسمعونها.. صديقاتي قريباتي.. سأبدو غريبة ومتخلفة لو تركتها إنها حولي في كل مكان..

    - لكنهم جميعاً لن ينفعوك في قبرك.. لن ينفعوك يوم القيامة.. اعملي لنفسك من الآن.. فلا أحد يعرف متى تنتهي حياته.. لا أحد..

    - كلامك جميل يا نور.. لكن.. أنت لا تعرفين حجم المأساة التي أعيشها.. لا تعرفين مقدار الألم الذي أعانيه كل يوم.. إنني أعيش ضغطاً نفسياً رهيباً.. أبي.. أمي.. كلاهما قاسٍ.. لا أحد يستمع إلي.. لا أحد يقول لي كلمة حب أو حنان.. إنني أشعر بالراحة حين أسمع هذه الأغاني لأنها تعوضني عن معاني الحب والود..

    بدت عيناها تلمعان بالدموع.. شعرت بتعاطف كبير معها.. فأنا فعلاً أقدر الألم الرهيب الذي تعانيه المسكينة..

    - ولكن هذه الأغاني هي مثل المخدر.. إنها تخدرك فقط لتطير بك بعيداً وتجعلك تسبحين في عالم من الوهم والحلم.. ثم ماذا؟! لا شيء.. لا شيء.. تعصين ربك.. وتقضين وقتك في سماع كلام أناس منحرفين.. بينما إخواننا في أصقاع الأرض يقتلون ويذبحون.. بينما الله سبحانه وتعالى يقول لنا.. ادعوني أستجب لكم.. ونحن معرضون عنه.. مشغولون بالاستماع لهذه الأغاني!

    سكتت.. فقلت لها..

    - نوال.. هل تعرفين؟.. الحور تغني في الجنة.. وغناؤها جميييييييل.. رائع.. لا يمكن وصف عذوبة أصواتهن.. ومن يستمع للأغاني في الدنيا يحرم من سماع غناء الجنة.. فهل تبيعين الثمين بالرخيص؟! كوني قوية يا نوال ولا تستسلمي للضغوط وتبحثي عن مخدرات الألم.. عالجي الألم ولا تهدئيه.. كوني قوية وواجهي الألم حتى تستطيعي العيش برضا..

    بدأت الدموع تنساب من عينيها فقد كانت بحاجة لمن تتكلم معه وتشعره بألمها.. قالت بصوت مرتعش..
    - سبحان الله..

    - حبيبتي.. هذه الدار والله لا تستحق دمعة من دموعك.. إنها دار فانية بكل ما فيها من آلام وضغوط.. دار مؤقتة سننتقل بعدها للأبدية.. للحياة التي لا تنتهي.. فأيهما تستحق البكاء عليها.. هذه الدار التي لن نعيش فيها سوى سنوات معدودة أم دار البقاء الأبدي والجنان التي لا معنى للألم فيها.. فقط راحة ونعيم أبدي؟!

    فجأة.. فتح والدي الغرفة بقوة.. بدا هائجاً وغاضباً.. وصرخ..
    - يعني لازم عزيمة على الغدا؟ يا الله.. الله يـ ( ).. لم أستطع أن أقول له أنني لا أستطيع التحرك من التعب وأنني أريد النوم.. بل نظرت لنوال وابتسمنا لبعضنا.. ثم قمت بتثاقل.. وهو يسير أمامنا وبتذمر صارخاً..
    - بنات آخر زمن.. مثل الـ ( ) أكل ومرعى وقلة صنعة..

    في تلك اللحظة.. حمدت الله فعلاً لأن كل هذا سينتهي لا محالة في يوم من الأيام، مهما كان مؤلماً.. كل الألم سينتهي.. وهناك دار أخرى.. حيث لا ألم..



    **
    مجلة حياة العدد (49) جمادى الأولى 1425هـ


    - 18 -


    يكفي أنها أمي!




    في صباح أشعر اليوم بتأنيب الضمير.. فها أنا أسير عائدة من المدرسة وورقة الدعوة لمجلس الأمهات ممزقة في يدي.. لا داعي لأن أريها أمي.. فهي أصلاً لا تقرأ.. ولا داعي لحضورها حتى.. قطعتها إرباً أصغر ورميتها في الشارع والألم يغتالني..


    منذ أن دخلت المرحلة المتوسطة وأنا أحاول بكل استطاعتي أن لا ترى إحدى من صديقاتي أو معلماتي أمي.. لكني اليوم أشعر بتأنيب ضمير بشكل أشد.. فقد فزت بمركز الطالبة المثالية على مستوى المدرسة.. وهذه أول مرة يتم تكريمي فيها في حفل الأمهات.. لكن أمي لن تحضر.. أو بالأحرى.. لا أريدها أن تحضر..

    حين دخلت البيت كان التوتر والحزن بادياً عليّ..
    سألتني أمي بعطف..
    - ما بك يا بنيتي..؟ هل أزعجك شيء؟

    شعرت برغبة في البكاء لكني تماسكت..
    - لا شيء يا أمي.. فقط متعبة قليلاً من الدراسة..

    - الحمد لله.. إذاً ارتاحي في غرفتك وأنا سأحضر لك الغداء هناك..

    - شكراً يا أمي لا أريد.. نفسي "مسدودة"!

    أسرعت لغرفتي غيرت ملابسي وتوضأت وصليت.. ثم استلقيت على سريري.. يا الله.. ما أجمل الراحة! الحمد لله..

    نظرت لغرفتي.. إنها مرتبة.. كل شيء نظيف..
    مسكينة أمي.. حبيبتي.. إنها تتعب كثيراً من أجلي.. فرغم كبر سنها وعدم وجود خادمة تعينها إلا أنها تحاول قدر الإمكان ألا تتعبني معها في عمل البيت رغم إصرار أخواتي المتزوجات عليها بأن ترغمني على العمل..

    أخذت أفكر في حالي.. كم أنا مغرورة ومتعجرفة.. إنها تفعل كل ذلك من أجلي.. وأنا.. أنا.. أستحي منها وأخجل من أن تراها معلماتي وصديقاتي.. يا ربي.. أشعر بصراع داخلي رهيب.. صوت يقول.. حرام! مسكينة أمك.. لماذا تتنكرين لها هكذا وهي الأم الحنون التي تحبك؟.. وصوت يقول لي.. كلا!! أنت على حق.. لا يمكن أن تراها صديقاتك!! أمك إنسانة متخلفة!.. مسكينة تثير الشفقة والسخرية في نفس الوقت.. انظري لطريقة لباسها وكلامها.. ومفرق شعرها اللامع وكحل الإثمد الذي تضعه حول عينيها.. كيف سترينها صديقاتك اللاتي معظمهن أمهاتهن على قدر من العلم والثقافة والأناقة والمركز الاجتماعي؟!.. بالتأكيد سيسخرن منها.. وأنت لا تريدين ذلك؟!

    في إحدى المرات حين كنت في الصف السادس.. أذكر أنها حين أتت للمدرسة سألت إحدى المراقبات الإداريات المسؤولات عن الحضور والغياب عني!.. واعتقدت أنها معلمة فأخذت توصيها بي وتسألها أن ترحمني لأني أدرس طوال الوقت في البيت!! وكدت أموت من شدة الحرج يومها حين رأيت الإدارية تمسك زمام ضحكتها على أمي المسكينة..
    وحين توجهت للتسجيل في المرحلة المتوسطة.. أخذت تسأل المديرة عما إذا كان من الواجب أن نلتزم بلبس "الياقة" البيضاء حول الرقبة – مثل المرحلة الابتدائية.. وهنا كدت أموت أيضاً من شدة الحرج..

    آآه.. يا أمي.. ليتك تعلمين كم أحبك وأحرج في نفس الوقت من تصرفاتك.. لأني أتمنى أن تكوني دائماً أفضل الأمهات ولا أريد لأحد أن يسخر منك..

    أحياناً حين أنظر لأمي.. أشعر أنها مسكينة.. فهي لم تشعر بالحب مرة واحدة في حياتها.. فقد ولدت في بيئة قاسية.. ثم ترعرعت يتيمة وحيدة..
    وتزوجت وهي طفلة لرجل مسن حاد الطباع هو أبي.. أنجبت منه أحد عشر ابناً وابنة ورثوا عن أبيهم حدة طباعه وعصبيته – أنا أصغرهم.. وأنهك المرض والخرف جسم زوجها- أبي فلم يعد يعي شيئاً منذ دخلت أبواب المدرسة وفتحت نوافذ الحياة.. وها هي تعتني به حتى الآن رغم كبر سنها..
    فمن أين يمكن أن تكون ذاقت طعم الحب؟
    مسكينة..
    ذات يوم قلت لها وهي جالسة على أرض المطبخ تقوم بتنقية التمر وغسله استعداداً لكنزه..
    - يمه..

    - هلا..

    شعرت أني سأسألها سؤالاً قاسياً لكنه كان يدور في ذهني منذ مدة طويلة..
    - لقد عشت طفولة معذبة.. هل كان هناك من يحبك ويعطف عليك..؟

    سكتت وأخذت تفكر كمن صدمت بالسؤال..
    سقطت حبتين من التمر من يدها.. ثم مسحت رأسها بجانب ذراعها..
    وقالت..
    - إيه.. كانت هناك ابنة صغيرة من بنات عمي الذي رباني.. كانت تحبني وتعطف علي.. وحين يضربني عمي أو زوجته أو يحرماني من العشاء كانت تخفف من ألمي وبكائي وتعطيني بعض عشائها.. الله يرحمها.. كانت تحبني أكثر من أخوتها..

    - سبحان الله توفت؟!

    - نعم.. توفت.. أصيبت بحمى شديدة بعد موسم المطر.. ثلاث ليالٍ ثم توفت الله يشفع فيها.. كان عمرها تسع سنين وأنا عشر..

    - وبعدين..؟

    - ماذا؟

    - من أصبح يحبك ويعطف عليك بعدها؟

    - لا أحد..

    - لا أحد؟!

    وقفت تفكر بصمت وبوجوم.. ثم تداركت بسرعة..
    - طبعاً الله يخلي لي "عيالي" وأبوهم إن شاء الله.. وحاولت أن تستمر في عملها منشغلة عن هذا الحديث..

    في تلك الليلة.. أخذت أفكر.. أي معاناة عانتها أمي المسكينة في طفولتها.. وأي حرمان من الحب عاشته في حياتها.. ورغم كل ذلك الألم الذي تجرعته.. فإنها قادرة وبكل سخاء على منح الحب والعطف للآخرين مهما قسوا عليها.. كم هي حقاً إنسانة عظيمة تستحق التقدير.. وكم أنا غبية لأني لا أفتخر بأم مثلها..

    وفي الصباح حاولت أن أخبرها أن حفل الأمهات بعد يومين.. لكني وجدت نفسي أتوقف.. وأفكر في مسألة الإحراج مرة أخرى.. وفي مفرق الشعر.. ورائحة الحناء.. والحديث البسيط.. فأحجم عن مفاتحتها بالأمر..

    * * *

    وفي المدرسة.. وكأن الله أرادني أن أشعر بعظمة أمي.. جاءتني صديقتي نورة في الفسحة وجلست بقربي مع الشلة دون أن تتحدث.. شعرت أنها تريد أن تقول شيئاً لا تستطيع قوله أمام البنات..
    - نورة.. تقومين نتمشى؟
    قفزت بسرعة وكأنها كانت تنتظر هذه الدعوة بفارغ الصبر.. وما أن بدأنا نبتعد عن البنات حتى بدأت تفضفض لي ما بصدرها المثقل..
    - إنني متعبة.. متعبة جداً يا مريم.. أكاد أنهار من شدة الألم الذي في قلبي..

    - ماذا هناك.. خيراً إن شاء الله..؟!

    - أمي.. أمي.. إنها قاسية.. قاسية جداً علينا.. تخيلي يا مريم أننا لا نراها ولا نكلمها إلا نادراً ومع هذا فهي لا تواجهنا إلا بوجه متضايق غاضب دائماً..

    - لا ترونها؟.. كيف؟

    - أنت تعلمين أنها تعمل.. وهي تقضي بقية اليوم في النوم أو حضور المناسبات الاجتماعية أو الذهاب للنادي.. لذا فإننا لا نراها إلا قليلاً وتكون متعبة ومتوترة ولا تريد أن تستمع لنا..

    تركت نورة تكمل مشكلتها وأنا منبهرة فقالت وهي تخنق عبراتها..
    - بالأمس تناقشنا في موضوع بسيط.. فاحتد النقاش بسبب غضبها وتوترها.. هل تعرفين ماذا قالت لي؟.. قالت أنها لا تحبني ولا تطيقني.. بل تكرهني وتتمنى لو تراني أنا وأخوتي موتى أمامها لترتاح من همنا.. تخيلي!!

    صمت وأنا لا أزال مستغربة تماماً ولا أعرف ماذا أقول فأكملت وصوتها يرتجف بنبرة البكاء..
    - مريم!.. تخيلي.. تقول أنها تريد أن تراني ميتة أمامها.. لقد بكيت بالأمس.. بكيت ودعوت الله من كل قلبي أن أموت لأريحها بالفعل مني.. وأتخلص من معاملتها القاسية..

    - لا حول ولا قوة إلا بالله.. استعيذي بالله من الشيطان الرجيم يا نورة.. بالتأكيد هي لا تقصد ذلك..
    وأخذت أهدئها وأنا أرى خيال أمي الحبيبة البسيطة الحنونة.. وأقارنها بوالدة نورة.. الدكتورة في الكلية.. المثقفة.. الأنيقة.. ولكن الغير قادرة على منح أبسط وأغلى شيء.. وهو الحب..

    وفي يوم مجلس الأمهات.. قبضت على يد أمي في ساحة المدرسة وأخذت أعرفها على صديقاتي ومعلماتي بكل فخر.. كنت أعلم أنها امرأة بسيطة وغير متمدنة وقد تقول عبارات مضحكة.. لكنها في نظري أعظم وأسمى وأشرف أم.. يكفي أنها أمي.. وكفى..




    **

    مجلة حياة العدد (50) جمادى الثانية 1425هـ





    - 19 -

    وأسمتها نعمة..



    كانت عيناها تلمعان ببراءة وهي في فستانها الأبيض..
    نظرت إلي.. فابتسمت وأنا أبكي..
    حبيبتي.. أختي الصغيرة..
    ها هي تترك منزل اليتم.. إلى عالم آخر..
    تلفت في الحفل.. نظرت إلى الوجوه.. كنت أتمنى أن تحصل معجزة وأرى بين الوجوه وجه أمي التي لا أعرف عنوانها ولا بلدها.. أمي التي لم أرها منذ ثمانية عشر عاماً..
    لكني لم أر شيئاً..

    لا زلت أرى عينيها الغارقتين في الدموع.. وأشتم رائحة عنقها الدافئ..
    - حبيبتي مها.. عمري.. مهّاوي..
    حضنتني بقوة وأنا أستغرب هذا التصرف.. كانت ترتدي عباءتها.. وتسحب حقيبة سفرها.. وأنا أريد التنصل من يديها لأكمل اللعب مع ابنة جيراننا..
    وقفت خلود تبكي.. وتعلقت بعباءة أمي قبل أن يدفعها والدي لتخرج بصعوبة من البيت.. بينما كانت رحاب الصغيرة نائمة..
    حين اقتربت الشمس من المغيب عدت لأبحث عن أمي.. فلم أجدها.. وبقيت أصيح أمام غرفتها حتى نمت على الأرض..
    وبعد فترة علمت أن أمي لن تعود.. أبداً..


    * * *


    عشنا في البداية حياة مليئة باليتم والوحدة ونحن ثلاثة أطفال أكبرنا لم تجاوز التاسعة وأصغرنا أكملت للتو عامها الثاني..
    لا زلت أذكر معاناتي أنا وخلود في تنظيف رحاب وتغيير ملابسها والتعامل مع صياحها طوال الليل باحثة عن أمي.. وكان أبي يتعمد تجاهلنا حتى لا يشعر بتأنيب الضمير.. فكان يخرج من البيت كثيراً.. ولا نراه إلا قليلاً..
    وحين بدأت المدارس.. كان علينا أن نعاني من هموم أخرى.. فعلينا الاستيقاظ باكراً.. لنأخذ رحاب لجارتنا أم خالد.. كانت خلود المسكينة هي أمنا.. فكانت توقظني.. وتغير ملابس رحاب ثم تأخذها وهي تصيح لبيت الجارة.. ثم نذهب لمدرستنا سيراً على الأقدام.. وكان ذلك عامي الأول في المدرسة..

    * * *

    لا أنسى.. يوم.. أن صرخت أبلة حصة على خلود في الطابور.. وأنبتها أمام الطالبات لأن مريولها غير مرتب..
    شعرت يومها أن أبلة حصة تنتقص من أمي.. نعم.. فخلود كانت أمي..
    المسكينة وقفت ولم تتكلم.. ولم يكن هناك مجال لأن تشرح شيئاً..
    عيناها كانتا حمراوين يومها..

    * * *

    تزوج أبي.. وأحضر امرأة سليطة اللسان إلى بيتنا..
    في البداية.. تقززت من البيت الذي كانت رائحته سيئة كما تقول.. وبدأت تلقي أوامرها.. ورضخنا لها..
    كنا نراها تخرج وتذهب وتعود.. ونحن جالسون لوحدنا في البيت.. لا نتحرك..
    ذات يوم سألتني رحوبة.. "ما هي حديقة الحيوان؟"
    بدأت دموعي تنساب وأنا صامتة.. لم أستطع أن أشرح لها..
    وسكتت خلود أيضاً..

    * * *

    مع زواج أبي.. بدأ يغضب علينا كثيراً.. ويصرخ.. ثم.. أخذ يضرب..
    ذات مرة ضرب خلود بعصا المكنسة.. ومرة أخرى رماني بقدر وجده في المطبخ لأني حرقت الطعام.. وفي مرات كثيرة دعا علينا بالموت..
    كنت فقط أشفق على رحاب المسكينة.. لم أكن أود أن ترى والدي في هذه الحالات فتصاب بالرعب..

    * * *

    كبرنا وكبرت همومنا..
    كنا نرى إخوتنا من أبي يكبرون.. وهم يعيشون طفولة أخرى.. لكننا لا نجرؤ على الكلام..
    خُطبت خلود..
    وبكت كثيراً.. قالت أنها لا تريد ترك رحاب.. لكني أقنعتها أن رحاب لم تعد طفلة.. عمرها الآن عشر سنوات..
    وتزوجت خلود.. دون حفل ولا فستان أبيض..
    دعوت الله لها كثيراً.. وبكيت..
    وتذكرت رائحة أمي..

    * * *

    أنجبت خلود..
    لكنها بقيت في بيتها.. كانت تعلم أن زوجة والدي لا تريدها هنا..
    فذهبت إليها..
    كانت متعبة كثيراً.. ولم أعرف كيف أتصرف معها في البداية..
    لكنها أصبحت أفضل فيما بعد..
    طفلتها كانت لها عينان لامعتان جميلتان..
    لم يرها والدي إلا بعد أن أكملت أسبوعاً..
    - سأسميها نعمة..
    نظر إليها والدي بغضب.. نظراته مرعبة..
    - كلا! والله لا تسمينها هذا الاسم!
    ابتلعت خلود غصتها.. وسكتت.. شعرت بطعنة في صدري.. وما يضرك يا أبي؟.. هل تحرمنا حتى من اسم أمي؟
    حين خرج والدي قالت خلود..
    - والله لولا أني أخشى عليكما من سطوته.. لأسميتها بهذا الاسم مهما فعل..
    كانت رحاب صامتة.. فهي لا تعرف أمي.. ولا رائحتها.. ولا اسمها..

    * * *

    بعد فترة خطبت أنا أيضاً.. وتزوجت..
    كان زواجاً سريعاً.. والرجل.. لا بأس به.. أفضل من والدي على أية حال..
    ليت لي أماً أشكو لها.. ليت لي أماً أستشيرها..
    بعد عام أنجبت طفلاً..
    وتغير زوجي.. بدأ يصبح أفضل..
    لكن.. كان هناك ألم كبير في حياتي.. ألم لم أستطع اقتلاع جذوره..
    كان يخيم على حياتي بشكل رهيب..
    كلما رأيت طفلي يلعب وأنا أجري خلفه أحميه وأداعبه.. أتذكر طفولتي.. وأتذكر أختي الصغيرة.. فتنساب الدموع من عيني.. كلما رأيت طفلي يتعلق بعباءتي حين أخرج.. أتذكر أمي في وداعها الأخير فأعود إليه..
    وأنجبت طفلاً ثانياً وثالثاً..
    وشعور اليتم يقتلني..

    * * *

    وهي تجلس بكامل زينتها على المنصة.. كنت أرى في عيني رحاب الطفولة المعذبة.. ومن بين أصوات الدفوف.. كنت أسمع بوضوح صوت بكائها ونحن نحملها صباحاً لبيت أم خالد.. وكنت أسمع صياحها وخلود تدور بها حائرة في ممرات المنزل فجراً.. كنت أسمع صوتها تنادي.. ماما.. ماما.. ونحن نبكي معها..
    قرصتني خلود وهي تتهادى ببطنها الكبير..
    - كفى بكاء!.. لا تحزنيها ليلة زفافها..
    ابتلعت الغصة وسكت..
    وبعد أسبوع.. أنجبت خلود..
    أنجبت طفلة سمراء جميلة..
    وهذه المرة فقط.. أسمتها.. نعمة..


    **
    مجلة حياة العدد (51) رجب 1425هـ


    - 20 -

    صراع الذكريات




    علا الصراخ بشكل غير طبيعي هذه المرة..
    سقطت السيارة الصغيرة من يد عبودي وأخذ ينظر إلي بخوف.. يا للمسكين..
    أسرعت أغلق باب غرفتي واحتضنت عبودي..
    - "خلاص" حبيبي.. لا تخف.. لم يحصل شيء..
    - أريد ماما.. أريد ماما..
    - ماما مشغولة الآن..
    أخذت أمسح شعره بحنان وأنا أكثر حاجة منه لمن يحتويني في هذه اللحظة..


    فتحت هيفاء الباب بهدوء ونظرات الخوف تكسو وجهها..
    كنت أعرف ماذا تريد أن تقول.. وهي كذلك تعرف ما في قلبي.. كان هناك فقط كم من المشاعر على وجوهنا تتكلم..
    دخلت وأغلقت الباب وجلست على سريرها شاحبة.. بينما أصوات الصراخ تعلو..
    سكت قليلاً..
    - ماذا حصل؟
    سألتُها..
    - لا أعرف.. ربما لأنها نسيت صنبور الحديقة مفتوحاً!
    ساد الصمت مرة أخرى..
    - إنه غاضب منذ البارحة.. عمتي منيرة "زعلانة" لأن أمي لم تزرها في المستشفى منذ أول يوم.. وقد صبت غضبها على أبي..
    - يا الله!!.. لماذا هم هكذا؟.. مسكينة أمي!.. لقد كان عليها حضور زواج ابن أختها.. كيف تذهب لعمتي؟ ثم إن عملية عمتي هي جيوب أنفية.. لم كل تلك الضجة؟!
    - اسأليه!
    فجأة رفع عبودي رأسه..
    - أبيل.. نلوح سوبلمالكت اليوم؟
    أطلقت ضحكة أسالت دموعي الساخنة..
    - أي سوبرماركت يا حبيبي..!
    وتنهدتُ بحرقة..
    - سنقضي أسبوعاً من الألم والنكد والعزلة بسبب مثل هذا الشجار..
    استلقت هيفاء على السرير وأعطتني ظهرها.. أحسست أنها تبكي.. ابتلعت غصتي وسكت بينما أصوات الصراخ تعلو.. تقترب وتبتعد أحياناً..
    وفجأة سمعت صوت ارتطام شيء..
    - وأنت يا ثور..!!
    عرفت أنه أحمد.. لا بدَّ وأنه قد مرَّ في منطقة الخطر.. ليحصل على نصيبه من الحلوى..
    وبعد قليل فتح الباب بهدوء ودخل..
    نظراته الكسيرة توحي بالحيرة والضياع والألم..
    جلس على السرير قرب هيفاء.. حك رأسه.. وتناول مجلة أطفال قديمة يتصفحها.. يحاول أن يبدو مشغولاً وغير مهتم..
    شعرت بتعاطف كبير معه.. كنت أعلم يقيناً أنه تعرض لضربة موجعة.. لكني لم أشأ أن أكسر شيئاً من كبريائه وهو في سنوات مراهقته الأولى..
    بعد قليل تكلم..
    - أبي غاضب..!
    سكت.. فلا تعليق لدي.. لكني كنت أعرف أنه يريد مدخلاً للحديث..
    - كسر لعبة الكمبيوتر الجديدة!
    يا الله!!!.. لا يمكن.. مسكين!.. لقد بقي أحمد عاماً كاملاً يجمع من مصروفه وعيدياته ليشتريها.. لا يمكن..!
    مسح كتفه ثم ابتسم..
    - وضربني بسلكها أيضاً!!
    كان يحاول أن يبدي عدم الاهتمام.. لكني كنت قد وصلت إلى حافة الانهيار وأكاد بالفعل أن أبكي.. وتماسكت بصعوبة حتى لا أزيد جراحه..
    هدأ الصراخ.. فشعرت بخوف أكثر.. لأن هذا هو الوقت الذي يطل فيه أبي علينا ليلقي تهديده ووعيده..
    أخذت أمسح باستمرار على رأس عبودي الذي نام في حضني وغاب – لحسن حظه- عن المشهد..
    جو خانق في الغرفة.. لكنه يبدو في الخارج خانقاً ومخيفاً أكثر.. بقينا صامتين.. هيفاء شبه نائمة.. وأحمد يقلب صفحات المجلة القديمة ويحاول أن يبدي اهتمامه بها.. وأنا أصارع دموعي ونشيجي كي لا يظهر..
    فُتح الباب بقوة كما توقعنا.. كان غاضباً بشكل رهيب..
    وجهه محمر.. عيناه تطلقان الشرر..
    صرخ بقوة.. وصرخ.. وصرخ.. وكال الشتائم لأمي أمامنا حتى يغيظنا.. وهدد وهدد..
    وكان علينا أن نقف هادئين مطأطئين رؤوسنا باحترام وأن نرضيه ونبدي السعادة أيضاً أمامه..
    وحين سكتنا صرخ..
    - لماذا أنتم صامتون؟ تكلموا.. هيا.. قولوا شيئاً..
    نظرنا لبعضنا في خوف فماذا عسانا نقول؟.. إن أي خطأ أو هفوة بسيطة في الكلام قد تكلفنا صفعة على الوجه..
    تطوعت للرد وأنا أرتجف..
    - خيراً إن شاء الله يا أبي..
    صرخ كمن ينتظر سبباً لإكمال صراخه..
    - وأي خير يرتجى منكم ومن أمكم.. أي خير؟
    هاه؟.. قولوا.. أيها الـ.. الـ..
    واستمر في الإهانات الجارحة التي كانت أقوى من أي صفعة..
    في تلك اللحظة.. استيقظ عبودي من النوم.. وبدأ يبكي ويصيح من الخوف.. فازداد غضب أبي.. وصرخ قليلاً ثم أغلق الباب بكل قوته وخرج يكاد يحرق من يمر أمامه..
    عندها حضنت عبودي بقوة.. حضنته ووضعت رأسي على رأسه وأخذت أصيح.. وأنشج بقوة.. لم أعد أحتمل..
    لأني أحسست بأشياء كثيرة تتحطم في داخلي.. كرامتي.. مشاعري.. روحي.. وحتى حبي لنفسي..
    كرهت نفسي لأنها وصلت لهذه المرحلة من الحضيض وتقبل الإهانات.. وبكيت حتى بللت شعر الصغير..


    × × ×

    بعد سنوات.. بدأت آثار ذلك الألم الذي كنا نعيشه تظهر علينا جميعاً.. كلٌ حسب الطريقة التي اختارها..

    هيفاء.. استسلمت لتلك الذكريات.. فهي ترفض الزواج تماماً.. ومتعلقة بأمي بشدة ولا تريد مفارقتها.. علاقتها بأبي رسمية جداً..

    أحمد الهادئ.. اختار الهروب من تلك الذكريات.. فترك المنزل.. وأصر على التسجيل في جامعة في مدينة أخرى.. كنت أعلم يقيناً أنه يريد الابتعاد عن والدي وعن المنزل الذي عاش فيه الكثير من الليالي المرعبة..

    وعبودي.. الذي كنت أحاول – عبثاً- أن أبعده عن أي مؤثر خارجي كان أقلنا تأثراً.. ربما لأن أبي تغير طبعه بعض الشيء مع كبر سنه.. لكنه لا يزال يعاني من مشاكل دراسية وسرحان.. ولا يزال يبدو يقرض أظافره حتى الآن..

    أما عبير.. أنا..
    فقد اخترت الطريق الأصعب..
    اخترت أن آخذ الأمر كله كتحدٍ.. وصراع.. وأعيش كمقاتل عنيد مع ذكرياتي الأليمة.. حتى أهزمها..
    اخترت أن أثبت نفسي وأشق طريقي في الحياة لأعوض شخصيتي المهانة في الطفولة..
    درست الطب وتخرجت وتزوجت.. وأنجبت.. وعملت كطبيبة أطفال..
    أصبحت أشارك في الكثير من المؤتمرات الدولية.. وألقي المحاضرات بكل ثقة وقوة..
    حياتي الأسرية سعيدة جداً ولله الحمد.. فزوجي إنسان هادئ يقدرني ويحترمني.. وأطفالي سعداء ومرتاحون وينعمون بالحب والأمان.. وحين أرى الفرحة في أعينهم أنسى كل آلامي..

    أما والدي.. فقد جاهدت كثيراً لكي أتناسى ما فعله بحقنا..
    ودعوت الله أن يغفر لنا وله.. قاتلت وحاربت نفسي طويلاً لكي أسامحه وأصفح عنه بصدق.. وبعد سنوات طويلة.. استطعت ذلك بصعوبة.. وعندها فقط شعرت بالراحة والرضا والسلام.. ولم تعد الذكريات تخيفني..

    أعلم أنه أمرٍ مغرٍ جداً.. أن تهرب من الذكريات القاسية.. أو تستسلم لها بكل خنوع..
    لكني لم أهرب منها.. ولم أستسلم لها أيضاً.. أنا تركتها في مكانها في الذاكرة..
    لكني تحديتها.. وواجهتها.. وتغلبت عليها ولله الحمد..



    **
    مجلة حياة العدد (52) شعبان 1425هـ

    - 21 -

    صباح الخميس المرعب



    - هنوف.. هنوف..
    تقلبت قليلاً.. ثم فتحت عيني بصعوبة.. نظرت بلمحة خاطفة لساعة الحائط فإذا بها تشير للتاسعة والنصف.. لكن اليوم خميس..
    - ماذا هناك.. لماذا توقظينني الآن؟
    - استيقظي بسرعة.. شيء هام..
    - يا الله صباح خير!..
    وبدأت أجلس بتثاقل.. وأنا أتوقع أنها قد أعدت طبقاً للفطور كعادتها وحصلت مشكلة في المطبخ.. يا لنجلاء وهوايتها السخيفة..!!
    - أفففففف.. ماذا أحرقت اليوم يا فليحة؟
    - لم أحرق شيئاً.. قومي بسرعة.. تعالي.. أمي.. أمي تبكي هناك.. شيء خطير حصل على ما يبدو.. يا الله!.. هل هناك من يبدأ صباح يوم خميس منعش مثلنا؟ بكاء ومشاكل (على الصبح)! يا رب ارحمنا..
    - حسناً.. وماذا هناك؟
    - أقول تبكي..!
    - ليست أول مرة.. اسكتي واذهبي..
    - هنوف.. صدقيني.. هذه المرة الأمر يختلف.. مم.. يبدو.. يبدو..
    ثم همست لي بصوت خائف واتسعت عيناها وكأنها تخبرني بشيء عظيم..
    - يبدو أن أبي قد.. تـ.. تزوج..!
    تلقيت صدمة كبيرة.. لكني حاولت أن أتماسك..
    - من قال هذا؟
    - هذا ما عرفته من همهماتها ودعواتها عليه..
    كنت قد سمعت أخباراً كثيرة من هنا وهناك حول هذا الموضوع، وحدثت خلافات كثيرة بين أمي وأبي تخللها موضوع هذا الزواج.. لكني لم أتوقع أن يتحول هذا الكلام فعلاً لواقع ملموس.. كنت أتوقع أن أبي كان يقول ذلك ليغيظ أمي فقط.. ولم أصدق ما قالته هذه المتهورة.. أو.. لم أرغب في تصديقه.. شعرت بأنها تختلف أو تتخيل.. فصرخت بها بقوة لأقذف سيل غضبي عليها..
    - (انقلعي)!! اذهبي يا غراب السوء.. حسناً.. فليتزوج.. أريد أن أنام!!
    تكورت في سريري وغطيت رأسي حتى أطراف قدمي بالغطاء جيداً.. دفنت رأسي بالمخدة.. وتمنيت لو أعيش في جزيرة صغيرة في المحيط.. تماماً مثل تلك الجزيرة التي كانت تظهر في إحدى حلقات (وودي بيكر) حين كنا صغاراً..
    يا سلااااااام.. جزيرة هادئة.. رمال وأشجار جوز الهند.. وأمواج زرقاء صافية.. وأسمع أصوات الطيور.. وأمواج البحر.. فأسترخي في هدوووووووووء..
    (ززززززززززززز)
    يا إلهي.. ما هذا الصوت المرعب!! زلزال!
    أزلت الغطاء عن وجهي لتظهر أمام عيني (سومارتي) الغاضبة تكنس الغرفة بالمكنسة الكهربائية.. صرخت بغضب..
    - ألم تجدي غير هذا الوقت لتكنسي فيه؟!!!
    صمتت بعناد وأكملت عملها دون أن تلتفت إلي..
    يا الله!.. ماذا أفعل.. ياللإزعاج.. مشاكل.. زواج.. بكاء ومكنسة كل هذا في صباح يفترض أن يستمتع الناس فيه..!!
    خرجت من الغرفة.. ذهبت للحمام.. وحين غسلت وجهي ونظرت لنفسي في المرآة.. بدأت أستوعب حقيقة ما سمعته من نجلاء قبل قليل.. هل يعقل هذا؟ كلا.. لا يمكن.. لابد وأنها خمنت هذا الأمر.. أو هذه المصيبة.. لا.. لا يمكن.. أن.. يتـ.. أعني.. يتزوج.. أبي.. لا يمكن.. فهو أبي.. أبونا نحن.. نحن وحدنا.. ولن يذهب لغيرنا..
    هكذا أخذت أفكر ودقات قلبي تتسارع بقوة..
    وحين مررت قرب غرفة أمي.. كان صوت بكائها واضحاً.. وبابها مقفل.. والحزن يجثم على البيت بشكل مرعب.. طرقت الباب.. لكنها لم تفتح..
    توجهت للصالة.. كان الصغار مستلقين على بطونهم لمشاهدة بعض الأفلام المتحركة.. وحين رأوني شعروا بأني المنقذ لهم..قفزت رنا الصغيرة أمامي..
    - هنوف.. أنا جوعانة.. جوعانة
    - اذهبي لسومارتي.. اطلبي منها أن تصنع لك شيئاً..
    - كلا.. سومارتي لا تريد.. إنها غاضبة..
    فعلاً.. إنها صادقة.. حين تغضب سومارتي فإنها لا تطاق..
    لا أعرف لماذا تجتمع كل الأحزان سوية..
    رن الهاتف.. لم أكن أرغب قي الرد لكن عزوز (الملقوف) أسرع ورد على الهاتف ليناولني إياه بعد رد السلام.. ففف.. فكانت المتحدثة زوجة عمي.. لابد وأنها تريد الشماتة..
    كانت تريد أن تؤكد لي بطريقة أو بأخرى أن أبي قد تزوج.. لم أستطع إكمال المكالمة فقد بدأت الدموع تنهمر من عيني بلا شعور.. وأغلقت الهاتف بقوة..


    * * *

    في الأيام التالية.. حاولت أن أكون أكثر تماسكاً وأن أبدو متفاءلة أمام أمي التي كادت تنهار في أول الأمر.. وكنا نتحدث برسمية شديدة معها.. فقط نجلس للأكل فتسألنا بعض الأسئلة البسيطة ثم تعود لغرفتها.. ونحن كنا نراعي مشاعرها قدر الإمكان.. حتى الصغار لم يعودوا يطرقون بابها كالسابق..
    وفي المدرسة.. كنت أفكر بقلق.. ماذا أقول حين يسألني أحد عن خبر زواج أبي؟ هل أدعو على أبي وأتحدث عنه بغضب وكأنه ارتكب جرماً كبيراً؟.. أم أنكر الخبر وأكذب؟.. أم أحاول أن أتهرب من الأسئلة وأتركها تدور في أعينهم ليتحدثوا في هذا الأمر خلف ظهري؟!
    كنت أفكر في هذا الأمر كثيراً، وكنت قلقة بشأنه أكثر من قلقي بشأن زواج أبي نفسه.. لقد وجدت نفسي أخشى مواجهة الآخرين أكثر من مواجهة الواقع الجديد.. وبالفعل.. بدأت الأخبار تعرف طريقها للمدرسة.. وبدأت أسمع بعض الهمسات من خلف ظهري.. مثل:
    - هذه.. نعم.. هذه.. مسكينة.. تزوج على أمها.. تصدقين..؟
    - نعم.. الهنوف (ما غيرها).. أبوها تزوج على أمها.. تصدقين..؟!
    كانت هذه الهمسات تجرحني أكثر من أي شيء آخر.. فقد أصبحت في أعينهم أثير الشفقة والعطف.. وكنت ألمح بوضوح كيف يغيرون بعض القصص والحكايات حين يمرون على قصة رجل تزوج بثانية حفاظاً على مشاعري..
    وابتلعت كل تلك الآهات بصمت.. لكني عموماً.. كنت قوية.. وصامدة..

    * * *

    بعد أيام تحسنت حالة أمي وعادت للابتسامة.. فقد عاد أبي بعد أن سافر مع زوجته لأسبوع لأداء العمرة.. وقد أحضر لأمي طقماً رائعاً من الألماس.. لم أصدق أني أرى أبي!.. حين عدت من المدرسة ورأيته يجلس بهدوء وأمي تبتسم قربه وأمامهم صينية الشاي.. شعرت بسعادة غامرة.. أسرعت وضممته بشدة حتى أسقط عقاله.. ولم أحدثه في الموضوع.. سألنا عن أحوالنا وعن دراستنا كالعادة.. ثم تغدينا معاً وسط ضحكات أخوتي.. وبقي أبي لدينا حتى الغد.. وكان سعيداً جداً.. وكذلك أمي..
    وفي المساء التالي سمعتها تتحدث مع خالتي على الهاتف.. أخبرتها أن أبي أحضر لها هدية وأخبرها بأن مكانتها ستبقى الأغلى لديه.. لكن في نبرة صوتها كان لا يزال هناك ألم..
    حين دخلت عليها ذات يوم وهي تتصفح الجريدة.. سألتها بغباء وبلاهة – لا أعرف من أين أتتني! يمه هل أنت سعيدة مع أبي؟
    رفعت رأسها مستغربة السؤال.. ثم عادت تتصفح الجريدة وهي تحاول أن تتهرب من النظر إلي..
    - ليس كثيراً..!
    وقلبت صفحة.. ثم قالت وهي تبعد خصلة شعرها خلف أذنها وتتابع القراءة.
    - لكني لست حزينة.. الحمد لله.. فأبوك لم يتغير.. على الأقل أصبح يهتم بنا أكثر.. شعرت براحة من ردها الصريح.. والحقيقة أن البيت أصبح فعلاً أكثر هدوءاً منذ زواج أبي.. والمشاكل قلت بينهما.. فأصبح يراعي شعورها أكثر..
    وحين يأتي يخرج بنا للنزهة وكأنه يعوضنا عن غيابه عنا.. كل ما هناك هو فقط كلام الناس.. وشماتة الحاقدين كزوجة عمي..

    * * *

    بعد عدة أشهر أستأذننا أبي في أن نرى زوجته الجديدة.. وسمحت لنا أمي بذلك.. وحين رأيتها انتابني – على عكس ما تصورت – شعور بالراحة والرضا.. فهي ليست كما تقول زوجة عمي فتاة جميلة وصغيرة! .. بل امرأة متوسطة العمر ونصيبها من الجمال قليل جداً.. وعرفت أن الذي أعجب أبي فيها هدوءها وأخلاقها الطيبة.. وقد كانت بشوشة.. مرحة.. وطيبة جداً كما يبدو.. كانت تضحك معنا وتروي لنا القصص عن طفولتها بمرح.. وكأننا نعرفها منذ زمن طويل.. وكان أبي سعيداً لاندماجنا معها..
    وبعد أشهر جاء اليوم الذي انتظرناه طويلاً وهو اليوم الذي تتقابل فيه أمي معها.. والحمد لله أنهما انسجمنتا ولم تحدث أية مشاكل.. أنجبت زوجة أبي... وأصبح لي أخوة من أب.. لكنهم مثل أشقائي تماماً.. وكانت لأمي مثل الصديقة والأخت.. ومضت حياتنا سعيدة ولله الحمد.
    وكلما تذكرت ذلك الخميس المرعب الذي سمعنا فيه بزواج أبي لأول مرة.. حمدت الله وشكرته.. لأن بعض الأمور تتحول لعكس ما تبدو عليه في أول الأمر..
    (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم)..

    **
    مجلة حياة العدد (53) رمضان 1425هـ

    - 22 -


    بقلم / نورة الفصام

    الأمس الذي لن يعود


    إلى نصفي الآخر .. مع خالص المحبة :

    ربما لن أسلمكِ هذه الأوراق يوماً ما.. ولكنني كما عهدتني.. أحب سرد مشاعري على أسطر وأوراق لم ولن تنتهي حتى تنتهي تلك الصراعات بين كلماتي وأفكاري داخل رأسي.. وسأظل أتمنى أن تصلك هذه المشاعر مخطوطة على رسالة من الذكرى.. أوراقاً تحملها الأيام...


    عندما ينتظر الإنسان مستقبلاً بفارغ الصبر.. ظناً منه بأنه سيتخلص من حياة قديمة باردة.. ثم يبدل الزمن صفحاته.. ويجده أصبح حاضراً لم يعلم بقدومه.. تصبح تلك الحياة القديمة في ناظره صفحة من الماضي يتمنى عودتها يوماً ما..


    برغم أن كل شيء كان يبدو رائعاً.. ومتكاملاً.. إلا أن صوتاً كان يتردد في داخلي.. بأنه لا يزال مختلفاً... وأن قلبي لم يكن قد اعتاده بعد.. ربما لأنه عاش في ذكريات الماضي كثيراً.. لدرجة أنه ظن بأنه ينتمي إلى هناك.. في كل مرة أحاول أن أقتلعه وأعيده إلى الحاضر تغرقني الذكريات ويصيبني الاشتياق فانكب جاثية على ركبتي.. وأجد نفسي وقد عدت مرة أخرى إلى الماضي.. وهكذا..


    كل شيء فيَّ ما زال كما عهدته.. ولكن تلك الابتسامة التي كانت تنبع من أعماق قلبي سابقاً.. أصبحت الآن مجرد ابتسامة جامدة أرسمها كل صباح..


    كنت عندما أجر قدمي في ممرات المدرسة.. أحس بأن كل شيء حولي بارد.. وأرى هالة من السواد تغطيه.. فالشمس لا تبدو مشرقة كما كانت في السابق.. والمكان يخيم عليه الهدوء والصمت أكثر من المعتاد.. والفصل.. يبدو قاتماً مظلماً أكثر فأكثر.. في كل يوم أخطو فيه.. حقيبتي تبدو ثقيلة على كتفي أكثر من السابق.. ربما بسبب تغير عدد الكتب داخلها بتغير صفي الدراسي.. أو ربما لأني أصبحت أنتبه لهذه المنغصات كما لم أكن أفعل من قبل..


    يحيط بي العديد ممن أعدهم صديقات.. ولكن يبقى ذلك الشعور بالاغتراب وربما الاختلاف يساورني في كل مرة يتحدثون فيها عما حدث في سنوات ماضية.. وأجد نفسي لا أعي مما يقولون شيئاً.. لأنني وبكل بساطة.. جديدة.. ومن طالبات هذه السنة.. ربما لم أعد أستحق ذلك المسمى الذي اعتدت أن تطلقيه علي.. وردة تجيد العيش في أي بيئة تغرس فيها.. أو ربما تلك الوردة قد اقتلعت من بين دفء من تحب.. لترمى على جبين الصحراء محاولة التكيف.. ولكن دون جدوى.. فهي وبكل بساطة أيضاً.. لا تنتمي إلى هناك..


    عندما التصق بذلك الكرسي.. كلمات مخطوطة في ذلك اللوح أمامي.. أصوات عديدة حولي لا أستطيع تمييزها.. ولكن صوت المعلمة وحده يتردد بين جدران الفصل.. في لحظة.. ينتابني شعور لا أعلم بما يسمى.. ربما مزيج من الغربة والملل.. تنخفض الأصوات حولي.. أغمض عيني لثانية.. فإذا بكل شيء يتبدل.. وتبدأ مخيلتي بنسج صورة مكان آخر يظل قلبي مردداً بأنه يُفترض أن يكون فيه.. ملامح يألفها قلبي.. تبتسم لها شفتاي.. نعم.. مكان أعرف فيه كل من حولي.. وكل من حولي يعرفني.. أتلمس الكرسي.. ذات الملمس القديم الذي عهدته.. ذات الخطوط والكلمات التي رسمتها على ذات الطاولة التي أمتلكها.. والأهم من ذلك كله.. ذات الطالبة التي اعتدت وجودها بجانبي.. تضحكين على كل تعليق على تلك وذاك مما يجود به لساني أو يخطه قلمي خفية.. وإن كان تافهاً.. وعندما أصمت.. تلوحين بيدك أمام عيني.. لتعيديني إلى الفصل من مكان خيالي آخر.. أرحل إليه..


    ينسج اشتياقي نسيجاً رائعاً ليغطي عيني فلا أرى ولا أسمع إلا ما كنت أريده.. حتى أؤمن أن كل ما كان سوى حلم مزعج راودني ليبين لي قيمة ما أملك.. ولكن صوت المعلمة ذاك كان كفيلاً في كل مرة بأن يمزق نسيجي الجميل..


    (أنت ياللي هنا!.. قومي جاوبي..) .. أقف منتصبة يهزني الخمول.. وأخلع ذلك النسيج عن عيني محاولة استراق النظر إلى ما خط على ذلك اللوح.. مدعية بأنني مستوعبة لكل ما كانت تقول.. ولكن ما تسأله قد استصعب علي (أنت وش اسمك؟!).... ترتسم على شفاي ابتسامة الدهشة.. وينحني حاجبي إلى الأسفل... (هاه؟!) .. يتساءل داخلي.. (أنا؟!... ألا تعلم اسمي أنا؟!.. غريبة!!.. أنا من كان صيتها وصيت من كن معها ذائعاً في كل مكان.. وصدى أسمائهن يتردد على مسامع القريب والغريب.. أنا؟!.. ألا تعلم ما اسمي؟!.. وقبل أن أنطق بحرف يرد علي صدى صوت داخلي متردداً في جوفي.. بأنني لم أعد من اعتدت أن أكون..


    كنت أحاول إقناع نفسي دائماً.. بأن ما أعيشه الآن أصبح ما يعد مدرستي.. وأن أياماً انطوت تحمل حياة سابقة.. وأيام فرشت تحمل حياة أخرى سأعيشها في كل يوم تشرق فيه شمس مكتوب في عمري على فناء هذه المدرسة.. (مدرستي).. كما يجب لها أن تكون.. ولكن الحقيقة تظهر دائماً... عندما كنت أتحدث مع إحدى الصديقات (مدرستكم نظامها غريب.. كنا في مدرستي غير).. وكأن اسمي لا يندرج بينهم.. أو حينما تثقل أذني بكثرة أحاديثهم المشوقة ولكنها تظل أحاديث.. أردف قائلة: (في مدرستكم تتكلمون كثير.. في مدرستي ما كنا نجلس)..


    أتعلمين.. أوقفتني عبارة إحداهن يوماً.. (يبدو وأن كل يوم في مدرستكم كان مختلفاً عن سابقه!).. جرفني الحنين بعباراتها وأيقظ معانٍ داخلي لم أكن أعلم بوجودها.. نعم.. أتذكرين كم كنت أمقت التغيب.. ليقيني بأن صفحة اليوم دائماً ما تكون أحرفها مختلفة عن حروف الأمس.. كل يوم كان يعنى بيومه في حياتنا...


    كل شيء كان رائعاً.. لحظات ولحظات كانت تنقش على قلبي بذكراها.. دون أن أحس بها.. أو أحس بقيمتها.. ربما بسبب الاعتيادية التي تلونت لي فيها.. وتهيأت أمام ناظري.. وأصبحت أريد شيئاً واحداً.. تغييرها لعيش لحظات جديدة وحياة جديدة بكل معانيها.. أو ربما بسبب ذلك الطمع الذي كان يكبر في داخلي باحثاً عن الأفضل مما هو فيه.. دون أن يعلم أو يتقين.. بأن ما لديه.. هو الأفضل..

    دائماً كنت أنادي قلبي الذي سكن الماضي.. طالبة منه عيش الحاضر.. ولو للحظة.. علّه يجيد التأقلم فيه.. يألف قلوباً تجري البهجة بين أوردته مرة أخرى.. فيردَّ عليَّ سارداً ذكريات تلك الأيام التي كانت لحظاتها ترمى خلف ظهورنا.. محسوبة من أعمارنا.. فيمتع أذني بها.. ولكن اشتياقي يضل واخزاً في داخلي ينغص علي تلك المتعة..



    ألا تزالين تذكرين تلك الأيام جيداً؟!.. كم أتمنى أن تكون تلك الجدران لا تزال تردد أصوات أحاديثنا.. وتلك الزوايا.. لا تزال تحفظ صورتنا بين تصدعات جدرانها.. نعم... لن أتمنى أن أعود الآن لأحضانها.. لأنني أعلم بأن كل شيء لم يعد كما كان منذ تركته لآخر مرة.. ولكنني أتمنى أن أعيد عقارب الساعة إلى الوراء.. إلى تلك اللحظات ذاتها.. لأعيشها مرة أخرى.. كنت أعلم أن الحياة صعبة.. ولكنني الآن أيقنت أنها أصعب.. متى ما واجهتها وحيدةً..



    نعم.. لا أزال أذكر ذلك اليوم جيداً.. بمرارة.. آخر يوم دراسي من أيام ذلك العام.. أتذكرين تلك الضحكة التي ظلت مرسومة على شفتاي منذ بدايته.. بحجة أنني لم أكن أريد أن أملأ اليوم دموعاً تعيدني إلى منزلي خائبة تثقلني الهموم.. ليس كنهاية كل عام.. أريد قضاءه بسعادة متناهية ليظل مشرقاً في كتاب ذكرياتي.. قد يكون ذلك صحيحاً.. ولكنني كنت أعلم في داخلي أن ذلك مجرد سعادة مصطنعة.. ربما لتوهمي.. بأنني وأخيراً.. سأتخلص من أثقل أيامي.. وسأحصل على ذلك المستقبل بحلته الجديدة.. أو ربما سعادة اختلقتها بمرور الأيام.. لأغطي بوادر جرح بدأ ينشق في داخلي.. وضعف من مواجهة ذلك الجديد والفشل فيه.. جرحٌ لم أكن أظن أنه سيختفي يوماً ما..



    لا أزال أتذكر كيف طلبت منك عدم البكاء لتتبعي سياستي الجديدة التي اتخذتها نهاية ذلك العام.. وكعادتك أجبت بالانصياع لما كنت تعتقدين بأنه صحيحاً.. ومنطقياً.. ولكنني أظن بأن قلبك لم يكترث بذلك المنطق.. وظلَّ يذكرك ولآخر لحظة.. بأن ما يمر من حياتك الآن من لحظات.. هي آخر اللحظات.. وأن الأسطر التي يسجلها التاريخ والذكرى الآن.. هي آخر الأسطر الذي سيردف فيها اسمي مع اسمك بجانب بعضهما البعض.. نعم في نهاية ذلك اليوم.. لم أجدك.. أخذت التفت يمينا وشمالاً.. ولكنني لم أجدك.. كانت لحظات معدودة من البحث.. لا تزال صورتك مطبوعة في داخلي.. كنت قد اختبأت عن ناظري في أحد الممرات وانطويت ترسلين دموعاً لم تعد عينيك قادرة على إخفائها طوال اليوم.. وأسقطت تلك الضحكة التي فرضتها عليك.. بعد أن أصبحت ثقيلة على شفتيك.. كم كنت صغيرة حينها.. صغيرة الإحساس والعقل في تلك اللحظة.. برغم تظاهري أنني لم أكن كذلك..



    إلا أن الأيام والتفكير كانت كفيلة بأن توقفني على تلك الحقيقة.. كنت تعلمين بأن كل شيء لن يبقى كما كان.. كل شيء سيختلف ويتبدل بعد ذلك اليوم.. ولكنني لم أكن أعي ذلك.. ببساطة.. ظننت بأنه وككل صيف.. سيعود كل شيء كما كان.. وكان ذلك الشعور بالطمأنينة.. يغطي ذلك الخوف والضعف طوال تلك الأيام..

    حتى خطوت في هذه المدرسة ولأول مرة.. انقبض صدري.. وأحسست بأن نبضات ذلك القلب أخذت تتسارع.. وأنفاسي أخذت تقل شيئاً فشيئاً.. أحسست بأن كل ما حولي توقف.. الزمن.. الناس. وحتى عمري.. أو هكذا بدا لي..



    لا زلت أذكر كيف ظللت أياماً أخادع نفسي.. بأنه هذا هو المستقبل الذي كنت أنتظره.. وأن ما أحس به مجرد أوهام.. ولكن الأقنعة كانت ثقيلة لدرجة أنها سقطت ولم يعد هناك ما يحول بيني وبين الواقع الذي بتّ أعيشه.. نعم.. يظل الإنسان يحقر ما لديه.. ويطمع في المزيد.. لأن مخيلته تبقى تنسج له عالم أفضل وأكمل.. فيصغر ما لديه.. ولا يحس بقيمة ما يملك.. حتى يفقده...



    ربما يصيبك التعجب من صيغة الماضي التي سبقت بها عباراتي.. ولكنني أردت أن أخبرك.. بأن الأيام أخذت تسجل ذكريات رائعة في صفحات كتابي رغماً عني.. أردت أن أخبرك بأن قلبي قد قرر وأخيراً أن يجرب حياة الحاضر.. وقد أجاد التأقلم فيها نوعاً ما.. فقد ترك الماضي مكاناً دافئاً يلجأ إليه متى ما حل شتاء الحنين والاشتياق..



    نعم.. لم أعتقد يوماً أن يتلاشى ذلك السواد الذي كان مخيماً على جميع أرجاء ما حولي.. فقد عرفت أنه لم يكن سوى دموعٍ تجلدت في عيني.. وزالت مع مرور الأيام...



    أردت فقط أن أخبرك.. بأنك لا تزالين ذلك المعنى الجميل في حياتي.. ذلك المعنى الذي يخالط أحلامي وواقعي في كل يوم من أيام عمري.. وأتمنى أن أعود لأعيش لحظة من تلك اللحظات.. لأبين لك عندها كم تعنين لي..

    وستظلين يا صديقتي نصفي الآخر.. وكل ما خادعني اشتياقي بأن صورتك بدأت تختفي من داخلي.. أغمض عيني وأرحل حالمة إلى مكان حيث أعلم أنك ستكونين فيه.. دائماً..



    أردت أن أخبرك بأني لا أزال تلك الوردة التي تجيد العيش في أية بيئة.. وإنما لم يكن عليَ سوى أن أمد جذوري قليلاً لأن المياه لم تكن تبعد عني سوى أشبار معدودة.. ومهما سجلتّ الأيام من ذكرى ومهما كانت رائعة.. فستسجلها في صفحات أخرى.. تحت عنوان آخر..



    كل هذا ليس لأنني وصلت إلى الأفضل الذي كنت أبحث عنه.. إنما لأني خشيت أن أمقت الحاضر وأعشق الماضي.. كما كنت أعشق المستقبل سابقاً.. أخشى أن أظل أتمنى الأمس أن يكون غداً متجاهلة اليوم وما يحمله من معاني.. متناسية بأنه بعد كل أربع وعشرين ساعة.. يكون اليوم أمساً.. سأتمنى كونه غداً يوماً ما..



    مع خالص محبتي



    نصفك الآخر




    **

    مجلة حياة العدد (54) شوال 1425هـ



    تحرير: حورية الدعوة
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا دعا الرجل لأخيه بظهر الغيب قالت الملائكة : ولك بمثل »

    ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأله سائل فقال: يا رسول الله( هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ فقال عليه الصلاة والسلام: الصلاة عليهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما )
    الله يرحمك يابوي
    يابوخالد


  5. #5

    افتراضي

    - 23 -
    وماذا لو كنا سبع بنات ؟



    - ما شاء الله.. سبع بنات؟!!

    لا أعرف لماذا كان وجهي يحمر خجلاً وأرد بحياء وبصوت أقرب للهمس..
    نعم..

    يا حلييييييييييلكم..

    كنت أشعر أن نظرات زميلاتي وصديقاتي حين يعرفن عددنا تتجاوز الاستغراب نحو شيء من الاستطراف أو الاستهزاء.. رغم أني أحاول أن أقنعهم أن وضعنا عادي ولا غرابة فيه..

    وكان السؤال الجارح الآخر..
    - غريبة ما يتزوج أبوك على أمك..؟!

    وأحاول أن أقنعهم مرة أخرى أن أبي يحبنا كثيراً وقد نسي الآن موضوع الولد.. ولم يعد يرغب بإنجاب المزيد..
    لكن نظراتهم وأسئلتهم السخيفة أو تلميحاتهم نادراً ما تتوقف..

    * * *

    حين نستعد للذهاب لزواج أو لمناسبة اجتماعية كبيرة فإني أشعر بحرج كبير من الذهاب مع أخواتي.. فمنظرنا يثير نظرات الآخرين كثيراً.. كما يثير شفقتهم واستعطافهم المزعوم علينا..

    أجلس على الطاولة محفوفة بأخواتي من مختلف الأعمار.. تمر ابنة عمي مها.. تسلم مع ابتسامة استهزاء..
    ما شاء الله كالعادة!.. لوحدكم تملؤون طاولة كاملة..!

    كم أكره أسلوبها النزق هذا.. تعاملنا بدونية وكأننا مخلوقات مختلفة.. وكأنها تعتقد أننا سعيدات بوضعنا هذا..

    نضطر لمراقبة سلوكنا وتصرفاتنا كثيراً.. يجب ألا نسير معاً ولا نقف معاً وحين تذهب أمي لمكان ما علينا ألا نتبعها جميعاً فنبدو كقطار طريف.. بل نقوم على فترات زمنية متباعدة..

    كنت أشعر بأخواتي كقيد يخنقني ويضطرني لأن أشعر بشيء من الدونية والحرج أمام الآخرين..
    إنهن بريئات لا ذنب لهن.. لكني بت أشعر بشيء من المقت لهن لما يضعنه على كاهلي من ثقل وشعور بالخجل..

    أقنعت أمي أن نضع لنا دوراً للذهاب لبعض الزيارات العائلية حتى لا نثقل كاهل من نزورهم أو نشعرهم بكثرتنا.. وجعلني هذا الأمر أقل حرجاً أمام الآخرين.. لكنه لم ينه مشكلتي التي تزداد كلما كبرت وأصبحت أكثر حساسية من نظرات الآخرين وتلميحاتهم..

    بطريقة ما استطاعت نظرة مجتمعي الذي يحيطني أن تجعلني أشعر بالاكتئاب وعدم الرغبة في الخروج.. كنت أنظر لصديقاتي وطريقة حديثهن عن حياتهن فأشعر بالغبطة..
    كل واحدة تتحدث عن أمها وكأنها وحيدتها.. خرجت مع أمي.. قلت لأمي.. نفكر أنا وأمي في موديل فستاني..
    وهكذا..
    وإن حصل كانت هناك أخت أو أختان أو بالكثير ثلاثة.. وهما أكبر بكثير أو أصغر بكثير..
    لكن بالنسبة لي فالأمر مختلف..
    أنا محاطة بستة أخوات يشاركنني كل شيء.. بدءاً من رعاية والديّ..
    فأنا لم أحصل يوماً على انتباه أو اهتمام والديّ لذاتي.. دائماً أسمع الخطاب الجماعي.. أنتن.. سنأخذكن.. سنذهب بكن.. فنحن بالفعل قبيلة أو جيش نسائي كما يطيب لمها ابنة عمي أن ترمي بتلميحاتها السخيفة..

    إذا أردت شراء شيء لي.. فيجب أن يتم شراء مثله للجميع.. وإذا أردت الذهاب لمطعم راقٍ مع والديّ فعلينا أن نذهب جميعاً بدءاً بي وانتهاء بجود ذات الأربعة أعوام.. وهنا يصبح المكوث في المطعم مستحيلاً في ظل القرقعة والإزعاج والبكاء والمشاجرات اللافتة للنظر..

    أما حين ذهبنا للعمرة العام الماضي فقد كان منظرنا لافتاً بصدق ونحن نسير خلف والدي كالطابور..

    كنت أتمنى لو يصبح لي أخ مثل غيري.. أخ أرسله للبقالة.. أو أجعله يخرج ليستلم طلبية التوصيل من المطعم.. يحدثني عن مدرسته ومشاغباته..
    بل إنني أتمنى أحياناً أن يكون لي أخ ليراقب تصرفاتي وعباءتي فأضحك في سري عليه وأنا أطيعه بلذة عجيبة..
    لكن هذا الأخ عبثاً لم يأتِ.. وبقي حبيس الأحلام كأشياء أخرى كثيرة..

    كنت وثلاث من أخواتي قد وصلنا لسن الزواج.. لكن نصيبنا لم يأت بعد لأسباب لا يعلمها إلا الله..
    لم يتقدم إلينا خاطب بصفات معقولة – ولا أقول ممتازة.. كانت أمي تنتظر اليوم الذي تزوجنا فيه وتشعرنا بالسعادة.. لكن شيئاً من ذلك لم يكن بيد أمي ولا أبي.. فهو بيد الله سبحانه وتعالى.
    معظم القلة الذين تقدموا لي كانوا إما كباراً في السن أو لهم سوابق أخلاقية أو أنهم لا يصلون.. أو ليس لديهم عمل ثابت كعبد الله ابن عمي فكيف أغامر بحياتي معه؟
    لكن زوجة عمي لم تتركنا في حالنا بعد أن رفضنا بأدب شديد ولدها الذي لم يكن عيبه الوحيد أنه لا يعمل.. ولا أنه لم يكمل دراسته، بل هو يدخن ومحاط برفقة السوء هداه الله.. فكيف تريدني هداها الله أن أوافق على ابنها هذا؟
    لقد اتفقنا أنا وأمي وأبي على أنه لا يصلح للزواج.. وبقائي مكرمة في بيت أهلي أفضل من أغامر لأعود مطلقة أو أحمل في أحضاني طفلاً بريئاً لا ذنب له..
    لكن زوجة عمي لم تقتنع بكل كلامنا وبدأت حرباً شعواء علينا.. أفرغت خلالها كل ما في جعبتها من عبارات حادة وجارحة بحقنا.. قالت إن أمي عليها أن تبدأ في تسويق هؤلاء البنات قبل أن يتجمعن على قلبها – كما تقول.. فهناك نصف دستة من البنات ينتظرن دورهن خلفي!!.. وقالت أن من لديه مثل هذا العدد من البنات عليه ألا يتشدد في شروط الزواج بل يعطيهن لأول طارق!
    جرحتني هذه الكلمات أكثر مما فعلت مع أبي أو أمي.. ربما لأن لديهم شيئاً من الجلد وقوة التحمل.. أما أنا فلم تساعدني حساسيتي المفرطة على تحمل هذا الكلام.. وأخذت أبكي ليالٍ طويلة..

    وكانت هذه الهجمة سبباً في أن أفكر في وضعي – أو وضعنا- جيداً.. وأعيد حساباتي جيداً.. لماذا علينا أن نتحمل كل هذه الإهانات ورأسنا منكس؟

    نظرت لنفسي فإذا أنا فتاة خلوقة ولله الحمد.. مستقيمة بإذن الله.. متفوقة في دراستي.. محبوبة ممن حولي.. وكذلك أخواتي فهن جميعهن صالحات مؤدبات خلوقات.. يثرن إعجاب الجميع بنشاطهن وتفوقهن..
    أي فخر هذا لأبي وأمي؟
    لماذا نترك للآخرين الفرصة ليشعرونا بالنقص.. ونحن ربما أفضل منهم بكثير..

    فكرت في بيت عمي.. ماذا لديهم ليشعرونا بالدونية؟
    ثلاثة أبناء فاشلين في دراستهم عابثين متخرجين من مقاهي الشيشة.. وثلاث بنات مرفهات متعجرفات.. لا يعرفن لاحترام الآخرين قيمة.. جل وقتهن يشغلنه بأحاديث هاتفية مشبوهة.. وتبادل أشرطة الأغاني مع صديقاتهن..
    سبحان الله..
    زوجة عمي نفسها.. لم تحظ يوماً ببر أحد من أبنائها أو بناتها أو اهتمامهم وكثيراً ما اشتكت من سوء أدبهم وتعاملهم معها.. فلماذا تحاول أن تظهرنا نحن بمظهر الأضعف والأقل.. ألأن الله شاء ألا يكون بيننا أخ ذكر؟ فقط لهذا؟ يا للتفكير السطحي السخيف؟

    وكأن الله شاء أن تكون هذه المصيبة فرصة لأن أشكر الله على نعمته علينا وأن نكسر قيد الضعف الذي كان يحني رقابنا..

    شعرت بعد جدال طويل مع نفسي أني أولد من جديد وأزيل عن نفسي بقايا عالقة من تفكيري السابق وأتخلص من تلك الخيوط اللزجة التي كانت تحيطني وتقيدني عن الكثير وتمنعني من أن أرفع رأسي أمام الآخرين..

    لم أكن أصدق إن إنساناً يمكن أن يتغير بين ليلة وضحاها لكني تغيرت هكذا.. لم أعد أشعر بذلك النقص من نظرات الناس لأخواتي.. بل انقلب هذا الشعور إلى فخر حين أنظر لأخواتي بمظهرهن الجميل وحديثهن المثقف المهذب الرقيق.. وتذكرت أنه لم يضر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كان كل نسله من البنات ولم يعش له ولد.. ويكفينا فخراً أننا نستر والديَّ عن النار لأنهما أحسنا تربيتنا بإذن الله..

    استغربت أخواتي من التغير الذي طرأ علي فقد بدت الثقة في طريقة حديثي وتصرفاتي، وأنا التي كنت أزرع في نفوسهن الشعور بالنقص والدونية وأردد أمامهن دائماً أني أخجل من ظهورنا معاً وغير ذلك..

    ربما ظهر هذا الشعور في داخلي كحاجة فطرية ماسة لمقاومة كل ذلك الهجوم من زوجة عمي وابنتها وغيرهن ممن يحاولن إهانتنا لإرضاء نفوسهن المريضة. لكنه كان شعوراً عارماً وقوياً وسرى في نفسي مثل نهر نبع فجأة في أعماق الصحراء.

    أصبحت أشجع أخواتي على الظهور معاً ولا أجد في ذلك أدنى غضاضة، وأحاول أن أزرع فيهن الثقة بأنفسهن والحب والافتخار ببعضهن البعض، بدلاً من التقوقع حول ذاتنا ولوم بعضنا البعض على شيء قدره الله لنا..

    وكلما نظرت لأسرتنا وتماسكها ومحبتها لبعضها البعض ورقيها الأخلاقي حمدت الله حمداً كثيراً.. لأن سعادة الإنسان تتبع من رضاه الداخلي وليس من نظرات الناس وأحاديثهم.. حتى لو كنا أكثر من سبع بنات..


    **
    مجلة حياة العدد (55) ذو القعدة 1425هـ


    - 24 -

    ليلة طلاقي




    وقفت طويلاً أمام الباب الذي طالما طرقته وفتحته.. لكن هذه المرة مختلفة.. مختلفة جداً..
    نظرت إلى الساعة.. إنها الثانية عشرة إلا خمس دقائق ليلاً..
    شعرت بالخوف.. والخجل من نفسي..
    ماذا سأقول.. لأمي.. أبي.. يا ربي أعني..
    حاولت أن أبتلع دموعي المالحة.. وأخذت نفساً طويلاً لأستطيع الحديث..
    شعرت بالتردد والخوف الشديد مما أقدم عليه.. بل شعرت بالحزن على والديّ.. أشفقت عليهما وعلى نفسي..
    نظرت خلفي لعلي أتراجع وأعود.. فإذا به قد ابتعد بسيارته ينتظرني أن أدخل بأسرع وقت ليغرب عن وجهي..
    أمسكت مقبض حقيبتي جيداً.. وطرقت الجرس.. مرة أخرى طرقته ولا مجيب.. لابد أنهم نائمون..
    يا ربي..
    وبعد عدة دقائق.. فتح أخي الباب..
    - ماذا هناك؟ خيراً إن شاء الله؟!
    لم أعرف ماذا أقول.. هل أتصنع وأذكر أسباباً واهية أم أواجهه بالحقيقة..
    - لا شيء.. غداً أخبركم بما حصل..
    سكت أخي وهو مستغرب بينما مضيت لغرفتي أسحب حقيبتي.. وشيئاً من فتات نفسي المحطمة.. التفتُّ إليه..
    - ششش!.. أرجوك لا توقظ أمي ولا أبي..
    ودخلت غرفتي وأنا منهكة تماماً.. منهكة من الألم والخيبة..
    نظرت إليها.. لأول مرة أرى غرفتي دافئة وآمنة بهذا الشكل..
    كانت مرتبة نظيفة وكأنها تنتظرني لتحضنني..
    أحكمت قفل الباب..
    ورميت نفسي على سريري لأرتاح.. ولحظتها شعرت أني أدخل دوامة كبيرة..
    كنت غير مصدقة لما حصل..
    كانت الكلمة تتردد في ذهني كصدى من حلم مخيف وتدور بي بشدة.. (أنت طالق.. طالق..)..
    حاولت أن أسترجع الأحداث لكنها كانت لا تصدق.. وكأنها مقطع من فيلم كرتوني خيالي.. لا يمكن..! قبل ثلاثة أشهر فقط.. كنت هنا.. الابنة المدللة.. نعم.. طفلة والديها.. لديها ألعاب وكراسة رسم وألوان كثيرة..
    لمحت دفاتري الصغيرة على الرف ومذكراتي هنا وهناك.. وهذه الألعاب والتحف اللطيفة.. لا زالت موجودة..
    كنت مجرد فتاة صغيرة بريئة.. لا تعرف عن عالم الكبار أشياء كثيرة..
    والآن.. ماذا حدث؟ هل يمكن.. أنا مطلقة..؟! هكذا؟!
    شعرت بألم في صدري.. في قلبي تماماً حين تخيلت الصدمة.. آآآآه.. كم هي مؤلمة..
    أحتاج من أبكي بين يديه.. وأبكي وأبكي..
    دفنت رأسي في وسادتي وبكيت حتى شعرت أن جسمي كله يرتعش من الألم..
    وبعد أن ارتويت من الدموع.. بدأت أفكر بما آلمني أكثر..
    كيف أواجه أهلي.. ماذا أقول لهم.. كيف أشرح لهم ما حصل وكيف صبرت عليه وعلى تصرفاته الطائشة منذ أول يوم؟.. كيف سأواجه نظرات الآخرين وفضولهم؟.. زميلاتي في الجامعة.. إنهن يعتقدن أني سعيدة تماماً في حياتي فكيف أخبرهن..
    كيف أخبر أعمامي وخالاتي.. كيف أواجههم؟ بل كيف أواجه بنات أعمامي وأخوالي؟
    يا ربي ثبتني.. يا رب..
    لم أشعر بالحاجة الماسة لمن يحتويني ويمسح على رأسي بحنان كما احتجته ليلتها.. لمن أشكو؟ لمن ألجأ؟
    بكيت طويلاً لكني وجدت أن البكاء يزيد ألمي ولا يخففه.. ففي كل نوبة بكاء طويلة كنت أشعر بآلامي تتجدد وجروحي تنزف أكثر.. وتظهر المزيد من المواقف المؤلمة أمام عيني.. لكني لم أكن أستطيع التوقف..
    بكيت على حالي والذل الذي عانيته لأحافظ على زواجي.. وعلى حال أهلي الذين يترقبون السعادة في وجهي.. بكيت على طفولتي وحياتي التي تغيرت تماماً.. بكيت على الثمن الذي دفعته من شبابي وعمري.. وبكيت على الخناجر المسمومة التي غرسها النذل في قلبي الطاهر المحب.. وعلى كبريائي الذي أهنته من أجله كثيراً..
    وكلما شعرت بالأسف على نفسي أكثر كلما بكيت أكثر..
    ولوهلة تمنيت الموت..
    نعم.. إنه أفضل حل للتخلص من هذا الموقف المؤلم..
    تمنيت لو أموت لحظتها فأرتاح من هذا الهم.. وأريح أهلي.. ولعلي أغرس في قلبه بعض الألم فيشعر أنه السبب في موتي من شدة الحزن والقهر.. ويشعر أهله أيضاً بفداحة تعاملهم القاسي معي..
    تحمست لهذه الفكرة..
    وقررت أن أتوجه الآن لمصلاي وأدعو الله من كل قلبي أن يأخذ روحي الليلة..
    اتجهت لحمامي في هدوء وتوضأت..
    وحين عدت لغرفتي لمحت شبحاً في مرآتي.. نظرت إليه.. يا إلهي!! ما هذا.. إنها أنا!!
    كان وجهي محمراً ومتورماً بشدة من البكاء.. عيناي حمراوان كالدم.. وحاجباي مرتفعان وغير مرتبان.. وأثر صفعته الأخيرة ترك زرقة على عظمة خدي.. شعري منكوش بشعر مخيف.. يا ربي.. أهذا أنا؟!
    كنت أشبه الشيطان وإن لم أره!
    استغفرت الله!.. ولم أعرف هل أضحك أم أبكي؟!
    أمسكت المشط وسرحت شعري وربطته..
    وشعرت بالحاجة لوضع شيء من عطر.. فتحت الدرج.. كان هناك زيت زهور اللافندر الذي أحبه.. وضعت شيئاً منه فأشعرني براحة واسترخاء.. يا سلام..
    ضحكت في سري.. هذه حصوص التي أعرفها..!
    نسيت أني كنت متوجهة لسجادتي..
    ذهبت إليها.. ارتديت ثوب صلاتي.. وحين وقفت لأصلي أخذت أفكر..
    هل أطلب من الله فعلاً أن يأخذ روحي؟!
    أليس هذا عيباً.. أن أيأس وأقنط من الحياة بهذه السرعة.. وبسبب من؟ بسبب إنسان حقير لا يستحق شعرة من شعر رأسي الجاف؟!
    سبحان الله.. لقد سمعت يوماً أن الروح ملك الله وليست ملكنا.. وعيب أن ندعو الله لأخذها وكأننا نطلب منه أن يسترد هبته وهديته سبحانه..
    لكن طالما أنا هنا وفي مصلاي.. لم لا أطلب منه سبحانه أن يثبتني ويطمئن قلبي ويوفقني لما فيه خيري.. وأن يرزقني زوجاً خيراً من ذلك الزوج..
    صليت ركعتين حاولت أن أخشع فيهما.. فشعرت بطمأنينة منعشة تروي قلبي وجوارحي وتغسل آلامي.. ما أجمل أن يشعر الإنسان أنه قريب من ربه.. أنه معه في كل مكان يسمع شكواه ويجيب دعاءه.. بقيت أناجي الله وأشكو له وأشكو من كل قلبي.. رجوته ودعوته بكل ما أريد.. وأنا هنا.. في غرفتي الصغيرة.. كنت موقنة أنه يسمعني وأنه سيجيب دعواي.. وأنه سينصرني ولو بعد حين لأني مظلومة.. فشعرت براحة.. الراحة المنبثقة من معرفتي بوجود أحد يقف معي ويساندني.. وأي أحد.. إنه الواحد الأحد.. القوي العزيز..


    كنت كطفل ضائع وجد أباه في سوق مزدحم بعد أن كاد الظلام يحل وهو لا يكف عن البكاء..
    (ولله المثل الأعلى).. كان هذا شعوري.. كنت خائفة وحيدة مرتبكة.. والآن.. كلا.. أنا مرتاحة واثقة بإذن الله..
    حين انتهيت.. نظرت حولي.. أشرطتي الدينية.. كتيباتي.. منذ متى لم أطلع عليها؟ .. منذ زواجي.. نعم..
    كم أشعر بشوق كبير لها..
    أدركت حقاً أن الإنسان كلما ابتعد عن ربه كلما شعر بالضعف والوحدة مهما بدا عكس ذلك.. وكلما اقترب منه سبحانه كلما شعر بالقوة والثقة..

    في الصباح كنت متماسكة تقريباً.. رويت لأهلي كل شيء بثبات.. لم أكن خائفة كثيراً.. حاولت ألا تهزني نبرة والدي الحزينة وهو يردد (لا حول ولا قوة إلا بالله).. ولا دموع أمي وهي تسمع كيف أصف لها الضرب الذي كنت أتعرض له على يده.. تماسكت بقوة حتى لا أبكي ولا تفلت مني بعض الدموع.. وحين انتهيت ضغطت على نفسي لأبتسم وأنا أقنعهم أن هذا قدر الله المكتوب لي والحمد لله أني خرجت من التجربة دون حمل وأنه طلقني من تلقاء نفسه دون أن يتعبنا معه في المحاكم.. فالحمد لله..

    كانت التجربة قاسية جداً لي.. لكني اعتبرتها أقوى اختبار مر علي في حياتي.. وأرجو من الله أن أكون قد نجحت في اجتيازه.. فقد استطعت مواجهة زميلاتي وصديقاتي بوجه باسم راضٍ وأنا أحمد الله.. كما تحملت تصرفات أولئك اللاتي أثبتن رداءة معادنهن حين تركن صحبتي.. واستطعت مواجهة قريباتي وصد أسئلتهن الفضولية بكل صرامة وأدب في نفس الوقت..
    أصبحت أهتم بمظهري وصحتي، وحتى ثقتي بنفسي لا أعرف كيف ازدادت بفضل الله..
    واستمريت أحصد النجاح في حياتي ودراستي ولله الحمد.. والآن ها أنا ذا معيدة في كليتي.. وأحضر للدراسات العليا.. محبوبة من كل من حولي ولله الحمد.. والأهم أني محافظة على علاقتي بربي دائماً بإذن الله.. لأني أعرف يقيناً أنه هو مصدر قوتي وثباتي.. وسر سعادتي..

    ------------------

    نعم ..
    مطلقة أنا !

    قلت لي محدثتي بعد أن رأتني أضحك وأمازحها: (أو تبتسمين في يوم طلاقك؟!) مستنكرة عليَّ ذلك الجرم.. الابتسام.. فإليها وإلى كل من حار هذا السؤال في دواخلها.. أقول:

    وتسألني محدثتي.. وفي قسماتها لحن
    الدياجي..
    وبريق سيف منصرم..
    ما كل ذاك الابتسام؟! وكل ذاك الحسن؟ والثوب الجزل؟!
    عجبي يبدد وحشتي..!
    وكأنك في يوم عرس!!
    أو تضحكين بملء فيك.!
    وتقفزين بلا وجل؟!..
    فأجبتها:
    هوناً عليك حبيبتي.. أتريدني بسواد ثوب أنكفئ في حجرتي؟
    بتأوه.. وبأدمع.. أبكي القضاء.. وأقول في أنشودة:
    (سأموت قهراً لا محالة)!
    هذي مراسيم الشقاء وحشرجاته..
    وهذه أدمعي؟!
    أنا يا ابنة الأنثى كيان ماثل..
    لا يبتغي التجريح والتلميح والرمي..
    ما ساقني للجرح حب تسلط..
    ولا رغبة في حب ذل تعتلي..
    لما رأيت الحسن فارق مهجتي.. ولوحت لي ببسمتي..
    مع الغروب سنلتقي...!
    آثرتها وبقيت دهراً أرتقب في وحدتي.. أين الغروب؟!..
    وأين معه بسمتي؟!
    مرَّ الفراق يشوبه عندي أغاريد الربيع.. لينثني سم الأعاصير من دمي..
    نعم معذبتي..
    مطلقة أنا.. ولي من العمر.. عشرون عاماً.. ما أجملي!!
    أقولها بكل فخر.. وابتغي في كربها بركات ربي!
    لأنني أنا الأنثى..
    أنا المثلى... رغم الأعاصير العجاف..
    لا أنحني..
    سأظل أرقب من بعيد.. إشراق فجري من جديد..
    وأقول في مقطوعة:
    رغم الألم.. يبقى الأمل..
    يزهر أفانين المقل..
    ويقيم للأحلام عمراً.. مشرقاً لا ينتهي..
    نعم.. مطلقة أنا..
    وسأبتسم..

    إيمان الفهيد

    **
    مجلة حياة العدد (56) ذو الحجة 1425هـ






    - 25 -

    لأني أحبك أنت



    إلى طالبة غالية
    أحبها جدا في الله..
    أرجو الدعاء لها بالثبات..


    (كلنا سنحاسب عن أعمالنا.. أعمالنا فقط.. لا أحد سيغني عنك أو يساعدك يومها.. لا أمك.. ولا أبوك.. ولا صديقتك.. الكل سيهرب منك.. تخيلي.. كلهم سيتركونك ويفرون منك!! أحب الناس إليك سيتركونك ويهربون..
    ولن ينفعك سوى عملك الصالح فقط.. عملك أنت..)..


    * * *

    كنت أستمع لأبلة حصة معلمة التفسير وهي تشرح لنا بطريقتها المبدعة قوله تعالى: (يوم يفر المرء من أخيه. وأمه وأبيه. وصاحبته وبنيه. وفصيلته التي تؤويه) وأنا متأثرة بشدة حتى كادت الدموع تنساب من عيني..
    فقد كنت أفكر في نفسي وحالي..
    أشعر أن الآية تخاطبني أنا.. نعم..
    إنني أجاملهم.. أسايرهم.. أو أخاف منهم.. أخجل كثيراً من تعليقاتهم..
    رغم أنهم لن ينفعوني في ذلك اليوم العظيم..
    إنهم يحيطون بي.. وهم أقرب الناس إلي..
    أبحث جاهدة عمن يساندني.. يعينني.. يثبتني.. لكن دون جدوى..
    بل على العكس تماماً.. يسحبوني بشدة نحو عالمهم.. يقنعوني.. يضغطون علي..
    فأضعف.. وأتراجع.. والألم يقتلني..
    لكن هذه المرة سأتخذ قراراً بإذن الله..

    * * *

    حين أنظر لصوري مع أمي في الصغر.. أجد طفلة لا تحتوي شيئاً مني..
    خصلات شقراء ناعمة مرتبة بتسريحة متقنة جداً.. معطف غاية في الأناقة من الفرو.. وضحكة تبدو ممتعة..
    في معظم الصور لم تكن أمي تتركني على الأرض.. كانت دائماً تحملني رغم أن عمري تجاوز الخمس سنوات..
    تحملني على كتفها.. تحضنني.. تقبلني.. تداعبني.. أنظر في ملامحها.. فأشعر بغصة..
    دائماً تنظر إلي.. تنتظر مني أية كلمة أو ابتسامة لتفرح بها..
    كم أحتاجها.. وأحتاج حبها وحنانها..
    لكن شيئاً ما في داخلي.. يرفضها.. يبغضها على استحياء لأنها تركتني ولم تقاوم كثيراً من أجلي..
    لماذا يا أمي؟ لماذا تركتيني بسهولة؟ لم نسيتيني كل هذه السنوات؟ ولم تسألي عني وتركتيني أكبر وأتجاوز أقسى سنوات الطفولة وأكثرها ألماً بعيداً عنك؟

    * * *

    تناديني ماما نجوى من بعيد..
    جوجو.. هيا.. العشاء ينتظرك..
    لا أعرف لماذا شعرت فجأة بالنفور من صوتها!!..
    أصبحت – لا أعرف كيف- أنفر منها بعد أن عشت معها سنوات طويلة..
    أشعر أنهم كلهم يخنقونني.. يقتلون شخصيتي.. يفرضون علي حياة لا أريدها ولا أحبها..
    سرت بتثاقل نحو طاولة الطعام..
    لينا وتالا –ابنتاها- سبقتاني للمائدة..
    نظرت إليهما.. يرتديان نفس ملابسهما التي تعودا عليها في البيت.. شورت وقميص بلا أكمام..
    كل شيء يبدو عادياً للجميع..
    أبي الهاديء دائماً يجلس بصمت..
    لم أشعر برغبة في تناول الطعام.. أخذت أنظر لهم جميعاً دون أن يشعروا.. أنظر بتفحص..
    ماما نجوى تبدو فعلاً كامرأة غريبة.. ملابسها.. شعرها المصبوغ.. كلامها.. والأدهى عاداتها وأفكارها..
    تالا..!
    ....
    تالا!! ألا تسمعين؟! كم مرة ينبغي أن أخبرك أن تغلقي الـ Headphone أثناء تناول الطعام؟
    ترد تالا بالانجليزية..
    أوه ماما.. أرجوك.. إنها تشعرني بالسعادة.. ماذا يضر أن أسمع أثناء الأكل؟
    يضر أنك لا تسمعيننا ولا تشاركيننا الحديث.. نريدك معنا يا تالا..
    أوف!.. هاه..
    وألقت سماعات جهاز التسجيل الموصلة بأذنيها على الطاولة بغضب وقلة احترام..
    شعرت بغربة حقيقية في هذه البيئة.. لكني ابتلعت ألمي على مضض.. فكل شيء سيسير هكذا شئت أم أبيت..

    * * *

    تزوج أبي أولاً بامرأة حين كان عمري ست سنوات.. لكنها لم تبقَ معنا سوى سنتين فقط..
    كانت ترفض أن تبقى معي حين أخاف وأحتاجها في الليل.. وذات مرة ضربتني حين بللت سريري بعد ليلة كانت فيها حرارتي مرتفعة.. فغضب عليها أبي كثيراً.. وبعدها تركت البيت ولم أرها بعد ذلك..
    وبعد سنتين تزوج أبي بماما نجوى..
    وهي إنسانة طيبة.. ولديها ابنتان في سني تقريباً.. لكنها غريبة جداً..
    فهي متحررة تماماً.. لباسها.. حديثها.. أفكارها.. كل شيء..
    متحررة حد الانسلاخ من هويتها.. دينها.. أعرافها..
    لكني لم أكن أكرهها.. ولا أحبها..
    لا أكرهها لأنها لم تؤذني يوماً.. ولم تجرحني أو تقصّر قي معاملتي..
    ولا أحبها لأني لا أشعر بأي حب لها، ولا لأسلوبها كله في الحياة.. كنت أشعر بالغربة معها..
    أما ابنتاها فقد كانت علاقتي بهما سطحية جداً.. لم أكن أحب مشاركتهما احتفالات أعياد ميلادهما.. ولا أحاديثهما التافهة حول (أصدقائهما) في الإنترنت.. ولا سباقهما المحموم لجمع صور ريكي مارتن وتعليقها على جدران غرفتهما..
    ورغم أن أمي (أجنبية).. إلا أني لا أتحدث بالانجليزية قدرهما في البيت.. ولا أشعر بانتماء لتلك الثقافة قدر ما يشعران به. وأحياناً أرحمهما.. لأنهما أبعد ما يكونان عن سعادة الروح الحقة..

    * * *

    لم يكن أبي أبداً جزءاً هاماً من حياتي.. وهو خارج الصورة دائماً..
    إنه إنسان طيب وهادئ.. ولا يمكن أن يؤذي نملة.. لكنه مشغول دائماً..
    لا يتكلم إلا نادراً.. ولا يهتم بأي شيء في المنزل.. لا يهتم أبداً..
    أحس أنه يرحمني ويعطف علي.. لكني لم أشعر يوماً بحبه..
    وتنتابني أحياناً فكرة أنه يعتبرني من أخطاء حياته التي يكفر عنها..
    إنني مثل ورم صغير مؤلم في حياته.. أشعره بالألم كلما نظر إلى عيني.. فيبتعد عن مواجهتي..

    * * *

    أشد.. أشد ما يمكن أن يمر على الإنسان من لحظات ألم.. هي تلك التي يمر بها وهو يعلم أن لا أحد ممن حوله .. لا أحد تماماً.. يحس به أو يسانده فيها..
    وأشدها على الإطلاق.. التي يشعر فيها أنه لا يعرف إلى أين يهرب من هؤلاء الأقرب إليه..
    لا أستطيع أبداً أن أصف شعوري..
    كلا.. لا أستطيع.. أن أصف كيف يمكن أن تستلقي في سريرك.. تبحثين عمن يمكن أن يسندك بكلمة.. فلا تجدين سوى الجدران الصماء.. وبرد الوحدة الأليم ينهش قلبك..
    لا أب.. لا أم.. لا أحد حولك يدفعك نحو الخير.. أو حتى يساعدك عليه..
    أفكر..
    كيف.. كيف أستطيع أن أستمر في ارتداء عباءتي المحتشمة رغم غمزاتهم وضحكاتهم؟ كيف أرفض الجلوس معهم أمام قنوات الأغاني التي يفضلنها؟ كيف أرفض أن أجلس سافرة مع أخوالهم وأبناء أخوالهم؟
    من أين لي بالثبات يا ربي؟
    أبكي.. أريد أمي..
    كلا.. أمي لن تنفعني..
    أريد.. أريد عونك يا ربي.. يا حبيبي..
    لأجلك أنت فقط.. لأني أحبك أنت سأقاوم..
    ولأجل رضاك سأتألم..
    لأني أعلم أنني على حق.. وهم على باطل.. وهم جميعاً لن ينفعوني يوم الفزع الأكبر..
    فألهمني الثبات..
    أقوم لأصلي الفجر.. أحاول أن أحصل على لحظة سكينة وخشوع..
    وأدعو الله أن يثبت قلبي.. وأن يهديهم جميعاً.. رغم صوت موسيقى الروك القادمة من غرفة تالا..


    **
    مجلة حياة العدد (57) محرم 1426هـ







    - 26 -

    وجه يلسع .. وورقة اختبار






    - خلاص يا بنات؟.. غداً الاختبار.. ادرسوا جيداً.. من لا تحصل على درجة عالية الآن لن تستطيع الحصول على معدل جيد فيما بعد.. عشرون درجة على هذا الاختبار.. انتبهوا!!

    بعد هذه التهديدات المرعبة من أبله حصة.. شعرت بقشعريرة تسري في جسدي وخوف بارد يشل أطرافي.. حتى معدتي انقبضت بقوة..
    كم أكره الاختبارات.. كم أكرهها..
    حين عدت للبيت.. كنت أشعر باكتئاب وضيق شديد..
    توجهت نحو سريري بسرعة واستلقيت عليه قبل حتى أن أخلع عباءتي..
    دفنت رأسي في الوسادة وأنا أكاد أبكي..
    أريد أن أهرب..
    بكل صدق.. أريد أن أهرب.. واختبئ بعيداً عن الاختبارات وما يتصل بها..
    لا أريد أن أختبر.. لا أريد الخوف.. لا أريد قلق انتظار النتيجة..
    كنت أشعر بالغثيان حين دخلت والدتي تدعوني للغداء.. لكن هذا كان آخر ما أفكر فيه..
    - لا أريد شيئاً أرجوك يا أمي..
    نظرت إلي أمي بحزن فقد عرفت أن هناك اختباراً في الأجواء..
    - لا يصح هذا يا بنيتي.. إلى متى تشعرين بالرعب والخوف من الاختبارات.. لقد كبرت..
    ليس هناك من يفهمني..
    بكيت كثيراً وأنا أقول لهم.. أن خوفي من الاختبارات أمر خارج عن يدي.. شيء لا دخل لي فيه.. مرض قاتل أدعو الله أن يشفيني منه.. لكنهم يعتقدون أني أتحكم بحالتي ونفسيتي..
    - أمي.. أرجوك.. أرجوك.. أريد أن أبقى لوحدي..
    تنهدت أمي وأغلقت الباب ثم خرجت..


    * * *

    تعود بي ذاكرة سرابية لمشهد قديم تفوح منه رائحة الطباشير..
    فصل صغير.. مقاعد متراصة.. طاولات مهترئة امتلأت بالرسومات وببعض قطع العلكة المتيبسة..
    - يا الله يا بنات.. نتائج الاختبار..
    تصرخ أبله منيرة بحدة على هذه الكائنات الغضة التي خرجت للتو من أحضان أمهاتها..
    ثم تبدأ في سرد الدرجات مع التعليقات المناسبة
    - في نظرها..
    - ندى عبد المحسن..
    وتنظر إلي نظرات أقرب ما تكون لنظرات النمر حين يلمح فريسته ويراقبها.. هكذا أتذكر.. ثم تهز فجأة رأسها باستهزاء..
    - يا سلام يا ندى.. يا سلام على الدرجة الحلوة..
    - تعالي هنا يا ندى..
    من شدة خوفي منها مكثت في مكاني.. لم أملك القدرة على التحرك..
    فزأرت بقوة..
    - أقول تعالي ما تسمعين.. يا (حيوا..)..
    كنت أرتعش وأنا أقوم من مكاني.. وكأني أتجه لمصيري المحتوم..
    أوقفتني قرب السبورة أمام التلميذات وهن ما بين المتهامسات والضاحكات أو الخائفات من مصير مشابه لمصيري..
    في تلك اللحظة أتذكر أني كنت أريد أمي.. أريدها بأية وسيلة.. أريد أن أهرب من الفصل إليها..
    أخرجت المعلمة معي ثلاث طالبات.. ثم أخذتنا أمامها كالخراف الصغيرة نحو العقاب..
    وكان العقاب.. هو..
    أن تدور بنا على كل فصول المدرسة.. لتريهم أكسل ثلاث طالبات في اختبار الإملاء..
    كان مشهداً مخزياً.. ونحن ندور منكسي الرؤوس خلفها وهي تشرح لكل فصل خيبتنا وفشلنا وتستهزئ بنا..
    مرت على فصل بنات جيراننا.. وعلى فصل ابنة خالتي مشاعل.. وعلى فصل معلمتي الحبيبة نورة.. وكنت في كل مرة أشعر بخجل عظيم يكاد يذيبني.. لكني لا أستطيع الفرار أو الهرب..
    كانت دموعي تنساب بخجل على وجهي المحمر.. وأنا أشهق بصمت.. وحزام مريولي يسحب خلفي.. وفجأة شعرت بالحاجة للذهاب للحمام..
    قلت ذلك بخوف لأبله منيرة.. لكنها غضبت ورفضت.. كانت تعتقد أني أريد الهرب من مواجهة بقية الفصول..
    تحملت قليلاً.. رغم السير الطويل في المدرسة والصعود بالدرج ثم النزول منه.. لكن.. صغر سني.. لم يساعدني أن أتحمل أكثر..
    بكيت.. أرجوك معلمة منيرة.. أرجوك.. أريد الحمام..
    لكنها رفضت وهي تسحبني بقوة من يدي..
    وفي لحظة لا أنساها.. لم أستطع التماسك فيها أكثر..
    وأحسست بنفسي فيها صغيرة جداً.. ومهانة لأقصى حد.. ومحتاجة لأمي أكثر من أي وقت آخر..
    أحسست بالخجل يبلل ملابسي..
    ثم.. لا أتذكر سوى الصراخ.. و.. أني كنت أريد أن أهرب..

    * * *

    أشعر بعطف شديد على تلك الطفلة البريئة التي لم تتجاوز السابعة..
    التي تعتد بنفسها وبترتيب مريولها وبعطرها الطفولي كل صباح.. وتحرص على تسريحة مرتبة أمام زميلاتها..
    أشفقت عليها بصدق من ذلك اليوم الذي غرقت فيها في أوحال الإهانة وتحطيم الذات أمام الجميع.. جميع من كانت تحبهم وتسعى لأن تكون الأفضل أمامهم..

    قبل كل اختبار.. أصبحت أشعر بخوف برائحة الطباشير وطعم الدموع.. وأسمع أصوات صراخ من بعيد..
    رعب قاتل يخنقني.. لا أعرف كيف أهرب منه.. ولا إلى أين..
    ويزيد طيني بلة.. كلام أمي وأبي عن طموحهما بي..
    تتباهى أمي أمام زوجة خالي..
    - ندى.. ستدخل الطب بإذن الله..
    - ما شاء الله..
    - نعم.. وستصبح أول دكتورة في العائلة..
    - لكن يا أمي..
    أقاطعها بخجل..
    - لكن ماذا؟
    - المشكلة أن الطب يحتاج لمعدل عال جداً.. لا تتخيلي صعوبة ذلك..
    - وما العائق أمامك.. أنت متفوقة ما شاء الله.. متفوقة جداً وذكية.. هل اللاتي دخلن الطب أفضل منك..
    أبلع كلماتي بألم فمن المعيب أن نتناقش في ذلك أمام الحاضرات..
    وتقطع أمي الحوار لتقول بثقة وصرامة..
    - إنها ذكية.. لكنها تستحي أن تمدح نفسها..!
    ويسكت الجميع.. وأنا أشعر بالحمل على عاتقي يزداد.. والهم في قلبي يكبر.. والخوف يخنقني أكثر فأكثر..

    * * *

    قبل الاختبارات النهائية أصبت بمغص شديد.. قيء.. فقدان شهية.. حرارة وهذيان.. كنت أبكي طوال الليل والنهار..
    لم يبق أحد من أقاربي لم يتصل ويمنحني شيئاً من توجيهٍ ولوم كنت أشعر أنه يزيد مرضي ويثير غثياني أكثر..
    كنت أشعر بأني كالغريقة.. في لجة لا قاع لها..
    أريد أن أهرب.. أريد أن أبتعد عن الاختبار.. وعن رعبه المميت..
    لكن.. حتى.. لو.. لو.. تركت الدراسة.. وقررت عدم الاختبار..
    فإن الأمر الآخر الذي أغرق فيه ولا أستطيع الهروب منه.. هو طموح أهلي الذي أثقل ظهري وملأ قلبي هماً..
    كيف أهرب من نظراتهم.. ومن طموحهم بي الذي سيتحطم تماماً..
    تقول أمي أن أبي يفتخر كثيراً بي وبتفوقي – المزعوم- أمام زملائه.. وسيزداد فخراً إذا استطعت دخول كلية الطب.. وتقول.. أن علي أن أنجح بتفوق لكي ترفع رأسها أمام قريباتها..
    - ستعرف موضي أن ابنتها ليست الأفضل لأنها دخلت الحاسب.. فأنتِ ستدخلين الطب بإذن الله!

    وحتى في أقصى حالات مرضي وانهياري قبل الاختبار الأول بيوم واحد.. لم ترحمني أمي..
    فبينما كنت في المستشفى وأنبوب المغذي يدفع شيئاً من الطاقة في جسمي المنهك الخائر..
    اقتربت الطبيبة الشابة ومسحت على رأسي بعطف..
    (لماذا يا حبيبتي كل هذا الخوف من الاختبار؟ لماذا هذا الاهتمام؟
    فلتحصلي على نسبة منخفضة!! نعم.. ماذا في ذلك؟ النجاح يكمن في داخلك أنت.. وليس مرتبطاً بأرقام المعدل..
    لتحصلي على أقل نسبة وحتى لو لم تدخلي أي كلية.. فماذا في ذلك؟ كل هذا لأجل درجات الدنيا؟
    إن الأهم يا حلوتي هو درجات الآخرة .. وليست درجات هذه الدنيا الفانية)
    كان كلامها مريحاً وكأنه دواء مسكن لنفسي الملتهبة.. لكن قبل أن تبدأ علامات السكينة والراحة بالظهور على وجهي قلبت أمي وجهها وقالت وهي تنظر للطبيبة بعتاب وضيق..
    (لا داعي لهذا الكلام يا دكتورة.. فهي ذكية ومتفوقة وإن شاء الله تستطيع بقليل من الإرادة أن تحصل على أعلى النسب.. وتصبح طبيبة مثلك.. هي فقط مصابة بالعين حماها الله)
    تحطمت آمالي بأن يقتنع والداي بمحدودية قدراتي.. وبأني إنسان.. ضعيف.. له قدرات محدودة مهما فعل..
    ودخلت الاختبار..
    لكني خرجت من المدرسة بعد يومين إلى المستشفى مباشرة..
    حيث مكثت أسبوعين أعالج من انهيار عصبي حاد.. لا زالت آثاره معي حتى اليوم..
    ولازلت أشتم رائحة الطباشير.. وأشعر ببلل الخجل..
    ووجها أمي وأبي يلسعانني بسياط الألم..


    **
    مجلة حياة العدد (58) صفر 1426هـ




    - 27 -

    شيء يشرق..





    حملقت أمي بي وصرخت بقوة..

    - بنت!! ألا تستحين؟ قومي.. بسرعة!.. ساعدي البنات في وضع العشاء..
    شعرت بماء ساخن يصب على رأسي خاصة وأننا أمام زوجات أخوالي وخالاتي كما أن هناك بعض القريبات الأبعد..
    قمت بسرعة وأنا أتعثر بطرف تنورتي من شدة الارتباك..
    أسرعت للمطبخ وأنا أرتعش من شدة حرجي محاولة أن أخفي مشاعر كثيرة تتضارب داخلي..
    كان المطبخ مزدحماً بالخادمات وببنات خالاتي..
    أخذت أتساءل عما يمكن أن أفعله.. لكن أحداً لم يجبني..
    تناولت طبق (السليق) الكبير من إحدى الخادمات لأحمله نحو السفرة..
    كنت أجري بسرعة لأضعه على السفرة حين.. لا أعرف كيف – انزلقت قدمي.. و.. هووووب..
    وجدت نفسي على الأرض.. وقد طار الصحن ليسقط على الأرضية عن يميني.. واندلق (السليق) على الأرض وتناثر في كل مكان..
    تمنيت في تلك اللحظة أن تنشق الأرض وتبتلعني..
    تعالى صراخ أمي..
    - وجع!.. وجع! .. الله يفشلك يا (الرفلة)!
    كانت قدمي ملتفة وتؤلمني بشدة.. لكني تظاهرت بالابتسام وعرقي يتصبب.. وضغطت على نفسي بشدة لأقوم بسرعة رغم الألم الشديد وأقفز نحو المطبخ..
    أحضرت المنشفة وبدأت أمسح وأنا في قمة الحرج.. بينما أطراف ملابسي متسخة بما تناثر عليها من طعام..
    كان كل من في الغرفة ينظر إلي بشيء من شفقة..
    أخيراً مسحت خالتي على ظهري بحنان.. وقالت..
    - لا بأس يا حبيبتي اتركي الخادمة لتكمل عنك.. أهم شيء أنه لم ينسكب عليك أو يحرقك ولله الحمد..
    سحبتني من يدي.. وأنا أرتعش من شدة الحرج..

    × × ×

    في طفولتي.. كنت أنظر طويلاً لخالتي.. وكيف تعامل بناتها بحنان وحب..
    كنت أستلذ بإحضار أي شيء لها فقط لكي أسمع منها كلمة (حبيبتي).. يا سلاااام ما أجملها.. كنت أنتشي للحظات حين أسمعها غير مصدقة.. وكثيراً ما دعوت الله أن أصبح ابنتها بأية طريقة..
    وحين كنت متأثرة بقصص أفلام الكرتون في طفولتي- مثل (ريمي) و(بشّار) وغيره- كنت أعتقد أنه سيأتي اليوم الذي أكتشف فيه أن أمي ليست أمي الحقيقية بل هي خالتي الحنونة أو أم حبيبة أخرى لا زالت تبحث عني!!..
    كنت أعامل نفسي كغريبة يتيمة تعيش في هذا البيت.. فلا أحد يهتم بي أو يقول لي كلمة طيبة واحدة.. الكل يصرخ علي.. والكل يعاملني بدونية وبقسوة..
    كنت أراقب تصرفات بعض الأمهات مع بناتهن فأشعر بالبون الشاسع..
    زوجة عمي كانت تستشير بناتها حتى في اختيار ملابسها هي.. وفي اختيار أثاث بيتهم.. كانت تثق بهن.. وتمنحهن امتيازات نادراً ما أحظى بجزء منها.. كنت أغبطهن لأنها تعاملهن كنساء ناضجات.. وتناقشهن في شتى الأمور..
    وحين كنت أرى كيف كانت خالتي تعامل بناتها كنت أعود لغرفتي في الليل وأبدأ في البكاء..
    كانت تحنو عليهن.. وتدللهن بأجمل الألقاب.. تمدح مظهرهن.. وطبخهن.. وذوقهن.. وتتفنن في تعزيز ثقتهن في أنفسهن مقارنة بالآخرين.. وفي كل مجلس كانت تذكر بناتها بالخير..
    على العكس من أمي التي ما فتأت تنشر الأخبار عن فشلي وإهمالي مهما فعلت ومهما حاولت إرضاءها.. لقد حطمت ثقتي بنفسي تماماً..

    × × ×

    حين مضت الأيام والسنون.. نظرت إلى نفسي.. فوجدت أني أصبحت حطام إنسان..
    إنسانة ضعيفة الشخصية محطمة جبانة.. ترتجف كلما حادثها أحد.. ترتبك عند أبسط حوار..
    حتى شكلي لم أعد أهتم به.. فكلما قمت بتعديل شكلي حسب ما أراه مناسباً.. كانت أمي لي بالمرصاد فهذا لا يناسبك.. وكان من الأفضل لو قمت بذاك.. البسي مثل ابنة فلان.. ومشطي شعرك مثل فلانة..
    كنت أتمنى لو أمتلك الحرية لأهتم بنفسي كما أحب لكن لم أكن أستطيع.. فقد كنت أخاف انتقادها وسخريتها بي حين أقوم بأبسط تغيير..
    تزايد ضعفي وخوفي بشكل كبير.. كنت أشعر أن الجميع يحتقرني..
    حين أجيب على سؤال في المدرسة.. كانت يدي النحيلة ترتجف والعرق يتصبب من جبيني بشكل ملفت..
    لم يكونوا يعرفون أني لم أتمن يوماً لنفسي أن أكون هكذا.. لكنه شيء أقوى مني يحطمني ويضغط علي بقوة..

    × × ×

    ذات يوم.. كنت أجلس في الفسحة وحدي كالعادة.. أستند لجدار أصفر مثل وجهي الشاحب وأتناول شطيرتي.. حين مرت من بعيد معلمتي الجديدة أسماء..
    كنت أنظر إليها.. ما شاء الله.. إنها شعلة من حماس ونشاط.. هي فتاة لا تكبرني سوى بأعوام بسيطة.. لكنها تفور بالحيوية والنشاط والثقة بالنفس.. لديها خطط لتطوير المدرسة وللنهوض بأنشطتها.. كلامها ممتع ودرسها مسلٍ جداً.. في عينيها شعاع سحري .. مزيج من سعادة ومرح وقوة..
    حين أنظر لعينيها أشعر بأن شيئاً من سعادة تتسلل إلى نفسي.. تجعلني أتمنى أكثر لو لم أكن أنا.. بل شخصية أخرى..
    كانت تقفز بخفة بحذائها الرياضي حين مرت بقربي.. فمدت عنقها نحوي بطرافة وقالت بمرح.. (أهلاً يا جميلة..!)
    شعرت بصدمة.. وحرج.. من؟.. أنا؟.. جميلة؟..
    التفت حولي.. واحمر وجهي خجلاً..
    (ممكن مساعدة يا فجر؟.. إذا سمحت؟)
    كدت أطير من الفرح.. مساعدة؟ بالتأكيد.. على الأقل ستكون أمتع من الجلوس وحدي على الأرض المغبرة..
    قمت من مكاني بخجل.. ومضيت معها نحو المعمل.. كانت تريد مساعدتها في تنسيقه وترتيبه..
    صعدت على الكرسي وسحبت إحدى الكراتين فتطاير الغبار منه..
    (يا الله!! لا أعرف كيف مر على هذا المعمل عشرات المعلمات في مدرستكم دون أن تفكر إحداهن في ترتيبه وتنظيفه وتنسيق شكله..؟!)
    لم يكن لدي ما أستطيع به تبادل الحوار معها..
    فسكت بخجل..
    أخذت تنزل المزيد من الكراتين وأنا أتناولها منها..
    (الترتيب مهم جداً.. لا أستطيع أن أعمل إذا لم تكن غرفتي مرتبة.. كل إنسان يحتاج لترتيب أشيائه ما بين فترة وأخرى..)
    أمسكت فوطة مبللة وبدأت تمسح الأرفف..
    (بل.. يحتاج.. حتى لإعادة ترتيب نفسه ما بين فترة وأخرى.. أليس كذلك؟)
    أشارت بيدها لأناولها منظف الزجاج..
    (أليس كذلك؟)
    ارتبكت وقلت.. (م.. ماذا؟)
    (أليس كل إنسان بحاجة لإعادة ترتيب نفسه ما بين فترة وأخرى؟)
    (ما الذي تقصدينه يا أستاذة؟)
    (ألا تعتقدين أن كل منا بحاجة لأن ينفض الغبار عن نفسه ما بين فترة وأخرى يعيد بناء شخصيته وصقل أفكاره؟)
    احمر وجهي قليلاً.. وقلت مختصرة عليها الطريق.. (لا أستطيع..!)
    استمرت في التنظيف بنشاط، وقالت بهدوء وببساطة (لماذا؟)..
    (لو كانت ظروفك مثل ظروفي لقدرتني)..

    أخذت تعيد الكراتين لمكانها بترتيب وتناسق.. ثم جلست وقد أنهكها التعب.. ونظرت إلي بقوة.. وقالت..
    (تعتقدين أني ولدت وفي فمي ملعقة من ذهب؟.. أو أنني كنت سعيدة في أسرة دافئة؟.. كلا.. إذا كنت تعقدين ذلك فأنت مخطئة!!..
    انظري إلي.. لا تكوني ضعيفة وترمي السبب على الآخرين مثل أسرتك وبيئتك..
    أنت تستطيعين أن تكوني قوية إذا أردت ذلك..
    القوة.. هي شعار المؤمن ورمزه.. القوة التي أقصدها هي العزة.. والمؤمن دوماً مميز بعزته..
    لا أحد يستطيع أن يحطمك أو يضعفك إذا اعتقدت أنك قوية بإذن الله وتوكلت على الله..
    كوني قوية.. ولا تستسلمي لإغراء الضعف..
    لا أحد سيأتي ويجعلك قوية.. أنت فقط من تستطيعين ذلك بإذن الله..)

    قلت بتأثر.. (أمي.. إنها أمي يا أستاذة.. إنها تحطمني.. صدقيني.. أنت لا تعرفين..)

    ردت بثقة وسرعة..
    (مهما كانت شخصية أمك قاسية.. فهذا ليس سبباً للاستسلام.. إنها أمك أولاً وأخيراً.. عليك برها وإرضاؤها وتليين جانبك لها والصبر عليها.. لكن في نفس الوقت.. لا تجعلي قسوتها سبباً لتحطيمك.. كوني أقوى واصمدي وإلا لن تستطيعي العيش طويلاً في هذا العالم القاسي!!
    وتذكري دوماً أن ما لا يقتلني.. يتركني أقوى..
    كل الآلام والجروح تستطيعين ترويضها وجعلها دافعاً لقوتك وتحملك بإذن الله)..

    كنت أسمع كلامها بتأثر عجيب وأنا أخفي دموعي بالنظر للأرض..

    (فجر.. انظري إلي.. لا تنظري للأرض..!
    فجر!.. أنت إنسانة رائعة فيك الكثير من الصفات الطيبة.. لكنك تدفنين كل ذلك باستسلامك للضعف والخوف والانطواء!)

    رن صوت الجرس معلناً انتهاء الفسحة، فبدأت ترتب ما بقي وتجمع الأدوات بسرعة وهي تقول..
    (حسناً سأقول لك شيئاً..
    إذا كنت تعتقدين أن الأقوياء هم من لم يمروا بظروف قاسية.. فأنا عشت بين أبوين منفصلين.. عشت متنقلة ما بين بيت أبي وجدتي.. هل جربت يوماً شعور ألا تكوني مستقرة في بيت واحد؟
    أنا عشت هكذا.. ولن أذكر المزيد من التفاصيل الحزينة.. ويكفي أن تعلمي أني حرمت من رؤية أمي خمسة عشر عاماً.. بل هي التي لم تكن ترغب برؤيتي أصلاً!!..
    لكن فقط.. أنا .. لم أرد أن أكون ضعيفة.. لقد قررت أن أصبح قوية ودعوت الله أن أكون كذلك لأساعد غيري)

    خرجت معها من المعمل وأنا منبهرة تماماً.. قالت بمرحها المعتاد..
    (سنعود لترتيبه مرة أخرى قريباً.. لا بد من إعادة الترتيب ما بين فترة وأخرى.. أليس كذلك)

    ابتسمت لها موافقة.. وفي أعماقي شيء رائع يشرق..


    **
    مجلة حياة العدد (59) ربيع أول 1426هـ





    - 28 -
    ورأيت وجهها الآخر ..


    أناس كثر نراهم في هذه الحياة..
    لا نرى سوى أقنعة وجوههم الجميلة..
    ثم ما نلبث أن نصدم بحقيقة قبحهم..
    وآخرون.. على العكس تماماً..
    تنضح أرواحهم الجميلة من أعينهم.. رغم الأقنعة..
    رغم الألم..

    * * *

    كان يوماً عادياً من أيام دراستي في المعهد..
    حين رأيتها تدخل علينا على استحياء في القاعة..
    - عفواً أستاذة لمياء.. أنا الطالبة الجديدة في هذه الدورة.. أروى عبد الله.. هل يمكنني الدخول؟
    نظر إليها الجميع باستغراب..
    الطالبات.. المدرسة.. الكل يتفرس في وجهها الغريب..
    لكن كان من الواضح.. أنها كانت مستعدة لهكذا
    نظرات..
    ابتلعت المعلمة ريقها بصعوبة وقالت هي تحاول أن تتماسك وتخفي نظرة استغرابها أو تخوفها المفاجئ..
    - حسناً.. تفضلي يا أروى..
    بقينا ننظر بغباء وكأننا نريد أن نشفي غليلنا من شيء ما.. نتفرس في الوجه المشوه الغريب..
    كانت تسير بهدوء وثقة.. بينما أخذت الفتيات يبتعدن بكراسيهن المتحركة عن طريقها.. وكأنهن يشعرن بشيء من خوف أو ريبة من هذه الإنسانة المسكينة..
    وقفت تبحث عن مكان تجلس فيه..
    كانت معظم الأماكن مليئة.. لا يوجد سوى مقعدين فارغين فقط..
    حين اقتربت من شيماء لتجلس قربها.. قالت بسرعة.. وعلى وجهها ملامح غريبة تجمع الشعور بالتقزز مع الشفقة مع الخوف مع أشياء أخرى..
    - هذا الجهاز معطل.!
    كنا نعلم أن الجهاز يعمل.. لكننا سكتنا..
    علمت أنها شعرت بأنها غير مرحب بها..
    شعرت بنسمة إنسانية تمر على قلبي.. ضغطت على نفسي ودعوتها لتجلس قربي..
    - هذا المكان فارغ.. تفضلي..
    أتت بهدوء.. وحين اقتربت.. شعرت أكثر بمدى غرابة وجهها..
    لكني حاولت تركيز نظري على الجهاز حتى لا أنظر إليها..
    في البداية كنت حين ألتفت فجأة لأنظر إليها.. أشعر بشيء من الخوف..
    كانت بلا أنف تقريباً.. وبلا شفتين..
    وعيناها بالكاد تظهران من فتحتين صغيرتين.. مع تجعدات كثيرة على جوانب وجهها..
    وحين انتهى اليوم.. خرجت بهدوء وحدها..
    فبدأت همهمات البنات وأصواتهن الحادة..
    - يا الله.. مسكييييينة.. !
    - يا حرااام...
    لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد..
    إذ بدأ البعض بإبداء مشاعر التقزز والخوف منها..
    قالت إحداهن..
    - صراحة شكلها يخوف.. خفت منها مرة..
    - فعلاً أنا بصراحة لا أستطيع التحمل.. أنا لم أدفع مالي لحضور دورة مع هكذا أناس..!
    سبحان الله!
    قلت في نفسي.. ألهذه الدرجة نتجرد من إنسانيتنا
    أحياناً..


    * * *

    كانت تحاول دائماً أن تخفي وجهها عنا فتلفت إلى أحد الجانبين..
    وكنت أحاول بدوري أن أعود نفسي على النظر إليها، حتى أتخلص من شعور الصدمة الذي يباغتني كلما التفت نحوها..
    انسحبت شذى من الدورة فهي كما تقول لم تستطع الجلوس في المكان فقد كانت تشعر (بالخوف) والرغبة في البكاء كلما نظرت إلي أروى..
    وعرفت كيف أن أقسى الناس قلوباً هم من يدعون أنهم الأكثر (رقة) وحساسية أحياناً..
    البقية لم يوضحوا أي مشاعر، لكن تصرفاتهم كانت جامدة جداً وحذرة مع المسكينة.. وأحياناً كانوا يتفرسون في وجهها حين تتكلم بشكل واضح..
    أما أنا فحاولت أن أكون طبيعية قدر الإمكان معها..
    ويوماً بعد يوم بدأت أعرف الروح الجميلة التي في داخلها..
    كانت أروى فنانة في الرسم..
    وحين أبديت لها بعض الاهتمام..
    وجدتها تحضر لي بعض رسوماتها الرائعة.. والتي وقفت مبهورة أمام جمالها وألوانها الرائعة التي تكاد تنضح بالحياة..
    كل هذا الجمال في داخلها؟ سألت نفسي.. سبحان الله..
    كانت دقيقة في عملها.. مرتبة..
    وكانت أسرعنا تعلماً.. وأكثرنا مهارة في الحاسب..
    وذات يوم سألتها..
    - في أي مرحلة دراسية أنت يا أروى..؟
    - أنا؟
    ضحكت ثم قالت..
    - ستفاجئين!
    - لماذا..
    - لا زلت أدرس في الصف الثالث المتوسط..
    مسائي..
    سكت.. فقد كانت بالفعل تبدو على الأقل في المرحلة الجامعية..
    لكنها قطعت تعجبي وقالت..
    - تركت الدراسة لمدة سبع سنوات بعد الحادث الذي شوه وجهي..
    شعرت بالرهبة لأنها بدأت لأول مرة تتحدث عن هذا الأمر..
    لم أعرف ماذا أقول.. لكني ابتسمت وأبديت اهتمامي.. فأخذت توضح..
    (كنت قد أنهيت الصف الثاني المتوسط.. وفي أول أيام العطلة الصيفية.. حدث حريق كبير في بيتنا.. وكنت وحدي في غرفتي.. محاطة بالنيران..)
    ابتلعت ريقها وقالت وهي تشير لوجهها وتتحاشى النظر إلي..
    (طبعاً احترق ثلاثة أرباع جسمي.. بل إنهم حين أخرجوني لم يكن لي وجه..!
    ابتسمت وكأنها قالت نكتة.. لتحاول أن تخفف من الشعور بالألم الذي بدا على وجهي..)
    كانت تمسك بفأرة الحاسب وتحاول أن تشغل نفسها بفتح بعض الملفات وهي تتحدث..
    (مكثت ثلاث سنوات وأنا تحت أيدي جراحي التجميل.. أتحمل الآلام المبرحة.. القاتلة لكي تظهر لي معالم وجه..! وبعد جهد جهيد.. ظهر هذا الوجه.. ولله الحمد.. أفضل من لا شيء!!)
    استغربت من قوتها.. وكيف تتحدث عن الأمر بشكل عادي.. شعرت بإعجاب شديد بشخصيتها..
    (في السنوات الثلاث الأولى كان تفكيري ودعائي منصباً على أن يرحمني الله بالموت.. وأتخلص من الألم القاتل.. ألم الحروق.. وألم فقدان وجهي الذي كان جميلاً.. وألم فقدان قدرتي على الذوق والبلع بسهولة.. على التحسس بأصابعي.. ألم فقداني لأنوثتي).
    تنهدت وهي تبتسم بمرارة..
    (فيما بعد.. بدأت أقتنع شيئاً فشيئاً أن هذا ابتلاء من الله.. وصبرت واحتسبت.. لكن الألم الأشد الذي بدأ يواجهني.. هو.. مواجهة الناس..
    إنه أشد الآلام فتكاً يا نورة.. ألم لا تتصورينه.. ألم يحرقني أكثر مما أحرقتني النار نفسها.. نظراتهم.. شفقتهم.. تقززهم.. أو استهزاءهم أحياناً..
    تخيلي أن تصرخ فتاة وتقول لزميلتها..
    "انظري انظري! المسكينة.. انظري إلى وجهها كيف يبدو..!"
    وبصوت تعلم جيداً أنه يصل لمسمعي..)
    شعرت بالخجل الشديد أثناء حديثها.. لأن هذا هو ما يحدث بالفعل للأسف الشديد:
    (انطويت في بيتي سبع سنوات كاملة.. لم أكن أريد أن أخرج لأحد أو أن يراني أحد..
    حتى بنات عمي لم أكن أشعر بالراحة من رؤيتهن لي وهمساتهن الواضحة بعد قيامي..
    كنت كمن ينتظر الموت البطيء..
    فقط أصلي وأقرأ القرآن.. وأشغل وقتي بأي شيء..
    لكن شاء الله أن تتوفى أمي.. رحمها الله.. وهي التي كانت تسندني وتدعمني وتشد من أزري..
    توفت وأنا في أشد الحاجة إليها..
    فهي التي تغدق علي بالحنان.. وتواسيني وتذكرني برحمة الله.. وهي التي كانت توفر لي ما أحتاجه..
    شعرت بصدمة قوية بعد فراقها..
    أصبحت الدنيا أكثر ألماً..
    وانعزلت أكثر في غرفتي فترة أبكي)..
    تنهدت بألم وبدا عليها التأثر وأكملت حديثها وكأنها لأول مرة تتحدث هكذا:
    (بعد وفاتها بفترة.. عرفت أن علي أن أتحرك.. أن أفعل شيئاً.. أن أنفض غبار اليأس والحزن عني.. فالعزلة لن تنفعني..
    ربما كانت أمي توفر لي حاجزاً يحميني من الناس..لكن بعد أن فقدتها كان علي أن أواجه الناس بشكل أو بآخر..
    دعوت الله كثيراً أن يثبتني ويمنحني القوة..
    وبدأت بالخروج شيئاً فشيئاً..
    عدت بصعوبة لمقاعد الدراسة..
    وبدأت أتعود على نظرات الحمقى والقساة..
    أحاول أن أعزي نفسي بأن هذا قضاء الله وقدره.. وعلي أن أرضا به.. والحمد لله..
    إذا كان الله قد أخذ وجهي في الدنيا فأسأل الله أن يمنحني وجهاً خيراً منه في الآخرة..
    وإذا كان الله قد أذاقني ألم نار الدنيا فأسأل الله عز وجل أن يقيني نار الآخرة..)
    كنت مبهورة بقصتها وبكلامها فقلت بهدوء..
    - (ياااه.. ما شاء الله عليك..!)
    - (الدنيا لا تستحق أن نحزن عليها يا نورة.. والله لا تستحق.. هذا ما تعلمته..
    فلا شيء باق.. جمالك قد يذهب في أي لحظة.. وحياتك كذلك..
    الأهم.. هو.. مصيرنا في الآخرة..)
    شعرت بأني صغيرة أمام حكمتها.. قوتها.. جمال روحها.. وإيمانها..
    ولأول مرة رأيت بالفعل وجهاً آخر لأروى..
    وجهاً جميلاً.. رائعاً.. مشرقاً..


    **
    مجلة حياة العدد (60) ربيع ثاني 1426هـ





    تحرير: حورية الدعوة
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا دعا الرجل لأخيه بظهر الغيب قالت الملائكة : ولك بمثل
    قص
    ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأله سائل فقال: يا رسول الله( هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ فقال عليه الصلاة والسلام: الصلاة عليهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما )
    الله يرحمك يابوي
    يابوخالد


  6. #6

    افتراضي

    - 29 -

    حتى هي .. كانت تتألم

    - ماذا تريدين أن تطلبي..؟
    - آآآ .. لا أعرف.. وجبة برغر دجاج.. كلا.. كلا.. برغر لحم..


    - .. بدون جبن؟
    - ممم.. لحظة.. كلا.. لا أريد برغر لحم.. أريد قطع الدجاج..


    - يووووه.. هيفاء!! هيا بسرعة نريد أن نطلب الآن..
    - طيب.. اصبري شوي.. خليني أفكر...


    - أففففف.. استغفر الله.. الطلب معك مأساة..
    - لماذا تصرخين علي هكذا ..؟ لم أقل شيئاً..


    فصرخت أريج بقوة وهي تمسك بسماعة الهاتف:
    - وأنا أيضاً لم أقل شيئاً.. هيا اطلبي.. ذبحتينا.. ألا يكفي أنني سأشتري لك على حسابي وأيضاً (تنفخين)؟!


    شعرت بالكره لنفسي وأنا أهان لهذه الدرجة..
    - خلاص.. لا أريد شيئاً.. تمنين بهذه الوجبة.. لا أريدها.. اهنئي بها.. لا أريد منك شيئاً..


    اشتد الصراخ بيننا وخرجت غاضبة من غرفتها.. دائماً تنتهي لحظاتنا السعيدة بسرعة.. وتحل مكانها الشجارات والإهانات وجروح القلب العميقة..

    كانت أريج تكبرني بعامين فقط..
    وكان من المفترض أن نكون صديقتين.. لكن بدلاً من ذلك أجدنا نتحول لندتين على الدوام..


    كانت أريج ذات شخصية قوية باهرة.. فهي دائماً في مركز القوة..
    في المدرسة.. كانت دائماً الأكثر تفوقاً..
    وفي الاجتماعات الأسرية.. كانت محط الأنظار بحديثها.. وبالكلمات التي تلقيها والمسابقات التي تعدها..
    بل وحتى بالأطباق اللذيذة التي تعدها..


    أمام أريج.. كنت لا شيء..
    كنت الأخت الصغيرة التي تظل دوماً طفلة مقارنة بأختها الناضجة..
    حتى قي المدرسة..
    أينما أذهب كان شبح أريج يلاحقني..
    ما أن تدخل الفصل إحدى المعلمات في أول أيام الدراسة.. حتى تبادر بسؤالي: أخت أريج؟؟
    لا يتم تعريفي بهن إلا بأخوة (أريج) المتفوقة..
    حتى لو فكرت أن أكون متفوقة وحاولت بقدراتي – المختلفة عن قدرات أريج – أن اجتهد.. فأنا لا شيء مقارنة بأريج..
    لو حاولت أن أظهر في الإذاعة المدرسية وألقي موضوعاً بشكل عادي كما تفعل البنات.. فسأبدو ركيكة ومضحكة مقارنة بأريج ذات الإلقاء المبهر..


    ضعفت شخصيتي يوماً بعد يوم تحت ثقل شخصية أختي..
    حتى أصبحت أكره الاجتماعات الأسرية.. أكره المدرسة..
    أكره أي مكان تتواجد فيه أريج..
    وذات مرة قررت أن آخذ دورة في معهد للغة الانجليزية..
    كنت فقط أريد أن أجرب الحياة في مكان لا توجد فيه أريج.. وشبحها الذي يحطمني..
    وافقت أمي.. وكذلك أبي..
    وبدأت في الدراسة خلال الصيف..
    كانت المعلمة لطيفة.. ومجموعة الطالبات متناسقة رغم اختلاف أعمارهن..
    بدأت أنسجم وأحب المكان.. وبدأ نجمي بالبزوغ بين هذه المجموعة..
    كنت أعلاهن مستوى.. وكانت المدربة تحفزني كثيراً..
    اعتبرتني نجمة الفصل.. وعينتني مساعدة لها كي أساعد الطالبات على فهم بعض المعاني..
    وكانت هذه المرة الأولى في حياتي التي أشعر بها بأنني مميزة.. و.. فتاة جيدة..
    لاحظت أمي تغير نفسيتي.. وفرحتي بالمعهد والدراسة فيه..
    لكنها لم تكن لتعرف السبب.. ولا لتشعر به أصلاً..


    وذات يوم فوجئت بأريج تدخل علي في غرفتي فرحة.. وتخبرني أن والدي وافق على أن تسجل هي أيضاً معي!!!
    نزل الخبر على رأسي كالزيت الحار..
    لاااا.. حتى هذا!.. حتى المكان الوحيد الذي شعرت فيه بالتميز ستأتي لتنافسني فيه.. ليس هناك فراغ واحد في حياتي يخلو منها؟؟!!
    هل سيلاحقني شبحها حتى هناك..
    رددت عليها بابتسامة صفراء باهتة.. دون أن أقول لها شيئاً..
    لم يكن هناك من داع لأن أتكلم..
    فأنا أعلم أنها هي أيضاً لا دخل لها بما يحصل.. فهي والحق يقال طيبة.. وأنا أعرف ذلك جيداً.. لكني سئمتها.. تعبت من المقارنة بها.. تعبت من محاولة الوصول لمستواها..
    لا أحد يهتم بي حين تكون موجودة.. ولا أحد يحادثني باهتمام حين تتحدث..
    فماذا أفعل..
    أقفلت غرفتي علي وبدأت أبكي.. وأبكي..
    أبكي لأن أحداً لا يشعر بي.. ولا يهتم بمشاعري
    أنا.. لا أمي.. لا أبي.. لا أخوتي.. ولا معلماتي.. أنا أمامهم لا شيء..
    لقد تعبت من التحطيم.. من التهميش.. إلى متى.. إلى متى يستمر ذلك..
    سمعت طرقاً للباب.. وبغضب صرخت..
    - من؟


    - هيفاء.. ممكن تفتحين؟

    - لا أريد أحداً.. أنت بالذات لا أريدك.. اذهبي.. أيتها الأفعى..!

    سكتت أريج تماماً..

    لا أعرف كيف خرجت تلك الكلمات من فمي عليها.. كنت أشعر بالغضب الشديد وأشعر أنها هي السبب في تعاستي.. كنت أتخيلها كأفعى تلتهم كل أشيائي الجميلة..

    ساد الصمت.. حتى اعتقدت أنها ذهبت..
    فإذا بصوتها ينساب من خلف الباب بأسى..
    - خلاص.. خلاص يا هيفاء.. أنا لن أسجل في الدورة..


    يا إلهي.. هذا معناه أنها سمعت بكائي قبل قليل.. وسمعت كلامي وتذمري.. مسكينة...
    لكنني لم أحاول أن أتراجع أو أبدي أي انكسار.. فتحت الباب لها بقوة.. ووجهي أحمر.. والدموع لا يزال أثرها على وجهي..
    - ماذا تريدين؟


    - هيفاء أنا آسفة.. لم أعتقد أن تسجيلي سيضايقك..

    - ما شاء الله؟! الآن.. الآن فقط أحسست بذلك؟.. للتو تحسين بنفسك وأنت تلاحقيني طوال عمري..؟!

    فجأة رأيت الدموع في عينيها..
    - حرام عليك يا هيفاء.. لماذا تعاملينني هكذا؟.. لماذا أنت قاسية علي؟.. دائماً أشعر أنك تكرهينني.. تحتقرينني.. كل الناس يحبونني إلا أنت.. دائماً تشعرينني بنظراتك بأن من العيب أن أكون متفوقة أو نشيطة.. نظراتك الحادة دائماً تربكني وتشعرني أني تافهة وغبية.. حتى أمام زميلاتي.. كثيراً ما أحرج حين أحادثك في المدرسة فأجدك تردين علي بكل برود ولا مبالاة.. لماذا تعاملينني بكل هذه القسوة.. أنا.. أنا .. لم أفعل شيئاً لك..
    كانت دموعها وعبراتها تسبقها وهي تتحدث..


    شعرت بعطف شديد عليها.. هل فعلاً كنت أعاملها بقسوة وكأنها تافهة جداً؟.. نعم.. لقد كنت أفعل ذلك.. لكن لم أعرف أنها تشعر بذلك.. مسكينة..
    جلست تبكي على سريري وقد وضعت رأسها بين كفيها.. فاقتربت منها ومسحت على كتفها..
    - لا بأس.. يمكنك أن تسجلي في المعهد..


    نظرت إلي باستغراب.. وابتسمت..
    - أي معهد أي بطيخ.. لقد نسيته أصلاً..


    فابتسمت وضحكت..

    منذ ذلك اليوم قررنا أن نبدأ صفحة جديدة من علاقتنا ببعضنا.. وتحولنا من ندتين إلى صديقتين.. أصبحت أصارحها بكل ما أشعر به تجاهها وهي كذلك.. ولم تعد هناك الكثير من الآلام المحبوسة في القلوب.. ولا تلك الرسميات والمشاعر الحساسة..

    - ماذا ستطلبين؟
    - برغر دجاج.. كلا لحم..
    - بسرعة ذبحتينا..
    - طيب.. خلاص.. وجبة قطع دجاج..
    - حرام عليك هذه الوجبة غالية.. تعرفين أني سأدفع..
    - لا بأس ادفعي.. فأنا أشتهيها اليوم.. لن يضيع المال الذي تضعينه في بطن أختك..
    - يااااااااالله تستاهلين ولا يهمك.. لكن ترى إذا نقصت الفلوس تدفعين.. طيب؟



    **
    مجلة حياة العدد (61) جمادى الأول 1426هـ


    - 30 -


    لا شيء ينتهي.. وبابه مفتوح


    كان يوماً صيفياً حاراً.. وريح السموم على أشدها في الرياض..
    فتحت جود نافذة الغرفة..
    - أفف " اختنقنا" من المكيف!
    قفزت بسرعة لأغلق النافذة..
    - هييييييييه! ماذا تريدين أن تفعلي .. هل جننت؟ تفتحين النافذة في هذا الحر؟
    سكتت ومطت شفتيها ثم رمت بنفسها على سريري بتثاقل..
    - أفففف.. ملل.. ما كنها عطلة.. الناس مسافرة ومستانسة.. وحنا.. هنا.. طفش..
    كنت على وشك أن أتكلم.. لكني آثرت الصمت وأنا أقلب الكتاب الشيق الذي بين يدي..
    أخذت تتقلب في ملل.. ثم قفزت فجأة..
    - فطوم! ما رأيك أن نذهب لبيت عمتي لنملأ المسبح ونسبح مع البنات؟ ما رأيك؟
    مددت شفتي للأمام.. فلم تكن الفكرة تعجبني..
    - كلا .. لا أحب.. تعرفين.. بيتهم مليان شباب.. ولا أضمن أن لا يتلصصون علينا..
    - أفففف.. أنت معقدة ..!
    نظرت إليها بهدوء وقلت وأنا أبتسم..
    - حبيبتي.. كم مرة قلت " أففف" منذ دخلت الغرفة؟!
    - أففففف.. حتى الـ" أفففف" صارت محسوبة علينا!
    وخرجت غاضبة من الغرفة..
    كانت جود أصغر فرد في عائلتنا.. ورغم أن فارق السنوات بيننا لا يتجاوز الست سنوات.. إلا أن الفارق في الشخصية كبير جداً.. والفجوة بيننا واسعة..
    منذ فتحنا أعيننا على الدنيا ونحن نرى أسرتنا مثالا للأسرة الصالحة المحافظة ولله الحمد..
    أمي إنسانة تخاف الله وربتنا منذ طفولتنا على الأخلاق الفاضلة.. وكذلك أبي .. فرغم انشغاله إلا أن تربيته الصارمة والمحبة في نفس الوقت كان لها أثر كبير على استقامتنا ولله الحمد..
    لكن الحال مع جود كان مختلفاً.. فلكونها آخر العنقود كان والداي يدللانها ويعاملانها معاملة خاصة جداً..
    فهي الوحيدة التي كان لها الحق في السهر لساعات متأخرة حتى في أوقات المدارس.. كما أنها استطاعت ببكائها وشكواها المستمرة أن تقنعهما بإدخالها مدرسة خاصة.. وحتى لباسها للأسف.. كانت أمي تنصاع لها وتسمح لها بارتداء ما لم يكن يسمح به لنا..
    غضبنا أنا وأخواتي واعترضنا كثيراً، لكن دون جدوى للأسف.. فقد بدا واضحاً حجم الاختلاف الكبير بيننا.. ففي الوقت الذي نستمتع فيه بسماع أشرطة المحاضرات كانت جود لا تستطيع المذاكرة إلا مع سماع الأغاني ..
    وما يحرق فؤادي هو رضا أمي عنها وعدم معارضتها لها.. حتى والدي كان دائماً يعتبرها طفلة ومسكينة وبريئة..
    والحقيقة هي أن جود كانت بالفعل قادرة على الاستحواذ على قلبيهما.. فهي دائمة الالتصاق بهما.. وتخدمهما بشكل متواصل.. وتدللهما في الكلام.. وتشتري لهما الهدايا.. كانت ماكرة.. أو حنونة.. جداً ..
    حاولت كثيراً أن أنصحها.. أن أوجهها.. لكني يأست منها.. فقد كانت دائماً تصد عني .. وتعتبرني " عقدة" .. ولا تريديني أن أنصحها بأي كلمة..
    وذات يوم طلبت جود من أمي أن تذهب لمدينة الألعاب بصحبة صديقاتها.. وأخذت تلح عدة أيام حتى وافقت لها أمي .. وحين علمت بذلك عارضت كثيراً..
    - أمي كيف تسمحين لها.. ستذهب مع فتيات لا تعرفين أخلاقهن.. أرجوك.. كيف تسمحين لها؟
    لكن أمي كانت تهدئني .. وتقول أن الأمر عادي.. والمكان نسائي ..
    - لكن يا أمي .. هي لا تزال في المرحلة المتوسطة.. كيف تذهب لوحدها؟
    - اذكري الله يا ابنتي .. لا تكوني هكذا.. الأمر بسيط كل البنات يذهبن لوحدهن..
    - أمي أنا رأيت صديقاتها حين ذهبت لمدرستها ذات يوم.. والله يا أمي لو رأيتهن لما ارتحت لمنظرهن.. حتى العباءة لا يعترفن بها.. بل يخرجن شبه كاشفات مع سائقيهن.. كيف تتركينها تخرج معهن..
    - وما دخلها بهن..؟ فاطمة .. خلاص أنهي الموضوع.. " كلها" ساعتين وسوف ترجع بإذن الله.. لم القلق؟
    حاولت وحاولت.. لكن عبثاً..
    فاستسلمت.. وسكتُ على مضض وقلبي يشتعل من الألم.. لأني بدأت أشعر أن أختي ستضيع من بين يدي إن استمر هذا التهاون.. إن لم يكن الآن ففي المستقبل القريب..
    وذهبت.. وهي تضرب الأرض بكعبها وتحدجني بنظرة كلها تحدي وانتصار.. ذهبت وهي ترتدي تلك التنورة الجنز القصيرة ذات الحزام المعدني المتدلي.. والمكياج يملأ وجهها الطفولي ..
    حشرت نفسها في عباءتها الضيقة وخرجت تتمايل..


    **

    كنا جالسين نتناول عشاءنا الخفيف المفضل الخبز واللبن.. حين نظرت والدتي للساعة..
    - غريبة! الساعة تسعة ونصف.. وجود لم ترجع..
    التفت والدي نحوها وقال..
    - لماذا؟.. متى قالت أنها ستعود؟
    - قالت قبل العشاء.. يعني في الثامنة تقريباً..
    - اتركيها فربما استمتعت وتريد اللعب أكثر..
    كنت أنظر لهم وأنا صامتة تماماً.. فقد قررت أن لا أسأل عنها ولا أتدخل بها أبداً..
    صمت والدي قليلاً ثم سأل..
    - مع من قالت أنها سترجع..؟
    - تقول أنها ستعود مع صديقتها.. لديها سائق..
    شعر بأن والدي بدأ يشعر بأن هناك خللاً في الموضوع..
    - الله يهديك يا أم عبد الله.. لماذا لم تقولي لي من قبل.. كيف ترضين أن تعود مع سائق لوحدها.. وهي لا تزال فتاة صغيرة..
    - لا أدري كيف أقنعتني أصلحها الله..
    مضت عقارب الساعة بسرعة مخيفة نحو العاشرة.. ثم الحادية عشرة وجود لم تعد..
    بدأ القلق يتسرب لبيتنا بشكل مخيف..
    وبدأ أبي يصرخ..
    - كيف تتركينها تذهب دون أن تأخذي منها رقم جوال صديقتها.. رقم أهل صديقتها.. أو على الأقل اسم صديقتها..؟؟
    وكادت أمي تبكي وهي تقول..
    - لماذا لم تسألها أنت..؟ ما دخلي..؟ لا تصرخ علي.. يكفيني ما بي الآن..
    أتى أخوتي كلهم.. حتى أخي عبد الله المتزوج تم استدعاؤه من بيته..
    ذهبوا لمدينة الألعاب فوجدوها قد أغلقت أبوابها.. جن جنون أبي وارتفع عليه السكر وانهار.. ونقل للمستشفى ..
    الكل كان يبحث عنها دون جدوى..
    وعند الساعة الواحدة ليلاً.. قام أخي بإبلاغ الشرطة.. لكننا لم نكن نملك خيطاً واحداً يدلنا عليها..
    لا اسم صديقتها.. لا جوال.. لا رقم سيارة.. ولا أي شيء.. فكيف نعرف أين تكون؟ وماذا يفعل الشرطة لنا؟
    بقينا كلنا في البيت نبكي ونصلي وندعو الله.. ولا نعرف ماذا نفعل.. جود مختفية.. وأبي في المستشفى ..
    وعند الساعة الرابعة فجراً.. فوجئنا برقم غريب يتصل على جوال أخي عبد الله..
    وحين رد.. كانت الطامة التي لم نتوقعها..
    كان أحد الأخوة من الهيئة يتصل بأخي ليبلغه بأن أختي قد وجدت مع شاب في سيارة لوحدهما ليلة أمس.. وأنها قد انهارت وأغمي عليها من شدة الصدمة ولم تفق إلا قبل قليل لتعطيهم الرقم..
    حين أغلق أخي الخط.. جلس على الأرض ولف وجهه بشماغه وأخذ يبكي..
    صرخت أمي ..
    - ماذا؟ .. تكلم؟ وجدوها ميتة في المستشفى؟ حادث.. تكلم .. تكلم!
    ومن بين الشهقات أجاب وصوته الرجولي يهتز بقوة مؤلمة.. ولحيته مخضلة بالدموع..
    - يا ليت يمه.. يا ليت..
    كنت أعرف ماذا قالوا له.. كنت أشعر به.. قبل أن يخبرني .. لكني سكت..
    أسرعت أمسك أمي وأذكرها بالله.. وهي تنتفض بقوة بين يدي..
    أسرعت أغسل وجهها فيختلط الماء بالدموع..
    وبعد قليل.. ذهب عبد الله ليستلمها.. بعد أن أقسمت عليه أمي أغلظ الأيمان أن لا يقتلها..
    بعد سويعات..
    دخلت.. وجهها شاحب كالموت.. وقد تركت الدموع خيوطها على وجنتيها..
    كانت ترتجف.. حين رأتنا أسرعت ترمي نفسها عند قدمي أمي ..
    - يمه سامحيني .. والله ما سويت شيء.. والله العظيم.. والله..
    رفستها أمي برجلها بقوة.. وصرخت فيها بقوة..
    - اذهبي لغرفتك.. اذهبي لا أريد أن أرى وجهك يا " ..." .. أبوك يحتضر في المستشفى بسببك.. ليتك مت ولم نر فيك هذا اليوم يا خائنة الأمانة..
    كنا جميعاً نشعر بتقزز غريب منها.. لا نريد أن نكلمها أو حتى نرى وجهها أو نشم رائحتها..
    وفي الغد أخذتها أمي كشيء مكروه لتقوم بعمل تحليل حمل لها.. وهي تبكي وتصيح.. وتقسم بأنها لم تفعل شيئاً.. لكن أمي كانت تريد إذلالها فقط وأن تشعرها بدناءة فعلها الشنيع ونظرتنا لها..
    بقي أبي في المستشفى أياماً وحالته غير مستقرة.. لذا لم نخبره بأمرها بل قلنا له أن حادثاً قد حصل لها.. لكنه عرف.. عرف ذلك من وجوهنا الملطخة بالعار.. ومن بكائنا الذي يحمل رائحة القلوب المجروحة..
    وحين استعاد صحته وخرج.. تأكد تماماً من ذلك حين شاهد كيف أصبحنا نعاملها.. وكيف أصبحت شبه محبوسة في غرفتها.. فلم يعد هو الآخر يحادثها بحرف واحد..
    كنت أشاهد أشياء كبيرة في أبي وقد تحطمت.. كبرياؤه.. رجولته.. فخره بأبنائه..
    لم يعد يخرج.. ولا يجتمع مع الآخرين.. أصبح يفضل الجلوس مع أمي صامتاً على الخروج لأي مكان..
    حزن كبير كان يسود بيتنا.. حتى أخواتي المتزوجات لم يعدن يزرننا كثيراً.. وكأنهن يخشين من مواجهة الحزن والكآبة..


    وذات يوم..
    أحسست أن علي أن أفعل شيئاً.. أن أرفع هذا الحزن المقيت الذي يجثم فوق قلوبنا.. وأن أصلح شيئاً..
    دخلت غرفتها بهدوء.. وجدتها صامتة على سريرها.. جلست قربها.. نظرت إليها..
    - لأول مرة.. هل تسمحين لي أن أسألك..
    لماذا؟
    سكتت طويلاً..
    وحين رأت إصراري بالنظر إليها ابتسمت بحزن هازئة..
    - كنت أعتقد أنه يحبني ..
    - ثم؟
    - حين بدأ رجال الهيئة بملاحقة السيارة فوجئت به يقف بسرعة ويصرخ بي كي أنزل بل أخذ يدفعني بقوة.. ولم أشعر بنفسي إلا وأنا أقف في منتصف الشارع لوحدي وقد هرب وتركني.. النذل..
    - هل سبق وخرجت معه من قبل؟
    - مرة واحدة فقط.. أخذني من المدرسة وتغدينا ثم أعادني ..
    نظرت إليها طويلاً ثم قلت..
    - .. وما شعورك الآن؟
    - شعوري؟ .. أكرهه.. وأكره نفسي..
    وفجأة.. أخذت تبكي بحرقة وتشهق.. حتى أثارت حزني.. اقتربت منها.. وضممتها لأول مرة منذ شهرين.. ومسحت على شعرها الخفيف الذي تساقط أكثره منذ فترة..
    شعرت بعطف شديد عليها.. ضممتها وأخذت أبكي معها..
    - لا تكرهي نفسك يا حبيبتي .. لا تكرهيها.. باب التوبة مفتوح.. والله سبحانه وتعالى ينتظرك.. ينتظر توبتك ويفرح بها..
    اهتزت بين يدي كحمامة صغيرة وهي تبكي..
    - لكنكم تكرهوني .. خلاص.. لا تريدوني.. لا أحد يريدني حتى لو تبت..
    أمسكت رأسها ورفعته فشاهدت في عينيها جود الطفلة الصغيرة..
    - كلنا سنحبك.. وسننتظرك.. فقط انسي الماضي.. وابدئي من جديد..
    ثم تابعت بهدوء..
    - أنا لا أريدك أن تنسي الماضي من أجلنا.. كلا.. أريدك أن تنسيه من أجلك أنت.. أن تفتحي صفحة بيضاء جديدة مع ربك.. مع خالقك.. إنها علاقتك به.. أصلحي ما بينك وبينه.. وسيصلح كل شيء بينك وبين الآخرين..
    ارتجف صوتها..
    - لكن.. سمعتي .. انتهت..
    ابتسمت لها..
    - من قال ذلك؟ لا شيء ينتهي طالما باب الكريم الرحمن مفتوح.. فقط ندي يديك إليه.. وسترين كرمه ورحمته..
    نظرت إلي لأول مرة في حياتها بتأثر.. ثم ابتسمت وعيناها لا تزالان غارقتان بالدموع..



    **
    مجلة حياة العدد (62) جمادى الآخرة 1426هـ

    - 31 -

    قصة / شائعة العفيصان

    رائحة الندى



    أمسكت ديمة بيد أستاذة سمر الأخصائية النفسية وقالت وهي تبكي..
    (بربك أي عدل هذا الذي تحدثيني عنه؟! بعد ثمانية عشر عاماً تخبريني..؟! بعد أن بدأت جراحي تلتئم تفتحينها وتؤلميني؟! لماذا في هذا الوقت بالذات؟)


    مسحت دموعها عن خدها..
    (هل تعلمون ما الذي نعانيه؟! هل تعلمون الآلام التي نعيشها؟!)


    تنهدت بحرقة وهي تقول..
    (أعرف أننا لديكم مجرد أرقام وحالات وملفات تدرسونها اجتماعياً ونفسياً! أما آلامنا.. جراح قلوبنا التي لم تذق طعم الحب والحنان فلا تعرفون عنها شيئاً)


    حاولت سمر مقاطعتها والتعليق على كلامها لكنها لم تستطع.. فلاذت بالصمت..

    اقتربت ديمة من المكتب وأمسكت صورة أطفال الأستاذة وقربتها من وجه الأستاذة وهي تقول بهدوء..
    (انظري..
    انظري لصورة أطفالك..
    انظري لعيونهم..
    وقارني بينها وبين عيوننا..
    عيا قارني..
    لتعلمي أن الفرق بيننا كبير.. وشاسع..
    عيون مشبعة بالدفء.. وأخرى محرومة ضائعة تبكي بلا دموع..)
    رفعت عينيها نحو سقف الغرفة بهدوء.. وقالت بهمس..
    في كل ليلة..
    كل ليلة.. أتأمل وجهاً من صنع خيالي..
    أرسم التفاصيل لوجه حبيب وأخط له أجمل عيون.. وأجمل أنف وفم.. أمنحها صوتاً رخيماً دافئاً..
    أجلس في أحضانها.. وأقبلها.. وأتركها تمسح بيدها على شعري..
    تلك الأم.. التي تخلت عني..
    تنهدت ثم أكملت بخيبة أمل.. وهي تنظر للأرض..
    (حقاً لا أحد يعرف ظروفها.. لكن.. لا عذر لها..)
    وفجأة داهمتها موجة غضب وصرخت..
    (لا عذر لها أن ترميني في الدار أتعذب بلا أم أو أب كل تلك السنوات.. لا عذر لها أن تترك فلذة فؤادها بين المربيات المستأجرات.. تقاسي الأمرين.. تتسول من أعينهن نظرة حنان أو حب فلا تجد.. يتغيرن سنة بعد سنة.. فلا تثق في حب مربية خوفاً من فقدانها وذهابها..)


    (لا تكوني قاسية هكذا يا ديمة.. فأنتم ولله الحمد نحظون بالرعاية والعناية والمسؤولون يقومون بزيارتكم و..)

    رفعت ديمة يدها مقاطعة.. وقالت باستخفاف..
    (نعم.. نعم.. يقومون بزيارتنا مرة أو مرتين في السنة، لكن كضيوف شرف ومعهم الإعلاميون لتسجيل الزيارة.. وبالطبع قبل قدومهم يتم تنظيم الأمور حتى يبدو الوضع بلا مشاكل أمامهم!!


    (لا يا ديمة.. لا تتحدثي بهذا الأسلوب السوداوي.. تفاءلي واحمدي الله..

    أكملت ديمة بهدوء غير آبهة بما قالته سمر..
    (في صغرنا.. كنا نعلم أننا أيتام فقط.. كانت لنا كرامة بعض الشيء.. هه.. كان الجهل نعمة لنا.. رغم الألم والحرمان واليتم.. كنا غارقين في عالم الطفولة البريء..
    أما الآن فقد تغير كل شيء.. بدأت مشاكلنا في الظهور.. وكل باحثة أو دارسة نفسية تأتي إلينا تبدأ في إظهار قدراتها وتتعامل معنا كفئران تجارب حتى تثبت صحة نظرياتها!
    نظرت نحو البعيد تسترجع ذكريات قديمة..
    (لا أنسى ذلك اليوم الحزين الذي عرفت فيه حقيقتي وكان عمري اثنا عشر عاماً فقط..
    طبقت علينا إحدى الباحثات النفسيات نظريتها حتى تستكشف رد الفعل.. فشرحت لنا وضعنا الاجتماعي ونحن في ذلك السن..
    حقيقتنا المرة.. أننا.. لقطاء.. أطفال غير شرعيين..
    أي حقيقة أكثر ألماً من هذه؟.. قولي لي..!)
    وانكفأت على وجهها باكية بحرقة..


    لم تعرف سمر ماذا تقول لها.. وأخذت تفكر في هذه النظرية التي وجدت ترحيباً من المسؤولين والمهتمين كدراسة تطبيقية. ولكن إنسانياً.. ألم يفكروا في ألمها؟ ألم يتخيلوا كيف تحطم أنفس هؤلاء الأيتام وأرواحهم الشفافة وهم في ذلك السن الخطر؟ ما جرمهم.. ما ذنب هؤلاء الأبرياء حتى يسقوا العلقم..؟

    قامت ديمة ووقفت أمام سمر.. وأكملت بتلعثم..
    (عندما علمنا بحقيقتنا أول الأمر كنا نلعن تلك الأم التي تخلت عنا.. وعندما هدأت براكين الغضب.. بدأنا نفكر بهدوء.. لم يعد في أعيننا سؤال سوى.. من نكون؟ من أمهاتنا؟ من هي هذه الأم التي رمت بقطعة قلبها في الشارع لتمسح فعلتها الدنيئة؟.. أين هي الآن؟ هل هي موجودة وحية؟ هل تفكر بنا كما نفكر بها؟ أم أنها قد نستنا تماماً؟ هل تحس بما نتعرض له من ألم كل يوم بسببها؟ هل.. هل تحبنا؟
    فيما بعد.. لم نعد نكرهها.. لأننا لم نعرف الحب.. فكيف نكره؟!
    كم تعرضنا في حياتنا للظلم والقسوة... فأي خطأ نرتكبه ولو كان بسيطاً يفسر ألف تفسير وتفسير.. فنحن.. مختلفون عن الأطفال الأسوياء.. نحن.. موطن شك وريبة..
    لم تستطع أن تتماسك فانهارت بالبكاء مرة أخرى..


    اقتربت منها الأخصائية وضمتها إليها ومسحت على رأسها وهي تقول..
    (كل هذه المشاعر تخفينها يا حبيبتي؟)..
    هدأت نفسها وتذكرت السبب الذي من أجله استدعتها الأخصائية.. فقالت..
    (حسناً.. أوافق أن أقابلها يا أستاذة سمر.. لكن بشرط.. أن أراها دون أن تراني.. أريد أن أسمع صوتها.. أرجوك أريد أن أسمع صوتها وقصتها كاملة وبعدها أقرر وأخبرك بموافقتي على لقائها أو لا..)
    قالت سمر (من حقك يا ديمة اتخاذ القرار ولن نجبرك على شيء.. ستأتي صباح الغد بإذن الله.. اذهبي الآن إلى غرفتك.. وخذي حماماً منعشاً ونامي جيداً وسأرسل لك قبل مجيئها صباحاً)..
    حين خرجت من غرفة الأخصائية اتجهت إلى غرفتها فوجدت أخواتها من أسرتها تجمعن هناك.. ارتمت على صدر أختها هناء باكية.. فقالت صباح بتهكم.. (احمدي الله يا ديمة.. فبدل أن تفرحي بهذا الأمر تتأزمين وترفضين؟ حقا أنت غريبة!)
    ثم أتبعت (ليتني في مثل وضعك لرضيت وقنعت.. ولكن هيهات أنا أعلم بوضعي كله.. !)
    ووقفت وهي تؤدي حركات استعراضية.. وتشير بيدها كالمهرج..
    (أنا ابنة السنيورة!.. الجميلة! حاوية القمامة.. القبيحة..!).. وقهقهت ضاحكة بمرارة.. وابتعدت راكضة بعيداً عن المجموعة تكاد تحرقهم بنظراتها الغاضبة..
    نظرن إلى بعضهن نظرات كسيرة.. نعم إن لكل واحدة قصة لا ناقة لها بها ولا جمل.. فهن مجرد ضحايا..


    * * *

    استيقظت ديمة على يد تهزها برفق وصوت يناديها..
    - ديمة.. ديمة.. انهضي حان الموعد ستأتي..!
    أفاقت بعينين ناعستين ذبلت رموشها من كثرة البكاء طوال الليل.. وابتسمت لهناء رفيقة دربها.. السمراء الحنونة..
    - أحقاً يا هناء؟! ستأتي هي بنفسها..؟
    - نعم.. هي ستأتي بعد قليل.. هيا يا كسولة بسرعة.. هيا..
    قامت ديمة بتثاقل فهي لا تملك حيوية هذه الجوهرة السمراء هناء..
    لبست ديمة ملابسها بكل عناية.. ورفعت شعرها الطويل بشكل مرتب.. وارتدت صندلاً خفيفاً.. وبدت رقيقة وجميلة..
    سارت في الممر الطويل المؤدي إلى المكتب الخاص للأخصائية سمر بالقرب من الحديقة الصغيرة..
    لم تكن تشعر بأي مشاعر.. طرقت الباب بكل أدب ثم دخلت.. باغتتها سمر..
    - هيا بسرعة! أخرجي من الباب الخلفي وسأفتح الشباك حتى تسمعي كل ما يدور بنفسك..
    وقفت ديمة خلف الشباك وأحست بحركة وسمعت عبارات ترحيب.. فبدأ قلبها يخفق بشدة.. يكاد يقفز من بين أضلاعها.. فتماسكت ودعت الله أن يعينها..
    وبيدين مرتجفتين سحبت جزءاً من الستارة.. لكنها لم تر شيئاً فالضيفة قد أعطتها ظهرها من الخلف ولم تميزها لأن العباءة تغطيها من أعلى رأسها لأخمص قدميها..
    سمعت سمر تتحدث للمرأة.. ثم سمعت المرأة لأول مرة تتحدث.. بدأت تبكي وتقول..
    (أرجوك يا أستاذة سمر أنا متأكدة أنها ابنتي الحبيبة.. لديها شامة مدورة بحجم الريال المعدني وأنا لدي واحدة بذراعي مثلها..
    رفعت ديمة كم بلوزتها.. وأخذت تنظر للشامة وكأنها تنظر إليها للمرة الأولى وهي ترتعش من التأثر والقلق..
    أخذت الضيفة ترجو سمر أن تراها وتقابلها.. وتقول..
    (أرجوك.. لم يعترف لي والدي إلا منذ فترة بسيطة قبل وفاته.. فاجأني بطلبه السماح مني قائلاً أنه كان يحترق ألماً علي لكنه لم يرد إخباري.. لقد قال لي والدي أن ابن عمي صادق في أنه لم يختطف ابنتي أو يقتلها.. وأعطاني والدي حقيبة سوداء قال أن كل الحقائق موجودة فيها.. قال والدي.. أنه تخلص هو من ابنتي لأنه لم يتحمل أن يترك ابنة من خان الأمانة تعيش معه..
    قال والدي بكل حسرة وندم.. أنه لم ولن يسامح ابن أخيه الذي انتهك عرضي.. عرض ابنته الوحيدة.. لذا أراد أن يتخلص من هذه الطفلة البريئة التي كانت ستلطخه بالعار.. فوضعها أمام دار حضانة الأطفال الأيتام مع رسالة تفيد بأن اسمها ديمة عبد الله..)
    تنهدت قليلاً ثم أكملت..
    (أخبرني والدي أنه كان يزور الدار كل أسبوع ليراها حين كانت طفلة.. كان يزورها بصفة أنه متبرع وفاعل خير.. ألا تعرفينه.. إنه الشيخ أبو محمد الزائر الدائم للأطفال..)
    ترددت ثم قالت بعاطفة شديدة..
    أرجووووك يا أستاذة سمر.. أرجوووك أريد أن أراها الآن.. لم أعد أحتمل.. أريد أن أرى ابنتي)
    وحاولت أن تنهض فلم تستطع فوقعت على الأرض من على كرسيها المتحرك..
    صرخت ديمة من شدة التفاعل مع أمها التي لم تتخيل يوماً أن تكون معاقة.. وأطلت من النافذة.. التفتت الأم إلى مصدر الصوت.. فكأنها تنظر لصورتها في شبابها..
    (إنها ابنتي!!.. ابنتي) قالتها شاهقة.. وأخذت تزحف نحو النافذة بكل ما تستطيع..
    أقبلت ديمة مسرعة من الباب تصرخ (يمه.. يمه).. ومدت يديها نحو أمها تعانقها وتقبلها وتشم رائحتها التي افتقدتها طوال حياتها ولم تعرفها إلا هذا الصباح مع رائحة الندى..
    (عذراً يا أمي لم أكن أعلم بحقيقة قصتك، وحالتك الصحية.. سامحيني لأني لم أوافق على رؤيتك سامحيني)
    صمتت الأم طويلاً إلا من شهقات البكاء ثم قالت..
    (والله يا بنيتي لم يكن لي يد في ما جرى لك.. لقد حملت بك كما علمت بسبب اعتداء من ابن عمي.. وفوجئت باختفائك بعد ولادتك بساعات.. كان قلبي يحترق ألماً طوال ثمانية عشر عاماً وأنا لا أعرف مصيرك المجهول)
    أخذت ديمة تقبل يدي أمها وتمسح بها دموعها.. عاجزة عن الكلام..
    (كلانا يا ديمة ضحية.. فنحن وجهين لعملة واحدة...)..



    **
    مجلة حياة العدد (63) رجب 1426هـ

    وقفت وأنا مترددة أمامها..
    - يمه..
    - نعم..
    ردت أمي باقتضاب وهي تمسح مرآة غرفة نومها..
    ابتلعت ريقي وتشجعت لأقول..
    - أريد أن أشتري فستاناً جديداً لزواج خالي فهد.. لو سمحت..
    كانت مستمرة في المسح دون أدنى اهتمام..
    تشجعت مرة أخرى ودقات قلبي تتسارع.. وقذفت قنبلتي:
    - وأتمنى أن أشتري حذاء وحقيبة سهرة صغيرة..!
    نظرت إلي بحدة.. وقالت باستهزاء..
    - لماذا لا تشترين السوق بأكمله؟ هاه؟.. من يسمعك لا يصدق أنك قد اشتريت فستاناً فخماً الصيف الماضي فقط..
    - لكن.. يا أمي.. فستان الصيف الماضي لبسته لأربع مناسبات متتالية.. وزواج خالي لا يعتبر مناسبة عادية.. فأنا ابنة أخت المعرس.. وأحتاج لفستان جديد.. الله يخلييييييييك..
    مطت شفتها بغضب..
    - يا لصغر عقولكن.. من أجل ساعتين فقط.. تردن صرف خمسمائة ريال على فستان جديد.. بنات آخر زمن.. فستانك من أروع ما يكون ولا تحتاجين لفستان جديد..
    ثم عادت للمسح دون اكتراث.. وكأن الأمر مفروغ منه..
    وتمتمت بهدوء..
    - قسط الإيجار والفواتير كلها تراكمت على والدك هذا الشهر.. لا نستطيع..
    بدأت الدموع تلمع في عيني..
    - أمي أرجوك.. لا يمكن أن أحضر الزواج بذلك الفستان.. لا يمكن.. سيكون ذلك مضحكاً! لقد صبرت بما فيه الكفاية.. أنا أحرم نفسي من كل شيء من أجل ميزانيتكم.. والله لقد تعبت من نظرات بنات أعمامي وعماتي.. تعبت من تحمل ذلك..
    كلهن يرتدين فساتين جديدة في كل مناسبة.. وأنا.. دائماً ملابسي مكررة وقديمة.. ورخيصة أيضاً.. !
    بدأت أبكي بحرقة..
    - (لماذا تفعلون بنا ذلك.. إذا لم نلبس ونستمتع في هذا السن فمتى بالله نستمتع ونلبس ما نريد؟ ألا يكفي أنني أحرم نفسي من شراء المكياج الفاخر ولا أشتري إلا من المحلات الرخيصة.. ألا يكفي أني لا أشتري إكسسواراتي إلا من أبو ريالين وشاكلته بينما بنات عماتي لا يشترين إلا أرقى الماركات!!
    إلى متى نعيش في هذا الحرمان؟ إلى متى؟)
    واتجهت مسرعة إلى غرفتي.. متجنبة نظراتها.. وأنا أبكي على حالي رغم أنني كنت أعلم جيداً أن وضعنا المادي لا يسمح.. وأنني كنت أبالغ في كلامي..


    * * *

    منذ صغرنا.. كنت أشعر بأنني لا أستطيع الحصول على ما يرغب به أغلب الأطفال.. فالألعاب لا نشتريها إلا في الأعياد.. وكذلك الملابس والأحذية من النادر أن نشتري الجديد منها دون مناسبة هامة..
    كنت أشعر بكبت شديد.. لكني رغم طفولتي كنت أقدر ذلك لوالديّ فلا أطالبهما بما يرهق كاهلهما.. وكنت أحبس أحلامي ورغباتي الصغيرة في صدري..
    فيما عدا ذلك كنا أسرة متماسكة ولله الحمد.. ولم تكن هناك الكثير من المشاكل سوى ذلك الألم الذي يغتالني بسبب إحساسي أن والديّ ضعيفان ومسكينان وغير قادرين على توفير ما أحتاجه.. كنت أشعر أن سعادتي ناقصة..
    فقد كانت عبارة.. (ما نقدر)، (ما عندنا فلوس!)، (بابا مسكين ما يقدر يشتري لك هذا).. كانت هذه العبارات تغتال فرحتي الطفولية بل وتغتال حتى أحلامي الصغيرة..
    حتى حين كنت أستلقي على السرير.. وأتخيل ما أحلم به من ألعاب وحلوى كثيرة.. كنت أسمع صوت أمي يتردد من بعييييد (ما نقدر)، (ما عندنا فلوس).. فتتهدم قصور أحلامي وتتساقط أراجيح أمنياتي..
    وحين كبرت.. بدأت أشعر بالفرق بيني وبين زميلاتي وقريباتي.. وبدأت النظرات الشامتة تأخذ طريقها للملابس الرخيصة والساعات المقلدة التي أرتديها.. كانت مشكلتي الكبرى هي أن معظم من حولي هم من فئة المقتدرين أو الأغنياء مادياً.. وكنت أشعر بالألم يعتصرني حين تتحدث بنات أعمامي وعماتي عن ماركات ملابسهن كأحذيتهن.. ومكياجهن وعطورهن الفاخرة.. بينما أذوب أنا خجلاً فأشغل نفسي عن حديثهن بمداعبة طفل صغير أو تقليب جريدة قديمة..
    كنت أعتبر نفسي أقل منهن.. فلا أستطيع محادثتهن ولا عقد صداقة قوية معهن تذلك السبب..-


    * * *

    وذات يوم.. سكن جيران جدد في الدور الذي يعلونا مباشرة..
    كانوا أسرة من باكستان.. أم مع ابنتيها إحداهما في سني تقريباً.. وتهم ابنين في باكستان.. أما الأب فيغيب معظم اليوم في العمل..
    ولعدم وجود رجل لديهم في البيت معظم اليوم كنت أستمتع كثيراً بزيارتهم.. وهم كذلك.. فكنت أقضي وقتاً ممتعاً لديهم.. دون ممانعة أمي.. وكنت أتخاطب مع الفتاتين – نسرين وفايزة- بخليط من العربية والانجليزية المكسرة.. ورغم هذا نشأت صداقة قوية بيننا..
    كنت أشعر بشي غريب لديهم..
    فرغم ضعف حالتهم المادية.. ورغم بساطة بيتهم الشديدة.. وعدم وجود الأثاث في بعض الغرف.. لكن بيتهم كان يرفل بسعادة غريبة.. ما شاء الله.. كانت الأم دائماً تحمد الله وكانت تفرح بي إذا رأتني.. وكانت الفتاتان سعيدتين جداً بحياتهما.. ولا يبديان أي تذمر من حالتهما المادية..
    بعد فترة عرفت أنهما كانا يعيشان في وضع مختلف قبل قدومهما.. لذا فهما تشعران أن هذا البيت واسع عليهم.. لكن في نفس الوقت كانت نسرين تتحدث عن بلدها وعن أقاربهم هناك بفرح شديد وتصف لي السعادة التي كانوا يعيشون فيها هناك..
    تعلمت مع نسرين.. أن أفرح بكل ما حولي.. وأحمد الله..
    وحين كنت أشاهد غرفتها.. كانت تعجبني تلك البساطة الرائعة.. وتلك الأشياء الصغيرة الرخيصة في ثمنها الغالية في معناها.. كانت تحتفظ بلعب طفولتها القديمة مصفوفة بترتيب على رفها.. كما كان لديها صندوق معدني ملون جميل تحتفظ فيه برسائلها مع ابنة خالتها.. وكان لديها ألبوم صور تحتفظ فيه بقصاصات من أوراق الصحف والمجلات.. فيه صور جميلة وقصائد..
    حين كنت أدخل غرفتها كنت أشعر أني أدخل عالماً آخر.. غني بأشياء كثيرة.. لذا كنت أفرح..
    وذات يوم زارتني... وشاهدت غرفتي لأول مرة.. فتحت درجي فشاهدت الأعداد الكبيرة من الأكسسوارات التي لدي.. بهتت وقالت..
    - واااو غادة.. عندك كثيييير Jewels ما شاء الله!!
    - إنها مقلدة ليست مجوهرات..
    - أعرف.. لكنها كثيرة.. وجميلة..
    وأخذت تقلب أكسسواراتي واحداً بعد الآخر.. وهي معجبة جداً بها..
    وحين فتحت لها دولابي.. بهرت بالفساتين التي لدي.. وقالت..
    O my Ghada !
    you r a princess..!
    you have wonderful dresses..
    (أوه غادة! أنت أميرة! لديك فساتين رائعة)
    شعرت أن كلماتها أصابت صميم قلبي..
    فساتين أميرة؟!! فساتيني أنا؟!
    معقولة؟!!
    شعرت بالخجل وحاولت أن أقول لها أنها كلها فساتين قديمة ورخيصة.. لكن لم أستطع..
    حين نظرت إليها وهي منبهرة بفساتيني.. شعرت بشيء غريب.. خليط من الخجل والرحمة في نفس الوقت..
    كنت أعلم أن وظيفة والد نسرين كانت جيدة..
    لكن نظراً لكونه يصرف على ولديه اللذين يدرسان الطب.. مع والديه الكبيرين في السن.. وأخته الأرملة.. لذا كان وضعهم المادي فيه شيء من الصعوبة..
    وحين نظرت نسرين لحقيبة مكياجي وأخذت تقلب محتوياتها كانت عيناها تشعان بفرح.. وهي تقول.. أن لدي عدة مكياج مبهرة..
    تلمست مفرش سريري.. وقالت أنه يبدو من النوعية الفاخرة..
    بدت مبهورة بكل ما لدي..
    وقالت.. ما شاء الله يبدو أنكم أغنياء يا غادة.. !
    أمسكت زمام ضحكتي.. لكن بعد قليل شعرت أنها تقول شيئاً هاماً..
    قلت لها نحن أغنياء؟؟ لسنا كذلك.. لكن الحمد لله..
    وقبل أن تخرج فكرت أن أهديها أحد فساتيني القديمة التي أعجبتها.. أمسكته وقدمته لها.... لكنها رفضت تماماً.. وقالت كلا لا يمكن.. الحمد لله لسنا بحاجة لفستان جديد..
    حاولت إقناعها بشتى الوسائل لكنها رفضت بشدة وشكرتني..
    وفي تلك الليلة أخذت أفكر بصدق.. هل نحن أغنياء حقاً كما قالت نسرين؟
    الحمد لله نعيش في بيت يأوينا.. ولدينا ملابس تسترنا.. وطعام يغذينا.. وشراب يروينا.. وحلي تزيننا.. فماذا نريد أيضاً؟
    سبحان الله.. يبقى الإنسان طماعاً ولا يملأ فمه إلا تراب القبر..
    نحن فقط لدينا الحق في أن نقيم أنفسنا كفقراء أو أغنياء.. ونحن من يوحي للآخرين بذلك بتصرفاتنا..
    ومنذ ذلك اليوم قررت أن أعتبر نفسي غنية وأحمد الله وأشكره بدلاً من التذمر..
    وفي زواج خالي فهد.. ارتديت فستاناً من فساتيني القديمة..
    لم يكن علي من شيء جديد سوى قرط فضي متدل..
    وملامح سعادة وقناعة وفخر تطل من وجهي لأول مرة.. وبشكل أثار إعجاب الجميع..



    **
    مجلة حياة العدد (64) شعبان 1426هـ
    - 33 -


    لم أهرب هذه المرة..


    ألقيت جسمي على الكرسي المتهالك.. وأخذت أتنفس
    بعمق وأنا أرتجف من شدة الانفعال.. وقطرات العرق
    تتصبب على وجهي..
    آآآآآآآه.. يا الله..
    فتحت قارورة الماء البارد التي كانت معي وأخذت أصبه
    على رأسي كالمجنونة..
    شششششششششششش.. باااااارد..
    ضحكت..
    أخذ الماء يتصبب على جوانب وجهي وصدري.. ويبلل
    ملابسي..
    بينما دموعي تنهمر خلف نظارتي السوداء..
    نظرت إلى الساعة كانت التاسعة والربع.. تصبح
    الجامعة خاوية تقريباً هذا الوقت.. الكل في قاعاته..
    وأنا هنا.. وحدي..
    آه يا ربي.. كم من الألم أتحمل وحدي..
    رفعت قدمي وجلست على الكرسي..
    رفعت ركبتي لأعلى ووضعت رأسي بينهما..
    ألم.. ألم حارق يغرس أنيابه في قلبي.. ورئتي..
    وشراييني.. ويفترس حتى أطراف أصابعي..
    هل كانت هي السبب..؟
    لا أعتقد.. شجاري معها كان فقط القشة التي قصمت
    ظهر البعير.. لقد انفجرت لأصب جام غضبي
    عليها..
    فتدفقت آلامي المترسبة..
    ليست الدكتورة سميرة المتعجرفة هي السبب.. كانت
    مجرد دبوس فجر بالونة همومي القديمة..!
    أخذت أبكي بحرقة ولا أعرف لماذا.. أشعر بالألم..
    الضيق..
    أشعر أن كل شيء ضدي.. منذ طفولتي..
    والداي المنفصلان منذ الطفولة..
    أبي البعيد اللامبالي.. أمي المشغولة بنفسها دائماً..
    جدتي المتسلطة..
    مدرساتي القاسيات..
    درجاتي السيئة ورسوبي المتكرر..
    وحدتي الدائمة.. وعدد شعور أحد بي..
    صديقاتي الغادرات.. ناكرات الجميل..
    حتى.. هو.. طعنني وذهب..
    هو .. الذي أحببته من كل قلبي..
    وسهرت الليالي الطويلة أحادثه.. وأراسله..
    تركني إليها..
    صديقتي..
    لماذا؟
    كنت أعتقد أنه يحبني.. وأنني كل شيء في حياته..
    لكنه ذهب..
    تركني وحيدة.. أتخبط بين هذا وذاك للتسلية وقضاء
    الوقت على الهاتف والنت.. أبحث عن السعادة..
    تمر فتاتان.. ينظران إلي باستغراب.. هه.. يبدو أنني
    بالغت اليوم قليلاً..
    أتلمس الحلق الطويل الذي يتدلى من أذني اليسرى..
    وخصلة شعري الوردية على وجهي.. وأبتسم..
    هـه.. لتنظرا.. لتحدق هاتان الغبيتان.. لا يهمني
    أمرهما.. مسكينتان تعتقدان أنهما تحرجانني
    بنظراتهما!!
    غبيتان.. أنا أتعمد فعل ذلك لتنظرا إلي.. أريد أن
    أحرق أعصابهما.. حسناً؟!
    حتى الغبية سميرة.. تعتقد أني سأخاف من سجل
    حضورها أو من صرخاتها الخرقاء.. أنا لا يهمني
    أحد..
    لا أحد.. طالما أن أحداً لم يهتم بي في حياتي..
    أخرج مسجل الهيد فون الخاص بي.. وأضع شريط
    مطربي المفضل..
    أجد نفسي أزداد ضيقاً وحزناً.. وأتمنى أن أموت..
    فهذه الدنيا ليس فيها سوى الآلام والوحدة..
    أغلق الشريط .. وأفكر في أن أسمع قناة موسيقية..
    أحرك مؤشر الراديو يمنة ويسرة.. يتهادى إلى سمعي
    صوت قرآن من إذاعة القرآن..
    قشعريرة تسري في جسدي.. أشعر بالخوف.. لا
    أعرف لماذا..
    كأن شيئاً عظيماً يحيط بي.. شيء أهرب منه دائماً..
    أغير المؤشر بسرعة.. ودقات قلبي تتسارع..
    لماذا أخاف من سماع القرآن الكريم؟
    لماذا أمر على المصلىّ بسرعة ولا ألتفت تجاهه وكأني
    مذنبة هاربة تخشى من العقاب؟!
    ضممت ركبتي إلى صدري.. وكأني أحتضن أماً لم
    أشعر بحنانها في حياتي..
    كنت متوترة.. خائفة.. بحاجة لمن أهرب إليه..
    وبحركة لا شعورية.. أمسكت مسجلتي وفتحت على
    الإذاعة مرة أخرى..
    وكمن يستلذ بتعذيب نفسه..
    أخذت أسمع القرآن..
    وعرفت لماذا أخاف وأهرب.. وأرتبك إذا سمعته..
    لأني بعيدة.. بعيدة جداً عن إلهي..
    وأخشى مواجهته..
    شيء مخيف فعلاً.. لقد ابتعدت كثيراً.. بالغت في
    ذلك..
    لم أركع ركعة واحدة لله منذ سنوات.. أغويت
    الكثيرين..
    استهزأت.. وسخرت.. وعبثت.. و..
    لقد ابتعدت كثيراً..
    لكن.. كيف أعود.. الطريق بعيد.. من يمسك بيدي؟
    لا أحد يجرؤ حتى على الاقتراب مني.. أو دعوتي..
    وأنا.. لا أعرف كيف أعود..
    أشعر بانكسار..

    * *

    بقيت أياماً حائرة..
    أشعر بعطش شديد.. لشيء لا أعرفه..
    سئمت الأغاني.. سئمت الأفلام والمسلسلات..
    سئمت جلسات البالتوك طوال الليل..
    سئمت الهاتف وكل شيء..
    نفسي الضائعة الضجرة تبحث عن شيء ما.. لا أريد
    الاعتراف به..
    يرن جوالي..
    إنه هو.. أففف..
    حتى هذا الأخير أصبح مملاً..
    أغلقت الخط في وجهه..
    ماذا أريد..؟ يا ربي..
    أشعر بأني أكاد أختنق..
    وبهدوء.. أسحب مذياعي.. وأستمع للإذاعة..
    صوت القرآن عذب..
    رغبة الهروب والخوف بدأت تقل.. لكنها لازالت
    تساورني..
    أسترخي على سريري..
    يا الله.. كم أريد أن أتوب.. أن أعود إليك..
    لكن.. أخشى..
    ألا تقبلني..
    أخشى أن يكون ذلك صعباً..
    ماذا سيقلن عني؟ أحلام صارت مطوعة!!
    سيضحكن علي.. سيهزأن بماضيي..
    سـ..
    كلا.. لا أستطيع..
    كيف أترك كل ما حولي من متع؟

    * *

    أسير في الجامعة وحدي..
    منذ غدرت بي فايزة وأخذته مني..
    وأنا أكره الصديقات.. أكرههن.. وأكره كل من حولي..
    هذه الأيام.. لم أعد أهتم بلفت الأنظار..
    أشعر أن أشياء كثيرة تتحطم في داخلي..
    وأني مشغولة بالبحث عن نفسي الهاربة منذ زمن..
    أسمع إحداهن تهمس لزميلتها..
    - انظري!!.. أحلام أزالت خصلتها الفوشية والوشم
    المخيف الذي على رقبتها!!
    - فعلاً.. ولم تعد ترتدي أساورها الجلدية الغريبة!
    أرمي جسدي على الكرسي.. بينما عقلي يجول في
    أماكن كثيرة..
    والفكرة تراودني..
    هل أتوب.. لكن.. صعب..
    لقد مللت.. تعبت.. ماذا لو أجرب..؟
    كلا.. سيضحكن علي.. أعرف ذلك!
    كنت مشتتة تماماً.. ولا أعرف ماذا أفعل..

    * *

    بعد المحاضرة.. وجدت نفسي أسير.. إلى حيث لا
    أعرف.. إلى حيث سارت بي قدماي..
    ووجدت نفسي أمام مكتبها.. المعيدة أسماء.. التي
    سبق ودرستني في سنتي الأولى..
    وقفت صامتة أمام مكتبها المفتوح..
    نظرت إلي وأغلقت سماعة الهاتف.. كانت مستغربة..
    - أهلاً.. أحلام.. كيف حالك؟
    هي الوحيدة التي لا أشعر أنها تكرهني على الأقل..
    - تريدين شيئاً؟
    - آآآه.. ممم.. كلا.. آسفة..
    وهممت بالخروج من الغرفة..
    - أحلام.. لحظة تعالي..
    اقتربت منها.. وأنا متوترة..
    - نعم..؟
    - أشعر أن لديك شيئاً..
    - أنا؟.. لا.. لا شيء..
    - حسناً اجلسي معي قليلاً.. ما رأيك بشرب فنجان
    من القهوة؟
    شعرت بالراحة.. وجلست.. كنت أشعر أنها تفهمني..
    نوعاً ما..
    كانت تصب لي القهوة من البراد حين قالت..
    - شكلك تغير يا أحلام!
    - أنا؟
    - نعم.. لا أعرف.. لبسك أصبه أهدأ من السابق..
    ألا تلاحظين ذلك؟
    - أهدأ؟ لماذا هل كان يصرخ؟ هه..
    - أعني.. حتى عيناك.. شيء ما تغير..
    ناولتني الفنجان.. وجلست أمامي بعد أن أغلقت
    الباب..
    وبقيت صامتة تنتظرني أتكلم..
    ثنت متوترة في البداية.. ثم .. بعد قليل.. وجدت نفسي
    أتحدث ببطء..
    - أستاذة أسماء..أنا بصراحة.. لا أعرف.. أشعر
    أني.. أريد أن أقترب من الله.. لكن.. أنا خائفة..
    أشعر أني لا أستطيع.. لا أستطيع الاستمرار في
    الصلاة والحجاب وغير ذلك.. أخشى أن لا أستطيع
    المواصلة..

    تنهدت ثم أكملت..

    - بصراحة أستاذة أسماء.. أنا ولا عمري صليت..!

    بقيت صامتة..

    - (لا تستغربي.. فأنا أعيش في بيت لا أحد فيه يهتم
    بي.. لم يأمرني أحد بالصلاة منذ طفولتي.. أعيش في
    منزل والدي الذي لا أراه مع جدتي المسنة منذ أن كنت
    في الخامسة.. وأمي متزوجة ولا تريدني.. لم يعلمني
    أحد يوماً ما هو الخطأ والصح.. الكل يكرهني..
    ويعتبرني عالة.. لم أشعر يوماً بالحب أو الاهتمام..
    حتى أنتم يا أستاذة أسماء.. لم تقترب مني أستاذة
    يوماً لتنصحني وتربت على كتفي بحنان وحب.. الكل
    كان يصرخ في وجهي ويعتبرني سيئة ووقحة.. لذا
    كنت أعاملهم بالمثل..
    كنت أشعر بنظرات المدرسات القاسية التي تنظر لي
    بكره ونفور..
    لماذا؟ لماذا لم تنصحني مدرسة واحدة لا في المدرسة ولا
    في الجامعة؟.. كلهن يتجنبن مواجهتي.. أو ينصحنني
    بترفع وفوقية وبصوت عال..)

    أخذت أبكي..

    ( كيف لمن هي مثلي أن تتوب.. وهي تغرق.. ولا أحد
    يمد يده إليها؟ قولي لي.. أنا خائفة الآن.. لأني مللت
    هذه الحياة.. ومللت الضياع.. وأريد أن أجد نفسي
    التائهة.. وأرتاح..)

    نظرت إلي أسماء بتأثر..
    وقالت بهدوء..

    (الإنسان كلما ابتعد عن خالقه.. كلما شعر بأنه صغير
    وضعيف وضائع..
    نحن نستمد قوتنا منه سبحانه.. فكلما اقتربنا منه..
    شعرنا بالراحة والطمأنينة والأمان..
    إذا أردت العودة لربك.. فابدئي بذلك... الله سبحانه
    وتعالى يمد يديه إليك لتتوبي.. ينتظرك.. يتشوق
    لعودتك إليه..
    وتأكدي أن توبتك.. هي لنفسك أنت.. وليست لأحد
    آخر)

    نظرت إلي بثقة ثم قالت..

    (قولي لي يا أحلام.. نبي الله ابراهيم عليه السلام..
    كان يعيش في مجتمع كافر أليس كذلك؟)

    (نعم)

    (والداه كافران.. وقومه كفار.. وليس هناك من يوجهه
    ولا من ينصحه.. فكيف اهتدى لعبادة الله سبحانه
    وتعالى؟)

    ( من نفسه..)

    (وهل ساعده أحد.. هل أيده أحد؟ كلا على العكس
    استهزأ به قومه ثم حاربوه وكادوا يقتلونه..)

    نظرت إليها باستغراب..

    (إذا بقينا ننتظر من يأخذ بأيدينا لنتوب.. فقد ننتظر
    طويلاً.. وقد يفوت الأوان دون أن نشعر..
    إنها حياتك أنت لا حياة أحد غيرك... حددي مسارها..
    إلى النار.. أم إلى الجنة..
    كوني قوية.. وابدئي الآن..
    وإذا كنت صادقة التوبة والعزيمة.. فستواصلين بإذن
    الله)..

    * *

    صليت العشاء.. ثم السنة الراتبة..
    واستلقيت على سريري بهدوء وراحة لم أعشها في
    حياتي من قبل وأنا أستمع بلذة لإذاعة القرآن الكريم..
    دون الرغبة في الهروب هذه المرة..


    **
    انتقاء من مجلة حياة العدد (65) رمضان 1426هـ

    - 34 -

    في رحيلها الـ ...



    هناك أشخاص يمرون في حياتك..
    فيتركون أثر جرح.. وهم كثر..
    وأشخاص يمرون.. فيتركون رائحة عطر.. وهم قلة..
    وآخرون يمرون..
    فيتركونك.. شخصاً آخر..!
    وهؤلاء..
    قد لا تراهم سوى مرة واحدة في حياتك..
    بثينة كانت من ذلك النوع..
    - لا أعرف لماذا لم يجدوا غير هذه المراييل السخيفة ليرغمونا على لبسها؟!!
    تبتسم وهي تقلب صفحات دفترها وتهز كتفيها..
    - هه!.. ربما لأنهم لم يجدوا ما هو أسوأ منها!
    - بالفعل.. أنت صادقة.. تبدو كأثوابٍ رجالية! خاصة وأن لونها الرمادي كئيب جداً ويشجع على كره المدرسة والرسوب.. بل حتى على فكرة الانتحار..!
    - أففف!.. انتحار مرة واحدة!!.. حرام عليك.. كان خلصوا بنات المدرسة!
    يأتي صوت المراقبة أبلة العنود..
    - يا الله يا بنات.. طوابير.. يا الله.. الله يجزاكم خير.. صفرت من خمس دقايق..
    - طيب طيب.. بشويش علينا..!
    تضحك بثينة.. وتهمس لي..
    - أي (بشويش) يا روان؟! المرة مسكينة قاعدة تترجانا.. أنت اللي بشويش عليها..
    نقف بملل في الطوابير..
    لا تشدنا الإذاعة المدرسية التي لم تتغير طريقتها منذ المرحلة الابتدائية.. (هل تعلم).. (حكم وأمثال).. تتكرر على مسامعنا كل سنة..
    أهمس لفدوى التي كانت تقف أمامي في الطابور..
    - رأيت كليب (فلانة) الجديد أمس..؟
    ترد بفزع..
    - لا.. ! أي كليب جديد.. ما شفت شي أمس؟
    - يا شيييييخة.. معقولة؟ فاتك نص عمرك..!
    تهمس لي بخوف كيلا تسمعها المراقبة..
    - وييين؟.. متى شفتيه..؟
    - في قناة الطرب.. بس شي خيااااال.. اليوم أقول لك قصته..


    نسكت قليلاً بينما تستمر الإذاعة..
    (هل تعلم أن سرعة عطسة الإنسان تبلغ 60 كم في الساعة.. وأن..)
    تكمل فدوى همسها..
    - وشلون طالعة في الكليب..؟
    - يوووه.. يبغالها جلسة.. اصبري إن شاء الله في الفسحة..
    بدا التضايق على بثينة وهي تسمع حوارنا..
    فلاطفتها بابتسامة اعتذار تعرفها جيداً.. وهي تنظر إلي بحزن..
    - بس يا اللي ورا!!!
    تصرخ الوكيلة المخيفة..
    ويسود الصمت للحظات..
    ثم تسير الطوابير..


    * * *

    حاولت مراراً أن تقنعني بأن أسجل معها في الدار..
    لكني كنت أتحجج بأشياء كثيرة..
    (ما عندي وقت.. ما عندي مواصلات.. صعبة.. ما أقدر أحفظ.. أخاف أتفشل..)
    وحين سجلت في ناد رياضي..
    اكتفت بأن واجهتني بابتسامة عتاب فهمتها بسرعة..
    كان لبثينة بريق خاص في عينيها..
    كانت فتاة هادئة.. خجولة.. وقوية في نفس الوقت..
    لا أعرف لماذا كان الجميع يقولون أنهم يشعرون براحة عجيبة عند الجلوس معها أو التحدث معها..
    تشعرين أنك مع إنسانة صادقة.. صافية السريرة تماماً مثل مرآة.. هادئة حد الدفء..
    وكان الجميع يستغرب أن نكون صديقتين.. رغم اختلافنا..
    كانت تقول لي دائماً..
    - فيك خير كثير يا روان.. أنت إنسانة رائعة.. فقط.. فقط لو تتركين عنك بعض المنكرات..
    - يوووووه.. عاد سويتيها (منكرات).. أنا بس اسمع شوية أغاني..
    - والدش؟
    - أي دش..؟ أنا بس أشوف شوية كليبات ومسلسلات علشان أشوف الناس شلون تلبس وتتمكيج.. بس!.. صدقيني هذا بس اللي يهمني..!
    - لكن هل تشعرين أن هذا الشيء صحيح؟ ماذا لو لاقيت ربك.. اليوم.. أو غداً.. ألن تندمي على هذا؟
    فأسكت..
    - الله يهدينا يا بثينة.. ادعي لي بس..
    ورغم استغراب الجميع من صداقتنا..
    إلا أن بثينة كانت تعلم كم هو قلبي صاف على الآخرين.. وأنني أحافظ منذ صغري على الصلاة والسنن.. وأحب عمل الخير.. ومناصرة الحق.. وكم أن مسألة الأخلاق والحشمة هامة لدي.. وكذلك بر الوالدين..
    لم أكن أحب الغيبة.. ولا النميمة والكذب..
    كانت هناك لدي فقط أمور.. لا أعرف لماذا تلطخ بياض أعمالي الصالحة.. ولا أستطيع تركها.. سماع أغاني.. غفلة.. انشغال بتوافه الأمور.. وكنت أتحجج بأننا لا نزال صغاراً في السن.. ولا بأس علينا بذلك!


    * * *

    في آخر يوم من أيام اختبارات سنة ثالث..
    كان يوماً بارداً.. لم نستطع فيه الجلوس كما خططنا في الساحة..
    ولم تكن لدينا شهية لأن نطلب من مطعم كما خططنا أيضاً..
    اكتفينا بوداعٍ حزين تخالطه الدموع الحارة..
    وتبادلنا شيئاً من هدايا بسيطة..
    ناولتني بثينة علبة هدية جميلة..
    - أرجوك.. يا روان.. اقرئي هذه الكتيبات واسمعي الأشرطة التي انتقيتها لك.. إنها رائعة..
    - إن شاء الله..
    ابتسمت والدموع تترقرق في عينيها..
    - ولا تنسيني...
    كنت أحاول التظاهر بأني قوية ومتماسكة..
    لكن حين تذكرت صبر بثينة علي طوال السنوات الماضية ومحاولاتها المتواصلة لنصحي وتغييري وهدايتي شعرت بالعطف والحزن عليها.. وبأني قاسية ومخيبة للآمال.. فانهرت بالبكاء.. ورجوتها أن تسامحني..


    * * *

    نسيت أمر الهدية في معمعة الإجازة..
    لم أقرأ كتيبات بثينة.. ولم أسمع أشرطتها.. بل لم أفتح العلبة أصلاً..
    سجلت في الجامعة.. انشغلت..
    لم أتواصل معها على الهاتف إلا مرتين أو ثلاث..
    ثم انقطعنا..
    مضى عام كامل.. عامان..
    في السنة الثالثة من دراستي الجامعية..
    ودون مقدمات.. أتاني الخبر عبر موجات الجوال..
    - روان!.. هل عرفتِ ماذا حصل؟
    - ماذا؟
    - بثينة هل تذكرينها؟
    - كيف لا أذكرها.. إنها صديقتي..
    - توفت الله يرحمها.. حادث سيارة في طريق عودتهم من العمرة..
    توفت.. توفت.. توفت؟؟؟ هكذا بكل بساطة.. زالت بثينة من هذه الحياة..
    معقولة.. بثينة؟ صديقتي الحبيبة..
    لم تعد.. موجودة..؟!
    لا أستطيع رؤيتها أبداً؟!


    * * *

    الأشخاص الرائعون لا نشعر بقيمتهم إلا حين نفقدهم..
    كنت أواعد نفسي بزيارتها ورؤيتها.. في وقت ما..
    لا أعرف.. حين أنتهي من (الانشغال)..
    والآن.. ها أنا أزور بيتهم معزية..
    أخذت أبكي بحرقة..
    كيف اختفت بثينة هكذا..؟
    كانت تذكرني دائماً بأن الموت قد يخطفنا في أية لحظة.. لكني لم أتخيل أنه يمكن أن يأتي بهذه السرعة.. بهذه.. الـ (مفاجأة)!!
    سبحان الله..!
    الآن هي تواجه منكر ونكير في قبرها.. هي تسأل..
    تعرض عليها أعمالها الصالحة والسيئة..
    بكيت كثيراً وأنا أتخيل وحشتها في قبرها..
    كان بالإمكان أن أكون أنا مكانها..
    وتذكرت رجاءها لي أن أقرأ كتيباتها التي أهدتني..
    شعرت بعطف كبير عليها.. وحين عدت للبيت أسرعت أحقق رغبتها..
    وكأنه أبسط ما يمكن أن أفعله من أجلها.. بعد رحيلها..
    فتحت العلبة وأنا أغالب دمعي وأخرجت الأشرطة والكتيبات لكي أقرأ وأسمع..
    وإذا بورقة تسقط من بينها.. ملفوفة بشريط من الساتان..
    رسالة..!
    ياااه!.. من ثلاث سنوات.. ولم أقرأها إلا الآن..؟!
    فتحتها بحرص.. وبدأت أقرأ وأبكي..
    حتى وصلت لمقطع هزني..
    (سأظل أدعو لك يا روان.. وسأظل أدعو الله أن يجمعنا في الفردوس الأعلى من الجنة..
    وكم أتمنى أن تدعي أنت أيضاًمعي.. وأن نبذل قصارى جهدنا لنحقق هذه الغايةالعظمى..
    وننعم بصحبة الأنبياء والأولياء.. ادعي معي يا روان.. لا تنسي!)



    بكيت كثيراً..
    إذاً.. كانت تدعو منذ ثلاث سنوات.. وأنا؟
    أنا.. لاهية.. غافلة.. أتابع هذه القناة وتلك.. وهذا الشريط وذاك..
    لقد عملت هي... فهنيئاً لها إن شاء الله..
    لكن أنا.. ماذا عملت؟
    منذ هذه اللحظة قررت أن أبدأ في تحقيق أمنيتها بإذن الله..
    الفردوس..
    وبدأت طريقاً جديداً أتدارك فيه ما مضى من عمري..
    ورغم أن بثينة – رحمها الله- قد مرت في حياتي ورحلت..
    لكنها تركتني شخصاً آخر.. تماماً..
    وندرة هم من يغيرونك.. حتى بعد رحيلهم..

    - 35 -

    في مكان .. اسمه قلبي



    - أففف.. الدرس ممل.. (يحوم) الكبد!!
    - خخخخخ.. ومتى ما صار كذا؟
    - أقرف من فيثاغورس وشلته.. ناس مريضين.. وجابوا لنا المرض بنظرياتهم..

    تصرخ المعلمة..
    - مريفة وندى.. خير؟ وش عندك؟
    - ما فيه شي يا أستاذة.. نتناقش في الدرس..
    - ما شاء الله.. من زود الحرص..!

    ونظرت إلينا نظرات (حارقة).. ثم صرخت..
    - قومي يا مريفة.. قومي على السبورة حلي المسألة..
    - شكراً يا أستاذة.. ما يحتاج..
    - وشو اللي ما يحتاج؟!
    - خلي درجات المشاركة لغيري.. عندي درجات كثيرة..
    ضحكت الطالبات..
    - أقول.. عن الاستهبال.. وقومي..!
    سحبت نفسي بتثاقل من الكرسي المحشور قرب الجدار في آخر صف..
    - إنا لله.. والله يا أستاذة حصة حرام.. تضيعين وقتك ووقت الطالبات..
    صمتت وهي تنظر إلي..
    وحين وقفت أمام السبورة..
    - يالله قدامك مثلث طول ضلعيه 9 سم و12 سم.. كم طول الوتر؟
    - الله أعلم..
    - أقول يا مريفة.. ترى زودتيها..
    - والله يا أبلة.. ما أدري..
    - نظرية فيثاغورس..!
    همستُ بتحسر..
    - الله ياخذ فيثاغورس جعله الحمى..
    - معقولة؟! هذي ثاني سنة تعيدينها.. ولحد الآن ما تعرفين نظرية فيثاغورس؟؟
    - وشو اللي خلاني أعيد السنة غير هالـ (فيثاغورس) حسبي الله عليه؟
    نظرت إلي بهدوء نظرة عميقة.. ثم همست..
    - ارجعي مكانك..

    * * *

    رغم كسلي ومشاغبتي..
    فمعظم المعلمات كن يحببني ويتقبلن شقاوتي بصدر رحب..
    وكن يسألن عني في حال غيابي ويعتبرنني متعة الفصل..

    أما في البيت..
    فكنت مختلفة تماماً..
    حين أدخل أشعر أني ألج إلى سجن مخيف مظلم..
    والد متسلط قاسٍ.. متزوج من امرأة أخرى ولا يزورنا سوى يوم أو يومين في الأسبوع.. فقط ليثور ويصرخ ويتأكد من أنه لا يزال يسيطر علينا بغضبه وظلمه..
    وأم ضعيفة أنهكتها الأمراض العضوية والنفسية..
    وثلاثة أخوة فاشلين في الدراسة وفي الحياة..
    كنت أنزوي في غرفتي لا أعرف ماذا أفعل.. أهرب للنوم.. محادثة الصديقات على الهاتف.. وقراءة مجلات الشعر الشعبي.. وأكتب القصائد في حبيب لا يعيش إلا في خيالي..
    كان هذا عالمي..
    لا أخرج منه إلا حين أسمع صوت صراخ أبي على أمي..
    أو حين يأتي أحد أخوتي آخر الليل وهو غائب العقل والوعي.. ويتشاجر مع أمي..
    أو..
    حين تناديني أمي لأشرب معها القهوة في الليالي الباردة الموحشة..
    فأجدها تجلس وحدها في المجلس.. الذي يفوح برائحة عودها.. أجدها تمضغ وحدتها وألمها.. وخيبتها في ثلاث شباب يافعين..
    مسكينة هذه المرأة..
    ضعيفة.. محطمة..
    افترسها الألم والمرض فلم يبق منها سوى بقايا قلب جريح..
    لكن.. كما أحبها.. وأستدفئ بوجودها في هذا البيت الموحش..
    فإني أكره ضعفها وسلبيتها.. وهزيمتها.. وحزنها..
    وأتمنى أن أكون امرأة أخرى على عكسها تماماً..
    أحب أن أكون قوية.. ناجحة.. محبوبة..
    و.. سعيدة..
    حين أخرج للمدرسة.. أرتدي شخصيتي الأخرى.. التي رسمتها لنفسي بدقة..
    فتاة قوية مرحة.. محبوبة.. سعيدة.. لا تهتم ولا تبالي بشيء.. لا تخيفها الدراسة ولا المدرسات ولا حتى المديرة..
    الكل يعرفني في المدرسة فأنا مشهورة رغم كسلي.. كان الجميع يحبني.. وكنت محور اهتمام المدرسات والطالبات في كثير من الأحيان..

    * * *

    كنت أشعر بالغثيان أثناء درس التاريخ.. أصوات الخيول والسيوف أرهقتني.. استأذنت..
    كانت الساحة خالية..
    والسماء ملبدة بالغيوم..
    قطرات خفيفة من المطر بدأت تتساقط هنا وهناك..
    جلست على (دكة) أمام دورات المياه وأخذت أنظر للسماء الحالمة..
    و.. بكيت بهدوء..
    شعرت أن الأم حياتي كلها أصبحت أمام عيني في تلك اللحظة..
    كنت وحيدة وصغيرة.. تحت السماء العظيمة المتلبدة بالغيوم..
    كانت أمي قد دخلت المستشفى منذ أيام.. ولا أحد يعلم بذلك هنا..
    فكرت.. ماذا يمكن أن يحصل لي لو..
    لو.. توفت أمي..لا!.. يا رب.. يا ربي.. احفظها لي..
    لا أستطيع حتى التفكير في ذلك..
    أنا الآن شبه يتيمة.. فماذا لو فقدتها..؟
    أخذت أبكي.. على حالي.. وعلى أشياء كثيرة.. في حياتي..
    ابتل وجهي بالدموع واختلطت مع قطرات المطر على وجهي..
    شعرت بالبرد..
    وانتبهت لأن الوقت قد مر علي..
    وحين هممت بالوقوف.. فوجئت بأمل تقترب مني وهي مستغربة..
    - مريفة؟!! ما بك؟
    - هه.. لا شيء..
    - شكلك غير طبيعي..
    - لاشيء.. جلست قليلاً أرتاح.. فابتل وجهي..
    سكتت أمل وعلى وجهه ملامح استغراب..
    - مجرد ألم في بطني.. لا تخافي..
    وأسرعت نحو فصلي وأنا أمسك ببطني متظاهرة بالألم فيه..
    بينما الألم في مكان أعلى بقليل..
    مكان لا يعرفه أحد.. اسمه.. قلبي..


    **
    مجلة حياة العدد (67) ذو القعدة 1426هـ

    - 36 -

    ذهبت.. ولن تعود

    كنت في الصف الثاني الابتدائي..
    أضع في فمي المصاصة الحمراء وأسحب حقيبتي الثقيلة منتظرة وصول حافلتي مع صديقاتي..
    وفجأة سمعت صوت والدي في الميكرفون ينادي على اسمي عدة مرات.. (منال خالد.. منال خالد).. خرجت مسرعة.. ويا لفرحتي! رأيت والدي وهو يقف قرب الباب مرتدياً نظارته السوداء.. أسرعت إليه.. فربت على كتفي وحمل عني حقيبتي..
    كنت مستغربة وفرحة جداً في نفس الوقت لأني عدت مع والدي لأول مرة ولم أرجع في الباص المزدحم كالعادة..
    لكني لم أسأله لماذا أتى ليأخذني من مدرستي..
    وأخذت أسرد عليه ماذا قالت المعلمة أسماء وماذا فعلت صديقتي روان بدفترها وأريته الحلوى الغريبة التي اشتريتها من المقصف..
    كان صامتاً تماماً.. وحين توقف عند الإشارة نظر إلي نظرة غريبة ثم قال..
    (خلاص حبيبتي منول.. أنا وماما ما راح نعيش مع بعض.. بتروح بيت خوالك..)..
    قلت بثقة وببراءة..
    (إيه.. بتروح وترجع..)
    لكنه نظر بجدية..
    (لا ما راح ترجع يا بابا.. خلاص.. حنا تطلقنا)..
    ما راح ترجع؟ خلاص؟! تطلقنا؟!
    لم أكن أقدّر معنى هذه الكلمات..
    (ما راح ترجع؟.. يعني.. طوووووول عمرها؟)
    (إيه..)
    شعرت بالخوف.. ودق قلبي الصغير بعنف..
    (يعني تخلينا وتروح عنا؟!!)
    تنهد وأمسك المقود..
    (لا حبيبتي.. بتروحين معها..)
    (بس.. أنا أبيك.. ما أبي أروح.. ما أبي أخليك..)
    شعرت بغصة في قلبه.. وهو يرد علي..
    (وأنا أبيك حبيبتي.. بس.. مين يهتم فيك ويغير ملابسك؟.. مين يمشط شعرك للمدرسة؟.. لازم تروحين مع ماما..)..
    سكتنا وأنا غير مصدقة لما يقوله والدي..
    وحين وصلنا إلى منزل أخوالي..
    حملني والدي على كتفه..
    شعرت بأن الأمر حقيقي.. فتعلقت بعنقه بشدة وبكيت..
    مسد شعري بأصابعه.. وضمني.. (خلاص حبيبتي.. بتشوفيني كل أسبوع.. يا الله صيري مؤدبة وطيبة)
    أخرج من جيبه خمسين ريالاً..
    وأعطاني..
    (يا الله خذي هذي "الخضراء" واشتري فيها اللي تبين..)
    (ما أبي الخضراء.. أبيك)
    فُتح الباب.. فضممته بقوة.. ثم دفعني بلطف للداخل.. وأسرع نحو سيارته..
    وكانت آخر لحظة دفء في حياتي من صدر والدي..


    × × ×

    عشت مع والدتي في بيت جدتي أنا وأخي الصغير..
    وافتقدت مدرستي القديمة..
    وصديقاتي.. وغرفتي الجميلة..
    كنا نزور والدي أسبوعياً..
    لكن.. بعد فترة.. بدأت أشعر بالملل من هذه الزيارة..
    فوالدي لم يعد والدي.. والبيت أصبح كئيباً موحشاً.. بعد أن تركناه..
    كنت أشعر بالملل لجلوسي شبه وحيدة هناك..
    وكان والدي يحاول تعويضنا بالخروج بنا وشراء اللعب..
    لكن دون جدوى..
    وبعد فترة قطعنا الزيارات..
    وأصبحت أكتفي بمحادثته بالهاتف..
    كنت أسأل أمي كثيراً.. لماذا لا تعودين إلى أبي..
    لماذا لا نعود كلنا إلى بيتنا مثل السابق؟..
    لم أكن أشعر بأية صعوبة في ذلك؟
    كان عقلي الصغير لا يرى أي عائق في ذلك؟!
    وكانت أمي تقول.. إن أباك هو من لا يرغب بذلك..
    وحين كنت أسأل أبي.. كان يقول.. أمك التي لا تريد..
    ولم أفهم شيئاً..


    × × ×

    بعد فترة.. شعرت أن والدي لم يعد يسأل عنا.. ولا يخرج بنا ولا يهاتفنا..
    علمت من أمي.. أنه تزوج..
    لم أستوعب كيف يمكنه أن يتزوج امرأة غير أمي..!
    وبعد عدة أشهر أخذنا والدي لنرى زوجته..
    أمي كانت أجمل منها..
    أعطتنا بعض الحلوى.. لكنها لم تضمني ولم تمتدح فستاني الجديد.. وكانت تشبه أبلة نورة في المدرسة..
    كنت في الصف الرابع.. حين قالت لي والدتي أن علي أن أذهب للعيش مع أبي.. وزوجته..
    سمعتها تقول لخالتي..
    (على كيفه؟! هو يتزوج ويخلي العيال عندي.. لا والله.. أرميهم عليه وعليها.. وأشوف حالي..)
    لم أفهم معنى كلامها جيداً..
    لكني.. شعرت بالألم لأنها قالت عنا (أرميهم).. لماذا ترمينا أمي؟ ماذا فعلنا؟
    ذهبت لبيت والدي..
    وجدت أن غرفتي تغيرت.. أصبح جزء منها مكاناً لملابس الغسيل والكي.. لم أحب هذا..
    وقلت لماما هدى.. لكنها قالت أنها لا تستطيع تغيير الغرفة..
    يجب أن أصبر وأسكت..
    حسناً.. لا بأس..
    علمتني أن علي أن أجلس في غرفتي حين تجلس هي مع والدي في الصالة لمشاهدة التلفاز..
    كنت أتمنى أن أذهب وأجلس معهم كما كنت أفعل مع أمي وأبي..
    لكنها علمتني ألا أطلب ذلك
    حتى..
    كان والدي يناديني أحياناً وهو في الصالة..
    - منولي.. تعالي بابا اجلسي معنا..
    كنت أحترق لذلك.. لكني كنت أجلس في غرفتي بملل.. وأرد..
    - ما أقدر.. عندي واجب بأحله..


    × × ×

    ذات يوم سألتني الأخصائية الاجتماعية عن زوجة أبي.. هل تضايقني أو تؤذيني؟..
    لم أعرف ماذا أقول..
    كلا.. لم تؤذني بالفعل.. لم تضربني.. ولم تصرخ علي.. ولم تحرمني من شيء.. ولم تدفعني لأن أعمل مثلاً..
    كلا.. كانت تهتم بي وبنظافتي.. وبملابسي.. وبغرفتي.. وبدراستي أحياناً.. وتعطيني الحلوى إذا أطعتها..
    لكن..
    - لكن ماذا يا منال؟
    - لا شيء..
    لم أكن متأكدة أن الأخصائية الاجتماعية ستفهم..
    فسكت..
    كنت أفتقد أشياء كثيرة..
    أفتقد الحب.. الحنان.. والأهم من ذلك.. الأمان..
    الشعور بالأمان كما تشعرين مع أمك حين تشاغبين قليلاً أو تطلبين المزيد من الحلوى.. مهما غضبت.. فهي أمك..
    هذا الشعور الرائع بالأمان معها وبالعفوية..
    زوجة أبي.. كنت دائماً أشعر بأنها مثل المعلمة نورة إدارية الحضور والغياب..
    أعاملها باحترام.. وتعاملني باحترام..
    لكن لا أستطيع أن أرمي برأسي على صدرها.. أو أن أطلب منها أن تحك لي ظهري مثلاً!
    لا أستطيع أن أرجوها بشدة أن أجلس معها ومع والدي لمشاهدة التلفاز في المساء..
    لا أستطيع أن أطلب منها أن تجلس عند سريري في الليل أو تنام معي حين أشعر بالخوف..
    كنت أكتفي بأن ألف نفسي بالغطاء جيداً.. وأبكي حين كابوساً مرعباً..
    وكنت مجبرة على أن أتركها تقص شعري قصيراً للغاية لأنها لا تريد أن تمشط شعري كل صباح..
    كنت.. أخاف منها.. أو من (زعلها)..
    ومع كل هذا الألم كنت أقوم بدور الأم مع أخي الذي يصغرني بعامين..
    فكنت أقرأ عليه القرآن حين يشعر بالخوف في الليل.. وأمشط شعره في الصباح.. وأقص عليه القصص..


    × × ×

    كان أجمل يوم عندي.. حين يأخذنا والدي لزيارة أمي شهرياً..
    كنت أضحك طوال اليوم..
    وأصر على أن أنام قربها في الليل..لأشم رائحة أنفاسها التي تبعث في نفسي الطمأنينة والدفء الذي افتقدته منذ سنوات..
    وفي النهار.. كنت أستمتع بالأفعال التي لم أكن أستطيع فعلها مع زوجة أبي..
    كنت أفتح أدراج أمي.. وألعب بكريماتها وبودراتها.. أرتدي أحذيتها.. وخواتمها..
    وكنت أطلب منها أن تحك ظهري كلما سنحت الفرصة!
    وأجعلها تقص علي القصص..
    وكنت أجتر ذكريات هذه الزيارة لعدة أيام بعدها..
    وحين ولدت زوجة أبي وبقينا لدى أمي لمدة شهر ونصف.. كانت تلك أسعد أيامي..
    لكن.. لم أكن أعرف أن هذه القطيرات القليلة من السعادة مع أمي.. ستنضب.. وتتلاشى من حياتي.. إلى الأبد..
    فبعد عدة أشهر.. عرفت أن أمي ستتزوج.. وترحل لمدينة أخرى..
    أمي تتزوج؟.. وتسافر؟
    لكن.. كيف سأراها وأزورها؟
    بكيت وقلت لأمي..
    (ليش تتزوجين؟ لا تتزوجين.. أنتي زوجك أبوي وبس..)
    لم ترد علي أمي.. لكن جدتي أقنعتني أن هذا أمر ضروري.. وأننا سنراها كل صيف بإذن الله..
    وافتقدت أمي طوال سنة كاملة..
    ذهبت لمنزل جدتي عدة مرات.. لكنه كان خالياً دون أمي..
    وجدتي لم تعد ترحب بنا كثيراً.. خاصة مع كبر سنها ومرضها ومع شقاوة أخي المتزايدة..
    وفي الصيف.. جاءت أمي..
    ضممتها وبكيت بشكل لم أتصوره..
    أما أخي.. فرفض أن يسلم عليها إلا بصعوبة..
    كنت أعرف حجم اللوم والعتاب في قلبه الصغير..
    قلت لها كم افتقدتها وكم أتمنى أن تبقى هنا طويلاً..
    لكنها لم تبق سوى عدة أيام وذهبت..
    عرفت رقم هاتفها وأصبحت أتصل عليها وأحادثها..
    وطلبت منها أن أزورها إن لم تكن تستطيع القدوم..
    فتلعثمت.. وقالت لا أتوقع أن والدك سيوافق..
    لكن مع إلحاحي عليها رحبت بي..
    وبالفعل أقنعت والدي.. وفعلت المستحيل لأرضيه وأجعله يوافق على ذهابي في الصيف إلى أمي..
    وحين وصلت.. ودخلت بيتها..
    داهمني شعور غريب..
    لم أشعر بـ.. الأمان..
    لم أشعر بأني في بيت.. أمي..
    بل في بيت رجل غريب..
    سلمت عليه لأول مرة..
    كان أكبر سناً من أبي.. وأقصر..
    رحب بي.. لكن.. لا أعرف لماذا.. لم أشعر بأنه سعيد لوجودي..
    حتى أمي كانت متوترة وشعرت أنها شبه محرجة من وجودي..
    أرشدتني لغرفة الضيوف وبدأت تملي عليَّ التعليمات الكئيبة..لا تخرجي من الغرفة وتتجولي في البيت دون سبب.. استخدمي هذا الحمام فقط.. لا تجلسي في الصالة إذا كان موجوداً.. لا تقتربي من غرفة النوم.. لا تسببي أي إزعاج عند وجوده..
    وبدأت أشعر بالوحدة والألم..
    وحين ذهب للعمل جلست في الصالة.. نظرت لغرفة أمي.. كنت أتمنى أن أدخلها.. وأن أفتح أدراجها كما كنت أفعل سابقاً.. وأتقلب على سريرها.. لكني تذكرت تعليماتها فخفت.. وشعرت بأن أمي بعيدة عني جداً ولن تعود كما كانت..
    ورغم أني كنت في الصف السادس.. لكني كنت ذات شعور مرهف.. وكنت شديدة التحسس.. وعرفت كم أن وجودي مؤذ في حياة أمي الحبيبة.. فقررت أن أنسحب بكل آلامي..
    وعدت بعد أن أمضيت ثلاثة أيام فقط لديها.. بعد أن كنت أنوي البقاء لمدة شهر..
    ولم تمانع أبداً في ذهابي..
    وعرفت في هذه الرحلة أني أصبحت شيئاً مخجلاً لأمي وأن علي ألا أحاول الذهاب إليها مرة أخرى.. لا فائدة.. فأمي القديمة ذهبت.. ولن تعود..



    **
    مجلة حياة العدد (68) ذو الحجة 1426هـ
    37 -


    غيداء بنت خالد المحيميد

    الإرادة تصنع الأحلام

    منذ أن كنت في أولى سنوات العمر كانت هواية الرسم تسير في عروقي.. أهواها كثيراً وأحب كل شيء يتعلق بها أحب أن أكون رسّامة يشار إليها بالبنان.. أحببت لوحتي وفرشاتي.

    كنت أقضي كل يومي في الرسم.. أما عن رسمتي المفضلة فهي (الغروب) هو إحدى الرسمات المحببة إلى قلبي..
    لا أدري هل لأنه مناسب لحالي؟! حالي منذ أن كنت في السابعة من عمري وأنا مختلفة عن باقي الأطفال لم أذق للطفولة معنى ولم أعش أيامها.. الكرسي المتحرك هو من فرض نفسه عليّ.. هو من هدم لي حياتي وحطم لي أحلامي..
    أصبح يلازمني في كل مشاويري حتى في أوقات نومي أحياناً..


    لا زلت أذكر ذلك الحادث جيداً الذي سلم منه الجميع إلا أنا بمشيئة الله..

    مكثت حينها أياماً في المشفى
    وعندما خرجت.. لم تلامس قدماي الأرض حتى هذه اللحظة..


    كنت لا أعرف وقتها ما معنى الإعاقة أو أن أجلس في هذا الكرسي طيلة حياتي...

    فقدت حينها أغلى ما أملك
    وفقدت معه متعة حياتي الوحيدة وهي أن ألعب وأجري مع أخوتي مجدداً أو أن أخفي نفسي خلف الباب فتأتي أختي لتفاجئني من الجهة الأخرى..


    آآآآه الأمنيات كثيرة هنا ويبدو من الصعب تحقيقها، في البداية فقدت الأمل.. كنت دائماً أردد في مسامعي بأني إنسانة لا معنى لها في الحياة..
    أصبح الكل لا يهتم بي.. أبي أخوتي، حتى أمي لا أراها إلا عندما تصدر أوامرها لخادمتي الخاصة التي من الممكن هي الأخرى أن تمل من جلستي يوماً ما... فكنت أذهب دائماً إلى أنسي الوحيد.. إلى لوحتي وفرشاتي حتى أنسى همومي.. أحاول أحياناً بمسك فرشاتي لأرسم مجدداً، وما أن أضعها على اللوحة إلا وأرى نفسي قد انتهيت من رسمتي


    رسمت (الغروب) الذي غربت معه حياتي.. وستبقى كذلك للأبد دون تغيير.. فكل شيء في الحياة تحول، خاصةً في منزلنا.. أخوتي الذين أجلس معهم تغيروا كبروا واستقلت حياتهم مع أزواجهم وأبنائهم.... إلا أنا وحدي لم أتغير.. حتى الكرسي المتحرك لم يتغير إلا مرة واحدة عندما سقطت من أعلى السلم.. يومها حاولت الوقوف لم أستطع حاولت وحاولت لكن دون جدوى، عرفت حينها عجزي تماماً عن الحركة، فأخذت أبكي وأبكي.. فما كان من أهلي إلا أن أتوا لي بكرسي آخر. أذكر تلك اللحظة جيداً كنت فرحة جداً به... سبحان الله.. كل الأطفال يفرحون بألعابهم الجديدة وأنا الآن فرحة بهذا الكرسي.. يبدو لي أنه حتى أوقات فرحتي تقتصر على حالي.

    * *

    بقيت على هذا الحال عدة سنوات.. حتى منّ الله علي بزوج صالح، كان أسعد خبر لي في حياتي أو بالمعنى الأصح هو أول خبر فرحت فيه، زوجي.. هو الذي أبدل لي حياتي، وأعاد البسمة إلى شفاهي.. كان دائماً يسمعني كلمات رائعة تدخل إلى قلبي فتشفيه من كل الهموم كالماء إذا ما انساب على صحراء إلا ويحولها إلى حديقة غناء، وكان يذكرني بربي وأن هذا هو قدري.. وماذا نريد نحن من الدنيا.

    بعد أشهر من زواجي علم زوجي بمهارتي في الرسم عن طريق أخوتي، فطلب مني بأن أرسم له لوحه من تصميم يدي، فتذكرت أني أتقن رسم الغروب فرسمتها له.. فأبدى إعجابه بها وأخذ يشجعني كثيراً، لكنه سألني عن سبب اختياري للغروب؟
    لم أستطع الإجابة! فأخذ الصمت يعم المكان.. ثم ما لبث إلا أن طلب مني رسم لوحة عن الشروق.. يبدو أنه فهم معنى الرسم.. أخذت الفرشاة من جديد وبدأت أولاً برسم الخطوط، وفجأة انتهيت من رسمة الغروب.. ترى هل لأني معتادة على رسمها؟
    أو أن الشروق بعيد حصوله!!
    لم يعلق زوجي على هذا فقط
    ابتسم، ثم قال: سترسمين الشروق يوما ما بإذن الله.. وبعدها خرج..


    أخذت أنظر إلى رسمتي.. انتابني شعور غريب نحوها..
    فأخذتها ومزقتها إلى قطع صغيرة والدموع منهالة على خدي.. يا إلهي لماذا أنا هكذا؟
    أستغفر الله.. أستغفر الله وأتوب إليك، اللهم ارحمني وفرج لي كربتي..


    * *

    بعد ثلاث سنوات من زواجنا وبعد الصبر والتوكل على رب العالمين
    رزقنا الله بطفلة جميلة كالقمر.. كان أسعد خبر لي في حياتي عندما علمت بذلك، كنت سعيدة رغم
    التعب والآلام.. كنت أتوق لرؤية من سكن أحشائي..


    وبعد أشهر طويلة جاء موعد
    الولادة.. في لحظتها كنت أتجرع الألم بكل فرح وارتياح..
    الحمد لله ها هي ابنتي خرجت على وجه الدنيا، أعجبني شكلها كثيراً ووجهها المحمر من كثرة البكاء والصراخ..
    أحسست رغبة شديدة للبكاء معها فحملتها وضممتها إلي بكل حنان وعناية، سقطت دمعة من عيني حارّة أحسست بحرارتها لأول مرة، ترى هل هي مشاعر الأمومة أم ماذا؟


    بعد أيام خرجت من المستشفى،
    وعند وصولنا للمنزل أحببت أن أفاجئ زوجي، فطبت منه الذهاب للعمل أولاً، وبدأت أنا بتجهيز المفاجأة..


    وعند عودته كانت المفاجأة بانتظاره.. لقد رسمت الحلم الذي كان يتمناه..

    نعم رسمت الشروق لقد أشرقت حياتي وغابت أيام الماضي الحزين.. ودفنت معه كل ذكرياتي الأليمة، لأبدأ من جديد..

    ها هي ابنتي أشرقت.. ومن شروق الحياة كان اسم ابنتي (شروق)..
    فأهلا بك يا نور فؤادي ومهجة قلبي...


    بعد ذلك تعاهدت أنا وزوجي على تربية (شروق) التربية الصالحة..
    وكانت تكبر وتكبر، ويكبر معها قلبي،


    وها أنا أراها في أجمل أيامها، تسبح في ثوبها الأبيض، ثوب الأحلام، ثوب زفافها
    وفقك الله يا بنيتي وجعلك زوجة صالحة لزوجك،

    ذهبت حوريتي، محتفظة بوصايا والديها... فعرفت حينها معنى الإعاقة جيداً، فالمعاق ليس بجسده وإنما بعقله..
    وبفضل الله ثم بإرادتي ... صنعة أحلامي ..




    **
    مجلة حياة العدد (69) محرم 1427هـ

    - 38 -


    نفحة اعتذار معطرة.. أبعثها مع كل الحب للغالية التي قد تعنيها القصة..
    لا أعني شيئاً هنا يا صديقتي.. سوى أنك إنسانة رائعة..


    صديقة الشمس



    حين كنت أحضر باكراً بالحافلة.. وأتوجه لقاعة الكافتيريا لأتناول فطوري..
    كنت أراها هناك..
    كانت تجلس في نفس المكان.. على تلك الطاولة إلى أقصى اليسار.. قرب النافذة الكبيرة حيث تدخل أشعة الشمس..
    كنت أستغرب كيف تجلس تحت الأشعة.. ألا تشعر بالحر؟ لماذا لا تغير مكانها..
    لذا كنت أسميها في نفسي
    (صديقة الشمس)..
    كنت أراها دائماً تمسك بكتاب وتقلب صفحاته وهي تفطر وحدها..
    كنت أجلس في جهة مقابلة لطاولتها.. أحاول أن أراقبها فأجدها تلمحني..
    ابتسم لها فترد الابتسامة..
    كانت ترتدي دائماً ملابس واسعة بألوان باهتة.. تشد شعرها بقوة إلى الخلف.. وبشكل مرتب جداً.. وترتدي نظارة طبية بلا إطار..
    مع مرور الأيام.. ومع كثرة رؤيتي لها..
    نشأت علاقة ألفة بيني وبينها.. دون أن أتحدث معها.. كنت أعتبرها صديقتي التي لم أتعرف عليها..



    ذات يوم التفتُّ وأنا أسحب صينيتي على رف البوفيه.. فإذا بها خلفي..
    انتهزت الفرصة لأسمع صوتها وهي تشير لعاملة البوفيه..
    - جـ.. جـ.. جـ.. جججـ..
    استغربت وأنا أحاول إبداء عدم اهتمامي..
    بدأت تضغط بقوة.. حتى نطقت..
    ـ ججبن .. أبيض..
    ارتاحت لأنها نطقت بها بعد صعوبة ثم أكملت..
    ـ لو سمحت..
    ألقيت نظرة سريعة عليها أثناء سيري..
    وجدت يديها ترتجفان وهي تحمل صينيتها..
    كانت هذه فرصتي لأفتح معها موضوعاً.. كنت أتمنى أن أتعرف عليها.. لا أعرف لماذا..
    ابتسمت لها.. فردت بابتسامتها التي اعتدتها كل صباح..
    لم أجد ما أقوله.. شعرت بالحرج.. ومضيت في طريقي نحو طاولتي التي أجلس عليها كل يوم..
    ورأيتها تجلس هي الأخرى في مكانها.. تحت أشعة الشمس..


    * * *

    في اجتماعنا العائلي الأسبوعي.. فتيات كثيرات..
    بنات عماتي وأعمامي ..
    أنظر إليهن طويلاً..
    أقصى اهتماماتهن المكياج وصبغات الشعر..
    أحدث جوال في السوق.. أو المظهر الجديد للمغنية المشهورة..
    أففففففففف..
    أشعر بالملل..
    - فايزة.. ليش ما تصبغين شعرك؟
    كم يضايقني هذا السؤال..
    ـ أحب لونه..
    - لكن أنت بيضاء.. حلو لو صبغتيه أحمر نحاسي..
    كيف يمكن أن أدخل في جدال حول موضوع كهذا..
    نظرت إليها.. واكتفيت بالصمت..
    في تلك اللحظة كنت أشعر بحاجة ماسة لشخص عاقل أتحاور معه.. أتحاور معه حول موضوع.. (يستحق) الحوار..


    * * *

    صباح الأربعاء ممتع دائماً.. وخفيف..
    توجهت لقاعة الكافتيريا.. لمحتها تجلس في نفس طاولتها.. تحت الشمس..
    ما شاء الله!.. تأتي مبكرة جداً.. كل يوم..
    كنت أتمنى أن أراها أمام بوفيه الطعام مثل ذلك اليوم لعلي أفتح معها حديثاً..
    حين وضعت صينيتي على رف البوفيه لمحت كتاباً.. لم يكن أحد يأبه به..
    اقتربت منه.. غلاف قديم.. (الأرض الطيبة).. يا الله.. قرأتها منذ زمن طويل..
    بشوق غريب.. فتحت الغلاف.. عليه ختم مكتبة الجامعة.. إنه للإعارة..!
    مسكينة صاحبته.. يجب أن تستعيده وإلا فهي في مشكلة..
    نظرت حولي في القاعة.. من يمكن أن تكون التي قد اختارت هذا الكتاب؟ من صاحبة الحس الأدبي الرفيع؟
    كانت القاعة فارغة تقريباً.. لم يكن هناك سوى فتاتان إحداهما ضخمة.. ذات شعر قصير جداً.. لا يناسبها.. معها صديقة نحيلة ذات شعر طويل خفيف يلمع بالزيت على ما يبدو من بعيد..
    لا أعرف لم.. لا أتخيل أن إحداهما يمكن أن تكون صاحبة الكتاب..
    هناك فتاتان سمراوان تضحكان طوال الوقت.. ترتديان قمصان بألوان فاقعة.. إحداهما تضع النظارات السوداء الرخيصة.. والثانية تضع سماعات الهيد فون..
    حسناً لا يمكن..
    وهناك.. في أقصى القاعة على اليمين..
    تجلس صديقتي.. التي لا أعرفها.. (صديقة الشمس).. قرب النافذة..
    تشرب كوب شايها بهدوء.. وقد سقطت أشعة الشمس عليها..
    أنهيت أخذ طعامي.. ثم توجهت بصينيتي وبالكتاب.. نحوها..
    ـ السلام عليكم..
    نظرت إلي وهي تبتسم كعادتها..
    ـ وعليكم السلام..
    وضعت الصينية على الطاولة ورفعت يدي بالكتاب..
    حين نظرت إليه استغربت..
    ـ أوه!! كتابي.. شكراً.. أين وجدته..؟
    ابتسمت..
    ـ هناك على الرف.. خمنت أنه لك..
    ـ أشكرك.. جزاك الله خيراً..
    فكرت سريعاً.. يجب أن أجد وسيلة لفتح حوار.. لن أضيع الفرصة..
    ـ كتاب رائع.. قرأته حين كنت في الثانوية..
    ـ ما شاء الله!! أنت تحبين القراءة..
    ـ أووه!.. أحب القراءة؟.. يمكنك أن تسميني (دودة) كتب..
    ـ حقاً؟ لأول مرة أجد فتاة مثلي تحب القراءة..
    ـ هل تسمحين لي أن أجلس في طاولتك..
    ردت بفرح..
    ـ بالطبع تفضلي..
    بدأنا نتبادل الحديث بسرعة حول العديد من القصص والكتب.. وحول هواياتنا ووجدنا الكثير من التشابه بيننا..
    لاحظت أنها أحياناً.. تقف عند حرف معين.. وتضغط عليه وتكرر نطقه كثيراً..
    كانت تشعر بالحرج وتغمض عينيها وكأنها تريد أن تهرب من نظراتي أو نظرات من حولها.. وتضغط على أسنانها.. وتحمر أذنيها.. ثم تكمل باقي كلامها بشكل طبيعي..
    أصبحنا نجتمع كل يوم في الصباح.. في الكافتيريا..
    نتبادل الأحاديث.. ونتناول وجبة الفطور مع وجبة لذيذة من الثقافة والأدب..
    وأخبرتها أني كنت أسميها (صديقة الشمس)
    فضحكت.. وقالت أنها لم تشعر يوماً بحرارة أشعة الشمس خصوصاً حين تستغرق في القراءة..


    * * *

    ذات صباح صيفي..
    حين بدأت ترتاح لي أكثر.. ودون مقدمات.. قالت..
    ـ أنا أكثر ما يحرجني.. هو.. هذا الثقل في لساني كما ترين.. لا أحب التحدث مع الآخرين لهذا السبب.. الكل ينظر إلي.. دون أدنى اهتمام بمشاعري.. يحدقون بي بكل غباء..
    سكت.. لم أقل شيئاً..
    ـ لهذا أهرب للكتب..
    وابتسمت لي..
    وسكتُ أيضاً..
    أكملنا تناول فطورنا..
    ـ لم أكن هكذا من قبل.. كنت طبيعية جداً.. حين توفي والدي فجأة وأنا في المرحلة الثانوية.. أصبت بهذا الثقل في لساني..
    ـ سبحان الله..!
    ـ نعم..


    * * *

    عدت للبيت وأنا أفكر في صديقتي.. وكيف يمكن أن تتجاوز أزمتها..
    كنت موقنة أن علتها.. لها علاقة بألمها وحزنها لوفاة والدها.. شيء غريب..
    كان أخوتي يتصارعون في الصالة.. ورائحة العرق تفوح بشكل مقزز..
    صرخت فيهم..
    ـ نويصر!.. عبيد!.. بس.. خلاص.. أزعجتونا.. ريحتكم قرف.. روحوا غرفتكم..
    رفع سبابته إلى جانب رأسه..
    ـ كيفنا وعلى مزاجنا..!!
    ـ بعد؟؟!! حتى نويصر الذي لم يجاوز العاشرة أصبح (ينفخ) ويرد..
    بحركة لا شعورية دفعته بيدي بقوة ليسقط على الأرض.. وخرجت من الصالة..
    فإذا بصاروخ عظيم.. يرتطم برأسي المتعب من الخلف.. دووووووو.!!!!
    آآآآآآآه.. يا الله.. ماذا حدث؟؟ الدنيا تدور..!
    لقد ألقى علي (مسنداً) ضخماً كردة فعل انتقامية.. ليرتطم برأسي من الخلف..
    حتى أني سقطت على الأرض.. ولم أستطع التوازن..
    كنت أشعر بالألم يخترق رأسي وعنقي ويصل لأسناني وعيني وجبهتي..
    كنت أغلي من شدة الغضب.. والانفعال..
    لم أعرف ما أفعل..
    أخذت أبكي وأصرخ.. دون وعي..
    وحين أتت أمي..
    ورأتني على الأرض ممسكة برأسي لم أكن قادرة على الكلام من شدة الغضب والألم.. كانت الكلمات تختنق بدموعي.. أقسم أني حاولت أن أكون عبارة فلم أستطع من شدة الغضب والحزن والألم..
    وبصعوبة شديدة استطعت أن أنطق اسم أخي (الذي هرب من المكان طبعاً)..
    أصبت برضوض في العنق.. ولم أكن قادرة على تحريك رأسي بحرية لعدة أيام.. لكن الحمد لله..
    شعرت لأول مرة بشعور صديقتي.. حين تحاول إخراج كلمة فلا تستطيع فتعتصر عقلها لعدة ثواني حتى تنطقها..
    عرفت أن السبب هو مشاعر حبيسة.. مشاعر ألم.. حملتها معها وكبتتها منذ وفاة والدها.. ولم تستطع التخلص منها..
    ـ جواهر.. لديك مشاعر لم تمت.. تخلصي منها..
    نظرَتْ بصمت.. واستغراب..
    ـ مشاعرك هي التي تشل قدرتك على الحديث بحرية..
    اتركي الباب مفتوحاً لها لتخرج.. لا تحبسيها داخلك.. لأنها ستضر..
    قد لا تشعرين بها.. لكنها موجودة.. تخنقك..
    كانت تتنفس بصوتٍ عال.. وهي تحدق بي باهتمام..
    ـ أنا جادة.. يجب أن تتحدثي عن هذه المشاعر بمنتهى الصراحة لترتاحي..
    وقفت فجأة وأمسكت يدها..
    ـ قومي.. هيا يا صديقة الشمس.. آن الأوان لأن تختاري مكاناً آخر تجلسين فيه.. قبل أن تحرقك.. دون أن تشعري..!



    **
    مجلة حياة العدد (70) صفر 1427هـ



    - 39 -

    ليس ثمة بكاء تحت الباب



    كانت منيرة تضع الحناء على رأسها حين دخلت غرفتي..
    ـ (أفففففف .. شالريحة..؟!)
    ـ حمد الله! أي ريحة؟ حناء..
    ـ لا ! .. شكله فيه بلاوي..
    ـ ما فيه شي .. بيضة وشوية ثوم بس..
    ـ بسسسسسسسسس؟! يا سلام .. طيب تفضلي برا .. قبل لا..
    فجأة.. دخل أطفالها خلفها.. وهجوووووم جنوني على غرفتي..
    ـ أطلعوا برا.. عندي اختبار.. حرام عليكم الساعة واحدة وأنا ما خلصت.. براااا..
    انطلق عزيزان نحو أدراج مكياجي مباشرة..
    فأسرعت أهجم عليه.. وأسحب من يده أرواجي..
    حين التفت كانت ريّوم قد قفزت على سريري وأمسكت بالقلم وبدأت ترسم على ملزمتي..
    ـ منيييييييييييييييييييييييرة.. طلعي قرودك بسرعة..
    مطت منيرة شفتها وأعطتني ظهرها دون أي اهتمام مبتعدة تاركة رائحة الثوم تفوح خلفها..
    أمسكتهم من ياقة بيجاماتهم.. ورفعتهم لأعلى مثل جراء القطط ورميتهم خارج باب غرفتي وهم يبكون.. وأغلقت الباب..
    وهنا .. بدأ الصياح .. والبكاء..
    يا الله .. يا ربي .. ماذا أفعل الآن..؟
    أصوات بكاء مزعجة .. وأنا أريد أن أدرس..
    ريوم تضع فمها تحت فتحة باب غرفتي وتبكي..
    ـ خالة حصووووص .. الله يخليك .. آآآآآآآآآ..
    يتبعها صوت عزيزان الخشن..
    ـ هالة هسوووووووس .. عآآآآآآ .. عااااااا...
    ـ أقول .. الله ياخذكم..
    وأفكر قليلاً فأستغفر الله ..
    ـ أستغفر الله .. الله يهديكم ويصلحكم .. روحوا عند ماما نورة .. وإلا ماما منيرة يالله روحوا لا أذبحكم...
    ـ لااااااااا .. نبي عندك..
    أفففففففففف .. يا الله .. مشكلة .. يا لها من مشكلة..
    أحاول حل مسألة بسيطة فلا أستطيع التركيز..
    كم مول يوجد في 50 ملجم من نترات الصوديوم إذا علمت..
    (هاااااالة هسووووووووس .. عآآآآآآآآآآآآآآآآآآ..)
    كم مول يوجد في 50 ملجم من هسوس .. وجع!!
    عزيزاااااااااان .. بس يا البعير!
    منذ ستة أشهر وأختي منيرة تقيم لدينا بعد خصامها مع زوجها .. وهؤلاء القرود يعيثون في بيتنا فساداً..
    لم أعد قادرة حتى على الدراسة لمدة نصف ساعة!
    يا الله..
    رغم شقاوتهم .. وأذاهم .. إلا أني أشعر بالعطف عليهم .. إنهم مثل الأيتام..
    حسناً .. سأفتح لهم..
    لا .. لا! .. يجب أن أدرس .. اختباري غداً صعب جداً .. سأتركهم يبكون إلى الغد..
    كل هذا بسبب أمهم..
    مهما قالت .. ومهما قالت أمي..
    ما كان عليها أن تتخذ قراراً مصيرياً كطلب الطلاق .. لأسباب تافهة ..
    (لا يخرج بي .. دائماً عند أهله .. لا يهتم بي ...!)
    هل هذه أسباب تبرر لها أن تطلب الطلاق ولديها أطفال أبرياء..؟
    فتحت باب غرفتي لأحضر بعض الماء .. فإذا .. بهم وقد ناموا عند الباب..
    منظر مضحك .. ناموا وأفواهم عند فتحة أسفل الباب .. هه..
    ناديت منيرة..
    ـ منيييييييرة.. تعالي احملي أطفالك .. لقد ناموا على الأرض..
    ـ احمليهم أنت..
    ـ ماذا؟!
    شعرت بالغضب من برودها..
    ـ لن أحملهم.. سأدعهم هنا على السيراميك البارد..!
    لم تهتم واستمرت تتابع مسلسلتها المفضلة .. يا للبرود!
    ذهبت لأشرب الماء .. وعدت وهؤلاء المساكين على الأرض .. لكني كنت قد اتخذت قراراً بالـ (العناد).. والمشكلة أن أمي قد نامت .. فمن يحملهم..؟
    ـ منييييييييييرة .. حرام عيالك شيليهم..!
    ـ اصبري شوي..
    كانت تتابع التلفاز بمنتهى الاهتمام في الصالة..
    وأردت أن أعرف نهاية هذا البرود .. فضغطت على قلبي .. ودخلت غرفتي .. تاركة إياهم على الأرض .. مساكين..
    سبحان الله ..
    هل هو برود أم عناد .. أم لا مبالاة ..
    كيف تترك أطفالها هكذا ..
    عرفت الآن ماذا كان يعني زوجها حين قال أنه سئم من تحمل برودها وعدم اهتمامها ..
    أختي للأسف .. إنسانة فارغة .. ليس لديها أي اهتمام بشؤون التربية أو التعامل مع الآخرين ..
    ليس لديها أي حس بالمسؤولية..
    كل ما يهمها فقط هو خلطات شعرها وبشرتها .. وتعلم طرق وضع المكياج .. ومتابعة تمارينها في النادي..
    حين علم الناس بأنها (زعلانة) لدينا قامت الدنيا ولم تقعد .. شهقت جارتنا أم خالد..
    (منيييييييييييييييرة؟! المزيونة؟! مالت عليه .. وين يلقى أحلى منها .. صحيح الزين ما له حظ..)
    كنت أعلم أن أختي مليئة بالعيوب لكني سكت على مضض ولم أبح لأحد ولا حتى لأمي بفداحة أخطائها في التعامل مع زوجها وأطفالها..
    لا ترى إلا نفسها .. لا تريد أن تبذل أي شيء .. ولا تهتم بأي شيء .. أطفالها ينامون جوعى .. ترتفع حرارتهم .. يجلسون مع الخادمة بالساعات.. لا يهم!! .. زوجها يعود فلا يجدها في البيت .. لا مشكلة..! يطلب منها حضور مناسبة مهمة مع والدته.. غير ضروري!.. يمرض زوجها ويتغيب عن عمله.. بينما تذهب للنادي بمنتهى اللامبالاة..!
    حاول المسكين أن يصبر عليها من أجل الأطفال .. تحمل من أجلها الكثير .. أصبح يهرب من البيت لمنزل أهله .. لكن دون جدوى .. وحين ملت من هروبه .. سحبت أطفالها معها إلى بيتنا..
    الساعة الرابعة فجراً .. صحوت على صوت أبي عند بابي وهو غاضب..
    ـ حرام عليكم .. كيف تتركون هؤلاء الأطفال نائمين على الأرض تحت التكييف ..
    منيييييييييرة!!
    فتحت باب غرفتي فإذا بأبي الذي كان يستعد للذهاب لصلاة الفجر وهو يحمل عزوز..
    ـ حسبي الله ونعم الوكيل على أمكم..


    * * *

    ـ منيرة..
    ـ نعم..
    كانت تضع قدميها في حوض ماء دافئ .. وتتابع التلفاز..
    ـ لماذا لا تعودين إلى زوجك؟!
    نظرت إلي بغضب .. واشمئزاز..
    ـ ماذاااااااا؟! أعود لذلك الـ(خبل)؟!
    صعقت .. كيف يمكن أن تتحدث عن والد أبنائها –بأي حال- بهذه الطريقة؟
    ـ وما الذي تريدينه منه بالضبط..؟
    حكت رقبتها باسترخاء ثم قالت..
    ـ لن أعود له حتى يرجوني أن أقبل اعتذاره..! حين يعرف قيمتي..
    ـ لكنه أتى وحدث الوالد أكثر من مرة .. وحاول إرضاءك بشتى السبل..
    ـ لا يكفي .. أريد أن أذله أكثر..
    ـ (تذلينه)؟! .. ما هذا الكلام يا منيرة..؟ حرام عليك.. ثم .. إن لك الآن ستة أشهر بعيدة عن بيتك .. ليست بالمدة الهينة .. ألا تكفي؟
    ـ المشكلة أنه لا يفهم ولا يتعلم .. ولا يقدر من هي زوجته..
    كنت أعلم أنها تحبه .. لكنها كعادتها .. لا تهتم بأحد أبداً..
    بعد حديثنا ذلك بثلاثة أسابيع حدث ما لم نكن نتوقعه .. تم طلاقها..
    حتى هي صعقت .. انهارت .. لم تتصور أن يتخلى عنها بهذه السهولة..
    وشعرتُ بشماتة غريبة في سري .. رغم أنها أختي إلا أني كنت أريدها أن تتعلم درساً من غرورها ولا مبالاتها..
    بعد طلاقها .. ازداد إهمالها لأطفالها .. وازداد اهتمامها بنفسها بشكل مقزز..
    كانت تصرف راتبها كله على جمالها ورشاقتها.. دون أن تفكر ولو لوهلة في توفير شيء منه لأطفالها أو حتى لنفسها..
    تعبنا أنا ووالدتي المريضة بالسكر والقلب .. من متابعة أطفالها الأشقياء..
    وحين طلب والدهم حضانتهم منا .. وافقت أمي مباشرة .. لأنها لم تعد تستطيع السيطرة عليهم ..
    حاولت ثني أمي عن القرار قلت لها أني سأحاول أن أكون مسؤولة عنهم .. لكنها رفضت .. وقالت أنها تعبت من مسؤوليتهم ومن متابعة شؤونهم (في ظل لا مبالاة أمهم طبعاً)..
    أما منيرة .. فلم تهتم بالأمر كثيراً .. بالعكس سمعتها تتناقش مع أمي حول أن هذا سيعطيها فرصة أكبر للزواج!
    سبحان الله كيف تفكر بالزواج وصغيرها لم يجاوز الثلاث سنوات؟
    حين أتى والدهم لأخذهم قبلتُهم وضممتهم إلى صدري وأخذت أبكي .. أما هي فكانت تتحدث بالهاتف كعادتها .. دون أدنى اهتمام .. وكأنهم ذاهبون لمشوار قصير وسيعودون..!!
    بعد ذلك .. لم يعودوا يأتون لزيارتنا إلا مرة في الشهر..
    الساعة الواحدة ليلاً .. لدي اختبار مهم غداً ..
    أقلب صفحات الملزمة..
    أفتقد شيئاً ما .. لا أستطيع التركيز..
    شيء يؤلمني ..
    أقف عند باب غرفتي ..
    أرهف السمع .. أبحث عن شيء..
    لكن عبثاً..
    ليس ثمة أصوات بكاء تتسلل تحت الباب..


    **
    مجلة حياة العدد (71) ربيع أول 1427هـ

    - 40 -

    زهرة .. في تربة الألم



    دخلت مسرعة بعد عودتي من المدرسة وأسرعت أرمي عباءتي وأنطلق نحو (السوني) لأمسك بمقبض اللعبة.. فإذا به يدخل خلفي مسرعاً وهو غاضب.. صرخت:
    ـ أنا حجزته!!
    فأسرع يسحبه مني بقوة..
    ـ أقول.. (انقلعي)!.. جهازي وتحجزه بعد؟!
    ـ فهيدان.. حرام عليك أمي اللي شاريته لك.. خلني ألعب..
    وضع إصبعه على جانب رأسه.. وبغرور قال..
    ـ جهاااااااازي..!
    ـ طيب بس عشر دقايق.. الله يخليك..
    بدأ يلعب وهو يتجاهل كلامي..
    ـ وش كبرك.. رجال في ثالث ثانوي.. وجالس على اللعبة مثل الأطفال..
    رفع حاجبيه بكل برود وهو يبتسم..
    كان فهد يكبرني بثلاث سنوات فقط..
    ورغم كثرة شجاراتنا معاً.. كان هناك رابط خفي بيني وبينه..
    كان يعترف أنني الوحيدة التي أستطيع منافسته في الألعاب القتالية في السوني..
    ـ هذا (سمير) ولد خالة أبوي..
    كان شعري قصيراً.. وأرتدي طاقية.. وثوباً..
    وكنت في الثامنة من عمري يومها.. وأبدو كولد فعلاً.. بل ولد نحيف وقبيح!
    عرفني على زملائه في حلقة التحفيظ..
    اختار هذا الاسم ليحرجني.. ولم أكن أستطيع مناقشته في ذلك بالطبع..


    * * *

    حين أنظر اليوم لباب غرفته..
    أعرف أن الزمن كفيل بقلع الكثير من زهور الحياة الجميلة..
    أطرق الباب بهدوء..
    ـ فهد.. الغداء..
    صمتٌ ألفناه..
    أطرق مرة أخرى..
    ـ فهد.. الصينية عند الباب.. سأذهب.. خذها..
    وأبتعد.. أقف خلف جدار الصالة.. وأختلس النظر..
    يفتح الباب بحذر.. ينظر يمنة ويسرة بريبة..
    ياااه.. منذ متى لم أر وجهه..
    يسحب الصينية بسرعة ثم يقفل الباب..


    * * *

    تكاد أمي تبكي وهي تطرق الباب..
    ـ يا وليدي افتح.. لازم ننظف الغرفة..
    صمت يعتصر القلوب..
    ـ لازم ناخذ الصحون ونغسل ملابسك..
    لكن بلا إجابة..


    * * *

    كان قد قبل في كلية الهندسة..
    حين بدأت رائحة الألم..
    بعد أول أسبوع له في الدراسة، رفض الذهاب..
    ثم..
    بدأت رحلة المرض..


    * * *

    أفتح الدولاب تحت التلفاز.. أنظر لجهاز السوني.. ينزوي تحت أسلاكه..
    لم يعد لي رغبة في اللعب به..
    أنظر لأشرطة الألعاب..
    يعتصرني الألم.. فأغلق الدولاب..


    * * *

    ( دخل المسجد.. قبل صلاة العصر..
    نعم.. كنت هناك..
    كان وجهه مشرقاً.. كأني أراه الآن..
    ـ مبروك يا فهد..
    ابتسم بخجل..
    ـ الله يبارك فيك..
    تحرك الجار الذي كان يستند للجدار وهو يمسد شواربه ويحد النظر لفهد..
    ـ وش عليه؟..
    ـ فهد قبل في كلية الهندسة.. ما شاء الله عليه..
    ليتني لم أقل.. ليت لساني شل في تلك اللحظة..
    شهق واستوى في جلسته..
    ـ أوف.. هننننننننندسة مرة وحدة!! .. أثرك مب هين يا فهيد..
    كنت أعرف أن لهذا الجار الحقود ثلاث أبناء كلهم لم يجاوزوا المرحلة المتوسطة وفشلوا بسبب انحراف أخلاقهم عافانا الله وإياهم.. لذا شعرت بالخوف..
    وحين انحنى فهد ليسلم عليه ضربه على كتفه بقوة.. وهو يتمتم بأن أبو فهد محظوظ لأنه سيصبح لديه ولد (مهندس)!!
    وكانت نظرات الحقد تشع من عينيه بشكل واضح..
    ارتبك فهد وتغير وجهه..
    وخرج بعد الصلاة وعليه آثار تعب..
    عرفت أن شيئاً قد حصل..
    وقد حصل..)
    هذا ما قاله جارنا الطيب أبو مساعد.. لوالدي.. ذات مساء حزين..


    * * *

    غداً اختبار الكيمياء.. أمسك الكتاب.. أحاول أن أقرأ..
    أسمع صوت يصرخ..
    ـ لاااااااااااااااا..
    كان أبي قد فتح الباب بقوة.. وهو يحاول أن يسحبه ليجبره على الاستحمام..
    أصوات مفزعة.. صراخ..
    وأمي تبكي..
    ـ خلاص.. اتركه.. كيفه..
    ـ آآآآآآآآه.. لاااااااا.. خلووووووووني..
    الساعة الحادية عشرة..
    غداً الاختبار النهائي.. ثالث ثانوي..
    لم أنه حتى الباب الأول.. يا رب ارحمني..
    ـ أقوووول لكم اتركوووووووني..
    أبكي تنساب دموعي..
    أسحب مسجلي الصغير وأضع السماعات على أذني.. أضع شريط قرآن للشيخ الشاطري..
    وأتأمل معاني الآيات..
    تهدأ نفسي بعض الشيء..
    لكن الصراخ قاتل وعال.. أعود للبكاء..
    وفجأة.. تعتريني رغبة وحشية في التحدي..
    أردت أن أصرخ.. وأقول لا.
    أن أصنع شيئاً.. أن أحطم هذا الألم.. وأواجهه..
    أردت أن.. أنجح.. بل وأتفوق..
    لن أستسلم..
    رغم كل هذه الظروف.. كنت أريد أن أحقق شيئاً..
    أن أعبر عن ألمي بشيء إيجابي..
    انكببت على الكتاب أقرأ وأحل.. وأخطط حتى الفجر..
    حين خرجت من غرفتي لصلاة الفجر..
    كان البيت هادئاً كالموت..
    شاهدت أمي جالسة بصمت في الصالة..
    كانت عيناها حمراوين..
    نظرت إلي.. وتحدثت وهي تهذي..
    ـ ضربه بالعقال.. حتى استطاع أن يخرجه من غرفته..
    ـ هل اغتسل..؟
    ـ رمى بوالدك على جدار الحمام فكاد يخلع كتفه..
    سكتنا..
    ـ ضربني أنا أيضاً.. آآآ ..
    وبدأت تبكي.. وتهتز..
    ـ فهد.. انتهى يا ميمونة.. ولدي راح.. خلاص..
    رأيت الحقيقة تكشر أنيابها أمامي.. فزعت..
    هربت مسرعة نحو الحمام.. وهناك.. بكيت حتى ارتويت..


    * * *

    كانت ورقة الاختبار أمامي..
    الأسئلة.. الحروف.. الأرقام..
    صوت صراخ فهد القوي.. (لااا.. خلوووووووني..)..
    بكاء أمي..
    أتخيل منظر أبي..
    ارتعش قلمي بين أصابعي.. ضاعت الكلمات..


    * * *

    كنا نجلس على حافة السطح.. وأصحاب فهد في الشارع..
    ـ يا الله مونة وريييييهم..
    كان عمري سبع سنوات فقط.. وكان قد تحدى أولاد الجيران أن يجعلني أدور على جدار السطح..
    وقفت.. وبدأت أسير على الحافة ببطء..
    ثم أخذت أسرع.. أجري..
    وهم ينظرون بخوف..
    فجأة كدت أفقد توازني وأسقط.. وضعت يدي على الأرض.. تماسكت.. ووقفت مرة أخرى..
    نظرت إليه..
    كان ينظر لي بخوف لكن بفخر واعتزاز.. يريدني أن أريهم ما لدي من قدرات..
    فرحت.. استمتعت بنظرات فخره.. انتشيت لأنه يتباهى بي.. ضحكت..
    أردت أن أجعله أكثر فخراً..
    أسرعت أجري وقفزت عدة مرات.. والجميع مبهورون..
    صرخ بفخر: (حيووووووووووووها..!)


    * * *

    في الجريدة خبر يخصني..
    اسمي.. مسبوقاً بـ (المركز السابع على منطقة الرياض)..
    تطايرت الأوراق..
    ماتت العبرات..
    ونبتت زهرة.. في تربة الألم..



    **
    مجلة حياة العدد (72) ربيع ثاني 1427هـ



    - 41 -

    لم تعد
    جبالاً
    بعد اليوم



    عدت من المدرسة منهكة..
    رميت حقيبتي على الأرض.. وألقيت عباءتي على الكرسي..
    ورميت بجسدي على السرير..
    كانت كل عضلة من عضلات جسمي ترتعش من التعب..
    يا الله ما أجمل السرير في غرفة مكيفة باردة..
    الشرشف بارد ومنعش.. والوسادة لينة.. رحت في إغفاءة خفيفة.. وأنا أرخي جسمي كله..
    تمنيت لو أستطيع النوم.. تمنيته بشدة.. كنت أحتاجه جداً..
    جاءني صوت تهاني الحاد..
    - بدرية! كيف تستطيعين أن تستلقي هكذا؟ اخلعي حذاءك على الأقل؟
    بصوت ناعس أجبت..
    - آآه.. أشعر أني سأموت من التعب.. يا الله.. زحمة.. حر.. شمس حارقة.. والباص طبعاً بلا تكييف..
    - قومي.. يا الله.. غيري ملابسك واغسلي وجهك..
    - إيه.. يحق لك تتدلعين علينا.. غايبة اليوم..!
    - يا الله قومي بس.. ساعدي أمي على الغداء..
    قمت بصعوبة وأنا بالكاد أسحب رأسي من على الوسادة الباردة المنعشة..
    وأنا أسمع صراخ أمي من المطبخ..
    - يا الله يا بنات.. بسرعة تعالوا حطوا الغداء..
    في المطبخ.. اقتربت لأسلم على رأس أمي.. لكنها مدت يدها لي بمغرفة الطعام وهي غاضبة..
    وخرجت..
    كان الوضع مزرياً كالعادة بل مأساوياً!
    الأواني متراكمة في المجلى.. وكل شيء يحتاج لتنظيف..
    لا أعرف بم أبدأ..
    بدأت في وضع الغداء في الصحون.. ونقلته أخواتي الصغيرات إلى السفرة في الصالة..
    أما أنا فكان تفكيري مشغولاً بالأواني المتسخة وكم ساعة أحتاج لتنظيف المطبخ..
    لم أستطع تناول الغداء.. أسرعت أنظف المطبخ وأغسل الصحون وأنا أمني نفسي بنصف ساعة قبل أذان العصر أغفو فيها.. كنت أسرع لكي أنتهي من التنظيف.. والنعاس يغلبني.. وكذلك الألم..
    أطلت أمي لتصرخ علي وتنبهني للأرضية المتسخة.. سكت على مضض..
    - إن شاء الله يمه..
    ثم ذكرتني بإعداد الشاي ووضعه في البراد..
    - إن شاء الله..
    ثم ذكرتني بغسل وتعقيم رضاعات أخي الصغير..
    - إن شاء الله يمه..
    وخرجت.. بعد أن نبهتني لبطئي وسوء تنظيفي..
    ففي بيتنا.. كنت أبتلع الألم كل يوم..
    بل أتناوله كوجبة غذاء أساسية!
    منذ رجوعي للمنزل منهكة.. تبدأ أوامر أمي وطلباتها.. وأستلم المطبخ بدلاً منها..
    لا أمانع في ذلك فهي أمي..
    لكن.. التذمر والشكوى هي ما يقتلني..
    لا شيء يرضيها.. دائماً غاضبة علي.. دائماً تصرخ علي..
    دائماً أنا مذنبة في نظرها..
    مهما فعلت ومهما ضغطت على نفسي من أجلها..
    كلمة واحدة منها تحرق كل ما قدمته.. وتنثر رماده في الهواء..
    فأنا في نظرها دائماً مقصرة وعاقة و.. رغم أني لم أتفوه عليها في حياتي بكلمة واحدة.. وأحاول قدر المستطاع أن أحترمها وأجيب طلباتها..
    أخذت أفكر وأنا أمسح الأرفف..
    لماذا.. لماذا لم أسمع منها في حياتي كلمة شكر..
    كلمة حب.. كلمة طيبة..
    أحلم كثيراً أن أسمعها تناديني.. يا ابنتي.. يا حبيبتي.. يا قلبي!!
    لكنها مجرد أحلام..
    سأكون مستعدة حينها لأن أخدمها بكل ما تريد وأنا سعيدة..
    أخذت أنظف سطح الفرن والدموع تنساب من عيني..
    إلى متى هذه القسوة..
    أنهيت التنظيف..
    الحمد لله.. المطبخ يشع نظافة..
    أعددت الشاي.. وها هو في الصينية..
    رضاعات أخي نظيفة ومعقمة..
    لابد وأنها ستفرح.. انتهيت اليوم مبكرة الحمد لله لن تقول أني بطيئة..
    كنت ألهث من شدة التعب.. وبالكاد أقف من شدة النعاس والصداع.. لكني قررت أن أمسح الثلاجة أيضاً..
    فجأة دخلت..
    نظرت حولها ثم صرخت..
    - أففف ما هذه الرائحة؟ ألم تغسلي الفوطة جيداً قبل المسح؟
    - غسلتها يا أمي..
    - رائحتها كريهة..
    - لقد أعددت الشاي..
    - دعيني أرى..
    صبت القليل منه في كوب.. فتغير وجهها..
    - ما هذا؟! لماذا هو غامق هكذا؟!.. لن يشربه والدك..
    وأسرعت لتدلقه في المجلى بكل بساطة..
    - قومي بعمل آخر.. بسرعة.. والرضاعات أين هي؟
    - ها هي هنا.. غسلتها وعقمتها..
    - أعطني واحدة..
    وخرجت كما دخلت..
    أخذت أستعيد شريط كلامها.. أبحث بين الكلمات والحروف عن كلمة شكر أو دعاء.. لكني لم أعثر على شيء منها..
    انتهيت من إعداد الشاي.. وذهبت لغرفتي وأنا بالكاد أسحب أقدامي..


    * * *

    كانت المشرفة الاجتماعية قد طلبتني لغرفتها لكي أقوم بمساعدتها في كتابة سجلات أسماء الطالبات نظراً لحسن خطي.. كنت أجلس على الأرض.. وحولي السجلات.. وأوراق بالأسماء.. والمشرفة تتحدث بالهاتف أو تكتب..
    وحين انتهيت من أحد السجلات ناولتها إياه..
    - ما شاء الله خطك مرتب جميل.. تسلم يدك يا بدرية.. روووعة تبارك الله..
    ابتسمت باستغراب.. لم أعرف ماذا أقول!
    - شكراً..!
    - أنا من يجب أن يشكرك.. تشكرينني على ماذا حبيبتي؟
    أوف.. حبيبتي مرة واحدة!.. (قلت في نفسي)..
    واحمر وجهي خجلاً..
    - لا تحرجيني أستاذة نورة.. أنا ما عمري سمعت كلمة شكر.. ولا ثناء..
    - معقولة؟ كيف؟
    كان وجهي شاحباً.. وشفتاي جافتان.. كنت أشعر بإرهاق وتعب.. وبالكاد أتحدث..
    - يعني.. أنا لست متفوقة.. ولا مميزة في المدرسة.. لم يمدحني أحد من المدرسات من قبل.. إلا مدرسة العلوم حين كنت في صف ثاني ابتدائي!.. أما في البيت.. فـ.. ههههه.. ولا عمري..
    كنت أضحك على نفسي بسخرية.. وأكاد أبكي في نفس الوقت.. فسكت..
    نظرت أبلة نورة إلى وجهي مباشرة..
    - في البيت ماذا يا بدرية؟ تعالي اجلسي هنا.. تحدثي..
    جلست على الكرسي.. وأنا أشعر بالخوف.. ماذا سأقول..
    - ماذا يا أبلة نورة؟ لا شيء لدي.. كل ما أردت قوله.. أن أمي عصبية.. دائماً غاضبة.. لا يرضيها شيء.. قاسية في كلامها.. لم نسمع منها كلمة حب واحدة في حياتنا.. ومهما تعبنا معها لا نسمع كلمة شكر واحدة..
    بدأت أبكي لا شعورياً.. فمسحت أنفي بمنديل..
    - في حياتي.. لم أسمع كلمة مدح أو ثناء أو شكر منها.. صدقيني يا أستاذة.. أعود من المدرسة متعبة.. ولأني الكبيرة.. أستلم مسؤولية تنظيف المطبخ.. ثم مسؤولية أخوتي الصغار في العصر.. وكذلك إعداد العشاء.. ورغم هذا دائماً غاضبة مني..
    ابتسمت أبلة نورة وقالت بهدوء..
    - عااادي يا بدرية.. لا تأخذي الأمور على محمل الجد..
    إن كل ما تقوم به أمك تجاهك لا يعني أبداً أنها لا تحبك.. أو لا تهتم بك.. صدقيني.. هي فقط.. لا تعرف كيف تعبر.. ولم تتعود على تغيير نمط كلامها وحديثها.. هذا هو الظاهر لك فقط.. لكن ما في قلبها من حب ومودة.. لا يمكن أن تعرفيه..
    نظرت إلي ثم قالت..
    - هل جربت مرة أن تقولي لها كم يضايقك أسلوبها؟ هل سبق ووضحت لها مشاعرك وآلامك؟
    نظرت لها باستغراب ودهشة..
    - لا..!
    - إذاً كيف تريدينها أن تعرف أنك متضايقة؟
    حاولي أن توضحي لها مشاعر ألمك وأنك تحتاجين لسماع كلمة شكر أو ثناء منها..
    - لكن إذا لم تقلها من تلقاء ذاتها.. كيف أطلب منها ذلك.. سيبدو ذلك سخيفاً!
    - كلا.. أمك تعودت على طريقة معينة في الكلام.. وهي تعتقد أنك لا تشعرين بأي ألم من جراء ذلك.. لذا فهي مستمرة في أسلوبها بكل بساطة!
    - لا أعرف.. أستحي..
    - ولماذا تخجلين؟ لماذا تصنعين هذا الحاجز..؟ إذا انتهيت من عمل ولاحظت أنها لم تمنحك الشكر والاهتمام الكافي.. قولي لها ما تريدين قوله.. أمي ألا أستحق شكراً؟ جزاني الله خيراً؟
    وستتأقلم بإذن الله مع الأيام على هذا الأسلوب..
    لكن.. ليس بسرعة.. فالمسألة تحتاج لصبر..
    - يبدو ذلك صعباً.. لكني سأحاول..
    - نعم هكذا أريدك أن تفعليه يا عزيزتي.. لا تيأسي أو تعتقدي أنك وحدك من يعاني من هذا الأمر.. الكثير من الفتيات يعانين مثلك مع أمهاتهن.. لا تكوني حساسة، وتقبلي الأمر.. عيشي حياتك ببساطة ورضا.. ولا تقفي عند الآلام البسيطة لتصنعي منها جبالاً شاهقة.. وتذكري أنها أولاً وأخيراً والدتك.. وأنت مأجورة بإذن الله على صبرك عليها وبرك بها..
    كان كلامها بسيطاً.. لكنه ولا أعرف كيف غير نظرتي كثيراً لأمي..
    حين عدت من المدرسة.. ألقيت نظرة عليها في المطبخ.. وقفت عند بابه.. كانت تطبخ والبخار يعلو فوق القدور.. وأخي الصغير في كرسيه على الأرض وهو يصيح..
    شعرت بعطف كبير عليها.. كيف لها أن تتحمل هذه المسؤوليات كلها.. ولا تتعب وتتضايق..
    أحسست بأني كنت نوعاً ما أنانية..
    اقتربت من أخي لأقبله وأداعبه..
    - عدتِ؟
    ابتسمت لها..
    نظرت إلي.. وابتسمت ابتسامة لم أرها منذ مدة..
    ربما شعرت بأن شيئاً ما في داخلي قد تغير!



    **
    مجلة حياة العدد (73) جمادى الأولى 1427هـ

    - 42 -

    كليمات من القلب



    حسناً..
    اليوم... لن أبدأ برواية حكاية..
    ولن أترك الفتاة تعترف قبلي.. لأني أريد أولاً أن أتحدث معكم قليلاً.. عن بعض القصص الأخيرة.. وعن ردود فعل بعضها..
    وعندي كليمات دارت في عقلي وقلبي وأحببت أن تشاركوني بها..


    يسألني الكثيرون دائماً هل هذه القصص التي تروينها حقيقية..؟

    وأنا أقول.. كل قصصي هي من رحم الواقع.. من أرض الحياة الحقيقية.. لكنها ليست بالضرورة صوراً أصلية..
    هذه الاعترافات هي لقطات من حياة حقيقية لطالبات وزميلات وصديقات.. قصص عايشت أطرافاً منها.. أو سمعتها شخصياً من أصحابها مباشرة.. ثم أضفت لها لمسة من خيال..
    هي قصص ترتكز على جذع من الواقع.. وربما أضفت لها بعض الأوراق وشذبت لها بعض الأغصان..


    أهدي قصصي لكل من تعني لها شيئاً.. وما أردت قوله دائماً هو.. أننا جميعاً عانينا ونعاني من الآلام في حياتنا..
    ليس هناك من شخص يعيش السعادة الكاملة في هذه الدنيا..
    السعادة الحقيقية هي في الإيمان بالله والرضا بواقعك مهما كان.. والأروع هو شكر الله وحمده بصدق على ذلك الواقع سواء أكان ابتلاء أم نعمة..


    لن أطيل كثيراً..

    فالحديث في غير القصة لا يروق لكن كثيراً.. أعرف ذلك.. لكن.. لا يزال هناك شيء هام أريد قوله اليوم..

    قبل فترة.. كتبت قصتين عن حالات طلاق..
    إحداهن.. (ذهبت ولن تعود)..
    والأخرى.. (ليس ثمة بكاء تحت الباب)..
    وقد تلقيت العديد من الرسائل حولهما..
    الأولى عن زوج يشكو من سوء خلق زوجته وإهمالها.. يقول أنه كان على وشك طلاقها.. لكن قراءته للقصة الأولى جعلته يتخيل أن (منال) هي ابنته الصغيرة.. جعلته يتخيل ألمها ووحدتها وفراقها عن أمها حين تكبر..
    ويقول أنه أبعد فكرة الطلاق عن رأسه تماماً بعدها.. وهو مستعد لتحمل كل شيء من أجل طفلته الصغيرة.. ويسأل الله أن يهدي زوجته العنيدة التي لا تحترم أحداً حسب قوله..


    والرسالة الثانية.. هي من أب رحيم.. يتفطر قلبه على أبنائه الذين تركتهم أمهم لديه منذ عدة أشهر.. أشبه بالأيتام.. وهو لا يزال متردداً في اتخاذ قرار الطلاق حتى لا يهدم حياة أطفاله.. ويتمنى لو عادت أمهم إليهم.. لأنهم ضائعون دونها مهما حاول هو تعويضهم..
    يقول.. بعد قراءتي للقصة أصبحت أنتبه حتى لطريقة تمشيطهم لشعورهم.. ولتعابير وجوههم.. وأخشى أن يتألموا كما تألمت (منال) في القصة دون أن أشعر بهم..


    أما الحالة الثالثة فهي لفتاة يتفطر قلبها حزناً.. جاءتني وهي تبكي..
    وتصف حال أختها كما هو في قصة (ليس ثمة بكاء تحت الباب).. والتي تركت بيتها وأولادها.. دون سبب يذكر.. وبتقصير كبير منها..
    حيث إنها عنيدة ولا تقبل التفاوض في أي أمر.. وتريد تطبيق ما تريده دون نقاش..
    تقول هذه الفتاة..
    حين يأتي أبناء أختي كل أربعاء لزيارتنا نفرح بهم كثيراً.. لكن يوم الجمعة.. يصبح يوم البكاء والألم الأسبوعي.. الجميع يبكي.. أنا.. أمي.. أخواتي.. خاصة على الطفلة ذات الأعوام الخمس.. والتي تتشبث بأمها إلى آخر لحظة رافضة العودة لمنزل أبيها..
    كلنا نبكي.. إلا أختي.. الأم..
    تصوري!!..
    إنها تبدي لا مبالاة عجيبة بأبنائها..
    بل إنها تقول أنهم يذكرونها بوالدهم لذا فإنها لا تريد أن تتعاطف معهم!!
    تخيلي أربعة أطفال يعيشون لوحدهم في البيت مع والدهم أكبرهم فتاة لم تجاوز الثالثة عشرة.. والصغيرة ذات خمس سنوات.. يعانون الألم والمسؤولية عن أنفسهم بلا أم.. ولا جدة ولا حتى خادمة..
    ابنة أختي الصغيرة أصبح شعرها يتساقط بغزارة.. وحين نسألها لماذا يتساقط شعرك هكذا؟ تخيلي ماذا تجيب طفلة السنوات الخمس؟ إنها تقول.. شعري يتساقط من كثرة التفكير!!
    طفلة لم تجاوز عامها الخامس تفكر؟
    في ماذا يا حبيبتي تفكرين؟
    فتجيب ببراءة.. أفكر في أمي.. وأبي.. ثم تبكي بكاء حاراً مثل الكبار..
    والكل يبكي معها.. إلا أمها.. التي تجمدت مشاعرها تماماً.. ولم يعد يهمها سوى نفسها فقط.. ولا تريد تقديم أي تنازل أو تفاوض..


    دعونا نتأمل قليلاً..

    هذه الطفلة من يهتم بها؟ من يرحمها إن لم تفعل أمها؟
    وأختها الكبرى.. هل ترحمها معلمتها القاسية.. هل تشفع لها إن لم تنجح بسبب سهرها مع أختها المريضة طوال الليل..؟
    هل ترحمها مديرة المدرسة؟ هل تقدم لها خدمة معنوية أو لمسة حانية؟ بل هل تعرف بوضعها أصلاً؟


    أربعة أطفال يعيشون الألم والوحدة وجفاف المشاعر من الأبوين.. من يقدم لهم لمسة حنان؟

    أعرف أننا نقف عاجزين أمام الكثير من الآلام التي نراها في حياتنا..
    لكن أيضاً أمامنا الكثير لنفعله..


    يبدو أني انتقلت من موضوع لآخر.. لكني أدعو كل فتاة أن تفكر ملياً قبل اتخاذ قرار الزواج.. لأن هذا القرار مصيري.. وعليها تحمل نتائجه لأنه لا يرتبط بمصيرها فقط بل مصير أبنائها الأبرياء.. وأن تعلم أنها لا تدخل نزهة في حديقة وتقرر الخروج منها متى شاءت بكل بساطة..

    أدعو كل أم أن تفكر ألف بل مليون مرة قبل اتخاذ قرار الطلاق.. وأن تجرب كل الطرق ووسائل الإصلاح والإقناع والتغيير قبل أن تقرر.. وأن تحسب سلبيات وإيجابيات القرار جيداً.. بما في ذلك ما ستسببه لحياة أبنائها من تدمير وآلام لن يمسحها الزمن..

    أدعو كل أم أن تعلم بناتها قيمة الحياة الزوجية.. وكيفية احترامها وتقديرها.. وفن التغاضي عن العيوب والهفوات والبحث عن الإيجابيات في شخصية كل زوج بدلاً من النبش في سلبياته..

    أدعو كل معلمة ومربية أن تجعل التربية والإصلاح همها الأول قبل دفتر التحضير وتقييم المشرفة.. أن تمنح طالباتها الحب والحنان قبل المعلومة.. أن تمنحهم الدفء والأمان قبل الدرجات.. وأن تحتسب الأجر في ذلك..

    أدعو كل معلمة أن تنظر في وجوه طالباتها.. وتبحث عن المتألمة.. الكسيرة.. الحزينة.. المحتاجة لمسحة على الرأس أو الكتف.. فبينهن اليتيمة.. والوحيدة.. والمسؤولة.. والمتألمة..

    لا أعرف ما الذي دفعني لكتابة هذا الكلام..
    هي كلمات فقط أحببت أن أشارك قارئاتي الحبيبات بها..


    دعونا نمنح الحب لمن حولنا.. لنكن أكثر اهتماماً.. ولنراعي مشاعر الآخرين.. لا أنفسنا فقط..


    **
    مجلة حياة العدد (74) جمادى الآخر 1427هـ


    - 43 -

    مشهد .. كل ليلة



    كنت في السابعة أو ربما الثامنة من عمري.. نعم.. أتوقع في الثامنة - كنت قد أنهيت الصف الثاني الابتدائي- حين أجريت لأبي عملية خطيرة في القلب..
    أصيب بعدها بمضاعفات.. وجلطة مفاجئة في جانب من الدماغ..

    أذكر.. حين.. دخلت مع أمي لغرفته.. في العناية المركزة..
    أذكر الأجهزة.. رائحة المعقمات..
    الصوت المرعب لنبضات القلب على الجهاز..


    وقفت مع أمي عند طرف السرير.. وهناك كان أبي ممدداً عاري الصدر ألصقت عليه المجسات والأسلاك، وثمة أنابيب مؤلمة في أنفه..
    شعرت بالخوف منه.. لم يكن أبي الذي أعرفه..
    نظر إلي بطرف عينيه بصعوبة.. هيئ إلي أنهما كانتا تدمعان.. حرك إصبعين من كفه الأيسر ليشير إلي
    بالاقتراب..
    شعرت بالخوف..
    أمسكت عباءة أمي والتصقت بها..
    - هذا أبوك.. حنين.. روحي بوسي إيده..
    - أخااااف..!
    لم تكن أمي قادرة على حملي ورفعي لأنها كانت حاملاً في شهرها الأخير.. سحبتني بقوة وهي تكتم عبراتها.. وحملتني بمشقة..
    - هذا بابا حبيبتي.. شوفيه زين..
    دفعتني عند رأسه لأراه جيداً.. لعلي أقبله..
    نظرت إليه.. كانت عيناه تدمعان.. وهو ينظر إلي بشوق..
    أفلت بقوة من يد أمي وأسرعت أختبئ خلفها.. وألتف بعباءتها.. وأخذت.. أبكي..
    - أخااااف ما أبي..!
    أخذت أمي تمسح على رأسي وتهدئني.. وصوتها يرتعش بالعبرات..
    - خلاص حبيبتي ما يصير تصيحين.. هذا بابا.. شفيك؟
    في تلك اللحظة.. كنت أحبه أكثر من أي لحظة مضت.. كنت أتمنى لو أقفز على صدره كما أفعل دائماً وأقبله..
    أبي الحبيب..
    لكني رأيت في عينيه شيئاً مخيفاً..
    رأيت.. الموت.. فخفت منه..
    لم أستطع أن أقترب من أبي وهو في لحظات ضعفه هذه..
    كان شيئاً مخيفاً جداً لطفلة السنوات الثمانية.. أن ترى والدها بهذا الضعف..
    قريباً من شيء مخيف.. كالموت.. هذا ما لم يفهمه أحد ممن كان حولي..


    غضبت الممرضة وأمرتنا بالخروج حتى لا نؤثر على مشاعر أبي وقلبه الضعيف..

    ارتعشت أمي.. اقتربت من أبي همست في أذنه بكلمات.. وقبلته على رأسه.. ومسحت على شعره..
    وخرجنا..
    كانت متماسكة نوعاً ما حتى خرجنا..
    حين خرجنا من الغرفة وفي الممر مباشرة.. انهارت أمي.. أسندت أمي ظهرها إلى الجدار وأخذت تبكي بقوة..
    كانت تنشج كما كنت أفعل حين أطلب شراء لعبة غالية..
    فوجئت بالمنظر المؤلم.. أمي تهتز.. ببطنها الكبير... وهي تبكي بقوة.. وتتأوه بحسرة..
    - ماما خلاص.. ماما حبيبتي..
    طوقتها بطنها بذراعي..
    لم تكن تسمعني.. فقط أمسكتني وحضنتني بشدة وهي تبكي...
    وكأن بكاؤها يتردد صداه في أذني حتى هذه اللحظة.. ذكراه تحرق قلبي..


    الآن فقط فهمت مشاعر امرأة شابة مع طفلين صغيرين.. وجنين في بطنها..
    دون أب.. ولا أم..
    ومع زوج على حافة الموت..


    كان خالي ينتظرنا في البهو الكبير للمستشفى..
    حين وصلنا إليه لم يكن يبدو على والدتي أي أثر غير طبيعي..
    استطاعت أن تتماسك بسرعة وتبتلع ما بقي من دموعها..


    ركبنا معه في السيارة.. وطوال الطريق كان يحاول إقناع أمي بأن تأتي لتسكن لديه ريثما يشفي أبي..
    لكنها رفضت وأصرت على أن نبقى في بيتنا..
    - لكنك حامل.. وقد تلدين في أي لحظة.. يجب أن يكون قربك رجل.. لا يصح هذا يا نهلة..
    - لا تخف علي.. أستطيع أن أتصل عليك عندما أحتاج لذلك.. لا تخف يا أخي..


    لم تغب صورة أبي بصدره العاري والأسلاك تغطي جسمه عن ناظري طوال الأيام التالية.. بل طوال أيام عمري الباقية كلها.. أصبحت روتيناً ليلياً..
    فقد كانت آخر صورة له..
    إذ لم أر أبي بعدها أبداً..
    توفي خلال أيام..
    غاب عنا..


    نساء كثيرات جئن لبيتنا..
    بكت أمي كثيراً.. بكت.. حتى خشيت أن تموت.. قلت لها ذلك..


    وبقينا في بيتنا.. لم نذهب إلى أي مكان آخر كما أصر الجميع علينا..

    * * *

    ذات صباح.. استيقظت على صوت أمي وهي تطلب مني أن أغير ملابسي بسرعة..
    كان هناك شيء غير طبيعي.. صوتها يرتعش بقلق..


    أخذتني أنا وحمودي عند بيت خالي.. وقالت أنها ستذهب في مشوار مع خالي وتعود..

    شعرت بالخوف في بيت خالي..
    كنت أجلس وحدي أنا وأخي.. لا نفعل شيئاً..


    فقد كانت زوجة خالي من النوع الغاضب دائماً.. صراخها الحاد على أبنائها وبناتها كفيل بجعلي – أنا وأخي - لا نغير أماكننا خوفاً من صرخة منها..
    عرفت جيداً لماذا لم ترغب أمي في أن نسكن معهم..


    شعرت بالملل طويلاً من الجلوس وحدي حتى نمت على الكنبة وأنا أشاهد التلفاز.. ونام حمودي قربي..
    وبعد ذلك بمدة.. استيقظت.. وعلمت أن أمي أنجبت طفلاً صغيراً..
    لم أفرح كثيراً.. كنت مهتمة بأمي قبل ذلك..
    - وأمي أين هي؟ متى تعود؟
    - أمك في المستشفى يا حنين..
    شعرت بمغص في بطني.. كرهت المستشفى.. تذكرت شكل أبي.. لا.. لا أريدها أن تذهب هناك.. أخشى ألا تعود كما حصل مع أبي.. بكيت.. وبكيت.. ولا أحد يعرف سر بكائي..


    عادت أمي تحمل جنينها..
    وذهبنا مباشرة إلى بيتنا وأحمد الله أننا لم نجلس في بيت خالي كما حاول إقناعنا..


    تعبت أمي بعد ذلك.. كانت مسؤولية البيت والأطفال لوحدها كبيرة عليها.. لكني كنت أساعدها قدر استطاعتي..

    ربتنا أمي أفضل تربية.. تعبت علينا كثيراً.. وتعذبت كثيراً في تربية أخويّ..
    لا أزال أذكر تلك الليالي التي كانت أمي تدور فيها بقلق في أرجاء البيت حين كان محمد يتأخر فيها في السهر..
    ولا زلت أذكر الليلة التي بتنا فيها جميعاً نبكي حين غضب عبد الله وخرج من البيت آخر الليل.. لا نعرف إلى أين ذهب.. وبقينا نبكي بخوف أنا وأمي حتى ساعات الصباح ننتظر رجوعه..


    كانت أمي تتحرج من الاتصال بخالي ليتدخل في كل صغيرة وكبيرة..
    وكانت مسؤولية صعبة.. أن تواجه المشاكل وحدها..


    أصيبت بالقولون.. ثم بالضغط.. ثم.. بالتهاب المفاصل..
    أصبحت حركتها صعبة وهي لا تزال صغيرة..


    كان أثر الهم والمسؤولية بادياً على جسدها النحيل ووجها الحزين..

    ورغم آلامها ومرضها..
    كانت حريصة على قيام الليل كل ليلة.. تدعو الله لنا أن يصلحنا ويهدينا - كما أسمعها كثيراً.. وتدعو الله أن يرحم والدي ويجمعها به في
    الفردوس الأعلى..


    * * *

    رغم التعب والآلام.. والسنوات المتعبة التي عاشتها.. بدأت أمي تقطف ثمار جهدها يوماً بعد يوم..
    تغير حال أخوي بعد أن كبرا بفضل الله..
    رزقهما الله الهداية وصلاح الخلق..
    تخرجا.. عملا..
    تزوج كل منهما..
    وأنا لا زلت أنتظر نصيبي.. مع أني مستمتعة بالحياة مع أمي الحبيبة.. ولا أتخيل نفسي بدونها..


    * * *

    الليلة.. وكل ليلة..
    كلما وضعت رأسي على الوسادة.. أرى مشهد أبي الأخير على سريره.. عاري الصدر.. بالأسلاك والأجهزة.. وصوت نبضات القلب..
    أتذكر حركة إصبعيه وهو يشير إلي أن أقترب..
    عيناه الدامعتان..
    أتذكر بكاء الأم الشابة..
    فأدعو الله له بالمغفرة والرحمة من كل قلبي..
    وأن يجمعه الله بأمي في جنات
    النعيم..



    **
    مجلة حياة العدد (75) رجب 1427هـ

    - 44 -

    ليتني أعود .. صفحة بيضاء

    تبدأ الجروح كبيرة.. دامية..
    ثم تصغر.. تجف..
    تلتحم..
    لكن.. يبقى مكانها بعض الألم.. وتبقى آثارها مهما مر الزمن..
    مكان بلا جرح.. ليس مثل مكان جُرح..
    حتماً ليسوا سواء..
    إنها الحقيقة مهما حاولنا تجاهلها..
    كنت أقف عند نافذة غرفتي.. أطل على إخوتي الصغار وهم يتقافزون في مسبحهم الجديد الذي اشتروه بمناسبة حلول الصيف.. يتقاذفون كراتهم وألعابهم بكل مرح..
    ما أجمل الطفولة وبراءتها..
    ما أجمل أن تعيش خفيفاً.. دون هم.. ولا حزن ولا مسؤولية.. ولا ذكريات مؤلمة..
    ليتني أعود طفلة بريئة طاهرة..
    ليتني أعود راوية التي كانت طفلة بليدة مسكينة يضحك عليها بنات أقاربها ويهزأن بها فتجري خلفهم بشعرها الأعرد المتطاير..
    ليتني أعود راوية التي تفرح بالفستان واللعبة.. وتمسح دموعها في حضن أمها بعد معاركها مع ابنة عمها كل مساء..
    ليتني أعود سعيدة مبتهجة كما كانت راوية يوم العيد في فستانها ذي الحزام العريض وقبعتها وحقيبتها المليئة بالريالات.. لم تكن تهتم في ذلك الوقت بضحكات بنات أعمامها اللاتي كن قد بدأن في لبس الملابس النسائية ووضع شيء من المكياج.
    بينما هي تبتسم في وجوه العمات والأعمام منتظرة (العيدية) لتفتح حقيبتها كل خمس دقائق وتعد ما جمعته من مال..
    لا أزال أذكر نظراتهن وهمساتهن الضاحكة علي.. وقد وضعت كل منهن رجلها على الأخرى..
    لم كن يستعجلن أن يصبحن نساء؟
    كنا في نفس العمر تقريباً..
    لكنهن يستعجلن أن يكبرن.. أن يضعن المكياج.. الفساتين الضيقة.. التسريحة الأنثوية..
    لماذا؟
    هل نحن الآن سعيدات بعد أن كبرنا؟
    ما أجمل أيام الطفولة.. وبراءتها..
    ليتني بقيت فيها أكثر وأكثر.. ليتني لم أكبر بهذه السرعة..


    * * *

    حاولن جذبي إلى عالمهن السري.. الخاص..
    دخلته على وجل..
    - يا خبلة ما يصير تلبسين كذا خلاص السنة الجاية بتروحين المتوسط.. وش هالدلاخة؟ للحين تلبسين ملابس أطفال؟ متى بتكبرين؟
    - تعالي بس.. لازم نعلمك شلون تلبسين.. تكشخين.. تتمكيجين.. تمشين بالكعب.. تسرحين شعرك.. أصلاً هالـ(كشة) يبغى لها قص.. أنتي وجديلتك!
    أشياء كثيرة تعلمتها.. رغم أنها لم تكن تحبها..
    لا لشيء سوى لأنهن أقنعنها أنها هكذا غريبة.. مضحكة.. يجب أن تصبح مثلهن..
    تعلمت كيف تضع أحمر شفاه لامع.. وقصت شعرها..
    - حتى هذه الحواجب لازم (تنظفينها).. شكلك (غلط) فيها!!
    كانت قد سمعت أن هذا حرام.. لكنها خجلت وسكتت حين رأت كل الفتيات يؤيدن ما قالته ابنة عمها..
    - لكن.. لحظة.. لكن..
    - أقول بس.. تعالي أزينهم لك.. علشان يصير شكل عيونك أحلى!
    بدأت تمشي بالملقط على حاجبها.. كانت تشعر بالألم يسري لقلبها.. كانت تعرف أن هذا خطأ.. لا يجدر بها فعله.. أن تعصي خالقها لأجل شعيرات.. لكنهن جميعاً أصررن عليها.. كلهن يقمن بذلك..
    أصبح لها مظهر آخر.. لم تعد تلك الطفلة..
    أصبحت شيئاً آخر.. بقصة شعرها.. ومكياجها.. وكعبها..
    من عينيها كانت نظرة براءة تحاول أن تتحدث.. لكن الحاجبين المثلثين كانا يسكتان تلك النظرة ليصرخا بنظرة دهاء.. هي منها بريئة..
    تحولت لمسخ..
    طفلة بمظهر(..)..!


    * * *

    - تعالي.. وش ذا العباة.. وش ذا (القراوة)!.. يحليلك.. شكلك كنك عجيّز..!
    - هاه؟
    - ليش ما تلبسين عباية شبابية.. شي حلو..
    - لا.. ما له داعي..
    لم تكن تستطيع أن تقول لا.. أنا أحبها.. أفتخر بها..
    أحنت رأسها بصمت.. ابتلعت ريقها واستسلمت..
    - يا الخبلة أنتي جسمك حلو.. ليش تخبينه بهالخيمة؟ البسي عباة مخصرة.. شيء فيه أنوثة.. أصلاً الشباب هالأيام ما يبون إلا اللي كذا..
    ولأول مرة تكلمت..
    - وشدخلني بالشباب؟
    ارتبكت ابنة عمها..
    - آآ.. قصدي إذا بغوا يخطبون..
    إيه..!
    وغيرت العباءة واستبدلتها بأخرى كانت تسير فيها على استحياء.. حتى تعودت عليها..


    * * *

    ثم بدأت مرحلة جديدة..
    - قولي لهم يشترون لك جوال.. خلاص أنتي بتروحين ثاني متوسط.. أكبر من هالكبر؟!
    - بس.. أنا ما أحتاجه..
    - من قال ما تحتاجينه؟ أصلاً شكلك كذا يضحك في العزايم والمناسبات كل البنات معهن جولاتهن ويتبادلن البلوتوثات وأنت مسيكينة كنك بزر ما معك جوال.. وبعدين إلى متى صديقاتك إذا بغوا يكلمونك يتصلون على البيت ويرد عليهم فلان وعلان لازم معك جوال تتصلين على صديقاتك متى ما بغيتي لو نص الليل..
    وعلى مضض..
    أخذت تطالب أهلها به.. حتى كان لها..


    * * *

    كانت تلاحظ أن مها تمضي الساعات وهي تتحدث في الجوال تضحك.. تهمس.. وتلعب بشعرها..
    - من كنت تكلمين؟
    - ما لك دخل.. هذه أشياء ما تعرفينها.. توك صغيرة عليها..
    - مها وش تقولين..؟
    - هذا يا حبيبتي عالم ثاني مالك فيه يا المسكينة..
    - شالألغاز؟ من تكلمين؟
    أخذت تغني.. وتدور وشعرها يطير حولها.. ثم رمت نفسها على السرير..
    وتنهدت..
    - مسكين اللي ما جرب الحب والغرام..
    - أي حب وغرام؟ مها!!.. أنتي تكلمين واحد؟
    - لا.. عشرة! خخخخخ.. إيه.. أكلم واحد.. شفيك نتاظريني كذا؟
    - مها حرام عليك!
    - حرام عليك أنتي اللي دافنة نفسك وشبابك.. عيشي حياتك.. شوفي حولك.. كل البنات يكلمون.. ما بقى إلا أنتي بس يالمسكينة..
    - لكن..
    - بلا لكن.. يا أختي عمرنا ما سمعنا كلام حلو.. اسمعي الكلام اللي عمرك ما سمعتيه.. غير الرسايل والهدايا..
    وجرفتني بكلامها المعسول.. لا أعرف كيف..
    بدأت على خجل..
    ثم تعودت.. مات الحياء.. غاب الخوف من الله..
    (كل البنات يكلمون.. أنتي بس اللي توك طفلة)
    طفلة.. بزر.. نقطة ضعفي.. الكلمة التي كنت أكرهها في ذلك الوقت..
    كنت أريد أن أخلع ثوب الطفولة وكل ما يمت إليه بصلة.. بأي وسيلة.. وبسرعة.. حتى لو خلعت معه آخر غلالة للحياء والإيمان..


    * * *

    مات كل شيء جميل..
    كلمت أكثر من شاب..
    الكلام المعسول تعودت عليه..
    الرسائل بدأت تتكرر.. أصبت بالملل.. الملل من الحياة في خوف وقلق.. وحيرة..
    ومن التقلب بين جوال هذا وماسنجر ذاك..
    العلاقة لم تكن تصل إلى شيء..
    كلهم يدعون الحب.. ثم ماذا؟..
    يحاولون إقناعي بالخروج معهم.. ثم ييأسون من رفضي ويذهبون..
    كان هذا الجدار الأخير الذي لم يسقط حمداً لله..
    - طيب اخطبني!!
    ضحكة طويييلة ثم..
    - يحليلك.. (بزر).. أي خطبة وأنتي في ثاني متوسط..
    - ثالث متوسط!
    - المهم في المتوسطة.. أي خطبة.. أكيد أهلك ما راح يوافقون..
    - أنت جرب..
    - أقول بلا خرابيط.. خلينا كذا أحسن.. بلا زواج بلا هم..
    - لكن ما يصير لازم نتزوج..
    - شوفي يا ماما.. أنا رجال متعقد من الزواج.. عندي اللي مكفيني..
    - طيب ليش ما تطلق زوجتك إذا ما تبيها؟ ليش نبقى كذا معلقين؟
    - أوووه.. شكلك بتطفشيني..
    هكذا كانت تنتهي معظم علاقاتي.. بت أعرف طريقتهم.. أسلوبهم.. كيف يبدؤون.. وكيف يكذبون.. ومتى يتغيرون.. ومتى يغضبون.. ومتى ينهون العلاقة كما يريدون..
    سئمت تعبت.. تعبت من محاولات أن أخلع ثوب الطفولة..
    تعبت.. من الضياع.. من البعد عن الله..


    * * *

    نظرت إلى نفسي بالمرآة..
    رأيت نفسي بلا وجه..
    بلا حياء.. بلا نور إيمان.. بلا راحة.. بلا رضا..
    كنت أرتدي قناعاً قبيحاً.. مقززاً.. أهذه هي الأنوثة..؟
    تباً لها إن كانت كذلك..
    سأخلع هذا القناع.. وهذا الثوب الذي لا أحب..
    وليقولوا طفلة.. وغبية.. ومسكينة.. سأكون فوقهم ولن أخجل هذه المرة..
    سأعود لربي الذي أعرضت عنه طويلاً..
    سأمرغ جبهتي في الأرض طلباً لرضاه هو.. ولن أهتم بما سيقولونه أو يفعلونه..


    * * *

    - رااااااوية.. شوفيني.. بأغوص..
    ابتسمت وأنا أنظر إلى خلودي الصغير وهو يستعرض..
    ما أروع أن يكون الإنسان مرتاحاً.. بلا مكابرة.. بلا معاص تثقل ظهره..
    ذهبت الجروح.. ذهبت الأحداث.. لكن آثارها لا زالت باقية.. تحرق فؤادي كلما تذكرتها..
    ليتني أعود طفلة بريئة..
    ليتني أعود صفحة بيضاء..



    **
    مجلة حياة العدد (76) شعبان 1427هـ


    - 45 -


    يمنحون الحبَّ.. على طريق الحياة

    كان يوماً حاراً اشتدت به ريح السموم..
    واكتست به السماء بحمرة الغبار..
    - أعوذ بالله من غضب الله..
    أغلقت أمي النافذة.. وهي تسعل من أثر الغبار الذي دخل علينا.. وخرجت من غرفة الجلوس..
    لم أكن أعرف ماذا أفعل..
    صعدت إلى غرفتي.. استلقيت على السرير..
    لم يكن هناك من مكان نذهب إليه في هذا الجو.. ولا شيء نفعله..
    فتحت النت..
    كانت أمولة على المسنجر..
    - أهليين شأخبارك؟
    - أخباري.. طفش.. غبار وضيقة صدر..
    - يا بنت الحلال هونيها.. يكفي أمولة العسل معك على الخط.. يا الله فكيها عاد.. (وجه مبتسم)
    سكت..
    إنها لا تعلم شيئاً.. لا تعلم أي شيء..
    - سوسة.. وينك؟
    - هنا..
    - ليش ما تردين.؟ (وجه عابس)
    - ..
    - يوه.. شكلك سرحانة على الأخير..
    (وجه ممتعض)
    - تعرفين يا أمولة أحد يشتري الهموم؟ والله لو أعرف من يشتريها لأبيعها بفلوس الدنيا كلها..
    - يوء يوء يوء.. وش ذا؟ صايرة شاعرة وأنا مدري عنك؟ أي هموم يا حلوة.. هموم وعندك صديقتك أمل؟ ما يصير!
    أخذت تفكر طويلاً.. هل تسرعت؟ هل تخبرها؟ الأمر جلل..
    - لا خلاص ولا شي..
    - يا شيخة على مين حركات البزارين هذي؟ وش ولا شي؟ وش عندك؟
    - ...
    - أقول بتقولين وإلا أعصب (وجه أحمر غاضب)
    - ههه أمزح معك.. فعلاً ما فيه شي..
    - إيه أكيد كنت تفكرين بلمى.. يا أختي بالطقاق فيها.. بدالها ألف..
    حصة في سرها (أي لمى أي بطيخ!)..
    - إيه صح.. هذا هو همي.. شلون تتركني كذا؟.. يعني ذا الطالبة الجديدة بتنفعها.. وإلا علشانها جاية من المدرسة الفلانية وتركب عدسات صارت شي.. من زينها كنها طالعة من قبر جدي بذا العيون البيض..
    - لووووول
    - ..
    - خخخخخ.. رهيبة يا حصوص.. جبتيها.. إي والله عدساتها ذا السماوية كنهن بيض.. عيونها تروع!
    - وأنا صادقة.. وإلا شعرها اللي كنه شيب مصبوغ بكركم.. أعوذ بالله.. مسكينة .. وشايفة نفسها بهالشعرتين مغير تلفح فيهم يمين ويسار.. ياي على المياعة.. لا تتكسر..
    - صادقة.. أنا ما عجبني لون شعرها بايخ.. أي أحمر (بورغاندي) على قولتها؟ والله إن لونه برتقالي كنه صرصور..
    - طيب.. المهم. بروح ذا الحين.. شكل أمي تناديني.. مع السلامة..
    - باي حصوصة..
    أقفلت حصوص المسنجر..
    كانت تكذب.. لم يكن هناك من يناديها..
    وضعت رأسها على يديها على المكتب.. وأخذت تبكي..
    شيء ما كان يحتبس في صدرها لا تعرف لمن تقوله؟


    * * *

    في المدرسة.. لم يلاحظ أحد التغير والسكون الذي طغى على حصة.. ولم يلمح أحد نظراتها الحزينة.. الكل كان ينظر إليها كطالبة مشاغبة.. ولا وقت لأن يفكر أن حصة يمكن أن تكون حزينة..
    فقط كانت هي.. من لاحظ ذلك.. أثناء الدرس.. كانت تنظر إليها.. فتجدها سارحة في عالم آخر..
    تمازحها تداعبها.. فترد بابتسامة صفراء..
    شيء ما كان متغيراً..
    بعد انتهاء الدرس..
    اقتربت منها.. همست بهدوء وهي تشير إلى الباب وهي تبتسم ابتسامتها الدافئة..
    - تعالي.. أريدك..
    خرجت مرتبكة..
    - هلا أستاذة!.. عسى ما شر؟
    - ولا شر ولا يحزنون.. ممكن أكلمك في الفسحة.. ودي أسولف معك شوي..
    نظرت إليها باستغراب..
    - خلاص؟ أنتظرك!
    وابتسمت كعادتها وربتت على كتف حصة وأسرعت إلى فصلها التالي..


    * * *

    في الفسحة أتت..
    خرجت لها أبلة مها رغم تعبها الظاهر..
    - أستاذة.. معليش افطري..
    - لا.. ما يحتاج.. أنتي أهم..
    وابتسمت بدفء..
    وقفتا في مكان هادئ..
    - حصة.. أنا أثق بكلامك.. هل عدت إلى محادثة الشاب؟
    - ماذا؟!
    - أنا أسأل فقط..
    - المشكلة ليست هنا..
    مطت المعلمة شفتيها..
    - مشكلة في البيت.. أليس كذلك؟
    بدأت دموع حصة تنساب.. وهي تبتلع رعشات حلقها..
    - مشكلة؟.. (بلوة)!
    وضحكت وهي تخنق عبراتها..
    سكتت أبلة مها في انتظار الحديث..
    - أبي.. تصوري أستاذة مها.. أبي اكتشفت به شيئاً..
    ومسحت أنفها بالمنديل..
    - أبي اكتشفت أنه يكلم امرأة!!
    وقفت أبلة مها بهدوء ولم تغير ملامح وجهها الهادئة وكأنها كانت تتوقع أي شيء..
    - تصوري!.. وجدت رسائل غرامية في جواله بالصدفة.. امرأة بنفسها قد كتبت له.. تصوري.. والله يا أستاذة إني لا أكذب..
    - لحظة.. هل أنت متأكدة؟
    - متأكدة ولدي الدليل.. وجدته قد أرسل إليها في الرسائل المرسلة أيضاً..
    وأخذت تبكي أكثر..
    - أنا.. لا أعرف ماذا أفعل؟
    بكت ثم أكملت..
    - هل تعرفين يا أستاذة مها.. لقد.. قررت الانتقام منه.. لقد عدت إلى محادثة الشاب الذي كنت أكلمه قبل سنة..
    - الذي تبت من علاقتك به؟
    - نعم.. أريد أن أحرق قلبه كما حرق قلبي.. وقلب أمي المسكينة التي لا تعلم..
    مسحت المعلمة على رأسها..
    وقالت بهدوء..
    - حبيبتي.. إذا كان والدك يأخذ سماً قاتلاً.. هل تنتقمين منه بأخذ نفس السم؟ إنك بذلك تقتلين نفسك أنت.. وليس نفسه!
    انظري إلي.. واسمعي جيداً..
    لا أنكر أن صدمتك مؤلمة.. من المؤلم أن يصدم الإنسان بمن يثق بهم..
    لكن.. يجب أن تكوني أقوى من كل هذه الآلام..
    ماذا سوف تجنين من هذه العلاقة؟
    غضب الله.. الخوف.. القلق.. السمعة السيئة.. ألم أمك المسكينة التي خنت ثقتها..
    أما والدك.. فلن يؤثر عليه هذا الأمر..
    كان الأجدر أن تحاولي نصحه وتوجيهه بطرق غير مباشرة.. ثم بطرق مباشرة.. أن تدخلي طرفاً ثالثاً قادراً على الحوار بينكما.. أن تبلغي أمك مثلاً..
    لكن أسلوبك هذا.. مع احترامي.. أسلوب غبي..!
    - لكن أستاذة مها.. أنا لا أستطيع أن أفعل شيئاً..
    - كلا تستطيعين..
    هل جربت الدعاء له؟ هل جربت قيام الليل؟ هل صليت في الثلث الأخير ودعوت من كل قلبك؟ أم أسرعت فقط بإغواء الشيطان نحو جهازك لتحادثي ذلك الشاب؟ هل هذا الحل في نظرك؟
    - لا أعرف.. والله لا أعرف!
    وأخذت تبكي..
    - المشكلة أنه لم يكن لدي من أكلمه.. من أبثه ألمي..
    - هذا ليس عذراً يا حصة.. كان بإمكانك أن تأتي إلى محادثتي.. أن تفرشي سجادتك وتبثي همك إلى الله.. أن تحادثي والدتك أو أي شخص تثقين به.. لكن بالله عليك ما الذي سيفيدك حديثك مع الشاب؟
    بكت بينما أستاذة مها تمسح على كتفها..
    - لا أنا.. ولا أمك ولا كل من في هذا العالم يستطيعون أن يعيدوا أباك.. واحد فقط من يقدر.. ربك.. الجئي إليه يا غاليتي.. وسترين.


    * * *

    وذات مساء..
    بعد أربع سنوات وسبعة أشهر من ذلك اليوم..
    في صندوق بريد المعلمة مها الإلكتروني.. كانت هناك رسالة خاصة..
    من حصة:
    (الحبيبة الغالية أبلة مها..
    كيف حالك؟
    ..
    ألا زلت تذكرين ذلك اليوم؟
    لم أعد أحادثه مذ حينها.. قطعت علاقتي السخيفة به.. وانتهيت..
    الحمد لله..
    أما قصة أبي..
    فسأقول لك ما حصل..
    أخبرت والدتي.. حدثت مشكلات كثيرة حينها بين أمي وأبي..
    و.. تطلقا..
    مررت بأيام عصيبة ومؤلمة أنا وإخوتي..
    لكني تماسكت.. اتبعت نصيحتك.. واظبت على قيام الليل والدعاء لهما..
    أربع سنوات.. لم أتوقف يوماً..
    قبل ستة أشهر فقط عاد والديَّ إلى بعضهما.. الحمد لله حياتنا الآن رائعة..
    والدي تغير كثيراً.. وكذلك أمي.. وهي حامل الآن.. ههههه شيء طريف أن أحصل على أخ في هذا العمر.. أليس كذلك؟
    طبعاً نسيت أن أخبرك أني أدرس الآن في الجامعة السنة الثالثة..
    حين أتذكر شريط حياتي.. تمر أمامي أحداث سوداء عاصفة كثيرة.. ثم.. فجأة.. تظهر صورتك كنجمة بيضاء ساطعة تنير دربي..
    أحمد الله أن كنت معي ذلك اليوم وإلا لكان لحياتي مسار آخر – بمشيئة الله..
    معلمتي وأمي الغالية أبلة مها.. أحبك من كل قلبي..
    ولا أعرف كيف أشكرك..
    فالأشخاص الذين يمنحون الحب مثلك على طريق الحياة نادرون.. نادرون جداً..)


    * * *

    على لوحة المفاتيح..
    كانت قطرات دافئة تتساقط..



    **
    مجلة حياة العدد (77) رمضان 1427هـ


    - 46 -

    قوة عينيها

    كانت نادية بطلة شعبية في المدرسة..
    فقد كانت من النوع الذي لا يؤخذ حقه ولا تسكت عن أي تجاوز ضدها أو ضد غيرها.. لذا كنا نراها النموذج القوي الذي نحب ونحلم أن نصبح مثله..
    لم تكن من النوع الذي يتشاجر دون سبب.. كلا.. لم تكن كذلك أبداً..
    على العكس..
    كانت لا تتشاجر إلا لأسباب وجيهة.. وفي الوقت الذي يخشى فيه الجميع من الحديث أو الاعتراض..
    لقد كانت تمتلك قوة غريبة لا تملكها أي فتاة رأيتها في حياتي..
    ذات يوم كان هناك مجموعة من الفتيات أو المخلوقات التي تشبه الفتيات يجلسن كحلقة قرب المقصف.. كان موقع جلوسهن سيئاً ومزعجاً للجميع فقد أغلقن الطريق أمام كل من تريد الشراء من نافذة المقصف الكبيرة..
    كان من الواضح أنهن تعمدن ذلك لكي يعلم الجميع مدى قوتهن.. ولا أعرف ما الذي يفرحهن في هذا؟؟
    لم يستطع أحد أن يواجههن بشكل قوي..
    فقد كانت الجازي رئيسة المجموعة وهي فتاة مخيفة بكل ما تعنيه الكلمة بدءاً من جسمها الطويل القوي وتصرفاتها الحادة وهيئتها المسترجلة..
    تأففت الكثير من الفتيات.. وأبدين تذمرهن وانزعاجهن لكن دون جدوى..
    حتى أبلة منى مراقبة الساحة حادثتهن عدة مرات دون جدوى..
    وفي النهاية رأتهن نادية..
    فتحمست لعمل شيء..
    - نادية.. أرجوك.. أرجوك.. لا تتهوري.. لا تقتربي من هؤلاء المجانين..
    - قلت سأذهب يعني سأذهب..
    - نادية أرجوك لا تجازفي بنفسك..
    - ولماذا أجازف ماذا سيفعلن؟
    - أنظري للسلسلة اللامعة التي تتدلى من جيبها.. قد تلسعك بها بكل سهولة..!
    - أتحدى.. إنها أجبن من أن تفعل ذلك.. لا شيء يجعلها تتجرأ و(تنفخ) نفسها سوى خوفكن وجبنكن فقط!
    وانطلقت بكل ثقة لتشتري من المقصف..
    - لو سمحتوا شوي!
    ولم يعرها أحد اهتماماً.. كانت كل فتيات الشلة ينظرن لبعضهن ثم ينظرن لها بازدراء ويتابعن ضحكاتهن..
    رفعت صوتها..
    - هذا يعني.. أنكن لا تردن التحرك.. حسناً سأتحرك أنا إذاً..
    وانطلقت بشكل خاطف وجنوني.. تدوس عليهن بكل قوة..!!
    كان منظراً غريباً.. مضحكاً.. مخيفاً.. رهيباً.. لا أعرف..
    انطلقت صرخاتهن المتألمة العالية.. وهي تدوس بكل قوتها بحذائها الرياضي على أرجلهن وتتعمد ذلك.. وتقفز من حضن واحدة لأخرى غير آبهة بصرخاتهن وتوجعاتهن.. لتعبر نحو نافذة المقصف..
    اجتمعت كل فتيات المدرسة على الموقف الرهيب..
    وقفت الجازي بكل قوتها.. وصرخت بصوت أجش..
    - هييييييييييه!! خير!! خير؟! ماذا تريدين؟
    وبكل برود ردت نادية..
    - لاشيء.. أريد فقط أن أشتري من المقصف..!
    وذهبت لتشتري..
    انطلقت الجازي خلفها وسحبتها من كتفها.. وصرخت كأسد هائج..
    - تعالي كلميني..
    كانت نادية متماسكة تماماً.. فقط التفتت نحو الطالبات وقالت..
    - اشهدن جميعاً.. إنها تتعدى علي بيدها!! هل شهدتن؟
    انتفخت أوداج الجازي وأصبح وجهها أحمر..
    - انظروا.. انظروا لها.. إنها تنفخ أمامي بقوة.. لنر ماذا تستطيع أن تفعل؟
    شعرت بالخوف الشديد على نادية.. فرغم قوة شخصيتها وعنادها الشديد وشجاعتها الغريبة.. إلا أنها ذات جسم نحيل ضعيف.. وقد بدت أمام الجازي كقطة صغيرة أمام أسد هائج..
    - طيب.. طيب يا الـ.. (..)
    بكل غرابة.. ولا أعرف لماذا أعطت الجازي نادية ظهرها وهي تسير شبه منهزمة.. وتردد (سأريك.. سأريك!)
    صرخت فيها نادية لكل جرأة وقوة وحماس.. بصوت عال..
    - هيا.. هيا..! اذهبي.. ولا تعودي للجلوس مرة أخرى مع قطيعك في هذا المكان مرة أخرى.. وإلا فإنني سأرتدي كعباً حاداً المرة القادمة..!
    كان موقفاً غريباً.. لا أعرف كيف انسحبت الجازي أمام نادية.. رغم أنه بضربة واحدة من كفها الغليظ كان بإمكانها أن تسقط نادية صريعة..!
    أيقنت أنها قوة شخصيتها.. قوة الحق في عينيها الحادتين.. والتي حولت ضعفها لقوة مخيفة..
    ولهذا أصبحت كل الفتيات المشاكسات يخشين نادية ويتجنبن مواجهتها..
    وأصبحت كل فتيات المدرسة يحببنها ويقفن في صفها..
    ذات يوم.. حصل لي موقف لن أنساه.. كنت أسير مع صديقتي في ساحة المدرسة..
    حين جاءت إحدى الفتيات المتهورات وهي تجري مسرعة واصطدمت بي بقوة فأوقعتني أرضاً وأكملت ركضها دون حتى أن تلتفت إلي أو تعتذر..
    كانت سقطتي مؤلمة وقوية.. فقد ارتطم رأسي بجدار قريب..
    وحين استطعت الوقوف وترتيب شعري، اقتربت مني نادية وهي غاضبة.. وقالت..
    - نوال!.. لماذا تسكتين؟ اذهبي وحادثيها.. لقد تعودن على قلة الذوق والاحترام.. وهن بحاجة لمن يوقفهن عند حدهن..
    شعرت بالخجل من نفسي.. بالفعل كنت أحتاج لأن أواجه من ظلمني وآخذ حقي منه.. لكن.. نظراً لضعفي الشديد.. لم أستطع يوماً أن أفعل ذلك.. كنت أتظاهر دوماً بأني أسامح الناس.. لكن الحقيقة هي أني أخاف من مواجهة الآخرين حتى لو كانوا مخطئين..
    - تعالي.. قومي.. هيا..
    أمسكت يدي.. وسحبتني..
    - اسمعي.. أنا لن أتدخل.. فقط سأمسكها لك.. وأنت تصرفي.. مفهوم؟
    ابتلعت ريقي بصعوبة وأنا أجري معها بارتباك..
    وحين وجدت الفتاة تضحك مع زميلاتها رمقتها بنظرة قوية ونادتها بحدة..
    - تعالي.. تعالي لو سمحت..
    نظرت الفتاة إلينا بجمود يشوبه خوف واستغراب..
    - نعم.. ماذا؟
    - تعالي.. وواجهي هذه الفتاة التي أسقطتها بجريك الأهوج قبل قليل..
    اقتربت ونظرت إلي نظرة غبية.. فلم أعرف ماذا أقول..
    نظرت لنادية والعرق يتفصد من جبيني..
    - آآآه.. آآ.. أنا.. ممم.. لماذا أسقطتني؟
    - لا أدري.. لم أرك أصلاً.. أنت كنت تقفين في مكان خطأ!!
    كانت نادية تراقبني بهدوء دون تدخل.. فتلعثمت مرة أخرى.. وقلت بصوت مرتعش..
    - كلا.. لم يكن مكاني خطأ.. آآآ.. أنت كنت مسرعة..
    ضحكت الفتاة باستهتار مقيت.. وأعطتني ظهرها لتكمل حديثها مع زميلاتها..
    فصرخت نادية عليها..
    - لو سمحت!!! الحديث لم ينته..!
    يا الله! اجتمع بعض البنات حولنا.. شعرت بأني في ورطة.. ماذا أفعل؟ أريد أن أنسحب..
    - ليس من حقك أن تجري بجنون كالأطفال وتضربي الناس ثم تقولي.. لم أرهم!!
    شعرت الفتاة بالخوف فقالت..
    - طيب.. والمطلوب..؟
    - أن تعتذري لها..
    نظرت إلي وهي تمط شفتيها ثم قالت..
    - آسفة..
    - انتبهي مرة أخرى حين تجرين.. فالناس ليسوا لعباً..
    حمدت الله أن الموقف انتهى.. وسرت بعيداً وأنا أشعر باعتزاز لم أشعر مثله من قبل..
    قالت لي نادية..
    - نوال.. اسمعيني جيداً.. التسامح لا يعني أن تتركي حقك يضيع.. وأن تتركي الآخرين يتجاوزون حدودهم معك.. بتسامحك مع أمثال هؤلاء فأنت تتركين الطريق يتسع أكثر فأكثر لهم ولتجاوزاتهم.. إذا أردت أن تسامحي الآخرين فسامحيهم.. لكن وأنت قوية.. وليس.. وأنت ضعيفة.. هل تفهميني؟
    بعد مرور عشرات السنين على ذلك الموقف لازلت أتذكر كلماتها بكل دقة..
    حتى الآن.. لا أعرف إن كان كلام نادية صحيحاً تماماً أم لا..
    ولا أستطيع أن أحكم ما إذا كان أسلوبها صحيحاً أم لا..
    أعرف أننا كنا مراهقات.. لم ينضجن على نار الحياة بعد..
    وما عرفته حقاً من خلال خبرتي في الحياة..
    إن الإنسان إذا فقد قوته في الحق.. وسكت عن الظلم ضعفاً..
    فإنه يفقد أول معالم إنسانيته..



    **
    مجلة حياة العدد (78) شوال 1427هـ


    - 47 -

    الاعتراف الأخير..



    هذه المرة..
    هي اعترافاتي أنا..
    أسردها لكم بكل صدق..
    تحملوا طولها.. فهي الأخيرة..
    قبل سبع سنوات..
    كنت لا أزال طالبة تتعثر خطواتها في حرم الجامعة الفسيح.. تحمل ملازمها وكتبها الثقيلة من قاعة لأخرى..
    لا تعرف كيف تقسم ساعات يومها بين الاهتمام ببيتها وطفلتها الصغيرة.. ودراسة اختباراتها التي لا تكاد تتوقف.. ولا تعرف كيف ومتى تجد الوقت لتجلس على جهازها وتعمل على المشاريع المعقدة..
    كنت أواجه التعب والإرهاق في كل دقيقة من يومي..
    في خضم تلك الزوبعة لمعت نجمة غريبة في سمائي..
    كانت (حياة) تطل علي بخجل..
    كانت لا تزال جنيناً في رحم الغيب..
    فكرة مشروع جميل تحملها أمواج الخيال نحو شاطئ الواقع..
    أسرتني بحبها منذ أن تحدثوا عنها.. قبل أن أراها.. أو تراها أي فتاة أخرى..
    كانت لا تزال (مشروع) حلم.. لم تكتب له الحياة بعد..
    وكان الخيار..
    (أكون مسؤولة تحرير؟؟) هه.. هكذا..؟! لا أصدق.. كيف..
    أنا.. أنا مجرد طالبة..!!!
    دعونا نعود للماضي قليلاً..
    لأحكي لكم ما حدث.. قبل ثلاث سنوات من هذا العرض..
    كنت لا أزال أحاول التكيف مع عالمي الجديد.. مع الجامعة.. العالم الكبير الرائع..
    لا أزال في سنتي الأولى (المبهرة) بعد الخروج من قمقم المدرسة..
    ورقة بيضاء.. معلقة بإهمال على جدار في ممر المبنى الإداري..
    (مسابقة القصة القصيرة)..
    شدتني قليلاً.. أحب كل ما له علاقة بالقصة.. يبدو مثيراً..
    لكني.. لم أكتب قصة من قبل..
    (لعلي أحاول..) خاطبت نفسي..
    كان اطلاعي على موعد المسابقة متأخراً للأسف.. ليس أمامي الآن سوى أسبوع واحد.. فقط..
    لكن سأحاول..
    آخر محاولة أدبية لي كانت موضوع تعبير أعجب معلمتي في الثانوية.. أعجبها إلى حد أن أهدتني طوقاً من الفل.. ودرجة كاملة في الاختبار النهائي للتعبير (يوم كنا نختبر في مادة التعبير!)..
    ممم.. ماذا غيرها.. نعم.. قصة حاولت نشرها.. وأرسلتها لأكثر من مجلة.. دون جدوى.. بل دون حتى رد صغير..!
    هذا كل ما لدي!
    لكن.. سأحاول..
    أشركت إحدى صديقاتي بسري..
    (سأشارك في مسابقة القصة بإذن الله)..
    (ماذا؟؟!!..) شهقت وهي تنظر لي.. (خبلة!!) قالتها هكذا!!
    (والاختبارات والبرامج اللي علينا تسليمها..؟؟!)
    شعرت بالصدمة.. ابتلعت ريقي.. وندمت أني أخبرتها..
    (ما أدري.. يمكن.. لست متأكدة)..
    انشغلت خلال الأيام المقبلة.. وحين لم يبق سوى ثلاثة أيام على انتهاء المسابقة.. بدأت أكتب قصتي.. الأولى..
    جلست طويلاً في غرفتي.. وانعزلت عن أهلي لساعات طويلة..
    وفي النهاية اكتملت..
    سلمتها يوم الأربعاء.. الساعة 12 ظهراً.. الموعد الأخير للتسليم تماماً..
    وبقيت أنتظر بصمت.. قررت ألا أخبر أحداً أني شاركت (بعد إحباط صديقتي)..
    كنت أعلم أني شاركت كمجرد محاولة لصقل نفسي..
    كنت أعرف أنه من الصعب أن أفوز بأي مركز..
    لا زلت مستجدة.. في السنة الأولى من دراستي..
    والمسابقة على مستوى جامعة الملك سعود بأكملها.. وهي إحدى أكبر جامعات العالم.. بين عشرات الألوف من الطلبة.. شباباً وفتيات..
    احتمال فوزي أقل من ضئيل كنت أعرف هذا جيداً..
    سألتني تلك الصديقة عن قصتي التي شاركت بها.. وطلبت مني أن تقرأها..
    أحضرتها لها.. وأخذتها معها لتقرأها في البيت..
    وفي الغد قالت لي.. (بصراحة نوف.. القصة مدري.. ركيييييكة مرررة!!)
    شعرت بالصدمة..
    فأكملت حديثها وهي تحركها باستخفاف في يدها: (حتى أني عرضتها على أخي.. وهو معيد في قسم اللغة العربية.. وكان كلامه مطابقاً لما قالته.. القصة فيها عبارات ركيكة جداً.. و.. بصرااااحة: كيف شاركت بها بالمسابقة؟؟
    مستواها ضعييييف!!)
    ابتلعت ريقي.. وأنا أكاد أذوب من شدة الخجل..
    كنت لا أزال مشوشة وفاقدة للثقة بنفسي تماماً..
    كدت أموت خجلاً من قصتي البائسة.. شعرت بأنها مخجلة ولا تستحق المشاركة فعلاً..
    وفي البيت شعرت بالكآبة والحزن والخجل.. ولمت نفسي كثيراً لأني شاركت..
    ثم.. أخذت أفكر.. وخاطبت نفسي فجأة..
    توقفي لحظة! ما الذي يمكن أن يحدث يا ذكية؟!
    أسوأ ما يمكن أن قصتك لن تفوز.. ثم ماذا؟.. لن يعرف أحد.. لا أحد يعرف أني شاركت بالمسابقة أصلاً.. هه بعد أشهر..
    نزل إعلان في رسالة الجامعة.. كان يحوي أسماء الطلاب العشرة الفائزين بمسابقة القصة القصيرة على مستوى الجامعة.. ولكن دون ترتيب المراكز..
    شعرت بالشغف لأقرأها.. كنت متأكدة أني لن أفوز..
    ولكن أردت أن أعرف من الذين فازوا بها..
    لم أصدق..
    قرأت الإعلان عشرين مرة.. لأتأكد.. يا الله..
    اسمي كان هناك!..
    صغير.. لكنه موجود..
    شيء عظيييييييييم..
    الحمد لله.. أنا موجودة.. ضمن العشرة.. هذا شيء رااااائع.. يا الله لا أصدق..
    كنت متأكدة أن مركزي هو العاشر.. أو التاسع..
    لم يكن الاسم واضحاً بحيث يقرأه أحد..
    في الأسبوع التالي.. نزل الإعلان... بترتيب المراكز..
    كنت أنتظره على أحر من الجمر..
    هل أنا في المركز العاشر أم التاسع..
    وقرأت العنوان العريض..
    و.. كنت هناك..
    المركز الأول..
    قصتي (لن أنساك أبداً) كانت الفائزة..
    الجميع أخذ يهنئني.. الطالبات.. الأقارب..
    وحين نشرت القصة بعد أسابيع في رسالة الجامعة..
    بدأت ردود الأفعال تأتي من كل مكان..
    الطالبات.. الأساتذة.. الدكاترة.. حتى الطلاب.. البعض كتب تعليقه عنها في الصحيفة والبعض وضح كم تأثر بها..
    وكتب رئيس قسم اللغة العربية على ما أعتقد تعليقاً رائعاً عنها..
    كان ذلك كثيراً بالنسبة لطالبة في سنتها الأولى.. تشعر بالخجل من مشاركتها الأولى..
    وأخبرتها زميلة أن قصتها (ركييييكة جداً)!!
    أصبح الأساتذة يسألون عني في القاعات الدراسية بعد أن كنت طالبة عادية..
    وحتى سنتي الأخيرة في الدراسة حين كان يدرسني أستاذ جديد كان يسأل عن اسمي.. هل أنت التي كتبت قصة (لن أنساك أبداً) يا ابنتي؟..
    في السنة التي تليها.. اخترت العمل التدريبي كمحررة في رسالة الجامعة.. كنت أكتب بعض الأخبار البسيطة.. وأجري اللقاءات..
    استمتعت كثيراً بالعمل الصحافي.. وتعلمت أساسياته.. رغم كثرة ضغوطي الدراسية..
    هناك كانت بدايتي..
    ومنها... بعد زمن.. كانت مشاركتي الأولى في حياة.. كعضوة مع فريقها الذي كان قد أعد العدد رقم (صفر).. قبل نزوله للأسواق.. وقبل ظهور الفسح الإعلامي..
    حين رأيت العدد الأول.. كان لا يزال.. طرياً.. بسيطاً.. لكنه مميز جداً.. جذبني بتميزه.. مجلة خاصة بالفتيات! أمر رااائع..
    وأنا.. مطلوبة للعمل فيها؟؟!!
    وكمسؤولة تحرير؟؟؟
    ياااه.. يبدو أن أمي قد دعت لي..
    هكذا فكرت..!
    لكن بعد فترة.. عرفت أن العمل ليس تجربة بسيطة.. ولا مجرد نزهة ممتعة..
    بدأنا العمل الحقيقي.. وكنت لا أزال طالبة..
    وكنا بحاجة إلى أن نثبت وجود المجلة.. وأن نضع كل طاقاتنا وإمكاناتنا
    لنجعلها تظهر في أجمل وأبهى صورة..
    كنا نكافح.. ونجمع المعلومات..
    ونكتب.. وننسق.. ونتابع الإخراج..
    وكنا نعمل من منزل مديرة التحرير التي كانت لنا بمثابة الأخت والأم والصديقة..
    وبعدها بأكثر من سنة..
    انتقلنا إلى مكتب صغير متواضع..
    وكان العمل يصبح أكثر ضغطاً يوماً بعد آخر بسبب كثرة رسائل القارئات والحاجة الماسة إلى المتابعة.. نرد على الاتصالات.. ننسق.. نرد على الشكاوي.. نستقبل الاقتراحات..
    نصحح.. نراجع.. نقوم بعمل كل شيء تقريباً.. وعددنا لا يجاوز أصابع اليد الواحدة مع مديرتنا والسكرتيرة!..
    في خضم العمل.. مررت بسنتي النهائية.. وبمشروع التخرج.. كنت أعمل مع زميلاتي صباحاً على مشروع تخرجنا.. ومساء على المجلة.. كنت أوزع أعداد مجلتي الصغيرة في الجامعة.. وعلى الأستاذات.. لأعرفهم بطفلتي التي أفخر بها (حياة)..
    واجهت ضغوطاً كثيرة في تلك الفترة.. لكنها كانت مسألة تحدٍ.. وأنا قبلته..
    بعد فترة.. لم أستطع أن ألتزم بما تتطلبه مني المهمة.. طلبت أن أكتفي بالتحرير فقط.. وكان لي ذلك..
    كان بابي الأول..
    أروقة الجامعة.. وأحببته وكنت أنقل فيه القصص والحكايا التي عايشتها وعايشتها زميلاتي ومن أعرفهن في الجامعة..
    هذا سوى أبواب أخرى..
    ثم.. بعد سنوات.. كان هذا الباب..
    اعترافات فتاة..
    استقيته من قصص صديقاتي وطالباتي.. ومن التقيتهن في بحر الحياة..
    كان –ولا يزال- لدي الكثير من القصص التي أود أن أكتب عن أبطالها.. عن كل وخزة ألم عاشوها ولم يشعر بها الآخرون..
    عن فتيات رائعات استطعن تحقيق نجاحات رائعة رغم ظروفهن المؤلمة..
    عن فتيات يواجهن مشاكل وضغوط ورغم هذا لا زلن يعشن بيننا..
    كنت أتمنى دائماً من خلال هذا الباب..
    أن.. نشعر بما خلف الوجوه المبتسمة..
    بما في تلك القطعة الحمراء التي تنبض بالحياة.. القلب.. من مشاعر وآلام وهموم..
    ليتنا نتخيل ما يمكن أن يحتويه قلب كل إنسان قبل.. أن نحكم عليه..
    لذا كانت (اعترافات).. لأنها حديث حول ما لا نراه.. حول ما يدور داخل حجرة القلب.. ويخرج اعترافاً.. بين السطور..
    بطلات اعترافات فتيات درستهن بنفسي.. أو دربتهن.. أو صادقتهن.. أو راسلتهن..
    هي قصص حقيقية تماماً.. وبطلاتها قد يكن حولكن.. في المدرسة..
    الجامعة.. وربما البيت..
    أحببت اعترافات.. لأني أحببت بطلاتها الرائعات فعلاً..
    لكنها مشيئة الله.. أن كل شيء.. لا بد أن ينتهي..
    سنة بعد سنة.. تزداد المهام..
    وعملي في التدريب والتدريس يأخذ من وقتي وجهدي الكثير..
    فقدت صديقات رائعات.. تركن أجمل الآثار على جدار ذكريات المجلة..
    كانت عائشة الرائعة هنا.. ثم أرسلت (الفاكس الأخير) على صفحات المجلة..
    هديل الندية.. مرّرت كموجة بحر هادئة.. دون ضوضاء..
    فداء المثابرة كم أوحت لي بالصدق والجد.. لكنها غابت دون ضجيج أيضاً..
    وجاء دوري اليوم..
    لأضع أمامكم (الاعتراف الأخير) وأنسحب..
    أعتذر.. لأني وصلت لمرحلة.. لا أعرف كيف أصفها..
    لكني..
    لم أعد قادرة على العطاء أكثر..
    حالياً..
    الظروف لا تساعدني في كل الجهات..
    أجدني مضطرة للتوقف.. ووضع القلم..
    والوداع..
    أردت أن أعترف..
    أني أحببتكم كثيراً..
    أحببت كل من أرسل إلي.. وكل من دعمني في يوم من الأيام بكلمة أو عبارة..
    وأعتذر من كل من لم أرد عليه دون قصد (لأني أحاول أن أرد على كل بريد يصلني قدر الإمكان)..
    أشكرك أستاذة إيمان لصبرك.. وطيبتك.. ودعمك لي حين كنت على حافة الانهيار طوال السنوات الماضية.. تحملتني كثيراً.. أشكرك من كل قلبي..
    أشكرك سارة.. كنت دائماً مصدر إلهام رائع.. روحك الساكنة تبعث في نفسي الطمأنينة دائماً..
    أشكرك هند.. مرحك وحكمتك مزيج مميز جداً.. لك أثر في نفسي أكبر من أن تمحوه الأيام..
    أشكرك نوير.. ليت القارئات يعلمن أن سواليفك في الحقيقة أروع من كتاباتك الرائعة بكثييييير.. أشكرك للوقت الرائع الذي قضيته معك.. أتمنى أن تكوني أقوى مني في الأشهر القادمة..!
    أشكر كل من راسلني..
    أحبكن كثيراً قارئاتي.. كنتن مصدر إلهام ودعم رائع لي..



    **
    مجلة حياة العدد (93) محرم 1429هـ

    - 48 -

    حتى لا تجف البئر

    منذ أيام.. لم تعد جدتي تتحدث كثيراً كعادتها..
    لا أعرف ما الذي حصل..
    كل شيء طبيعي..
    أعمامي يأتون لزيارتها بالتناوب..
    وفي العصر نخرجها لتجلس معنا في الحوش.. نحتسي القهوة ونأكل بعض التمر أو الرطب..
    لا مشاكل..
    لا شي يكدر صفو حياتها..
    لكنها فجأة.. دخلت في حالة سكون غريبة..
    لم تعد تتحدث وتعيد قصصها القديمة كل يوم..
    أصبحت تجلس صامتة معظم الوقت.. تقلب عينيها في فنجانها.. أو في الفراغ..
    وتأخذ نفساً عميقاً وهي تذكر الله..
    كنت دائماً مشغولة عنها..
    بواجباتي.. اختباراتي.. مكالماتي مع صديقاتي.. النت.. ملابسي.. تماريني الرياضية..
    كنت أشعر أن يومي مزدحم جداً.. ولا وقت لدي لكي أجلس معها وأسمع اسطواناتها القديمة المكررة..
    كنت أكتفي بالسلام عليها كل صباح وهي تقلب مذياعها القديم الذي ثبت عمي مؤشره على إذاعة القرآن الكريم (حتى لا (تضيع) عنها وتنادينا عشرين مرة في اليوم لنعيده).. أمر لأقبل رأسها وأودعها وأنا ذاهبة للمدرسة..
    أحياناً قليلة..
    حين لا أكون نائمة عصراً.. أجلس معهم في الحوش.. أشرب بعض القهوة على عجل..
    ثم أعود لغرفتي..
    أحاديث جدتي كانت تشعرني بالدوار..
    كلها محدودة لا تخرج عن أربع قصص: قصة ولادة بقرتهم المتعسرة.. وقصة مرضها الدائم في طفولتها وذهاب أهلها بها للمقبرة لطرد الشؤم عنها.. وقصة زواجها بجدي وهي صغيرة تلعب بالطين.. وهناك أيضاً قصة تعرض والدها لهجمة الذئاب في مزرعته..
    حفظت هذه القصص الأربع بكل تفاصيلها الدقيقة.. حتى مللت..
    وأصبحت أشعر بالغثيان كلما بدأت تسردها من جديد...
    ياااااااا الله..!!
    من يستطيع أن يجلس مع جدتي ويتحمل إعادة قصصها كل مرة؟! لا أتخيل!
    حتى أعمامي حين يأتون لزيارتها.. يحاولون ألا يعيدوها إلى الماضي.. يشغلونها بسرعة في أحاديث الحاضر..
    فلان قام بكذا.. فلان يريد كذا.. وفلانة أصبحت كذا..
    وهكذا..
    أصبحوا يعرفونها جيداً..
    أي فرصة تتاح لها سوف تستغلها بسرعة وتعود بنا لقصصها القديمة..
    كانت تحاول جاهدة أن تفتح سيرة الماضي.. وتتحدث..
    لكن الجميع كان يحاول بسرعة أن يقطع الحديث ويغير مجراه حفاظاً على رؤوس الجميع من الصداع..!
    بالنسبة لجدتي..
    كنت أشعر في كل مرة.. أنها تعتقد أنها تروي القصة للمرة الأولى..
    لم تكن تشعر ولا بجزء بسيييط من ذاكرتها.. أنها تقولها للمرة المائة وعشرين بعد الألف..!!
    كانت تسعى للعودة لماضي.. تريد أن تحرك دوامة تفكيرها قليلاً..
    لكننا لم نكن نسمح لها بذلك..
    فبدأت تذبل شيئاً فشيئاً.. دون أن نشعر..
    لا أعرف كيف اكتشفت ذلك..
    حين جلست معها في غرفتها ذات يوم..
    لم تكن تشعر بوجودي جيداً.. كانت مستلقية على سريرها.. وقد تدلت جدائلها الحمراء على الوسادة..
    وكانت تنظر للسقف.. أو شيء لا أعرفه..
    أحسست أنها تعاني من فراغ كبير لا نشعر به..
    كانت صامتة على غير عادتها..
    اقتربت منها.. وبدأت أمسد ساقها النحيلة.. وهي ساكتة تماماً..
    تنهدت..
    ثم سألتني..
    - ما عندك اختبار؟
    - لا..
    - بتطلعين السوق الحين؟
    - لا..
    سكتت..
    شعرت أنها لا تعرف ماذا تقول..
    رحمتها كثيراً..
    فالحديث مع جيل آخر صعب بالنسبة لها..
    إنها مثل السمكة التي لا تجيد العيش إلا في الماء.. هي لا تستطيع الحديث إلا وتعود للماضي..
    ونحن حرمناها من ذلك..
    كانت تتنفس من خلال حديث الماضي..
    تتذكر أحبابها.. عالمها.. روائحها.. الزمن الذي كانت فيه قوية.. محبوبة.. تتحرك بهمة.. تفكر.. ذلك هو عالمها الحقيقي..
    أما الآن..
    فماذا لديها؟
    غرفة صغيرة.. أحفاد يتذمرون من الجلوس معها.. أو .. يتصنعون ويجاملون ذلك..
    أبناء سئموا من أحاديثها المكررة.. مهما حاول الجميع برها.. والإحسان إليها..
    في تلك اللحظة..
    عرفت أنها تشعر أن الجميع (يتصنع) أن يسعدها..
    هي كانت تريد ذلك الزمن البعييييد..
    ونحن حرمناها منه.. بكل أنانية.. لا أحد يريد أن يسمعها.. لا أحد يترك لها الفرصة لذلك..
    كانت بحاجة لمن يغرف من منهل خبراتها القديمة.. ومن يسمع قصصها.. ممن لم يعش ذلك الزمن..
    كانت مثل البئر..
    إذا لم يشرب منه أحد.. فإنه ينضب..
    لكننا رفضنا أن نشرب منه.. وتركنا مياهه تأسن.. وتجف..
    - (يمه.. سولفي لي عن بيتكم أول..)
    نظرت إلي بشيء من الاستغراب.. والحماس..
    شعرت بعينيها تضيئان..
    وبدأت تحكي وتحكي.. حتى وصلت لقصة البقرة.. التي سمعتها ألف مرة قبل ذلك..
    حاولت أن أبدو كمستمعة جيدة.. وأن أهمهم بتأثر بالغ وأبتسم عند الحاجة..
    وهي فرحة.. وتصف التفاصيل بحماس.. حتى النهاية..
    حين خرجت من غرفتها.. كانت نظراتها مختلفة.. ووجها الشاحب قد عادت له ألوان الحياة..
    نظرت إلى ساعتي..
    نصف ساعة فقط!
    ما يضرني لو أني قضيت كل يوم نصف ساعة.. أستمع لقصصها القديمة..
    حتى لا تجف البئر؟



    **
    مجلة حياة العدد (79) ذو القعدة 1427هـ

    - 49 -

    هنا فقط..
    ذاب الجليد


    - ياربييييي.. متى يجي العيد ونحصل لنا كم عيدية.. ودي أشتري أشياء لغرفتي.. أزينها..

    - ليش يعني أهلك ما يشترون لك؟

    - أقول بس.. وش يشترون لي؟ كثر الله خيرهم.. أبوي ما قصر وغير أثاث غرفتي يا عمري وحط لها موكيت.. لازم أنا أجمع لي شوية فلوس وأزين غرفتي..

    - مني فاهمة؟! إذا كانوا شروا لك.. ليش ما يكملون معروفهم..

    - صعبة يا بدور أقول لأبوي اشتر لي تحفة أو شموع أو مزهرية أو خرابيط.. ودي أنا أشتري على راحتي.. أبوي على قد حاله الحمد لله لكن صعب أكلف عليه..

    مططت شفتي على مضض..
    لم أكن أفهم طريقة تفكير صديقتي.. ولا أسلوب حياتها..
    الحقيقة أني لم أفهم أسلوب حياة الكثيرات ممن حولي..
    لا أعرف إن كنت أنا الغريبة أو هن؟


    * * *

    منذ أن بلغت التاسعة ووالدي يسيّر لي نفقة شهرية..
    كنت أستلم شهرياً ألف ريال كمصروف جيب لي وحدي.. وأنا طفلة..
    كما أن أمي تعمل كمديرة مدرسة.. وهي فوق ذلك تمنحني كل ما أريد وأطلب.. بل إنها منحتني نسخة من بطاقة الصراف الخاصة بها منذ أن وصلت المرحلة المتوسطة..
    كان لي دوماً مالي الخاص..
    وحساب توفيري الخاص أيضاً منذ صغري..
    كل ما أريده كنت أستطيع الحصول عليه تقريباً..
    لكن..
    كان هناك شيء ما أفتقده..


    * * *

    - بدوووور.. عطينا حلويات.. بس شوي.. الله يخلييييييييييييك..
    كان أبناء أقاربي يركضون خلفي وأنا ألتفت.. ثم أنثر بعضها في الهواء في ساحة منزلنا الفخم.. ليلتقطوها كالدجاج من على الأرض..
    كنت قائدة الأطفال بحلوياتي.. وكنت أستخدمها لإهانة البعض – بعدم إعطائي إياهم.. أو لتطويع البعض للانقياد لي..
    وكنت أكافئ بعض الصديقات المطيعات جداً.. بدعوتهن إلى بيتنا.. الغريييب بالنسبة لهن..
    أريهن عرائسي و(دباديبي) المصففة بترتيب على رف قرب سريري..
    وأخرج لهن علب مكياج الأطفال الخاصة بي..
    وأفتح لهن أدراجي المليئة باللعب المنوعة..
    وأطلعهن على قصصي الملونة الجميلة في رفوف مكتبتي..
    كما كنا نلعب في كمبيوتر الأطفال الخاص بي..
    كانت غرفتي عالماً سحرياً جميلاً لهن..
    لكن..
    حين كنت أسمع صوت والديّ وهما يتشاجران يعلو في البيت.. كنت أرتعش خوفاً وحرجاً من صديقاتي.. فأسرع بإخراجهن إلى (الحوش) مع إعطائهن شيئاً من الحلوى كي لا يخبرن أحداً بما سمعن..


    كبرت ولي شخصيتي المستقلة.. ودخلي الخاص..
    ولكن حدثت نقطة التحول في حياتي.. حين أصبحت في الصف الثاني الثانوي.. فقد شاء الله أن يتوفى والدي..
    لم تكن علاقتي به قوية.. لكني افتقدته..
    افتقدت.. شيئاً لا أعرف كنهه.. شيء يشبه القوة التي تسندك..
    ربما.. آلمني شعور اليتم دون أن أعرف..
    ولم أكن أعرف ماذا ينتظرني بعد ذلك..


    * * *

    تمر أوراق كثيرة في حياتي.. تتطاير..
    سمر بنت خالتي خطبت.. فرح بها الجميع.. كانت صغيرة.. لا تزال في الثانوية..
    خطبها قريب لنا..
    لا أعرف لم اختارها هي بالذات؟
    فتاة عادية في كل شيء.. لا ذكاء مبهر.. ولا جمال ملفت..
    ربما شيء من هدوء وما يسمونه (ثقل).. أففف هل يعتبرون هذه ميزة..؟!
    مرت الورقة. وطارت بعيداً مع رياح الخريف..


    * * *

    دخلت الجامعة..
    وذات صباح.. استيقظت وقد أكملت ثمانية عشر عاماً..
    كان شيئاً غريباً.. يمكن أن يمر على أي فتاة بشكل عادي.. لكن بالنسبة لي كان الأمر مختلفاً..
    كان يعني انتقال التصرف في إرثي إلي شخصياً..
    لم يكن هناك الكثير ممن ينازعني بالإرث.. زوجة أبي لم تنجب.. ووالدي ليس له سوى أخت واحدة مسنة..
    تنازلت عن نصيبها.. ولم ترغب سوى بشقة من العمارة التي في مكة..
    كل شيء.. آل لي..
    اجراءات كثيرة ومعقدة.. دخلت المحكمة عدة مرات.. والبنك مرات عديدة..
    آثرت بيع الشركة.. بمشورة خالي وأمي.. على أن أحتفظ فقط بنسبة من أسهمها تدر علينا ربحاً سنوياً..
    بقيت أيضاً مجموعة من العمائر في مكة وجدة.. أيضاً آثرت إيجار العمائر بأكملها.. ليصلني ريعها سنوياً..


    * * *

    لم أكن أريد أن أكون مهمة..
    لكن الأهمية هي من طاردتني..
    حين أجلس مع صديقاتي.. يرن جوالي فجأة..
    - مدام بدور.. ممكن رقم الحساب بسرعة..
    - مدام بدور.. العمارة معروضة للشراء بسعر مرتفع جداً.. هل ترغبين؟
    - مدام بدور.. هل تريدين إجراء الحوالة للبنك الفلاني أم الفلاني؟
    كنت أشعر بالحرج أمام صديقاتي..
    أتمنى.. أتمنى.. أن أكون بسيطة بينهن.. لكني عبثاً لم أستطع..
    أسمعهن يتحدثن عن مواسم التخفيضات.. أفضل الأسعار.. يتحرين وقت نزول المكافآت..
    وأنا.. لم أكن أجد رابطاً.. لأتكلم معهن في هذه المواضيع التي لا تهمني أبداً!
    كنت أتمنى أن أتصنع ذلك.. لكني لا أعرف كيف أكذب!
    كنت أسمع البعض يتهامسن..
    - ما شاء الله تصدقين أن شركة العقار المعروفة كانت لوالدها وقد ورثتها عنه؟
    - معقولة؟
    - يوووه وأكثر! هذي اللي تشوفينها بدور بنت (..).. كل أملاك أبوها صارت لها.. عندها عماير وشركات!!
    - يا مامااا!.. لو كنت مكانها وشوله أجي الجامعة.. كان أنام في بيتي أصرف لي وأمشي لي راتب وبس..! ..
    - هههههه


    * * *

    حتى حين ألبس ساعة فخمة.. كنت أشعر بالألم من نظرات صديقاتي.. المنبهرة بصمت.. أو المنكسرة بصمتٍ أيضاً..
    - شفتي ساعتها! روليكس بميتين ألف!!!


    حقاً لا أعرف ماذا أفعل.. إن لبست.. لم أرض الناس..
    وإن لم ألبس.. لم أرضهم أيضاً..
    تباً لهم.. مهما فعلت.. لن يحبوني..
    شعور بالوحدة يكتنفني أينما أذهب..
    حولي زميلات.. لا أستطيع تسميتهن صديقات..
    لا أحبهن... لكني لا أجد غيرهن..
    يتملقن كثيراً.. يمدحن ويثنين..
    يردن أن يوصفن بأنهن (يماشين) بدور بنت المليونير.. أو المليونيرة..
    أعرف ذلك جيداً.. ولا أحبهن..
    لكني لا أجد غيرهن..


    أجدني مجبرة على ارتداء النظارة السوداء هرباً من كل شيء..
    منذ سنتين لم أعد أستطيع الاستغناء عنها.. تشعرني بشيء من الراحة حين أجلس وحدي..
    أصبحت أحب الوحدة.. الغربة.. بعيداً عن الأعين المتطفلة.. أو الحاقدة..
    أعيش في قالب من جليد..


    كم يضايقني هذا المال.. يخنقني.. يعصرني في بوتقة خانقة..
    يضع حواجز سميكة من جليد بيني وبين الآخرين..
    حتى المحبين الطيبين.. يتجنبوني.. وكأني ملطخة بالإثم..
    ربما يستحون مني.. ربما يعتقدون أني أشتري الناس؟


    * * *

    تخرجت من الجامعة..
    وتطايرت كثير من الأوراق..
    جلست بملل في البيت.. أرد على الاتصالات هنا وهناك..
    مللت كثيراً.. وضاقت بي الدنيا..
    حاولت أن أجد عملاً.. ولو في مدرسة أهلية..
    الكل صعق!
    ماذا تريد هذه؟!!
    المال لديها..
    لكن.. أنا لا أريد المال.. أريد.. لا أعرف..
    شجعتني أمي لما رأته من حالتي النفسية.. ووحدتي..
    عملت..
    لم أتحمل التعب والأوامر الكثيرة في بداية الأمر.. تنقلت من مدرسة لأخرى.. تعبت..
    شخصيتي لا تتناسب مع هذه الأعمال.. لكن ماذا أفعل..


    * * *

    تزوجت إلهام ابنة خالي التي تصغرني بسنوات..
    وكذلك ابنة عمتي الصغرى..
    تزوجا في صيف واحد..
    ورأيت أمي تنظر إلي في الزواج بألم..
    لم يكن أحد يتقدم لخطبتي أصلاً.. الكل كان يخشى الاقتراب منا..
    بدور بنت فلان؟.. كم ستطلب مهراً؟
    لم يكونوا يعرفون أني لست بحاجة لمهر ولا لذهب.. ولا أي شيء.. كل شيء كان لدي..
    كنت أريد فقط.. شيئاً.. لا أعرفه..


    * * *

    ذات عام.. أو نهار – لا أعرف متى وصلت إليه..
    كنت في الساحة حيث كانت نوبة المراقبة الخاصة بي.. الطالبات يتمشين هنا وهناك ويتناولن فطورهن.. وألمح بعض بنات الثانوي يشرن إلى بلوزتي الغريبة اللي اشتريتها من رحلتي الأخيرة لأوربا..
    تعودت على تهامسهن وإشاراتهن لتفاصيل مظهري..
    كنت أسير بضجر..
    حين وجدتني أقترب من مصلى المدرسة.. تلك الغرفة الصغيرة في الساحة..
    ماذا قد يوجد هناك..؟
    أعمل هنا منذ سنة.. ولم أعرف يوماً ماذا يحدث هناك؟
    اقتربت.. كان هناك صوت رقيق جميل..
    معقول؟ طالبة تلقي كلمة..؟
    أطللت برأسي..
    رأيتها.. (مرام) تلك الطالبة النحيلة المؤدبة.. كانت تجلس في منتصف الحلقة وتتحدث عن فضل تدارس القرآن الكريم وفضل حلقات الذكر..
    لم يكن حولها سوى خمس أو ست طالبات.. لكن.. كنت أشعر بأن هناك من يجلس معهن!..
    كان المجلس عامراً بشيء.. لم أعرفه.. شيء رائع وعظيم..
    أهو الحب؟ أهو الراحة والطمأنينة؟ أهي البساطة؟ لا أعرف.. لم أكن أعرف كيف أصف..
    ثم بدأن يسمعن نصابهن من الحفظ.. بأصوات جميلة.. واحدة تلو الأخرى.. يا الله.. ما أجملهن.. ما أسعدهن..!
    شعرت بمن يربت على كتفي..!
    التفت..
    كانت عفاف.. معلمة التاريخ ومشرفة المصلى..
    - شاركينا يا أبلة بدور.. تفضلي..
    - ماذا؟!
    شعرت بالخجل وأنا بنظارتي السوداء.. وكعبي العال أن أدخل..
    تعودت على وضع حواجز بيني وبين الآخرين.. كيف.. آآ..
    لكني لم أقاوم الدعوة.. شيء كان يجذبني..
    رفعت النظارة.. وخلعت الكعب.. ودخلت خلفها..
    كنت أسير بخجل... وكأني طفلة صغيرة..
    جلست بين طالباتي..
    فأخذت المعلمة عفاف.. تتحدث مرة أخرى عن أهمية وفضل مجالس الذكر وتثني على الطالبات لعزمهن ولهمتهن العالية.. وأنهن استقطعن هذا الوقت الثمين المريح لهن لطاعة الرحمن..
    كنت منسجمة.. ومتأثرة جداً..
    شعرت بشيء بارد جامد في داخلي وحولي.. يذوب بدفء.. ويغسل روحي.. بنقاء..
    أطلت عدة طالبات من الباب.. وتهامسن..
    - أبلة بدور هنا!.. تعالوا شوفوا!!
    ودخلت واحدة ثم أخرى..
    وبعد قليل كان هناك أكثر من عشرين طالبة تستمع لكلمة مؤثرة ألقتها أستاذة عفاف لتشجع الطالبات على حضور دروس وحلقات المصلى وتذكرهن بنعيم الآخرة..
    يا الله.. ما أجمل هذا الشعور بالسكينة..
    هذا ما كنت أفتقده منذ سنوات.. رغم كل ما لدي..
    أن أكون.. أنا.. الأمة الفقيرة إلى الله.. لا بدور (المليونيرة)!
    أردت أن ألتصق بجدران المصلى.. أن أقبلها واحداً واحداً..
    أن أقبل أرض المصلى..
    أن أحضن طالباتي الرائعات..
    أخيراً.. خلعت ردائي.. ووجدت ما أفتقده..



    **
    مجلة حياة العدد (80) ذو الحجة 1427هـ

    - 50 -

    مولودي.. ليس لي



    بهدوء.. فتحت درجي..
    سحبت صندوقي الغالي.. وضعته في حضني..
    فتحته وبدأت أخرج دفتر خواطري.. وأوراقي المتناثرة..
    قصائد..
    خواطر.. شعر حر..
    قرأت.. وقرأت..
    هذه كانت في المرحلة المتوسطة..
    وهذه في الصف الأول الثانوي..
    هذه كتبتها.. أيام الاختبارات النهائية حين كنت في سنة ثالث..
    وهذه وأنا على أعتاب الجامعة..
    هذه خواطري حين كنت أختار التخصص ووقعت في حيرة..
    وهذه قصيدتي حين فقدت صديقتي بسبب سفرها لمدينة أخرى..
    وهذه حين سمعت بوفاة معلمتي الغالية رحمها الله..
    كنت أسحب الأوراق واحدة بعد الأخرى.. أقرأها.. فتنساب دموعي..
    كانت قصائدي تلك بمثابة البنات لي.. خرجن من صلب قلبي..
    أقفلت عليهن طويلاً هنا..
    وها هن يعدن للحياة بشكل مثير..
    لكن..
    لم يكن هذا سبب بكائي..


    * * *

    - أريد أن أكتب باسم مستعار..
    - بلا خرابيط.. تدرين أني ما تعجبني هالحركات!
    - أي حركات يا عبد الله.. هذي أدب.. أدب راقي ومحترم.. وفي مجلة محترمة.. وعلشانك بس راح أكتبها باسم مستعار.. وش يضرك طيب؟
    - بس!.. أنا ما أحترم اللي نسوي هالحركات..
    - رجعنا على سالفة (الحركات).. أقول لك كتابة أدبية.. تقول (حركات)..؟!
    صرخ بقوة.. وهو يرمي الجريدة على الأرض ويقف..
    - إيه حركااااااااات ونص.. شعر ومياعة وكلام فاضي.. قلت لا.. يعني لا!!
    وأسرع يخرج ضجراً من الصالة.. وقبل أن يخرج.. عاد وهو ينظر إلي بحدة ويشير بسبابته..
    - والله وبالله.. لو دريت أنك مرسلة لأي مجلة أو جريدة لا تلومين إلا نفسك!
    كانت رغد الصغيرة تطل من باب غرفتها بخوف.. وحين خرج.. همست بخوف من بعيد..
    - مامااااااااااا.. ليش بابا معصب؟!
    - تعالي حبيبتي.. ما فيه شي..


    * * *

    أغمضت عيني..
    وابتعدت عن الواقع.. سافرت لشاطئ بعييييد..
    نظرت لأوراقي.. لخطي الجميل.. وللرسومات التي رسمتها بدقة مع كل خاطرة..
    بحار وشواطئ جرداء.. وموانئ.. وسفن مسافرة نحو المجهول..
    تنفست بقوة..
    شعرت أني أقدم على عمل قاس جداً لكن لابد منه..
    أمسكتها بقوة.. وقفت أمام نار صغيرة أشعلتها في الحديقة..
    عدت بذاكرتي لمرحلتي المتوسطة.. حين كنت أحلم أن أكون كاتبة كبيرة..
    ثم للمرحلة الثانوية حين أصبحت أحلامي أكثر واقعية..
    حلمت أن يكون لي باب أو عمود في مطبوعة..
    وفي الجامعة.. أصبحت أحلم فقط أن تنشر لي مشاركة واحدة..
    لكنه اشترى أحلامي بلا ثمن..
    وباعها بلا مقابل..
    لتمت الآن فهذا أرحم من أن تبقى حبيسة الأدراج سنوات طويلة..
    وقفت رغودة قربي وهي تنظر إلي باستغراب..
    - ماما ماذا ستحرقين؟
    - أحلامي.. يا صغيرتي..
    - ماما لا تحرقينها.. حلوة فيها رسمات حلوة.. مساكين الطيور لا تحرقينهم..
    نظرت إلى صورة طائر يحلق بعيداً فوق البحر.. رحمته..
    فكرت قليلاً.. ضممت رغودة وابتعدت..


    * * *

    - سعاد.. أسلوبك رائع جداً..
    أنت لست مجرد هاوية مبتدئة..
    أعني.. أسلوبك.. مميز جداً.. أنت تنافسين كبار الشعراء.. لماذا لا تنشرين إنتاجك؟ حرام أن يبقى حبيس الأدراج والدفاتر!
    - دكتورة عفاف.. أنت تبالغين.. ليس لهذه الدرجة..
    - بل وأكثر.. صدقيني.. يجب ويجب أن تنشري إنتاجك.. أنت مبدعة وأسلوبك مؤثر لدرجة كبيرة.. مجموعة قصائدك هذه لو نشرت في ديوان فسيكون ناجحاً جداً.. تفتقد في الساحة الأدبية لدواوين شعرية بهذه اللغة القوية المبهرة..
    ابتسمت بألم وخفضت رأسي..
    - لا أستطيع..
    - لماذا؟
    - لا تعرفين يا دكتورة.. هذه الدواوين ليست ملكي..
    - لماذا ألست أنت من كتبها؟
    - أنا من كتبها.. لكنها ليست ملكي للأسف.. وليس قراري أن أنشرها أم لا.. زوجي.. يرفض فكرة النشر نهائياً..
    - أمر مؤسف.. لكن ماذا عن فكرة النشر باسم مستعار..
    - يرفضه أيضاً.. لا أمل..
    أخفضت رأسي وأنا أقاوم دموعاً ثقيلة كيلا تسقط..
    - على هذه القصائد أن ترضى أن تبقى حبيسة الأدراج طيلة العمر.. إنه حكم مؤبد!
    أطرقت الدكتورة قليلاً ثم انتفضت فجأة..
    - لدي فكرة.. أعطني القصائد وسأتولى نشرها لك بنفسي.. باسم مستعار.. أعرف ناشراً جيداً.. وسأتولى النواحي الإدارية.. فقط اختاري اسماً وأنا سأتولى الباقي.. لن يعلم زوجك بهذا الأمر..
    شعرت بحيرة.. وقررت أن أعطي الأمر فسحة من أمل..


    * * *

    بعد أشهر طويلة..
    ناولتني النسخة الأولى من الديوان..
    أمسكته بحذر بين يدي كمولود صغير.. كانت يداي ترتجفان.. تأملته بشغف والدموع تترقرق في عيني..
    ما أجمله..
    تصفحته.. إنها قصائدي.. ظهرت للحياة أخيراً..
    أطلق سراحها من قفصها.. وها هي تحلق نحو الأفق البعيد..
    يا له من شعور.. هزني من الأعماق..
    شعرت بالفخر بقصائدي الصغيرة.. لقد استطاعت أن تفعلها..
    أغلقت الديوان لأتأمل الغلاف..
    هناك.. لم أكن أنا..
    كان إسم انسانة أخرى..
    انسانة مجهولة.. لا حياة لها على أرض الواقع..
    شعرت بالألم الذي لم أتصوره..
    مولودي البكر الصغير.. يؤخذ مني.. وينسب لغيري.. وأنا أرى كل ذلك بأم عيني!
    ضممته بقوة..
    هنا بين دفتي هذا الكتاب.. كانت دموعي.. أحلامي.. وآمالي.. ومشاعري..
    هنا.. نبض قلبي.. ودفق دمي..
    ضممته بقوة.. وأخذت أبكي..
    على مولودي الذي ليس من حقي أن أفرح به.. ولا أخبر أحداً عنه..
    مولودي الذي سرق مني.. قبل أن يولد..



    **
    مجلة حياة العدد (81) محرم 1428هـ


    تحرير: حورية الدعوة
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا دعا الرجل لأخيه بظهر الغيب قالت الملائكة : ولك بمثل »


    قصص مؤثرة
    قصص الرسول
    قوافل العائدين
    قصص نسائية
    قصص منوعة
    الحصاد المر
    مذكرات ضابط أمن
    كيف أسلموا
    من آثار الدعاة
    قصص الشهداء
    الصفحة الرئيسية
    مواقع اسلامية



    ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأله سائل فقال: يا رسول الله( هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ فقال عليه الصلاة والسلام: الصلاة عليهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما )
    الله يرحمك يابوي
    يابوخالد


  7. #7

    افتراضي

    الله يجزاك خير ياعمري ..

    وفقــــتي في أختيـــارك .ز
    لسنآ مج ـتمع ملائـكـيّ ولسنآ مع ـصومين , ولكننا مسلمون
    ع ـندنا أخطاء ... نعم ! ع ـندنا تقصير ... أجل ! ومع ـنا ذنوب ... بـآلطبع
    ولكننآ ع ـند آلنعم نشكر , وع ـند آلمصائب نصبر , وع ـند آلذنوب نستغفر
    فنحن مسلمون !!


    القرآن الكريم كامل بصوت القارئ ماهر المعيقلي .. على الـ You tube ..اثنين وعشرين ساعة متواصــله من القراءة ,, ,, ..
    https://www.youtube.com/watch?v=Ktync4j_nmA



ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك