موقع و منتدى الفراشة النسائي

يعد هذا الموقع أكبر منتدى نسائي للمرأة العربية وأحد مواقع !Yahoo مكتوب. انضمي الآن وشاركينا تجاربك وخبرتك و تمتعي بالتعرف على صديقات جدد.



+ الرد على الموضوع
صفحة 1 من 15 1 2 3 4 5 6 7 8 11 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 142
Like Tree0الاعجابات

الموضوع: بنات ثاني ثانوي علمي او ادبي تعبير الندوهـ ( دمج مواضيع )

  1. #1


    تاريخ التسجيل
    Feb 2005
    المشاركات
    225




    Post بنات ثاني ثانوي علمي او ادبي تعبير الندوهـ ( دمج مواضيع )

    بسم الرحمن الرحيم
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    فراشاتي العزيزات ممكن طلب إذا وحده عندها اي خلفيه عن الندوه
    في المدرسه عاطينا في مادة الأنشاء موضوع عمل ندوه وأنا متحيره
    ابي موضوع مميز وأنا فكرت في موضوعين واحد ( حرية التفكير وأبداء الراي )
    والثاني ( دور الفتاة في الحياة ) وأنتوا وش رايكم ؟؟؟؟

    وأبي إذا عندكم مواضيع ثانيه ترسلوهم لي لضروره القصوى وأي أفكار عن الموضوعين
    او الندوه بشكل عام وأتمنى مساعدتكم .......

    أختكم ........ أشواقي المجنونه


  2. #2

    افتراضي

    انا مثلك بعد ابي ندوه ياريت تردون بأسرع وقت




    تـ حـ يـا تـ ـي
    مـ الشوقـ ـلاك


  3. #3

    افتراضي

    أنا لقيت ندوة وبصراااحة حلوووة لأنها رح تنفع ومميزة

    بسم الله

    إصلاح التعليم وأزمة اللغة العربية في العالم الإسلامي


    مقدمة:
    لا شك أن قضية النهوض الحضاري هي مشروع شمولي كلي؛ فبناء الأمة إنما يكون ببناء كل أركانها، كما أن انهيار ركن من الأركان مؤدٍّ بالضرورة إلى انهيار كل الأركان، كما هو مقرر في قواعد الأصوليين.
    إن البناء إذا ما انهد جانبه لم يأمن الناس أن ينهد باقيه!
    من هنا إذن كانت قضية اللغة العربية ـ باعتبارها جزءاً جوهرياً لا يتجزأ من مفهوم (إقامة الدين) ـ قضيةً من أهم قضايا مشروع التجديد والإصلاح، بمعناه الإسلامي الشامل. لا يمكن أن تحصل نهضة حقيقية لهذه الأمة بغير نهضة لغوية، متزامنة مع المشروع الكلي، وخادمة له، سواء من ذلك ما تعلق بتأصيل الفهم والتلقي للخطاب اللغوي من الوحي خصوصاً، والتراث العلمي الإسلامي عموماً، أو ما تعلق بالبلاغ والتواصل التعبيري المرتبط بالمفاهيم المكوِّنة لهوية الأمة على الإجمال. وما بين هذا وذاك تنتصب مشكلة إصلاح اللغة من ضروب المراجعة والتدقيق في هوية ما نروِّجه بوعي، أو بغير وعي من عبارات صنعها لنا (الآخر) على عينه، وتحت نظر مجهره؛ لتكون لنا حزناً وخراباً عقَدِيّاً، وإرباكاً لمشروع إعادة البناء والإعمار للحضارة والإنسان!
    لم تكن اللغة يوماً نافلة في مجال التدافع الحضاري، وساحة الصراع الأيديولوجي إلا عند من لا يفقه سنن المغالبة بين الأمم والشعوب؛ بل كانت ولا تزال من أهم مواقع الصراع الفكري، ومن أخطر أسلحة الاحتواء الاستراتيجي لثقافات الشعوب وتمييعها؛ لإخراجها عن طبيعتها وصبغتها؛ ولولا ذلك لما كانت الفرنكوفونية اليوم تجري في تنافس محموم مع الأنجلوسكسونية؛ لاحتلال مواقع التأثير الثقافي في العالم.
    ومن هنا تعيش اللغة العربية اليوم أزمة شديدة على وِزَانِ الأزمة العامة للأمة؛ بما هي مغلوبة على أمرها، تستهلك أكثر مما تنتج في كل المجالات تقريباً، من عالم الأفكار إلى عالم الصناعات، إلى عالم العادات وأشكال (الموضة)، حتى تسريحة شعر الرأس، ولحن الخطاب في التحية أو إلقاء الخبر.
    أزمة اللغة العربية اليوم واقعة بما هي مبرمجة للاغتيال، ضمن مشروع استعماري تدميري كلي لهوية الأمة، في إطار الاستعمار العولمي الجديد للعالم. وليس بعيداً عن هذا فرض الاستكبار الأمريكي على الدول الإسلامية من خلال (مراجعات) شتى، و (إصلاحات) شتى لمناهج التربية والتعليم وبرامجهما برؤى خبيثة، لم تنس طبعاً في برمجتها الاستئصالية تناول جذور اللغة العربية بالقرض والتنقيص الممنهج، سعياً نحو أمية لغوية عامة في العالم الإسلامي تعزل المجتمع عن كتاب ربه وسنة نبيه، وتفصله عن تراثه الإسلامي الأصيل.
    ولذلك كان لا بد من تسليط الضوء على هذه القضية الحساسة في مشاريع إصلاح التعليم المتتالية على العالم العربي والإسلامي، أعني قضية اللغة العربية؛ فكانت هذه الندوة التي اخترنا لها عنوان: (أزمة اللغة العربية في برامج إصلاح التعليم). وقد شارك فيها أساتذة باحثون مختصون في المجال، ومن أهل الخبرة والتجربة الميدانية:
    أولاً: الأستاذ الدكتور قاسم عزيز الوزاني أستاذ التعليم العالي (متقاعد)، خبير لدى منظمة الإسيسكو في التربية والتعليم، تخصص اللغة العربية، ومبعوث معتمد لديها إلى البلاد الإسلامية. شارك في وضع الكتاب المدرسي للغة العربية بالمغرب ولدى بعض الدول الإسلامية، شارك في توجيه برامج التعليم المعتمدة لدى وزارة التربية الوطنية بالمغرب وفي بعض الدول الإسلامية. شغل عدة مهام إدارية لدى وزارة التربية الوطنية ووزارة التعليم العالي بالمغرب. شارك في الإشراف على برنامج التعريب لتدريس العلوم بالتعليم الأساسي والثانوي، وهو الآن عضو بالمجلس العلمي للإرشاد الديني.
    ثانياً: الأستاذ الدكتور عبد النبي الدكير أستاذ التعليم العالي بجامعة السلطان المولى إسماعيل بالمغرب، تخصص النحو العربي، اشتهر لدى طلابه بنظريته في النحو العربي الموسومة بـ (نحو العلامة). عضو المركز الجامعي لتعليم اللغة العربية وحضارتها لغير الناطقين بها. عضو معهد الدراسات المصطلحية بجامعة السلطان محمد بن عبد الله بفاس. له مشاركات متميزة في الندوات الجامعية، والأنشطة الثقافية المتعلقة باللغة العربية والدراسات القرآنية.
    ثالثاً: الأستاذ الدكتور أبو القاسم اليوبي أستاذ التعليم العالي متخصص في اللسانيات الحاسوبية، قسم اللغة العربية. جامعة السلطان المولى إسماعيل، وجامعة الأخوين. أستاذ زائر في الجامعات الأمريكية. عضو معهد الدراسات المصطلحية بجامعة السلطان محمد بن عبد الله بفاس، عضو المركز الجامعي لتعليم اللغة العربية وحضارتها لغير الناطقين بها. رئيس وحدة الدراسات العليا في اللسانيات. مسؤول نشيط في هيئة (النقابة الوطنية للتعليم العالي) بالمغرب.
    ولنبدأ بسؤال تمهيدي لقضايا هذا الموضوع، وهو كما يلي:
    البيان: (اللغةُ فِكْر): مقولة مشهورة في الفكر المعاصر؛ فإلى أي حد ترون أنها صحيحة؟ وبأي معنى تتصورونها؟
    ◄ د. الدكير: الأزمة أزمة إنسان لا أزمة لسان؛ فما الكلام إلا فعل من الأفعال التي تترجم عن الإنسان ويختبئ دونها، وهي تحمل سيماه سِيما يعرفها الناظر، ويلمسها البصير بالكلام واحدة واحدة. إن القرآن الكريم مثلاً مطبوع بطابع الربوبية، والحديث الشريف مختوم بخاتم النبوة، وكل منها يمتاز بعلامات يلحظها كل من ألقى سمعه، ومدّ بصره وهو شهيد، وكل كلام دونهما يحمل أيضاً بصمات قائله؛ إذ المرء بأصغريْه، والرجل هو الأسلوب؛ على أن اللغة فكر. ويمتاز اللسان العربي بأن من امتلكه يتلقى عن الله مباشرة؛ إذ يشرب من معين القرآن إذا قرأه، وإنما جاءنا القرآن بلسان عربي مبين.
    ◄ د. اليوبي: تماماً الأمر كما بيَّنَ فضيلة الأستاذ الدكير؛ فمقولة (اللغة فكر): بمعنى أن اللغة هي وعاء الفكر، وهي مقولة مشهورة، نجد لها أصلاً في التراث العربي. وقد جاء في تعاريفهم أن اللغة: كل لفظ وضع لمعنى، وأنها عبارة عن الألفاظ الموضوعة للمعاني، وأنها لسان القوم الذي يتعارفون ويتواصلون عبره؛ فهي إذن كلام مصطلح عليه بين كل قوم، وهي طريق الدلالة على ضبط كلمة لها وجوه متعددة في الاستعمال. ومن هنا قول ابن الحاجب في مختصره: (حد اللغة: كل لفظ وضع لمعنى)، وجاء في شرح منهاج الأصول للأسنوي: (اللغات عبارة عن الألفاظ الموضوعة للمعاني). ويعرِّفها ابن جني بقوله: (باب القول على حد اللغة: أما حدها فإنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم)(1)؛ ويعرفها ابن خلدون بقوله: (اللغة في المتعارف هي: عبارة المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة فعل اللسان، ناشئة عن القصد في إقامة الكلام. فلا بد أن تكون ملكة مقررة في العضو العامل لها وهو اللسان، وهو في كل أمة بحسب اصطلاحاتهم).
    كما تعرف بكونها أداة تواصلية واصفة. وإذا كان ثمة شيء ينوب عنها تحليلاً وتفسيراً، كالأرقام والرموز فمع ذلك لا بد منها؛ لكي يستدل بها على المعاني المتوخاة من هذه الأرقام، والدلالات المطلوبة من هذه الرموز؛ فهي إذن على حد تعبير تمام حسان: (منظمة عرفية للرمز إلى نشاط المجتمع، تشتمل على عدد من الأنظمة، يتألف كل واحد منها من مجموعة من المعاني، تقف إزاءها مجموعة من المباني المعبرة عن هذه المعاني، ثم من طائفة من العلاقات التي تربط فيما بينها)(1)؛ فاللغة باعتبارها نصوصاً واصفة؛ تقوم بدور (تشكيل وعي الجماعة وسلوك أفرادها، أي علاقة اللغة بالثقافة كأداة؛ لتوحيد الجماعات في مجتمع خاص بهم)(2).
    فاللغة تبعاً لهذه التعاريف وعاء للأمة تجعل فيه أفكارها، وثقافتها، ومعارفها، وتاريخها، وبها تصاغ مقومات وخصائص وجودها، ومن ثم فإن التضييق على اللغة العربية ومحاولة القضاء عليها، أو استئصالها فعل ينضاف إلى المحاولات الاستعمارية الساعية إلى محو أهم خاصيات الأمة، بل محق وجودها. ولو عدنا إلى التاريخ لوجدنا أن من يبتعد عن لغته إنما يفقد ذاته. وفقدان الذات يحمل معه فقدان الثقافة، وتشتت اللغة يعني انفصام الرباط الذي يجمع بين متكلميها، والنتيجة الحتمية هي اندثار الثقافة التي يمثلونها. وإن العامل اللغوي كان ولا زال أهم العوامل في توحيد الشعوب والجماعات البشرية، والتقريب بين أفرادها.
    ◄ د. الوزاني: نعم! ونتيجة ذلك كله فإن اللغة: هويةٌ وانتماءٌ روحي، وارتباط معنوي، وعامل جوهري قوي لغرس محبة الأمة والتعلق بماضيها وحاضرها وحضارتها.
    البيان: يُجمِع كثير من الملاحظين من المثقفين عموماً، ومن المهتمين بالتربية والتعليم في العالم العربي على ظاهرة الضعف اللغوي، والتدني الهائل لمستوى التعبير باللغة العربية لدى الأجيال الجديدة؛ كتابةً وخطابةً وتحدثاً؛ إلى درجة أن هذه الظاهرة صارت تصحب كثيراً من المتعلمين من الابتدائي حتى مرحلة التخرج، والحصول على أعلى الشهادات! ولم نعد نرى بـروز العبـقريات اللغـوية والتعبيرية التي سادت في مرحلة ما اصطـلح عليه (بجيل النهضـة)، بـل سـاد عَـيٌّ لـغوي فادح! حتى في المعاهد والجامعات التي اشتهرت بتخريج اللغويين والأدباء! فما بالك بعامة المثقفين والمتعلمين! كيف تفسرون ذلك في نظركم؟ ما الأسباب؟ وما العوامل التي أدت إلى ذلك؟
    ◄ د. الوزاني: تدني مستوى التعليم عموماً وتعليم اللغة العربية خصوصاً كان لأسباب عديدة منها:
    ـ برامج التعليم العقيمة التي تتغير باستمرار تغيراً معاكساً لما يمكن أن يرفع من قدرها؛ إذ يقوم بهذا التغيير رجال بيروقراطيون بعيدون عن المهنة، وممن يتلقون إملاءات من منظمات أجنبية، وهيآت داخلية متحيزة عوض أن تأتي الإصلاحات من الذين يمارسون عملهم في ميدان التعليم، والذين يلمسون الخلل مباشرة.
    ـ إحلال لغة المستعمِر محل اللغة الوطنية أو معها؛ لتزاحمها، وتُبعد الأنظار عنها عن طريق الإغراء بمساعدات وحسن العلاقات، أو عن طريق الترهيب بمنع الإعانات، وحتى بتهديد النظام.
    ـ ازدواجية التعليم في سن مبكرة.
    ـ انتشار اللهجات وتشجيعها، واستعمالها من قِبَل السلطـات الرسميـة؛ خـذ مثـلاً «ما تقيـش بلادي!» بمعنـى: (لا تُؤذِ بلادي!) ذلك الشعار المكتوب في الإعلانات العريضة الموجهة إلى الشعب في كل مكان.
    ◄ د. الدكير: أحسب أن التدني في التعبير بالعربية فرع عن تدني روح التدين لدى العرب والأعراب والمستعربين؛ فالقلة القليلة سَمَتْ، والكثرة الكاثرة تخلت عن المقولات ـ على تفاوت ـ بما كسبت الأيدي في أزمنة التردي؛ حتى صار التباهي بالتحلي بِلُغَيَّاتِ العجم ظناً ـ بغير علم ـ أنها عنوان المدنية ومفتاح الحضارة، وأنها السبيل لاستلام المناصب العالية في الدولة، وكذلك دولياً.
    ◄ د. اليوبي: إضافة إلى ذلك فالتدني اللغوي إشكالية ثقافية؛ ذلك أن تفعيل الثقافة رهين بتطور اللغة، ونمو اللغة يعكس القيم الثقافية للمجتمع الذي يتكلمها، وهما مقياس لإمكاناته وقدراته. اللغة مرتكز اجتماعي أساسي، مرتكز يرتبط بمرتكزين آخرين هما: الدين، والوحدة. ولا ننظر إلى اللغة باعتبارها ألفاظاً، ولكن باعتبارها نسقاً عاماً مشتركاً، يشكل رؤى مجتمعية منسجمة، ويسعف في إقامة التواصل والتفاهم بين أفراد المجتمع، داخل ثقافة تستجيب لحاجاتهم الفكرية والنفسية والاجتماعية. واللغة العربية شأنها شأن باقي اللغات؛ ليست هامدة ولا جامدة، بل هي متطورة متحركة، على الرغم مما يظهر أنها تعيش في أزمة، وأنها تسير بخطى بطيئة. فإذا كانت تعبر عن ثقافة وقيم متكلميها، وتصف سلوكهم وفكرهم فإن الأزمة في الحقيقة ليست فيها، وإنما هي فيهم، والبطء ليس صفة لها وإنما صفة لهم.
    ومن هنا فإن من جملة أساليب تطوير اللغة، وتفعيل الثقافة: الاستعمال والتداول. وسبيل ذلك القراءة والكتابة، ومن هنا كان قول الله ـ جل جلاله ـ: {اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1]، وقوله ـ تعالى ـ::{ن» وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} [القلم: 1].
    البيان: لكن المطالعة أو القراءة ظاهرة كادت تموت لدى الأجيال المعاصرة، مع أنها تعتبر من أهم روافد التكوين اللغوي، كيف تفسرون ظاهرة العزوف عنها؟ وما العلاج في نظركم؟
    ◄ د. الدكير: لا شك أن انصراف القوم إلى التوافه والمبالغة فيها بقوة صرفهم عن المطالعة والقراءة؛ فاستخفت الهمم؛ فرضيت بالذي هو أدنى، ورغبت عن حفظ النصوص الأدبية الرفيعة، أياً كانت: قرآنية أم حديثية، شعرية أم نثرية، خطباً أم أمثالاً؛ فإن قلباً لم يمتلئ بالنصوص القوية يهوي بلسان صاحبه إلى هاوية العَيِّ والعجمة والرطانة؛ لأن اللغة مَلَكة بالفطرة، ويصار إليها أيضاً بكثرة الممارسة والمزاولة. وقديماً نصح العلماء الأمراء بأخذ اللغة من أهلها، وحفظها من أفواههم بالرحلة إليهم، والإقامة معهم في بواديهم، أو استقدامهم وملازمتهم.
    إن العزوف عن المطالعة من أسبابه عدم قَدْرِهَا حقَّ قدرها، وتوهم أن الوسائل السمعية البصرية تغني كل الغَناء؛ وذلك غلط وخطأ يجب التراجع عنه؛ ببيان أن هذه الأجهزة العصرية تجعل وسائل التعقل عند الإنسان جهازاً واحداً، اختزلت فأضلت وأجحفت. فإن حق السمع والبصر التكامل والتداخل، لا الغلبة والطغيان. وكأني بهذه الأجهزة تلبي حاجة واحدة تشفي، لكن لا تجدي؛ لأنها تقصي سائر الملكات العقلية والقلبية؛ علماً أن من بني آدم من جعلت قوته في سمعه، ومنهم من رزقها في بصره، ومنهم من كانت وديعة في عقله وقلبه.
    ويغلب على الظن أن الوسطية علاج؛ فالتوازن أساس كل سير قويم، فلا ينبغي أن تطغـى حاســة علـى أخــرى، فــلا إفــراط ولا تفريط؛ إذ كانت الحواس تسعى وتتكامل لحفظ سلامة الجسم والعقل، وكل تعمل على شاكلتها. والاختصار اقتصار مخل، يجعل الإنسان قليل التبين والبيان قلما يميز بين الحقائق والألوان.
    ولقد امتاز الإنسان بالبيان، وأعلى درجاته اللسان؛ ذلك أن العبارة فاقت الإشارة، وإن كانت الإشارة من الفروع البيانية، فإنما يُلتجَأ إليها عند الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، حسب ظرف الزمان والمكان وطبيعة الإنسان.
    البيان: إضافة إلى ما ذُكِر من مشكلة العزوف عن القراءة والمطالعة هل من سبيل أو وسائل مفيدة لعلاج الجيل من هذه الآفة؟ وكيف يمكن اكتساب هذه المهارة وإكسابها؟
    ◄ د. اليوبي: حقيقة أن القراءة تعتبر من أهم روافد التكوين اللغوي، ومطلبها ضروري إلى جانب المهارات اللغوية الأخرى: السماع، والكلام، والكتابة. فالقراءة وسيلة الإنسان في الحصول على المعلومات والمعرفة. وكلمة (اقرأ) في كتاب الله منذ نزولها أذنت بحلول عصر العلم ومحو الأمية. والقراءة تعني الكتابة أيضاً، أي: (القلم) وبها بدأ التاريخ الإنساني المدوَّن، وبها فتح سجل الحضارة الإنسانية، وغدت حاجةً حقيقية، ولم تعد ترفاً أو تمريراً (للوقت الثالث). (إن الشعب الذي لا يقرأ لا يستطيع أن يعرف نفسه، ولا أن يعرفه غيره. والقراءة هي التي تقول لنا: هنا وقف السلف من قبلكم، هنا وصل الـعـالـم مـن حولكـم، ومـن هـنا يجـب أن تبـدؤوا؛ لكـي لا تكرروا الجهود التي سبق أن بذلها الآخرون، ولا تعيدوا التجارب التي مروا بها، ولا ترتكبوا الأخطاء التي ارتكبوها)(1).
    فإذن يجب على المؤسسات التعليمية والتربوية أن تعير لهذه المهارة كثيراً من الاهتمام؛ بحيث:
    ـ تعمل ضمن برامجها على تنمية الاستعداد للقراءة، وخلق الرغبة في النشء للمداومة عليها.
    ـ توسيع دائرة تجاربهم، وتشجيع المتعلمين على القراءة بشتى الوسائل.
    ـ تجتهد في إكساب الناشئة مهارة القراءة، وترشد المهتمين إلى أنها عادة يجب أن تُطوَّر (الاستمتاع بالقراءة والتلذذ بها).
    ـ تنتقي الأجود والمفيد من الكتب والمجلات، وتجنب القراء ثقافة الشعوذة والخرافة، أو ما يعبر عنه بثقافة السوق.
    ـ تشجع على الإبداع والمبادرة الإيجابية في القراءة والكتابة.
    إن ظاهرة العزوف عن القراءة مردها أساساً إلى التنشئة الاجتماعية؛ فالناس ليسوا مولعين بالقراءة، وربما ساهمت الظروف المادية أيضاً في هذه الظاهرة. يجب أن نشعر أولاً بالحاجة إلى القراءة، وأن نخلق في النشء الولع بالقراءة، ثم نعمل على تعميم وسائل القراءة، وجعلها متاحة وفي متناول الجميع.
    البيان: لا شـك أن التـربيـة والتعـليم عملية معقدة جـداً، ولا شك أيضاً أنها بجميع مكوناتها، ووسائلها ـ المادية والمعنوية ـ تمر في نهاية المطاف عبر القناة اللغوية؛ فكيف تقوِّمون دور اللغة في التكوين العلمي والعملية التربوية سلباً وإيجاباً؟
    ◄ د. قاسم الوزاني: إن مرور جميع مكونات التربية والتعليم عبر قناة اللغة العربية يقوي المعارف، ويوسع الفكر من جهة، ويرسخ القيم الروحية والتمسك بالمبادئ الخلقية من جهة أخرى، إذا أخلص المربون، وكانوا قدوة صالحة للمتعلم، ومحايدين لا ينتمون إلى أي تيار معادٍ، أو بلد محتل، أو أي توجيه مستورد؛ وإلا كانت التربية وبالاً، وجاءت بعكس ما ينتظر منها.
    ◄ د. اليوبي: تعتبر اللغة من أهم مقومات وأسس المجتمع؛ إذ لا يمكن الحديث عن مجتمع بدون لغة، وهي أهم وسيلة يستخدمها الإنسان إلى حد الساعة للتعبير عن الثقافة، وبلورتها وتحليلها وتفسيرها؛ فبين اللغة والثقافة علاقة ترابط قوية، أولاً لكون الأولى تعبر عن الثانية وتسجلها، ولكون الثانية مادة الأولى وإنتاجها. وما من أحد يشك في العلاقة الجدلية القائمة بين اللغة والنشاط الإنساني داخل مجتمع معين. وبتعبير آخر: فإن الثقافة هي عالم الشخص، وحدودها هي حدود عالمه، وهي التي تشكل رؤيته وتفسر سلوكه. واللغة تبعاً لذلك ليست فقط وعاء لفكره، أو وسيلة لتواصله داخل وسطه الاجتماعي؛ بل علاوة على ذلك هي أداة تسجل ثقافة هذا الشخص وحضارته، وبها يتم الأداء الاجتماعي العام. إنها ذاكرة الحياة ومرآة تجارب الإنسان فيها.
    وأما إقامة التواصل فهو ما يقتضي تفاعلاً بين أفراد المجتمع، وبينهم وبين المؤسسات الدستورية والقانونية. وإذا كان التواصل يجري عبر أشكال متعددة فإن اللغة الطبيعية هي أشيع الوسائط، وبها ندرك المجتمع والعالم. وبناء على ما تقدم فإن التواصل بين الناس من الثوابت في المجتمع الإسلامي العربي، وهو قائم على أشيع الوسائط المختارة لديه، وهي اللغة العربية؛ لكونها الأكثر تداولاً وتأثيراً، والأقوى فاعلية؛ خاصة عندما نربطها بثوابت الوحدة والدين والدستور والقانون؛ إذ يقوم التواصل بين الناس في هذه الثوابت كلها عبر وسيط اللغة العربية.
    البيان: التعليم باللغات الأجنبية الوافدة مع الاستعمار للعالم الإسلامي واقع يكاد يشمل كل المؤسسات التعليمية في العالم العربي، وخاصة ما يتعلق من ذلك بعلوم الطبيعة والطب والهندسة ونحوها. تلك قضية أثارت معارك بين المثقفين بمختلف توجهاتهم، كما أنها كانت من أهم القضايا التي رفع لواءَها كثيرٌ من زعماء التحرير في القرن الماضي رغبةً في تعريب التعليم في العالم العربي، لكن كان الإخفاق ـ مع الأسف ـ نصيب أكثر المحاولات! حتى التجارب التي حصلت في مجال التعريب ـ إذا استثنينا بعض الجهات ـ كانت مشوهة؛ بحيث حافظت على الصيغ الأجنبية لأغلب التعابير الاصطلاحية للعلوم المعرَّبة، واقتصرت العملية على تعريب أدوات الربط اللغوي فقط؛ بينما لم يستطع أغلب الطموحين إلى التعريب الشامل الوصول إلى شيء يذكر؛ فإلى أي شيء تُرجعون ذلك؟ وكيف تفسرون هذا الإشكال؟
    ◄ د. الدكير: صحيح أن التعريب أمر مفيد، إلا أن الإشكال هو أنه قرار ما عرف له من قرار لدى أولي الأمر، وأحسب أنهم ما آمنوا به، ولا نشطت له عقولهم، وإنما هو لديهم أمانٍ. هذا هو الإشكال؛ ولو أنهم أخلصوا له لخلص، ولو اتخذوا لذلك أقوياء أمناء لانجلت لهم كل العوائق والموانع؛ فمن جَدَّ وجد، ومن زرع حصد، والسماء لا تمطر ذهباً؛ فاتخاذ الأسباب واجب، ومن جملتـهـا هاهنـا أن يعـرِّب المسؤولـون خطابهـم؛ فلا يتحدثون إلا بالعربية، وإلا لزمتهم أولاً كفارات تقدر.
    ◄ د. الوزاني: لكن الأمر ليس على إطلاقه كما تفضلتم من إخفاق تجربة التعريب؛ بل إن تجربة تعريب العلوم الطبيعية أعطت ثماراً طيبة على العموم، رغم القصور الحاصل فيها، وأما الاحتفاظ بالصيغ أو المصطلحات الأجنبية فيعد قصوراً في التفكير؛ لأن معاجم المعاني المتعددة: ككتاب المخصص لابن سيده، وغيره من الكتب حافل بكل ما يتوقف عليه عالم الطبيعة؛ فالنقص إذن فينا نحن، والتقاعس عن البحث والتنقيب منا نحن، وخدمة اللغة العربية دَيْنٌ مترتب علينا.
    البيان: لكن كيف تفسرون رواج المقولة المشهورة اليوم بين بعض أهل الشأن التربوي التي تزعم أن (تعليم العلوم الإسلامية والتراثية يكون أجدى أداءً باللغة العربية؛ بينما تعليم العلوم الطبيعية والطبية والهندسية إنما يكون أجدى باللغات الأجنبية)؟
    ◄ د. الوزاني: هذا ادعاء باطل، ووجهة نظر خاطئة، وتحايل لالتقاط حجة ضعيفة تظهر عجز اللغة العربية، وتوجيه مغرض لحصرها في العبادات؛ حتى ينضب معينها، وتتقلص مهمتها، وتصبح مثلها مثل اللغة اللاتينية التي لا يكاد يعرفها إلا خواص الخواص؛ حيث تحولت اللهجات المنبثقة عنها إلى لغات متعددة.
    بل إن تعليم العلوم الطبيعية وغيرها من العلوم البحتة باللغة العربية يعطي نتائج أحسن وفوائد أكثر، كما جربناه وعايَنَّاه، ويشهد بذلك الخبراء من منظمة «اليونسكو»؛ ذلـك لأن المتعلـم لا يواجه إلا قضية واحدة هي قضية فهم المادة فقط. ولنا في تجربة سوريا خير مثال؛ فالحاصلون على الشهادات العليا فيها قد برهنوا على تفوقهم على غيرهم في مناسبات شتى، وميادين علمية مختلفة، وكذلك اليابان تلك الدولة المتفوقة تكنولوجياً التي تعد في صفوف العالم الأول الآن؛ رغم أن لغتها تعد من أصعب لغات العالم. ولنا أيضاً خير مثال في تجربة تقديم هذه العلوم باللغة العربية في التعليم الأساسي والثانوي ـ لما انطلقت تجربة التعريب المحدودة بالمغرب على مستوى التعليم الأساسي والثانوي ـ وقد كنت شخصياً آنئذ من بين المشرفين على هذا التغيير؛ حيث انطلق العمل به في أواخر سنوات السبعينيات من القرن الميلادي الماضي؛ إذ أعطى نتائج أحسن بالمقارنة مع ما كان عليه الأمر من قبل، بشهادة الخبراء من المفتشين المخضرمين الذين مارسوا أعمالهم في المرحلتين؛ بالرغم من أن بعضهم كان متعصباً للفرنسية! ولم يتدن التعليم بالنسبة لهذه المواد إلا بعد تراجع الرأي، وتقرير دراستها باللغتين؛ مما أثقل كاهل المتعلم، وضيع عليه الفهم؛ بالإضافة إلى إسناد تدريسها لعناصر تجهل اللغة العربية من المتخرجين من مدارس البعثة الفرنسية. وطبعاً فإن «فاقد الشيء لا يعطيه»، كما يقول المثل، ولأن من جهل شيئاً عاداه.
    أما صلاحية التدريس بالعربية لهذه المواد فهي قضية مُسَلَّمة، خصوصاً لدن الراسخين في علم اللغات، ولم يعد أحد يشك في ذلك؛ نظراً لاتساع العربيـة واشتـمالـها على الاشتقـاق الـذي هـو ـ حسب علمي ـ قلما يوجد في غيرها من اللغات.
    ◄ د. الدكير: تعليــم العلـوم سـواء ـ والتاريخ له شهـادة ـ فلا فرق بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية والدينية، وإنما الفرق في الوسائل التي توظف قصد التمكن والتمكين، والتعرف والتعريف؛ فالجميع ترجمة عند التمحيص تؤول إلى المترجم المعْرِب أو المعَرِّب. فالتعليم القائم أغلبه قائم على فرض اللغات الأعجمية الأجنبية، وهي لغات تملى بكرة وأصيلاً، تملى إملاء على مـن نُصِّبـوا حُـرَّاسـاً نُصَّحـاً لمصـالـح غيـر المسلـمــين، فلا يسمحون بالاجتهاد إلا في الإطار المُمْلى، وبقدر محدد؛ لتستمر التبعية والقابلية للاستعمار اللامباشر، وللتوجيه من بُعْد.
    ◄ د. اليوبي: قد يفسر بعضهم الضعف الحاصل في تعليم العلوم بأنه راجع إلى اعتماد اللغة العربية؛ هكذا جزافاً، ولكن في غياب دراسات مقارنة علمية ودقيقة؛ يبقى الحكم غير مسوغ ومن ثم غير مقبول علمياً.
    ولذا يجب أن يؤدي تشخيص الواقع، وفحص الوضع البيداغوجي بالمؤسسات التعليمية بالوطن العربي عموماً إلى بروز منطلقات جديدة، لا تكتفي بالتوصيف والضبط، وإنما تعمل على تقديم بدائل وحلول عملية وتطبيقية لحل المشكلات البيداغوجية الحق، لكن الذي لا شك فيه هو أن التعليم باللغة الوطنية الرسمية المعتمدة دستورياً يبقى هو الأجدى والأقرب منالاً، وأسوق كلاماً للدكتور صالح بالعيد (الجزائري)، قال: (ليس في وسع أمة أن تعيش عيشة محترمة، وتصون كرامتها ما لم تضطلع بالعلم اعتماداً على لغتها في المقام الأول. ومن هنا تسعى كل الأمم إلى استعمال لغاتها القومية؛ من أجل التواصل الحقيقي بين المعلم والمتعلم؛ حيث دلت الدراسات التربوية على أن أصلح لغة للتعليم هي اللغة التي يفكر بها الطالب كلما كان ذلك ممكناً، كي لا يفكر بلغة، ويعبر بلغة أخرى، وتكمن الضرورة كذلك في سهولة الاتصال بين المعلم وطلابه، وتوفير جو النقاش العلمي الخلي من الحرج والتكلف الذي تسببه الترجمة أحيانا).
    أما دعوى اعتماد اللغة العربية في تعليم العلوم الإسلامية والتراثية، واعتماد اللغات الأجنبية في تعليم العلوم الهندسية والطبية والطبيعية؛ فهي نظرة أقل ما يقال عنها إنها مغرضة تريد أن تنال من اللغة العربية بوصفها بالعجز، والعجز ليس فيها، وهي نظرة يحملها أحد شخصين: إما جاهل، وإما مغرض، وهي نظرة إنما تعمل فقط على النيل من اللغة العربية؛ فمرة بدعوى إدماج العامية، ومرة بدعوى الانفتاح، ومرة بدعوى التقريب، ومرة بدعوى محدودية استعمالها، ويظهر لي أن هذا الأمر واضح ولا يحتاج إلى بيان؛ فالعلماء والكتاب قد أوضحوا وكتبوا ـ بما فيه الكفاية ـ عن معاول الهدم للفصحى، وكشفوا عن الجيوش التي تحاربها في الداخل والخارج. والله المستعان.
    البيان: لا شك أنه لا يمكن فصل سياسة التعليم في العالم الإسلامي والعربي عن الخلفيات السياسية والأيديولوجية للقائمين عليه برمجةً وتخطيطاً. ففي أي إطار إذن وضمن أي خلفية يمكن إدراج سياسة التعليم القائمة على فرض هيمنة اللغات الأجنبية في التعليم الحديث، بدءاً برياض الأطفال والتعليم الابتدائي عموماً، ثم الإعدادي والثانوي، حتى الجامعي؟
    ◄ د. الوزاني: إن أغلب الأنظمة العربية والإسلامية موالية للغرب، وهي التي تشجع اللغة الأجنبية، وتتجنب إظهار مزايا العربية ومكانتها؛ بدعوى التقدم والتمدن، حتى أصبح كثير من المواطنين يؤمنون بهذه الفكرة الهدامة، ويدافعون عنها، ويتحمسون لها؛ بحجة عدم تعريب التعليم الجامعي؛ مع أن أكثر أبنائهم لا يصلون إلى الجامعة؛ لأسباب متعددة. وأرى أن من يفكر في التعليم بلغة أجنبية من رياض الأطفال فما فوق؛ فهم يهيئون أبناءهم للهجرة إلى خارج الوطن.
    ◄ د. الدكير: كل إناء بما فيه يرشح، وكلٌ ينفق مما عنده، لكن اقتضت الحكمة الإلهية أن يمحو الله ما يشاء ويثبت؛ فينسخ الله ما يلقي الشيطان، ويحكم آياته؛ فإن الخلل لا يتعلق باللغة، بل هو فيمن يلقنها أدهى وأمر؛ فهل هو مسلم حقاً قلباً وقالباً، أو أنه امرؤ فيه إسلام؟ إنه لا بد من إيجاد عبد الله وأَمَة الله، أولئك الذين تحرروا من جاذبيات الأرض، وأوزار القوم؛ فإنما الرسالة بالرسول، وهل هو من أولي العزم، رجل عرف ما قصد فهان عليه ما وجد.
    البيان: هناك مقولات مثل: (التثاقف) و(الانفتاح على الآخر)، و(التواصل)، تستعمل مقابل مقولات أخرى، مثل: (الانغلاق)، و(الأحادية)، و(التزمت)؛ كل ذلك لتسويغ حضور اللغة الأجنبية في التعليم العام بقوة منذ المراحل الأولى للعملية التربوية بما ينافس، بل يضعف الحضور التربوي والتعليمي للغة العربية. كيف ترون هذه المعادلة الاصطلاحية؟
    ◄ د. الوزاني: هذا استعمار فكري أخطر من الاستعمار السياسي. أما التثاقف، أو مبادلة الثقافة؛ فهي خرافة يريد بها مروِّجوها أن يصدروا لغتهم وثقافتهم من جانب واحد إلى البلدان التي فقدوا احتلالها العسكري المباشر.
    ◄ د. الدكير: إن شعار التـثاقف والانفتاح وما قاربهما أو ضادهما مصطلحات ظاهرها جميل، وباطنها من قِبَلها العذاب؛ فهي ضرب من القول يزعم أنه يصلح، ولكنه يفسد؛ لأن أهله هم بطانة من غيرنا، لا تألُوننا خبالاً، تود تسمية الأشياء بغير أسمائها؛ لحاجات في نفسها، تبدت لأولي الـنُّهى سماتُها، لكن يا ليت قومي يعلمون! ولا يقولون تالله إنك لفي ضلالك القديم! وإني أجد ريحها لولا أن تفنِّدون! وعن بينة عُمِّيَت على مريض القلب، ومن كان على سمعه وبصره غشاوة. وإنه لا بد من تجديد الإيمان بأن لسان العربية اختاره الله ـ جل وعلا ـ لمصطفاه وخاتم رسله، فأنزل القرآن عربياً غير ذي عوج، وغيره يناله العوج، ويعتريه النقص والعطب.
    ◄ د. اليوبي: لكن لا بد من الاعتراف بأن المشهد التاريخي الذي نعرفه الآن متميز عن المشاهد التاريخية المنصرمة التي عرفناها والتي عاشها من سبقنا؛ فالتطورات التكنولوجية في تزايد مستمر، وكل إبداع جديد يحمل معه بصمات إبداع آخر بعده، وهذا الأمر لا يقف عند كونه إبداعاً تكنولوجياً وحسب، وإنما يتعداه إلى كونه تطوراً مرفقاً بتحولات اقتصادية، وعلمية، واجتماعية واسعة وشاملة، تفرض على رجال البيداغوجي والتعليم والمسؤولين عن السياسات التربوية أن يتعاملوا معها وفق منظور استراتيجي جديد، يراعي الخصوصيات الفردية والحضارية للمستخدمين. وما ذلك إلا لأن السيل الجارف لهذه الإبداعات قد فرض علينا تحديات لم نكن منتبهين إليها، وفرض علينا الدخول في حضارة لم نكن مستعدين لها.
    والآن يجب أن نعي أن ما نواجهه ليس مجرد تقدم في العلم، وتطور في التكنولوجيا؛ فهذه واجهة؛ والواجهة الثانية: هي أننا إنما نواجه تحدياً ثورياً حضارياً. ولا يجوز أن يهدف الإصلاح التعليمي إلى خلق أفواج من المتعلمين المتجانسين المتشابهين، بل إلى تخريج أفواج متميزة، متنوعة المعارف والخبرات، وقادرة على التواصل والتفاعل مع المحيط، ومع غيرها؛ لأن (التمادي في عملية التجنيس الحضاري التي نشهدها حالياً تهدد خصوصية الإنسان التي سرعان ما يفقدها تحت وطأة الشائع والغالب الذي يكسب سلطته من شيوعه وغلبته؛ لا من أصالته وتميزه)(1)
    البيان: ليست اللغة وعاء للفكر فحسب كما تقرر في بداية الكلام؛ ولكنها أيضاً وعاء للنفس، أي أنها تحمل ـ فيما تحمل ـ عوامل التأثير الذوقي والنفسي على المتلقي، وخاصة في مراحل الطفولة والشباب؛ فيكون لها أكبر الأثر في تكوين شخصية الإنسان النفسية، وتوجيه أذواقه وميولاته الوجدانية! وهذه من الحقائق التجريبية التي أقرها علم النفس اللغوي، ولا شك أن كلاً منا له ذكريات وجدانية ونفسية مع عبارات بعينها مما وقع على سمعه في صغره وسجلته ذاكرته، علاوة على ما استقر في عالم اللاشعور، وبقي يوجه ذوق الإنسان من حيث لا يدري؛ ألا يشكل ذلك خطراً حقيقياً بالفعل على الأجيال عند اتخاذ قرار مثل ما هو جار في كثير من الدول العربية من تعليم اللغات الأجنبية للأطفال، بل التسابق لتسجيلهم في سن مبكرة جداً في مدارس البعثات والمراكز الثقافية الفرنسية والأمريكية؟ وإذا كان ذلك كذلك فما هي المرحلة الآمنة، أو السن الضرورية ـ في نظركم ـ التي يمكن للإنسان أن يتلقى فيها لغة الآخر، ويكون أبعد من التأثر السلبي على المستويين المفهومي والنفسي بما يزاحم وعيه وإحساسه بهويته الإسلامية والعربية؟
    ◄ د. الوزاني: اللغة الأم تربط الفرد بوطنه وقيمه الروحية وتاريخ بلاده؛ مما يغرس في قلبه محبته، والدفاع عنه؛ ولهذا فإن المرحلة التي يمكن الاطمئنان فيها على الطفل الذي نريد أن نعلمه لغة أجنبية هي المرحلة التي تأتي بعد أن يرسخ في معرفة لغة وطنه، ويكتسب فيها ملكته، ويعرف عقيدته الدينية، ومن ثم يصبح محصَّناً من كل تيار أجنبي.
    ولقد قال (جان جاك روسو) في كتابه «أبناؤنا وبناتنا»: (لا يمكن للطفل أن يتقن لغتين وهو دون 12 سنة من عمره، إلا إذا كان عبقرياً).
    ولقد كنت مدير مدرسة ابتدائية ما بين 1970 إلى 1976م؛ فكان التعليم في السنة الأولى والثانية بالعربية بما فيها الحساب والعلوم، وكانت النتائج لا تنزل عن 80%؛ وفي السنة الثالثة والرابعة والخامسة كان تدريس المواد 50% عربية، و50% فرنسية، بما فيها الحساب والعلوم؛ فكانت النتائج فيها تنزل إلى 60%، باستثناء السنة الخامسة التي ترتفع فيها قليلاً.
    ◄ د. الدكير: بيد أني مع ذلك أتحفَّظ وأحتاط؛ إذْ ليس ثمة سِنٌّ فيه أمان، أو مرحلة تخلو من إلقاء الشيطان، وإنما السنّة هي التدافع؛ وذلك يتطلب الترشيد بالتصحيح والتحصين، وبالتثبيت والثبات، وبالتعهد والتخول: {وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلاَّ جِئْنَاكَ بِالْـحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان: 33].(1) الخصائص ج 1/33.

    البيان : بغير معرفة الأسباب لا يمكن علاج الداء، حتى ولو تم تشخيصه، بل معرفة السبب جزء جوهري من التشخيص المتكامل، ومن هنا فإنه لا يمكن معرفة أدواء سياسات التعليم في العالم العربي والإسلامي، ولا القدرة على علاجها إلا بمعرفة طبيعة العلاقات المختلفة التي تربط الدول العربية بالآخر، يعني ضرورة معرفة طبيعة الولاء الخارجي، من حيث عمقه وحدوده. في نظركم كيف تتصورون برنامج التغيير من هذا الجانب خاصة؟ ومن يتحمل مسؤوليته من فعاليات الأمة وطاقاتها؟
    ◀ د. الوزاني: لقد سبق أن قلنا إن أغلب الأنظمة العربية والإسلامية موالية للغرب، والتغيير يتأتى بمحاربة الأمية، وتشجيع البحث العلمي، وتحسين الاقتصاد الداخلي، والإصلاح السياسي، ومحاربة الفساد الإداري.
    ◀ د. الدكير: التجديد سُنَّة الله في خلقه، يُوفق الله من يُحييها ممن أنعم عليهم، فهداهم للتي هي أقوم، ولا يقوم التجديد على التقليد؛ فإنه مباين له. بل إن التجديد بعث من بقيَّة باقية حية تُنفخ فيها روح فتجعلها خلقاً آخر أصوله ثابتة وفروعه في السماء، تؤتي أكلها حيناً بعد حين لمن فقه في دين الله. وأحسن التنزيل بأن راعى المقاصد، ولم يقعّد على القواعد؛ فالمثلث: (الدين، التعليم، اللغة) بعض من بعض، ثلاث مزايا ذوات علاقات تبادلية، لكن الأصالة للدين أولاً، وما عداه فروع تُردُّ إليه؛ فالدين منه يستمد، وعليه يعتمد، ثم التعليم، وهو بالعربية الصراط المستقيم إلى دين الله، وبغيرهما قد يكون دخَن، وهو يخفُّ ويشتد حسب ما أُشْرِبَتْهُ الألفاظ والمناهج من نسمات الوسائط؛ على أنه لا مانع في أن يُبدأ في مكانٍ باللغة، وفي زمان بالتعليم، لينتهي إلى الدين؛ فقد يسمو المفضول على الفاضل، وقد يُحَكَّمُ الفرع؛ ليظهر الأصل في أساسه ثابتاً. وهذا من تطبيب الحواس التي هي بريد إلى سلامة القلب أو العقل الذي ران عليه الرَّانُ أو الصدأ، مما لا ينجلي إلا بوسائل الآن.
    والتغيير تجديد، وحقه ليؤتي أكله ـ في ظل الظروف المذكورة آنفاً ـ أن يكون تدريجياً، وبوسائل مناسبة للمراحل، عبر خطوط متوازية، وبخطوط متفاوتة، حسب اليسر والحاجة؛ فقد كان عمل الرسول -صلى الله عليه وسلم- على اليسر، ونصح لنا بأن أحب الأعمال إلى الله أدومه وإن قل، علماً بأن العالم اليوم يُسْمَحُ فيه إلى حد معين بالتجارب، وتجارب التعليم الحُر في العالم الإسلامي مفيدة، (أي: ما يسمى في بعض البلاد بالتعليم الأهلي أو الخاص) إنها تجارب مهمة، وأحسنها مطية صالحة، ومنها ما يغري بالاتباع؛ لأن الخريجين أقوياء، وهم شامة بين الناس، والعبرة بالقليل النـوعـي القـوي، لا بالكمِّ الكثير الغثائي.
    البيان : لكن بالنسبة للدكتور اليوبي ـ باعتباره أحد الأطر التي واكبت قضية الإصلاح الجامعي بالمغرب على مستوى المسؤولية النقابية ـ أحب أن أسمع رأيه في إشكال إصلاح التعليم مركِّزاً بالأساس على واقع الجامعة: كيف ترون إمكان التجديد والإصلاح من هذه الناحية خاصة؟
    ◀ د. اليوبي: أرى أنه مع التطور المذهل الذي تشهده علوم المعلومات والاتصالات؛ قد أضحت تطبيقاتها أمراً واقعاً، ومفروضاً في كافة مناحي المعارف والتخصصات، كما أن غياب التفكير العلمي الدقيق من أجل التخطيط السليم، وإنجاز مشاريع تهم قضايا واستراتيجيات إدماج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في أعمال البيداغوجية؛ لهو مما يساهم في تردي الحاضر التربوي بالجامعة.
    نذكر في هذا التشخيص البدهي والواقعي أن العمليات الأساسية في تداول المعرفة تجري راهناً عن طريق الاعتماد على التوظيف والاستخدام لأنواع التكنولوجيا المعلوماتية والاتصالية. ولعل نجاح البيداغوجية الجامعية اليوم رهين بمدى تفاعلها مع عالم هذه التكنولوجيات، تفكيراً وتخطيطاً وتوظيفاً؛ وبوضع سياسة إصلاحية فعلية تنموية واقتصادية، في المؤسسة والإدارة أولاً؛ وفي البيداغوجيا ثانياً؛ إذ نحن في حاجة إلى مشاريع بيداغوجية مبنية على فحص الحاجات الواقعية، غير غافلة عن الانتماء الحضاري لأولئك الذين سيتولون العمل عليها وتطبيقها.
    إننا نكاد نقرر هنا أن أي مشروع أو تخطيط بيداغوجي، يروم إصلاح التعليم، ولا يأخذ بعين الاعتبار العنصر البشري القائم على التنفيذ، ولا يراعي تحسين ظروف عمله، مآله الإخفاق؛ لأن العنصر البشري هو الفاعل والفعال والوسيط والبؤرة، مدرِّساً كان أو متعلماً أو إدارياً؛ وعليه فإن النظر إلى مشاكلنا البيداغوجية من منظور تكنولوجي معلوماتي، وإن كان يبرز قصوراً تزداد حدته؛ نظراً لعدم مواكبة البيداغوجيا سرعة وتيرة التقدم العلمي، وقلة نجاعة الاستفادة من التطور المستمر الذي تعرفه التكنولوجيا المعلوماتية؛ فإنه يجب أن لا يؤدي فقط إلى مجرد تشخيص الواقع، وفحص الوضع البيداغوجي بالجامعة؛ وإنما إلى بروز منطلقات جديدة لا تكتفي بالتوصيف والضبط، بل تعمل على تقديم بدائل وحلول عملية وتطبيقية. ومن جملة هذه المنطلقات:
    - التركيز على الرفع من جودة تعليم اللغة العربية لأبنائها؛ إذ يعتبر تعليم اللغة من أهم مجالات التعلم؛ ذلك أن اللغة ـ كما أسلفنا ـ وسيلة الفرد في اكتسابه المعرفة، والحصول على المعلومات. وتعلم اللغة نافذة يطل منها المتعلم على ميادين الثقافة التي كتبت بتلك اللغة. واللغة العربية هي القناة الثابتة التي نتواصل بها على امتداد الزمان والمكان، وهي ذاكرتنا الجماعية، بها وفيها نُخَزِّنُ مفاهيمنا ونسجل قيمنا، وبها نحفظ رؤانا وحضارتنا، وهي بحاجة فعلاً إلى أن توضع لها رؤى وخطط تعليمية متجددة؛ للرفع من جودة تعليمها ونشرها وتداولها.
    - التركيز على ضرورة تحسين طرق ومناهج تعليم العربية لغير أبنائها؛ ذلك أنها بحاجة إلى من يقدمها لهؤلاء على حقيقتها، وفي جودتها من دون تحريف ولا تشويه.
    - ثم في ظل هذه الثورة لم تعد الجامعة تسعى إلى نقل المعرفة وحسب؛ فهي ليست هدفاً أولياً في الممارسات التعليمية، وإنما الأوْلى تطوير القدرات العملية التي تُعْتَمَدُ في الوصول إلى مصادر المعرفة من أصولها، واستثمارها في بناء مشاريع تنمويــة اقتصاديــة واجتماعية. والإبحـار في محيط المعــارف لا يجوز أن ينحصر في محاولة إيجاد الأجوبة، وإنما الأهم من ذلك تحريك الفكر لطرح الأسئلة. ذلك أن طرح الأسئلة والبحث عن الأجوبة عن طريق الوسائط التكنولوجية يُكسب المتعلم قدرة على التكيف وسرعة في التعلم، بحكم قابليته للتنقل والاطلاع الواسع الذي يوفره عالم التكنولوجيات. وهنا تكمن جسامة العمل البيداغوجي الجامعي؛ حيث لا يجوز أن ينحو منحى الثبات والاستقرار، بل التوجه نحو التنوع والتطور، وهو ما يتطلب وعياً من البيداغوجيين والمسؤولين على السواء؛ لتوفير ظروف التنويع، ووسائل التطوير، والحد من القيود التي تحد من مشاركة المتعلمين (تلاميذ وطلبة) في التعلم، وإسهامات الأساتذة في المشاريع البيداغوجية، وينتهون جميعهم إلى أن المسألة ليست بالدرجة الأولى في التعميم والانتشار؛ وإنما هي في القدرة والنوعية.
    إن التعليم الجامعي مُعْنى حالياً بالمشاركة في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، ويستفيد من استثمار التكنولوجيا المعلوماتية والاتصالية في دعم المتعلمين لتغيير طرائق عملهم، ودفعهم نحو التفكير والفهم المبنيين على التفاعل المباشر والذكي مع المعرفة المعروضة. ومن هنا يدرك الجامعيون عموماً أن وظيفتهم ليست مقصورة على نقل المعارف والعلوم؛ وإنما تنصبُّ بالأساس على ضبط أهداف النقل وكيفياته، وطرقه ومناهجه، ومن ثم السعي لإكساب الفرد أقصى درجات المرونة، وسرعة التفكير، وقابلية التنقل بمعناه الواسع، والتنقل الجغرافي لتغير أماكن العمل والمعيشة، والتنقل الاجتماعي تحت فعل الحراك الاجتماعي المتوقع، والتنقل الفردي كنتيجة لانفجار المعرفة، وسرعة تغير المفاهيم(1).
    إن إصلاح التعليم بالجامعة المغربية يقول بضرورة الارتقاء بمهنة الفاعلين البيداغوجيين إلى درجة أكثر احتراماً ومسؤولية، وأن يكون التعليم بالجامعة أكثر عمقاً؛ وهذا يقضي أن يوضح للمدرسين ما الذي ينبغي أن يعرفوه ويفعلوه ويزاولوه؛ حتى ترتقي البيداغوجيا من مجرد كونها عملاً فردياً؛ إلى وضعها في مصاف العلوم المعرفية العلمية؛ وبما أن البيداغوجيا ممارسة وتجربة فإن ذلك مما يوجب تكامل التجارب وإفادة بعضها من بعض. والتكنولوجيا المعلوماتية تعتبر وسيطاً مهماً؛ للربط بين مختلف المدرسين بالجامعة.
    البيان : لقد لوحظ أن حُمَّى ما سمي بـ (إصلاح التعليم) التي عصفت بالعالم الإسلامي أخيراً؛ كانت متزامنة مع حمى أخرى، هي المتعلقة بأطروحة تغيير مدونة الأسرة، وقضية المرأة؛ كما تجلى بالفعل في بعض الدول العربية ـ كيف تفسرون هذا التزامن: أهو محض مصادفة؛ أم أن هناك علاقةً ما بين البرنامجين؟
    ◀ د. الوزاني: لا شك أن المقصود بالبرنامجين معاً إنما هو ضرب مبادئ الإسلام في العمق، والتشكيك في نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة؛ ليصبح المسلم في مهب الريح، ضعيف الإرادة، مهيأً لتغيير فكره بسهولة.
    ◀ د. الدكير: نعم! هو كما قال فضيلة الدكتور الوزاني؛ ذلك أن إصلاح التعليم قضية ولا أبا حسن لها! وتغيير مدونة الأسرة رِدَّةٌ ولا أبا بكر لها! وهما كلمتا حق أريد بهما باطل، وتحريف للكلم عن بعض مواضعه للإجهاز على الإرث العلمي والعملي في العالم الإسلامي الذي يراد له أن يُحمل على كلمات خبيثات ما لها من قرار، بَلْهَ أن تـثمر الثمار. ولعل العلاقة بين الْمَكْرَيْن الْمُبَيَّتَيْن لا تخفى إلا على عريض القفا النومان، وإلا على جاحد مكابر قد ألقى الحبل على الغارب؛ ذلك بأن العلاقة صارت إلى عالم المشاهدة، وقد جرت بها مختلف وسائل الإعلام، على تفاوت في التلطف والجهر.
    ◀ د. اليوبي: إصلاح التعليم والمدونة مخططان من أقوى مخططات الهيمنة والسيطرة، ويجب الإقرار أولاً أن هذا التزامن ليس من محض المصادفة، وإنما هو أمر مدروس ومخطط له: مرة علناً، ومرات سراً. والبرنامجان من أخطر ما يمكن أن يعصف بقيم ودعائم المجتمع؛ فكلاهما مرتبط بأعظم مكون من مكونات المجتمع: المؤسسة التعليمية، والأسرة؛ فإن هما فسدا فسد المجتمع كله، وهذا أمر في اعتقادي لا يحتاج إلى توضيح بقدر ما يحتاج إلى تنبيه واستنهاض.
    وفي رأيي لا يجوز النظر إلى القضيتين نظرة واحدة؛ إذ الحقيقة أن نظمنا التربوية تحتاج إلى إصلاح وتغيير، وهذا أمر طبيعي. ولكن المهم في الأمر هو أن تصبح مؤسساتنا التعليمية والتربوية فاعلة ومنتجة. أما أن تتوالى عليها إصلاحات عقيمة تحتاج هي بدورها إلى إصلاح منذ ولادتها؛ فهو مما يجب التفكير فيه ملياً. ثم إن الإصلاح في المجال التربوي والتعليمي لا يجوز أن يقتصر على القضايا الفكرية، وإنما يجب أن تنكبَّ الدراسات على قضايا التكوين والإعداد؛ فالعنصر البشري هو ما ينبغي التفكير فيه أولاً وأخيراً، ومن دونه فكل مشروع إصلاح يحمل معه إشارات مشروع إصلاح آخر.
    أما ما يتعلق بحمَّى تغيير مدونة الأسرة ـ بشكل خاص ـ ففي اعتقادي أن هذا الأمر أخطر بكثير؛ لأنه يعني خلخلة جوهر المجتمع الإسلامي وزلزلته من عمقه، وقد بدأت بالفعل تظهر علامات هذه الخلخلة من خلال العزوف الكثير عن الزواج، والهروب من مسؤولية تكوين (أسرة). ثم الأخطر من هذا كله هو التراجع عن المحافظة على الأسر القائمة بالفعل، وعدم الرغبة في الاستمرار داخل الأسرة المبنية أصلاً، وقد نتج عن ذلك ارتفاع نسب الطلاق، والعزوف عن الزواج كلية، وتضاعف ظاهرة العنوسة، وهي علامات خطيرة ناتجة عن التغييرات التي مست مدونة الأسرة.
    إن التفكير في إصلاح مدونة الأسرة ليس عيباً، ولكن العيب أن يتم ذلك جراء إملاءات خارجية لا تراعي القيم الدينية والثقافية للمجتمع المسلم. صحيح أن هناك مشاكل كثيرة، ولكن التفكير في حلها لا يجوز أن يؤدي إلى زعزعة نظام الأسرة بكامله، والعصف بروحه.
    وأما علاقة البرنامجين فمن الضروري التذكير بأن محاولات الهيمنة والسيطرة على العالم الإسلامي قد أخذت أشكالا كثيرة ووسائل متعددة، والتركيز على مجالي التعليم والأسرة إنما وقع بعد دراسة استعمارية متفحصة وعميقة؛ خططت للتوصل إلى زعزعة كيان العالم الإسلامي وخلخلة بنيانه كله.
    البيان : بناء على ما تقرر قَبْلُ مِنْ عُمْرَان اللغة بالمذهبيات المفهومية للحضارة المتكلمة بها؛ كيف تنظرون إلى معضلة ترجمة العلوم الاجتماعية والطبيعية وقضية المصطلح؟ وإلى أي حد يمكن ضمان نقل المفاهيم سليمة من المؤثرات الأيديولوجية والفلسفية؟ هذا من جهة.
    ومن جهة ثانية فإنه رغم وجود مكتب تنسيق التعريب بالرباط، التابع للمنظمة العربية للثقافة والعلوم؛ فإننا نلحظ اختلاف التعبير الاصطلاحي وتضاربه بين كثير من الأقطار العربية عند وضع مصطلح جديد لما استُحدث من الآلات الصناعية، أو المفاهيم العلمية والعمرانية؛ فما شروط الوحدة اللغوية في نظركم؟ أعني في مجال التداول الاصطلاحي.
    ◀ د. الدكير: الترجمة تتعلق بالمترجِم أولاً، والمنقول له ثانياً، إنها تتعلق بالإنسان؛ فما غلب على الأول وأُشْرِبَهُ قلبُه جرى على لسانه، وخطه قلمه؛ على أن قلب الثاني ـ وهو المترجَم له أو المنقول له ـ قد ينكر ما يلقى إليه، ويلفظـه بفطــرته أو بعمله. ولا ينبغي أن تُغفل قيمة عمليات التصحيح والنقد، التي تكشف السموم، وتعري العيوب.
    وأما الاصطلاح فهو فرع والتعريب فرع آخر، ووجود مكتب لتنسيق التعريب ـ وهو وحيد في ركن ركين، ولا يُلتفت إليه إلا قليلاً ـ عيب كبير؛ لكثرة الوارد، وضعف ذات اليد، فضلاً عن الأهواء والأدواء، وإعجاب كل معرِّب بكَلِمِهِ، ولا وحدة لغوية في مجال الاصطلاح وغيره إلا بالإيمان بضرورة الوحدة أولاً؛ هذه هي الجادة؛ فإن الإيمان بالشيء يأمر باللوازم التي يجب أن تؤخذ بقوة، وعلى بصيرة؛ ليولد المصطلح سوياً سليماً، ثم قد يتثقّفه أو يهذِّبه أولو الاجتهاد في العربية.
    ◀ د. الوزاني: لعل من سوء حظ مكتب تنسيق التعريب أنه وُجِدَ في المغرب! لأن أهل هذا البلد وأصحاب القرار منهم بالخصوص لا يعيرون اهتماماً للتعريب، وإلا فكيف نفسر إنشاء مكتب آخر في نفس المدينة خاص بالمغرب يحمل عنوان: «معهد التعريب والبحث العلمي» بدل التعاون مع مكتب التعريب التابع للجامعة العربية، وتعضيده ليقوى إنتاجه؟
    وأظن أن ما قام به هذا المكتب منذ إنشائه إلى الآن كفيل بأن يجيب عن هذه الأسئلة التي وردت في هذه الندوة. أما فيما يتعلق بتعريب المصطلحات وتوحيدها؛ فقد نشر المكتب عشرات المعاجم، في شكل مشاريع لمختلف الفنون، ولا يحتاج إلا إلى مناقشتها من قِبَل المجامع اللغوية، والمتخصصين فيها للاتفاق حول صيغة واحدة، واعتمادها بصفة رسمية، ونشرها في معاجم خاصة، ولتكون مرجعاً للجميع. وبذلك نتلافى الاختلافات في شأنها.
    والحل في نظري لمعالجة الإشكال بوجهيه المذكورَيْن هو تكتيل الجهود من جميع الجهات المختصة؛ لدعم مكتب تنسيق التعريب في مسيرته، وإحيائه من جديد؛ لاستثمار أعماله الغزيرة، ودعمه؛ وليواكب العصر ويساير المستجدات، ولا يعدم العالم العربي في هذه الخطة حلاً يرتاح له الغيورون على لغة القرآن الكريم.
    ◀ د. اليوبي: لا تنازع في أهمية الترجمة وقيمتها في نقل العلوم والمعارف، والتعرف علــى الثقافـات وتجـارب الآخــرين. ولا شك في عدم إمكانية نقل المفاهيم سليمة بإطلاق من المؤثرات الأيديولوجية والفلسفية؛ لأن المصطلحات التي تعبر عن المفاهيم هي من ذات الفكر الذي أنتجها؛ فمن غير المنطقي أن تكون غيره. وقد تقرر تاريخياً أن الثقافة الغربية نقلت عن الثقافة العربية الإسلامية، وقد نقلت الثقافة العربية عن الثقافة اليونانية. لكن في رأيي لا يجوز اعتبار الترجمة معضلة من حيث هي، وإنما يجب التفكير في قيمة المنقول وحمولته؛ قصد التحكم في عملية نقله، وكيفية الاستفادة منه؛ وذلك قصد التمكن من تبادل المعلومات، وإقامة التواصل والتفاهم بصورة إيجابية.
    ولا ضير في اختلاف التعبير الاصطلاحي بين الأقطار العربية، وإنما التضارب والتعارض في مؤدَّى المفاهيم الاصطلاحية هو ما يجب تلافيه؛ لأنه مربك فعلاً. وقد أنشأت الدول العربية (مكتب تنسيق التعريب) بالرباط لهذا الغرض. وقد قام ـ وما يزال ـ بجهود تنسيقية محمودة معروفة، ويبقى أن دوره يحتاج إلى إعطائه سلطة علمية يستطيع بها النفاذ إلى جميع الدول العربية لتحقيق الوحدة اللغوية على مستوى المصطلحات والمفاهيم.
    ولقد أصبح مطلوباً الآن ـ أكثر من أي وقت مضى ـ من وزارات التعليم والتكوين والتربية في العالم العربي؛ أن تقوم بالتنسيق والتشاور في البرامج والمناهج وإعداد النظم التعليمية كلها؛ لإرساء دعائم الوحدة اللغوية وضبط مجال التداول الاصطلاحي.
    ولقد أضحى الحديث عن المسألة اللغوية بالعالم العربي مصدر إزعاج وانزعاج؛ سبَّبَ تدافعاً بين فريقين: فإن كان الحديث عن قيمة اللغة العربية ورد الاعتبار لها؛ بكونها لغة القرآن ولغة الأمة الإسلامية، ووسيلة تواصلها وعنوان هويتها؛ انزعج له الحاقدون والناقمون على هذه الأمة. وإن كان الحديث عنها بكونها لغة لا تخدم العصر وأنها قادرة على مسايرة التطورات في المجالات العلمية المختلفة؛ كان ذلك الحديث مصدر إزعاج لأهلها الذين يرون في اللغة العربية قدرة وقوة تأتيها من داخلها. فالقضية إذن قضية ولاء لهذه الأمة أو براء منها.
    البيان : ما الوسيلة الأنجع في نظركم لإعادة الاعتبار الحقيقي للغة العربية وهي لغة القرآن؛ لتمتين الأداء اللغوي لدى الجيل من جهة، وضمان الفهم السليم عن الله ورسوله من جهة ثانية؟
    ◀ د. الدكير: إن الوسيلة الأنجع لإعادة الاعتبار للعربية لغة القرآن هي القرآن الكريم؛ فقد أدب به ربُّنا ـ جل وعلا ـ رسولَه محمداً -صلى الله عليه وسلم- فأحسن تأديبه، فجرى على لسانه جوامعُ الكَلِم؛ فضلاً من الله ونعمة.
    على أن المجاهدة بالقرآن هي الجهاد؛ علماً أن الله هو الذي تكفل بحفظ القرآن، وحِفْظُ العربية مِن حِفْظِه؛ فإن الأمر بالشيء أمر بوسيلته. ومحاولة فهم القرآن وإعرابه وتفسيره تستوجب ضرورة العربية، وفي خير القرون ـ خير أسوة ـ نصح سلف الأمة: أنْ إذا لم تفهموا شيئاً من القرآن فالتمسوه في شعر الجاهلية؛ فإنه ديوان العرب.
    أقول: لا بد من حفظ القرآن عن ظهر قلب؛ فالذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب. وإن هذه الأمة لتُغْبَطُ بأن احتياجاتها من العلم والدين في صدورها. فالحفظ يجعل اللسان رطباً بالذكر، والذكر يهدي للتدبر والتفكر، فتُدرَك الحاجات، وتُطلَب رويداً رويداً؛ وطلبها واجب، وهو إن كان كفائياً ـ وقد كادت تجعله عينياً ـ حتى إذا قام به البعض سقط عن الكل.
    ◀ د. الوزاني: نعم! هو كما قال فضيلة الدكتور الدكير، ولكن يمكن تفصيل ذلك في خطة مبرمجة على خطوات؛ فالوسيلة الأساسية هي التفكير في تعميم حفظ كتاب الله العزيز؛ فهو أساس اللغة العربية. وينفذ برنامج التكوين اللغوي اعتماداً على وسائل مساعدة، وهي كما يلي:
    - التعاون مع منظمة «الإيسيسكو» التي من أهدافها الجليلة نشر اللغة العربية لغير الناطقين بها، والتدريب على طرق تدريسها.
    - تبسيط دروس النحو، وحذف الأبواب التي لا تفيد كثيراً.
    - تبسيط العربية بالنسبة للمبتدئين، بوضع معاجم متدرجة في عدد كلماتها، بدءاً من الكلمات السهلة الحسية، والمتداولة بكثرة، كالفطور والغداء مثلاً، وما شابه ذلك، ويراعى فيها اختيار مترادفة واحدة بدل مترادفتين، أو أكثر، كالجلوس والقعود، والفرس والحصان، وهلمَّ جراً، على أن يشتمل المعجم الأول على: 2000 كلمة مثلاً، والثاني على: 4000 ولا تؤخذ المفردات المستعملة في دروس التهجي وقصص الأطفال؛ إلا من هذا المعجم.
    واختيار هذه الكلمات يخضع لطرق خاصة، كالتقاط الكلمات الفصيحة المتكررة، بوضع آلة التسجيل في الشوارع العمومية، وكذا من تعابير الإنشاء لتلاميذ الشهادة الابتدائية.
    - استغلال وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة؛ لتوسيع مدارك الأطفال في اللغة العربية، وتصويب الخطأ في برنامج «قل ولا تقل» مثلاً.
    - التفكير في شكل الكلمات، خصوصاً الأعلام، والكلمات التي تتطلب ذلك، كالمبني للمجهول مثلاً.
    - فرض مادة اللغة العربية على كل طالب يتابع دراسته في أي كلية، أو معهد يعتمد اللغة الأجنبية.
    ◀ د. اليوبي: بداية، يجب الاعتراف بأن التقصير فينا وليس في لغتنا، وارتقاء اللغة رهين بدرجة الاعتناء بها، واستعمالها، وكذا الاعتزاز بها، وتطوير طرق نقلها وتقديمها للآخرين. وهنا تكمن مسؤولية الجميع: علماء، وباحثين، ومفكرين، ومجامع علمية ولغوية، ومؤسسات تعليمية وتربوية. وقد يتحقق ذلك بالأمور الآتية:
    - الاهتمام باللغة العربية في البرامج التعليمية والمناهج التربوية، في مختلف وزارات التعليم بالبلاد العربية.
    - السعي إلى توظيف اللغة العربية توظيفاً مقبولاً في الإدارات والمؤسسات العمومية.
    - الارتقاء بالاستعمال اللغوي في الوسائل الإعلامية المسموعة والمكتوبة.
    - الاهتمام بالقراءة باللغة العربية وتشجيع الإنتاج والإبداع العلميين المكتوبين باللغة العربية.
    - ثم إن المؤسسات التعليمية والجامعة على الخصوص لها دور ريادي في هذا الباب؛ فهي لها من القدرة ما تستطيع رد هذا الاعتبار.
    البيان : هل يمكن في نظــركـم تقــريب العاميات العـربيـة ـ بصورة ما ـ في الاستعمال الشعبي من اللغة الفصحى؟ وإذا كان ذلك ممكناً فما الوسائل الكفيلة بالنهوض به؟
    ◀ د. الوزاني: التفكير في تقريب العامية من الفصحى تفكير لا بأس به، ولكن أخوف ما نخاف منه هو إحلال العامية محل لغة القرآن بالتدريج حتى تصبح كاللغة اللاتينية المهجورة بعدما تفرقت اللهجات المنبثقة عنها إلى اللغات اللاتينية المعروفة، وبذلك نصبح بعيدين كل البعد عن فهم كتاب الله وتراثنا العظيم الذي نفخر به، وتصبح اللغات في البلدان العربية ـ لا قدر الله ـ متعددة مختلفة.
    وأما التقريب من حيث المبدأ؛ فهو فكرة حسنة. ولنا في المسلسلات (المدبلجة) خير مثال ـ على الرغم مما فيها من عادات سيئة، بعيدة عن عاداتنا وعقائدنا ـ فالخطاب فيها يصل إلى الجميع بسرعة؛ بسبب بساطة العبارات، وسهولة الحوار، أو أدائه كأنه طبيعي؛ حيث يفهمه الجميع، على عكس ما نشاهده في بعض المسلسلات العربية الأخرى التي يتحاور أصحابها كأنهم يلقون خطباً.
    وفي هذا الصدد يحسن بي أن أسوق ما يراه الدكتور أحمد أمين في كتابه «حياتي» قال: وكثيراً ما شغل ذهني مشكلة العلاقة بين اللغة الفصحى ولا سيما من ناحية الإعراب، تحول دون انتشارها في جمهور الشعب، وخاصة إذا أردنا مكافحة الأمية وتعميم التعليم؛ فنحن لو أردنا تعميم التعليم بين الجماهير باللغة الفصحى المعربة احتجنا إلى زمن طويل، ولم نتمكن من إجادة ذلك كما لم نتمكن إلى اليوم من إجادة تعليم المثقفين إياها؛ فطلبة المدارس يقضون تسع سنين في التعليم الابتدائي والثانوي، وأربع سنين في الجامعة، ثم لا يحسن أحدهم الكتابة والقراءة، وكثيراً ما يُلْحِنون في الإعراب، ومن أجل هذا اقترحت في بعض مقالات نشرتها، وفي محاضرة في المجمع اللغوي أن نبحث عن وسيلة للتقريب، واقترحت أن تكون لنا لغة شعبية، ننفيها من حرافيش الكلمات ـ على حد تعبير ابن خلدون ـ وتلتزم في آخر الكلمات الوقف من غير إعراب، وتكون هي لغة التعليم ولغة المخاطبات، ولغة الكتابة للجمهور، ولا تكون اللغة الفصحى إلا لغة المثقفين ثقافة عالية، من طلبة الجامعة وأشباههم، وإلا الذين يريدون الأدب القديم ويستفيدون منه. وبهذا نكسب اللغة العامية والفصحى معاً. فاللغة الفصحى الآن لا تتعدى كثيراً من استعمال الكلمات اليومي، وهذا الاستعمال اليومي في الشارع وفي البيوت، وفي المعاملات من طبيعته أن يُكسب اللغة حياة أكثر من حياتها بين الدفاتر وفي الأوساط الخاصة، ويُكسب اللغة العامية رقياً يقربها من الفصحى، وهو يمكِّننا من نشر الثقافة والتعليم لجمهور الناس في سرعة، ويمكننا من تقديم غذاء أدبي لقوم لا يزالون محرومين منه إلى اليوم!(1).
    ولكن هذا الاقتراح لم يلق قبولاً كما قال.
    ◀ د. الدكير: يغلب على الظن أن العاميات أغلبها لهجات تفرعت عن لسان العربية، وتُنوسي الأصل وصار مهجوراً وهو الحق. والناظر في العامية بالبوادي والمداشر و (القصور الصحراوية) بالمغرب مثلاً؛ يجد كثيراً من الألفاظ تستعمل الاستعمال العربي الفصيح الذي عُرف في الشعر العربي قديماً، مما لا وجود له حتى في فصحى اليوم.
    فالعامية وعاء خزان، يجب إحياؤه والعودة إليه ـ والعود أحمد ـ لكن يُصفّى مما علق به من شوائب؛ بسبب عوامل التعرية. فالعامية بحاجة إلى تخلية وتحلية؛ لتصبح صافية. ولقد عمل القرآن زمان نزوله على توحيد لهجات العرب، فأنزل الله ـ سبحانه ـ القرآن على سبعة أحرف، والأحرف: اللغات عند أغلب العلماء.
    هذا وإن عاميات الدول العربية ولهجاتها، ليُعتنى بها اليوم في المعاهد والجامعات بالشرق والغرب؛ لحاجات في نفوس القوم، لكن كلٌّ يعمل على شاكلته، ولكل وجهة هو موليها، وإنما الأعمال بالنيات، والله من وراء القصد، نسأله ـ تعالى ـ أن يهدينا للتي هي أقوم، ويهيئ لنا من أمرنا رشداً.
    ◀ د. اليوبي: إن المسألة باختصار تتشكل كما يلي: فرغم الإقرار بحضور العاميات المتنوعة في البلاد العربية، ورغم جماليات بعض النصوص والإنتاجات التي قد تأتي بالعامية مكتوبة أو شفهية؛ فإن اللغة العربية الفصحى لا يجوز أن تعوض بالعامية؛ لأن الخطر لا ينحصر في كونه مسألة لغوية فحسب؛ وإنما يتعدى ذلك إلى كونه يمثل دعوة مغرضة ذات أبعاد سياسية مقيتة، أو استشراقية أو طائفية، ولا يخفى ما في ذلك من خطر على فقدان الذاكرة التي تجمع العرب والمسلمين عموماً تلك هي القضية في حقيقتها بلا مراء.
    البيان : شَكَرَ الله للإخوة الأساتذة الفضلاء مشاركتَهم المتميزة والمفيدة في هذه الندوة ذات الإشكال المعقد؛ بما تبين من ارتباطاته المتعددة مع سائر أوجه النشاط الإنساني للمجتمع. ولا شك أن ضمن ما ورد من أجوبة ومناقشات وإثارة للخبايا ملامحَ واضحة لطبيعة الداء، وملامح أخرى لوصفة الدواء. وقد تبين أن مسألة اللغة العربية بالنسبة للأمة الإسلامية ليست ترفاً فكرياً يتناوله المفكرون المترفون؛ كلاّ، بل هي قضية وجود أو عدم. إن معنى إشكالها هو تمام المعادلة المشهورة: (إما أن نكون أو لا نكون) ومن هنا كان من الخطأ الجسيم أن تأتي دعوات للإصلاح هنا وهناك؛ وليس لها أدنى تصور للمسألة اللغوية في العالم العربي والإسلامي.
    إن معنى ذلك أن علينا أن نفكر بجد في إعادة بناء جيل قيادي متكلم بالعربية الحقيقية، عربية القرآن، جيل قادر على بناء (الجملة القرآنية) ـ على حد تعبير مصطفى صادق الرافعي رحمه الله ـ قادر على توظيفها واستعمالها والتواصل بها؛ من أجل إحسان ربط الصلة بالتراث العلمي والحضاري للأمة. إذْ بدون ذلك سيكون التَّبَـيُّن والبيان ضعيفاً جداً؛ فتَبَيُّنُ مفاهيم التراث على حقيقتها، وتبيينها على أحسن وجوهها؛ هو من أكبر مهام تجديد الدين في النفس والمجتمع. ولا شك أن حل هذا الإشكال هو أول منطلقات العلم، ولا وجود لهذه الأمة إلا بعلم. ولا شك أن استصدار مشروع لذلك في ميدان التربية والتعليم، بهذا البلد أو ذاك؛ لهو من أكبر التحديات؛ ذلك، والله الهادي إلى الصواب والموفق إليه.

    أختكم بلبل


  4. #4

    افتراضي

    وهذي ندوة ثانية

    واقــع المــــرأة فـي الغـــرب

    مقدمة
    المرأة الغربية هي الأنموذج والـمثل الذي يُحتذى من قِبَلِ أدعياء التحرر والتغريب؛ فهي ـ بزعمهم ـ قد وصلت إلى قمة السعادة، وحصلت على كافة حقوقها الإنسانية، ولكن هل هذا الزعم صحيح حقاً؟! أم أنه مـجـرد وهْم كبير يريدون أن يوقعونا في شراكه؟
    هذا ما سوف نراه في هذه الندوة التي شـاركـنا فـيـها مجموعة من الأخوات الغربيات المسلمات، كلهن من أصول إنجليزية وويلزية، عشن في الـغـرب، وتربـيـن في أحضانه، ثم عرفن حقيقته بعد أن شرح الله صدورهن للإسلام.
    الأخوات المشاركات:
    1 - فاطمة أم إسماعيل، واسمها قبل الإسلام: فيكتوريا كيب وول.
    2 - عائشة أم سعدية، واسمها قبل الإسلام: راشيل بريتشرد.
    3 - خديجة أم عارف، واسمها قبل الإسلام: ويندي بووث.
    4 - أم يوسف، واسمها قبل الإسلام: آشلي داينتي.
    5 - خديجة أم محمد، واسمها قبل الإسلام: جوان توماس.
    6 - نبيلة أم إسماعيل، واسمها قبل الإسلام: روبين رييد.
    البيان: مفهوم الأخلاق مرَّ بتغيرات جذرية متعددة: فكرية واجتماعية، حتى وصل إلى مرحلته الحالية، فما مفهوم الأخلاق في الغرب؟
    الأخت: خديجة أم عارف:
    تختلف الأخلاق في الغرب من شخص إلى شخص ومن بيت إلى بيت، وهناك تصور عام أن كل التصرفات الشخصية مصونة مهما كانت هذه التصرفات إذا لم تؤثر على شخص آخر. ومن هذه التصرفات المقبولـة عـنـد الـغـرب مـثــلاً: أن ينتحل الرجل شخصية المرأة بزيها وعلاقاتها وأن يُظْهِرَ ذلك أمام أطفاله، ومثال آخــــر: هو الكَمُّ الهائل من المواد والعروض الإبـاحـيــة في شتى وسائل الإعلام والتي أصبحت متقبلة. وبالرغم مــن أن هناك فئة مـن الناس تشعــر بالخجـل مـن هـذه التصـرفـات إلا أنها لا تستطيع الانتقاد العلني خوفاً من أن توصف بالتحجر والتخلف. وتحت ضغط الإعلام أصبح الكثير من هؤلاء ـ ومنهم أرباب الكنيسة ـ يقبلون بالقيم الجديدة، ومثاله: السماح بزواج الشواذ داخل الكنيسة. نعم! الأخلاق فـي انـحــدار عجيب؛ وهناك ذلك المفهوم السائد بأن تفعل ما يحلو لك ما دمت تشعر بالسعادة وما دام مـقـبـــولاً عندك، هذا المفهوم الذي بدأ ينتشر من الستينيات حتى الآن.
    الأخت: فاطمة أم إسماعيل:
    أنـا لا أعتقد أن هناك قيماً باقية في الغرب؛ فالنساء أصبحن كالرجال، والرجال كالنساء، حـتـى الـكـنـيـســة التي كانت أساس القيم الغربية غيَّرت كلام الله لتكثر حضور الناس، فصاروا يجعلون الحرام حلالاً.. فالقيم الغربية قد انهدمت!
    الأخت: خديجة أم محمد:
    لـقـد فُقِدَت فكرة القيم في الغرب؛ والأحوال تقزز النفس أكثر وأكثر، فالأفعال التي تحصل هنا مـن هــذه الأنواع كثيرة، والناس المسؤولون عنها لا يوجد لديهم قيم، فهم لا يعتنون بتصحيح الأخلاق للناس والأطفال هذه الأيام، المسلمون الملتزمون هم فقط الذين لهم قيم هنا في الغرب.
    الأخت: نبيلة عبد الله:
    لـم تـعد فكرة القيم موجودة في الغرب، فالغرب يؤمن بأن حرية الاعتقاد الشخصي أهم من مسألة الالتزام بقيم معينة. وبهذا فإن الغرب سمح للمجتمع أن ينقلب ضد نفسه؛ حيث إن كل فـــــرد يعتقد بأن ما يؤمن به هو الصحيح، كما أن من المسلك الحسن عندهم أن يترك الأمر لكل فرد يدعو لما يعتقد به بغض النظر عما قد يحمله من أفكار ومعتقدات شاذة. لقد مضى عهد طـويل مـنـذ أن كــــان الغرب يهتم بالقيم؛ حيث إن الاهتمام بالماديات أصبح بمثابة الإله المعبود.
    البيان^: دعوات تحرير المرأة في الغرب قديمة جداً، فهـل استطاعت تـلـك الــدعوات أن تستنقذ المرأة الغربية وتنصفها وتكرمها؟ وهل استطاعت أن تسعدها حقـاً؟
    الأخت:عائشة أم سعدية:
    أنـا شخصياً لا أعتقد أن المرأة المسماة «محررة» بأنها سعيدة، فالشيء الذي حصلت عليه هو الـغـرور بــــأن تعتبر مساوية للرجل فقط؛ إذ ليس لها وقت أو إحساس لتحيا حقيقة أنها زوجــــة أو أم، وهذا مما يُحزِن؛ لأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ خلق المرأة زوجة للرجل وأمّاً لأولاده لتراعي بـيـت الأســـــــرة والأطفال وحاجات زوجها، ولـمَّا لم يتحقق ذلك للمرأة المتحررة فقد ضاع عليها أهم شيء في الحياة؛ ويوماً مَّا سوف تشعر بهذا، ولكن بعد فوات الأوان! كيف يوجد للمرأة ذرة من الكرامة وهي تريد أن تكون كالرجل؟
    الأخت: خديجة أم محمد:
    لا.. تحــرر المرأة في الغرب لم يستطع أن ينقذ المرأة أو يكرمها، فقط استطاع أن يضغط على النساء لـيـخـــرجــن من البيوت من غير رقيب ولا حسيب، يكون لهن هواياتهن وحياتهن الـخـاصـــــة، لا يردن العمل فقط بل دفعن بأنفسهن للوصول إلى أعلى مرتبة في الـعـمــل، والوصول إلى هذه (القمة) ليس بالسهل للنساء، ولهذا هن دائماً تحت ضغوطات محاولاتهن للتنافس مــع الــرجــــال، وفي النهاية إذا وصلن إلى أعمال ووظائف فعادةً لا يرقين إلى ما يحققه الرجال؛ فبعد كل هذا العمل، والوقت، والجهد والضغط ما زالت النساء هنا ـ مثلاً ـ لا يحصلن على المرتبات نفسها لنظائرهن من الرجال، وهذا يؤدي إلى نتيجة سلبية!
    بعض الشركات لا تقبل الـنـســـــاء للعمل عندهم إذا كن حوامل ولا يوظفون النساء اللاتي لديهن أطفال، وهذا يزيد التعقيدات للنساء اللائي يسعين للتساوي التام مع الرجال، وهذا التعقيد هن اللواتي جلبنه؛ فبدلاً مــــن أن يرفعن مكانتهن جعلن حياتهن مضطربة وتحت ضغوط جمة هذا لا بد أن يؤدي إلى الحزن والأسى.
    الأخت: نبيلة عبد الله:
    أنــــا أرى أن الـنـســاء في الغرب عشن مراحل (التحرر) واستُعبدن من قِبَلِ أفكار المجتمع الداعية لتحرير المرأة. ولقد ناضــل النساء لنيل ما يسمى: (حقوق المساواة في أماكن العمل) وطالبن بالمعاملة بالمثل مـســـــاواة بالـرجـل. ولكن هؤلاء النساء أنفسهن سمعناهن فيما بعد يصرخن مطالبات بحقوق تختلف عن الرجــــــال العاملين، مثل مطالبتهن بإجازات وضع الحمل، وتفريغهن للبقاء في رعاية أطفالهن الرضــع، وفي هذا تناقض مع دعوات المساواة، حيث إن الرجال ليس لهم مثل تلك الحقوق، وهـنـــــاك أمور أخرى مثل ترقيات العمل، فالمرأة عادة لا تمنح مثل تلك الترقيات ما لم تكن مـسـتـعــــدة لتقبل التحرشات المخدشة للعرض من قِبَلِ رؤسائها في العمل. ثم إذا ما نظرنا إلى واقع الـمرأة العاملة فسنجد مثلاً أن عليها التضحية في مسائل مثل تربية أطفالها والتي تلجئها ظـــــــروف العمل في كثير من الأحيان إلى إيكال تلك المهمة إلى مربيات؛ وقد أثبتت تجربة اسـتـخـدام المربيات أنها قد تسيء إلى الأطفال؛ حيث تم ضبط كثير من الحالات التي يعنف فيها الأطـفـال ويُضربون، بل وكان منها حالات أدت إلى قتل الأطفال!
    أمــا عـــن وضـــع أزواج النساء العاملات فهي الأخرى لا تخلو من خلل؛ فكثير من هؤلاء الأزواج قد يعاني مـــن إهمال وتقصير زوجته تجاهه خصوصاً من الناحية العاطفية مما قد يؤدي به إلى العزوف عـنـهـــا والبحث عن امرأة أخرى، فينتهي الأمر إلى الطلاق وتفسخ العائلة؛ ولذا فالمحصلة الـكـلـيــة لـمـثــل تلك الدعوات التحررية وبشكل عام لم تؤدِّ إلى السعادة.
    البيان: خرجت المرأة الغربية للعمل في شتى الميادين مع الرجل جنباً إلى جنب؛ فهل تجربة العمل هذه ناجحة؟ وما أثرها على الأسرة والأبناء؟
    الأخت: فاطمة أم إسماعيل: لا أصدق أن من النجاح أن يعـمـــل الرجال والنساء جنباً إلى جنب؛ فمن فطرة الرجل أن يكون القائم والأقوى، ومن الطبيعي أن يرفض منافسة المرأة في مكان العمل، وعليه فسيصعب عليها العمل في مثل هذه الأجواء، وسـيـؤثر هذا بدوره على حياتها الأسرية، وذلك عندما تنقل تأثرها بمشاكل العمل إلى البيت وتـؤثـــــر بذلك على الأسرة.
    وهناك أيضاً: الدعوة للوقوع في العلاقات المحرمة في العمل، إذا كانت الأحوال في البيت تمر في ظروف صعبة.
    الأخت: عائشة أم سعدية:
    كـثـيـر مـــن الـنـســــاء خرجن للعمل مع الرجال، ولكن تسمية ذلك نجاحاً شيء يحزن؛ والتنافس مع الرجال خطأ بالكلية، ولعل المرأة العاملة تعتقد أنها ناجحة بالتمكن من نفس مكانة الرجل أو أعلى مـنــــه، ولكنها في الحقيقة هي الخاسرة؛ فمن مشاكل الاختلاط مع الرجال أنها تخاطر بنفسها فـي الـوقوع بعلاقات محرمة معهم، وطبيعي أن يؤدي هذا إلى الطلاق فتخسر زوجها وأطفالها.. ونحـــو ذلك. أيضاً عدم وجودها مع زوجها قد يقلل من اكتراثها به، ويمكن أن يجعله هو الآخر يدخل في علاقات جنسية غير مشروعة، حينئذ الأطفال حتماً سيعانون؛ لأن الأم ليست موجودة لتعلمهم ولترعاهم. وعادة ما يؤدي هذا إلى أن يخرج الأطفال إلى الشوارع، فيزيد احـتـمـــال وقــوعـهـم في مشاكل عويصة، ومن تلك المشاكل الحمل المبكر غير الشرعي للبنات. وللمعلومية فيوجد في المجتمعات الغربية أكثر عدد من حالات الطلاق في العالم، وكذلك حالات حمل المراهقات من علاقات جنسية غير مشروعة.
    الأخت: خديجة أم عارف:
    في مـجـتـمـــع الـعـمـل المختلط ينظر إلى العلاقات التي تنشأ بين الرجال والنساء على أنها علاقات من قبيل المتعة غـيـر الـضــارة، ولكن ينسى هؤلاء أن هذه العلاقات قادت إلى الزنا وإلى تفكك الأسرة والقضاء على الكـثـيــر من الزيجات. هذا الاختلاط خلق كثيراً من الشك بين الأزواج حول العلاقات غير المشروعــة التي يقيمها كلا الطرفين من خلال العمل، كما أنه ورَّث كثيراً من المضايقات والتحرشـات الجنسية في العمل من قِبَل الرجال للمرأة، تلك المرأة التي تبدي نصف جسدها أثناء الـعـمـــل. إن دور المرأة أمّاً ومربية للأطفال لم يعد له قـيـمــــــة في الغرب، بل إن المرأة تُلقي بأطفالها في الحضانة أو إلى شخص آخر ربما يكون غريباً، وتنطلق للعمل وبأجر أقل من أجر الرجل. أعتقد أنه ليست هناك وظيفة أكثر ربحاً وأجراً من وظـيـفــة الأم التي تربي أطفالها في بيئة متزنة حانية. كل طفل يحتاج أن يشعر بالحنان والطمأنينـة، وهل يستطيع أحد أن يعطيه هذا الشعور مثل الأم؟! على الرجال في الغرب أن يتحملوا مـسـؤولـيــاتـهـــم تجاه أسرهم وأن يقوموا على الأسرة معيلين لها، وأن يشعروا بأخطائهم عندما يدفعون نساءهم للعمل خارج البيت.
    الأخت: أم يوسف: عمل النساء بجـــانـب الـرجــــال خطر جداً وهو ليس بناجح حتماً، والخاسرون منه هم الأسرة عموماً والأطفال بالذات؛ فـعـندما تعمل المرأة فإنها تهمل البيت الذي هو مسؤوليتها، ولعل إحدى آثار عمل المرأة أن الأكل الجاهز أصبح الوجبة الأساسية للأطفال، مما يدعو إلى تدهور صحة الأطفال بمرور الـسـنـيـن، وهــنـاك أثر ثـــانٍ وهو أن الأمهات يصبحن غير متفرغات لأطفالهن مائة في المائة، والأطفال يشعرون بذلك؛ وبهـــذا يظهر النقص في الاتزان والتصرف وتنشأ مشكلات سلوكية.
    أمــــا الأثر الثالث فهو أن المرأة تبدأ في لبس زي معين لكي تجذب الرجال داخل العمل، كما يـؤدي اختلاطها بالرجال إلى عدم الرضا عن زوجها. ولعل وجود المرأة في محيط عمل الرجال من الأسباب التي أدت إلى ارتفاع نسبة الطلاق.
    البيان: التعليم المختلط وخاصة في سنوات المراهقة مـن خصائص التعليم في البلاد الغربية؛ فما تقويم هذه التجربة؟
    الأخت: عائـشـــة أم سعدية:
    التعليم المختلط يشجع على العلاقات بين الأولاد والبنات، وإذا أُحصي عدد المـراهـقـــات الحوامل من مدارس مختلطة ومن مدارس بدون اختلاط (خصوصاً المدارس الإســـــــلامية) لـوجــــدنا في الغالب أن النسبة في المدارس المختلطة ستكون 57% على الأقل مقارنـــــــة بالمدارس التي تطـبــق الفصل بين الجنسين بنسبة لعلها تقرب من 5% (في حين ستجد أن النسبة في المدارس الإسـلامـيــة هي الصفر)، كما أننـي أعتقد أن اختلاط الجنسين يؤدي إلى عدم تركيزهم من الناحية الـدراســيـة؛ لأن اهـتـمـامهم سيكون موجهاً للجنس الآخر.
    الأخت: خديجة أم محمد:
    لتقويم التربية المختلطة في المدارس الغربية أقول: إن اختلاط الأولاد والبنات مثلاً في هذه الـمـدارس شيء في غاية التهديم؛ فعندما يكبر الأطفال وينمون سوف يبدؤون يفهمون أمور النـســاء في المدرسة، وهم ليسوا تحت رعاية دائمة، والآن غدت مواضيع الحياة يُتحدَّث فيها عـلانـيـة، وعند ذلك فإن الأطفال سوف يُشجَّعون على الفعل القبيح من زناً وما شابه ذلك، والـــذي يـجــــــري في الصفوف العُليا (الفصول المتقدمة) في هذه المدارس أن ترتب النشاطات للبنين والبنات معـاً ويتركــوا للاختلاط بحـريَّة، والنتيجة التـي لا مفر منها أن البنات والبنين يبدؤون بعلاقـــــات الحــــب والغرام، وهذا يؤدي إلى الزنا وحالات حمل البنات الصغار، وبعد ذلك تُترك الـبـنـت لتـربـيــة الأطفال وحدها، وهذا هو سبيل تفكك المجتمع!
    الأخت: نبيلة عبد الله: التعليم المختلط خطر يهدد المجتمع؛ فالمربون (المعلمون والمعلمات هنا) يؤمنون بمشروعية إقامة العلاقات بين الجنسين من الطلبة المراهقين، متناسين الأبعاد الخـلـقـيـــة والصحـيـــة والجنسية لهذا الأمر، وهم أنفسهم (الهيئة التعليمية) قد يكونون متورطين فـي أعمال غير خلقـية، مثل تعاطي المخدرات والعلاقات غير الخلقية بل وحتى الزنا. الشغل الشاغل للمراهقين في مثل هذه الحال هو معايشة هذه الأجواء وبذلك يصبحون معرضين لمختلف الأخطاء التي تـحـيـق بـهــم فـي مجـتـمـــع تحطمت فيه القيم الخلقية، والمجتمع نفسه هو الخاسر في نهاية الأمر.
    البيان:تعاني الفتاة الغربية المراهقة من مشكلات اجتماعية ونفسية متعددة نتيجة انتشار الشذوذ والزنا والاغتصاب ونكاح المحارم.. ونحو ذلك؛ فهل هذه المشكلات موجودة حقاً؟ وما حجمها؟ وهل يدرك الغربيون خطورة ذلك؟
    | الأخت: خديجة أم عارف:
    لا أعـتـقـــــــد أن نكاح المحارم منتشر، ولكن الزنا منتشر؛ فالأولاد يُعَلَّمون في المدارس أن العلاقات الـجـنـسـيـة مسموح بها بشرط أن يُستخدَم الواقي، أو ما يسمى بالجنس الآمـن؛ ولكنهـم لا يعلمون القـيـم الأخلاقية أو أهمية الزواج. وهذه الأشياء لم تؤدِّ إلى أعداد كثيرة من الحمل المبكر غير المرغوب فيه، وإلى أعداد من الأمهات بدون أزواج فحسب؛ بل أدت إلى مجتمع يفتقر إلى الاتـزان الأخـــلاقي والذي هــــو من الضرورات لتربية الأطفال في أي مجتمع. كثير من الفتيات أصبن بصدمة نفسية نـتـيـجـة الحمل المبكر (بطريق الزنا) وأدى ذلك إلى الإجهاض، ولا تسأل عن آباء صغار السن والذيـن يـتـنـكــرون للمسؤولية عادة. إن الصدمة النفسية والمعاناة المترتبة على هذه المشاكل خيالية. الإعلام يدفع الفتاة إلى التجمُّل والخروج بشكل سافر وهو ما يؤدي غالباً إلى الاعتداء الجنسي والـقـتل أحياناً. كل ذلك له تأثير سيئ على المجتمع؛ فالفرد الذي اعتاد الخلاعة والإباحية يصـعــب عـلـيه أن يقيم عـــلاقــة مـتـزنـة من خلال أسرة وأن يربي أطفالاً. المجتمع والمربون والآباء لا يقدمون إلا القليل في مواجهة هذه المشاكل.
    الأخت: نبيلة عبد الله:
    أنَّى للـمـربين أن يُقدِّروا خطر هذه الانحرافات وهم أنفسهم من ضحاياها؟! لقد انضم كثير مـن ذوي الانحرافات وبمختلف أصنافها إلى فئة المربين، وهــذا يشجـــع المراهقين علــى ممارسة مـا يـسـمـى بالطرق المأمونة لتعاطي المخدرات وممارسة العلاقات الجنسية وهم في عمر يافع لا يعون معه المخاطر التي تحيق بهم!
    الأخت: أم يوسف:
    هـــــذه المشاكل موجودة وأعتقد أن حجمها أكبر من أن يتخيله أحد. أنا أعتقد أن المربين واعون لأخطار هذه الانحرافات السلوكية ولكن لا يعرفون كيف يوقفونها.
    | الأخت: خديجة أم محمد:
    نعم! هــــــذه المشاكل موجودة، ومدى هذه المشاكل يؤدي إلى خلخلة أسرية؛ فعندما يكبر الأطفال يـغـدون مختلين وينقلون مشاكلهم وخللهم الاجتماعي إلى مراهقين آخرين أو حتى أطفالهم؛ وهـــــذا ينتج قلة الاحترام في المجتمع، ولهذا فإن هناك تفككاً كبيراً في الحياة الأسرية وفي القدرة على التعامل الاجتماعي الجيد.
    الأخت: فاطمة أم إسماعيل:
    نعم هذه المشاكل موجودة، ولكن أنا أشعر أن الموضوع في غاية البشاعة، ولا أريد أن أعلق أكثر.
    البيان: للإعلام دور بارز في صناعة الأخلاق والقيم؛ فكيف يصـور الإعـلام الغربي المرأة الغربية؟ وهل لهذه الصورة دور في إفساد المجتمع وتفككه؟
    الأخت: فاطمة أم إسماعيل: الإعلام يستخدم النساء معظم الـوقــــت أدوات للنظر إليهن، والبنات الصغيرات يشاهدن هؤلاء النساء ويرغبن في الظهور مثلهن، ولـذلـك فإن المشكلات كثيرة منها تخلي المرأة عن عملها البيتي ـ كالطبخ وغيره من الخدمات ـ وانـشـغــالـهــــا بجسمها.
    الأخت: خديجة أم عارف:
    الإعلام يركز على منظر المرأة ومظهرها؛ فالمرأة الجميلة ذات الجسم الرشيق تغطي صورتها الصـفـحات، وتعرض جسمها بطريقة مقززة، والمرأة تفاخر بجمالها وتعتبره سلعة ناجحة. وتعتقد بـعـض الـنـســاء أن الحرية للمرأة هي في التعليم وفي تحقيق المنصب والشهرة، ولا يخفى أن هذه الحرية هــي الـتـي أنتجت صناعة الجنس والتي تعتبر من أكثر الصناعات نمواً في الغرب. نعم! لقد امتُهِنَت المرأة في الغرب وهي التي سمحت للعابثين بذلك. غسيل الدماغ مستمر في الإعلام من خلال طـــــرح نماذج على أنها مثال أعلى؛ إذ تقدم حياتهم الجنسية على أنها المثال، مثل نجوم الموسـيـقـــى والغناء مع عدم تقديمهم أمثلة إيجابية يمكن الاقتداء بها.
    الأخت: خديجة أم محمد:
    الإعـلام الـغـربي يصور المرأة الغربية على أنها قوية، مستقلة، جميلة ومثالية؛ لأن النساء يرغبـن بـذلك كما يقول الإعلام، وإذا لم يكن عندها أي من تلك الصفات فستفعل أي شيء للحصول على مــا يتـوقـعــــه الناس من هذه المظاهر مثل لون الشعر ولون البشرة، وإذا لم تستطع أن تحقق ذلك فسوف تـكـــــــون في غاية من الضيق؛ لأنها لم تبلغ (المثالية) التي يصوِّرها الإعلام! وهذا يؤدي بها إلى الكآبة الشديدة والإحباط بل وأحياناً إلى قتل النفس.
    صورة الإعلام هذه شر ماحق يمكن أن يدفع المرأة إلى أن تحطم عزتها بنفسها، وإذا فقدت عزة النفس فلن تُكرَم أو تراعي أي أحـــد، أو أي شــيء آخـــر، وهذا يمكن أن يؤدي إلى الإجرام واللامبالاة بين أفراد المجتمع.
    الأخت: نبيلة عبد الله:
    إن الإعـــلام في تصويره للمرأة في الغرب يهمل دورها في المجتمع زوجةً وأمّاً، ويركز على مسائل مظـهـرها وهيئتها ودوافعها إلى كسب المال. الغالب هنا أن البنات الناشئات لم يعد لهن قدوة حـسـنـــة فـي أمهاتهن اللائي أصبحن يعلمنهن أن قيمة المرأة تكمن في اهتمامها بالملبس وقابليتها على جذب وإبهار الرجال. ومن المفاهيم المنحرفة التي أصبحت مترسخة عند كثير من النساء أن الاهتمام برشاقة الجسم مثلاً مقدم على الإنجاب والاعتناء ببيتها. كذلك فإن نظرة المرأة الغربية للرجل أصبحت تتسم بقلة الاكتراث لدوره في المجـتـمـــع، حـيـث إنـهــــا ما عادت في حاجة ملحة للارتباط بزوج؛ فالحرية الجنسية تصور لها أن الزواج أضحى مـــن عادات الماضي وتقاليده وأن الزواج يؤدي إلى استعبادها من قِبَل رجل واحد!
    الأخت: عائشة أم سعدية:
    الإعلام بارع في إبراز قضية تحرر المرأة الغربية.. الحرية في الذهاب إلى العمل، السياحة، الـسوق.. ونحوها. النساء في خطر كبير وهو: الاقتناع بأن كل شيء في الحياة رائع ويُشْرَع لها نـيـله؛ فلماذا تتزوج وفي استطاعتها نيل المتعة من غير زواج؟! ولماذا تجلس في البيت وفي استـطـاعـتها أن تعمل وتختلط بحرية مع الرجال، وتحصل على أي عـدد من الأخلاء كما تريـد؟! المــــرأة في الغرب اليــوم لا يوجد عندها قيم لنفسها، وليس لها كرامة البتة، وسوف تهلك نفسها بنفسها.
    البيان: التفكك الأسري والـتـمــــزق الاجتماعي يعده بعض الناس أحد سمات المجتمع الغربي، فهل هذا صحيح؟ وهل له أثر على تربية الأبناء؟
    الأخت: خديجة أم عارف: من أهــم أسباب تفكك الأسرة في الغرب كثرة الطلاق وارتفاع نسبته وقلة الزواج؛ فالكثير لا يـتـزوج. ومــن آثار هذا التفكك الآثار السلبية على الأطفال الذين يقعون ضحية للطلاق. ومن مـظــاهر التفكك كثرة الأمهات العزاب التي يكون لديهن أطفال من غير زواج، ولكن من علاقات غير مـشـــــــــروعة، وعدد هؤلاء في ارتفاع مع ما يواجهن من صعوبات في تربية الأطفال وفقدان للـعـطــــــف والرعاية من الآباء. وهذا يفسر انحراف كثير من الأطفال في هذا المجتمع. إن تعاليم الإســــلام تحفظ للمرأة كرامتها وأي حدود توضع لها هي لحفظها وصيانتها؛ ولكن للأسف فإن هـنـــاك جهلاً بحقوق المرأة في الإسلام؛ فمثلاً واجب الإنفاق من قِبَلِ الزوج على المرأة والأطفال والبيت هو حق لهم مقرر في الإسلام؛ فعلى الزوج أن ينفق ومع ذلك يحق للمرأة أن تحتفظ بما تمتلك لنفسها إلا إذا أرادت المساعدة في حال العسر مثلاً. المرأة في الإسلام ليست تحت ضـغــط يدفعها للخروج من المنزل للعمل، بل لها الحرية في البقاء في البيت لتربية أطفالها دون الـشـعــور بالذنب الذي تشعره الكثيرات من النساء غير المسلمات في الغرب. وللمرأة حق التعلُّم وخـــــاصة في أمـــــور ديـنـهـــا وأن تسد الحاجة في مجال الطب والتدريس حتى تقوم بخدمة أخواتها المسلمات في بيئة تعمل فيها بعيداً عن الاختلاط وتحكم بأحكام الإسلام.
    إن نظرة الذين لم يـذوقــوا حلاوة الإسلام والإيمان بأننا لسنا سعداء بطريقتنا الإسلامية في الحياة هذه النظرة غير صـحـيـحــة ولا واقعية؛ فأنا مثلاً أشعر بسعادة غامرة عندما التقي بأخواتي المسلمات بعيداً عن الرجــــــــال في مجتمع نسائي منفصل؛ حيث لا تحاسُد ولا تباغُض كما يحدث في المجتمعات المختـلـطـــة؛ حيث الغيرة والتباغض. كما أن الإسلام يحث المرأة على الاهتمام بالمنزل والأسرة؛ فإنــــه يفتح المجال لتعارف النساء وفتح باب التعلم لهن وخاصة العلم الشرعي. النساء غير المسـلـمــــات اللائي يحضرن أحياناً معنا في الحلقة بغرض التعرف على الإسلام يفاجأن بالتواد والـتـراحـم الموجود بين المسلمات.
    أما الحجاب الذي يتصور الغرب أنه حاجز أو عائق فقد كان تحــرراً بالنسبة لي، تحرراً من أن يُنظَر إليَّ تلك النظرة المادية نظرة الجسد الخالي من العقل، وكان الحجاب دافعاً لأن أعامل باحترام وكرامة.
    الأخت: أم يوسف:
    هـــذا صحيح، والآثار على تربية الأطفال بالغة؛ ففي المجتمع الغربي لا يربى الأفراد في أســـرة تعتني بهم؛ لأن كل عضو في الأسرة منشغل بنفسه، ولهذا عندما يصل الأطفال إلى ســــــــن البلوع فإنهم يمرون بهذه المرحلة الحساسة (سن المراهقة) وحدهم دون رقيب ولا حسيب ولا قـلــب حــــــانٍ شفوق، وحتماً فإن المجتمع سيتدهور عندما يعاني الناس من المشاكل، وهذه نتيجة طبيعية لا مفر منها.
    الأخت: خديجة أم محمد:
    نعم! ما ذكر صحيح وله تأثير على الأطفال؛ فالأطفال إذا ما نشؤوا في أسرة مفككة فلربما أدى ذلك إلـى مــــرورهــم بطفولة مؤلمة. كما أنهم عندما يكبرون ربما تنشأ عندهم مشكلة بخصوص تحمل مسؤولـيــــات الزواج، هذا إذا لم يعدلوا عن فكرة الزواج أصلاً خوفاً من الوقوع في زيجات غير موفـقـــــة، مما يدفعهم إلى أن يخوضوا في العلاقات المحرمة التي بدورها ستنتج أطفالاً غير شرعيين في بيوت لا تربطها الأنظمة الأسرية؛ وهكذا دواليك.
    الأخت: نبيلة عبد الله: إن التفكك الأسري من سمات العائلة الغربية؛ فمصطلح (العائلة) أصبح يعني مجموعة من الأفراد الـذين يتقاسمون مكاناً معيناً، ولكن ليس عندهم هموم ولا أهداف ولا قيم مشتركة، وتُرِكَ الأمر للصحافة والتلفاز والحاسب لتثقيف العائلة. والغربيون يصدقون ما تبثه لهم هذه الوسائل على أنها الحقيقة الخالصة ولا يلتفتون كثيراً إلى ما قد يبث عبرها من حملات إعلامــــيـــــة تضليلية. كما انشغل أفراد العائلة الغربية فأصبحوا نادراً ما يأكلون سوياً، وقلما يتخاطـبــون فـيـمـــا بينهم، بل وقد ينعدم اكتراث بعضهم ببعض، وأصبحت الأنانية وحب الذات من سمات الـمـعـيشة في المجتمع الغربي، ومن أساسيات البقاء فيه على (هامش الحياة). كما صار العزوف عـــن القيم الأخلاقية من قِبَلِ الأبوين ينعكس على أولادهم فينشؤون هم بدورهم أفراداً بعيدين عــن المعايير الخلقية ينقصهم احترام الذات واحترام الآخرين.
    البيان: بعد هذه الندوة اللطيفة هل لنا أن نسأل عمَّا جعلكـن تهتديـن إلى الإسلام؟!
    الأخت: خديجة أم عارف:
    ما زلت أتذكر أني كنت أؤمن بالإله منذ الثامنة من عمري، وكنت أذهب إلى الكنيسة مع وجــود لَبْس وعدم وضوح لديَّ لمفهوم التثليث ومفاهيم أخرى، ثم توقفت عن ذلك في سن التاسـعــــة عـشـــــرة وعشت حياة الغربيين. سمعت لأول مرة عن الإسلام في سن الرابعة والعشرين، وبعد سـنـوات قــابلت رجلاً مسلماً في العمل، وعرفني على زوجته، ثم بدأت أتعلم الإسلام، كل شيء كان بالنسبة لي صحيحاً ويقع في الموقع الصحيح، لقد كنت أؤمن بالتوحيد بأن الله واحد؛ ومــــا ذُكِرَ في القرآن والسُّنَّة عن عيسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان منطقياً ومقبولاً لي. كثير مــن تـفــاصــيل الإسلام جذبتني كالرفق بالحيوان والاهتمام بالبيئة والأدلة العلمية في القرآن وأصبحت أكـثـر وضوحاً عندي الآن. ثم بدأت بالتحدث مع عائلتي والأصــدقــاء عن الإسلام والمسلمين، وبعد سنتين من القراءة والتأمل والتفكير ـ وهذا التأخر ليس لتشـكـكي في صحة الإسلام ولكن كان بسبب التأمل بقدرتي على تحمل الأعباء والتحولات التي سوف تنتج عن إسلامي ـ بعد ذلك كله أعلنت الشهادة وأصبحت مسلمة والحمد لله.
    الأخت: خديجة أم محمد:
    كان لديَّ صديقات مسلمات كثيرات، وكنت دائماً أحب أن أسمع تعاليم النبي #، وأحببت كـثـيــراً من الأشياء المذكورة في القرآن والحديث، لقد قرأت كتاباً يشرح الحياة الأسرية في الإسلام وهذا ما أردته. أيضاً لقد انجذبت للإسلام؛ لأن المسلم الصالح أمين، ومن ناحيتي فإني أحب الاجتماع مع الناس، والحياة مع زوج أمين يتقي الله ـ سبحانه وتعالى ـ، وأنا أرى أن المسلمين هم الناس الوحيدون الذين يستحقون الاجتماع معهم.
    الأخت: نبيلة عبد الله:
    لـقـد تقبلت معتقد الإسلام بعد أن وجدت أن الله ـ تعالى ـ أنه قد وضع نظاماً شاملاً لحياة الـبـشـر رحمة بالعالمين. وهذا النظام الشامل الذي يتيح للبشر أن يتعبدوا ربهم الخالق من خلال تـطـبـيـقه في نواحي حياتهم المختلفة؛ فهو نظام مهذِّب يغطي جميع القيم الخلقية والحريات والتربـيــة وأسس العلاقات الزوجية، بل وعلاقات البشر بعضهم ببعض. كنت أشعر بأن حياتي كان ينقصها شيء معتبر، وكنت أفتش في قرارة نفسي عمن يستحق الثناء والشكر، متناسية مــــن هــو أهل للثناء والشكر وهو الخالق المنان. وكنت دائمة الاستجابة لتوقعات الآخرين مني، وفي الوقت نفسه غير آبهة بالأحكام والسنن الإلهية المفروضة على العباد. أمَّا الآن وقد هداني الله ـ تعالى ـ لـلإســــــــلام فسعيي حثيث للقبول بتوجيهاته، والاستسلام لحكمه وتعاليمه ـ جل شأنه ـ وأدعو الله ألا أنسـى أبــداً أن الفضل والحمــد كله يعـود له وحـده ـ سبحانه وتعالى ـ. أسأل الله أن يـتـقــبــل صالح أعمالنا وأن يشملنا برحمته جميعاً.
    البيان: الحمد لله على نعمة الإسلام. والآن نود لو تحدِّثْنَنا عن تجربتكن في الإسلام: هل وجدتن في التعاليم الإسلامية ما يُقيد المرأة أو ينتقص من كرامتها، أم أن الأمر مغاير لذلك؟
    الأخت: فاطمة أم إسماعيل: لا، نحن محميون ونعامَل بأعلى كرامة.
    الأخت: عائشة أم سعدية:
    لا يوجـــد شيء في الإسلام يقلل من كرامة المرأة، الإسلام يعطيها الكرامة، إنها لا تعرض على أي شيء سيئ، إنها تحفظ نفسها بالستر والكرامة وتغـض نظــرها وتخفض صـــوتها ولا تكون مصدراً للمشاكل لا داخل البيت ولا خارجه، إنهـــــا محدودة فقط داخل نطاق الإسلام، ولكن ليس كما يصوره الإعلام الغربي؛ فالمرأة المسلمة تعامل بالود والكرامة التي تستحقها، وإذا عرفت النساء الغربيات كيف تُعامَل المرأة المسلمــة كما يأمر الله ـ سبحانه وتعالى ـ فسوف يسرعن لاعتناق الإسلام ـ إن شاء الله ـ.
    الأخت: نبيلة عبد الله: إن الإسلام لا يقيد ولا يصادر أي شيء من كرامة المرأة. والحقيقة أن الإسلام يرفع من منزلة المرأة إلى درجة لا يمكن التعرف عليها ما لم تعتنق المرأة الإسلام فـعـلـياً. عند دخولي في الإسلام دهشت لما يتمتع به النساء من منزلة رفيعة. فالصورة مغايرة لتلك التي عـنـد الغربيين؛ فالمرأة عندهم زينة في ذراع الرجل يتباهى بها ثم يلقيها أرضاً بعد حين. إن التزام المسلمة بالحجاب والنقاب يُعد بمثابة حماية داخلية وأخرى خارجية لها. فلسان حال مـظـهـرهــا الخارجي يقول: إنني أغطي جسدي لأحميه من قلة الستر المستشرية في المجتمع، وحتى لا أدع مجالاً للآخرين كي ينجذبوا لعورتي؛ ومن دون ذلك ربما كانوا سيهينونني بنظراتـهـم أو لمساتهم التي كان من الممكن أن تنشأ نتيجة ســوء فَهْمٍ لمظهري أو حـركاتي فيما لو كنت غـيـر ملتزمة بالزي الإسلامي. إنني أعتز بكوني مسلمة، والآن وقـد تزوجت فأحس بالمشاعر الخـاصـــة كوني امرأة لها زوج يعتني بها، ـ وإن شاء الله ـ يكون ممن يتذكر تعاليم الله ـ تعالى ـ وأحكامه بخصوص معاملة الزوج لزوجته.


  5. #5

    افتراضي

    وهذي كمان ندوة

    العلمانية والفن

    ■ د. إبراهيم الخولي ـ أستاذ البلاغة والأدب المتفرغ بكلية اللغة العربية ـ جامعة الأزهر .
    ■ د. عبد العظيم إبراهيم المطعني ـ أستاذ البلاغة والأدب المتفرغ بكلية اللغة العربية ـ فرع إيتاي البارود ـ جامعة الأزهر.
    ■ د. حلمي محمد القاعود ـ أستاذ ورئيس قسم الأدب والنقد بكلية الآداب ـ جامعة طنطا.
    ■ الأستاذ: محمود خليل ـ الإعلامي المعروف وعضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية.
    ________________________________________
    البيان: موضوع هذه الندوة غاية في الوضوح غاية في التعقيد يلمس أثره المؤمن بإيمانه، ويكشف أبعاده المدقق بإمعانه. والقضية تحتاج في ابتدائها إلى تحديد مفهومي العلمانية والفن باتخاذهما مدخلاً لمعالجتها.
    ماهية العلمانية
    ■ د. إبراهيم الخولي:
    قضية العلمانية هي قضية المجتمع الإسلامي المعاصر ـ ليس اليوم فقط ـ وإنما منذ فترة طويلة؛ فالعلمانية في العالم الإسلامي هي راسب من رواسب الاستعمار، وإذا كانت تبدو اليوم عالية الصوت فليس لكونها استفادت قوة؛ وإنما لأن مواجهتها في العالم الإسلامي هي التي منيت بالضعف، وهي تأخذ مفهومين متطورين: في البداية أخذت مفهوم فصل الدين عن الدولة، وانتهت إلى نبذ الدين جملة ومحاربته حرباً لا هوادة فيها. وكلنا يعرف مقولة ماركس الشهيرة: «الدين أفيون الشعوب»، ولذلك رأى الماركسيون ومن لف لفهم من العلمانيين أن الدين هو المسؤول الأول عن طغيان الرأسمالية والطبقية، وعن المظالم الاجتماعية، وعن جرائم مؤسسات البنية العليا، وأن الدين هو المسؤول عن تخدير الشعوب واستكانتها لجلاديها ومن ثم لا صلاح للمجتمع الإنساني إلا بإقصاء الدين جملة.
    والعلمانية وافد غريب على مجتمعاتنا لا مكان لها فيها؛ لأنها نشأت حلاً لمعضلة واجهها المجتمع الغربي النصراني ولم يكن أمامه من حل سوى اللجوء إليها؛ حيث بدأ العقل الغربي يتمرد على الكنيسة بعد أن قطع في الحركة العلمية في المجال التجريبي شوطاً، وبعد أن صادرت الكنيسة العقل، وصادرت العلم، وصادرت حق الحياة. وبعد صراع مرير إلى جانب صراع آخر على السلطة بين الأمراء والكنيسة انعتق من استبداد الكنيسة وبدأت مرحلة جديدة من المهادنة بين «الكنيسة» السلطة الدينية و «الحركة العلمية» من جهة، وبين السلطة الزمنية «الحكام» من جهة أخرى، وهنا بدأت العلمانية بمعناها المبكر فصل الدين عن الدولة بتقاسم السلطة: للكنيسة سلطتها على ضمائر الناس وعلى قلوبهم، وللسلطة الزمنية السيطرة على كل ما يتصل بشؤون الحياة والتوجيه والتشريع، وتصبح العلاقة بين الكنيسة والدولة الناشئة التي بدأت فكرة السيادة على مفاهيمها العلاقة: (لا مساس).
    وفي تقديري أن هذا كان لوناً من المكيافيلية ريثما تستحكم قوة الدولة المدنية لتحميهم ثم تنتقل إلى المرحلة الثانية التي تجاوزت العلمانية فيها الاكتفاء بمجرد الفصل إلى إقصاء الدين جملة عن توجه الحياة، ثم تمادى هذا التيار وانتهى إلى ما نسميه بـ (الإلحاد العلمي) الذي ساد أوروبا شرقاً وغرباً، وانتهت المسألة بأن أصبحت العلمانية أخيراً تساوي الإلحاد وتعني إقصاء الدين جملة وتفصيلاً عن المجتمع وعن توجيه الحياة فيه. ولم تجد الكنيسة بداً من أن تستسلم لهذا؛ وأظن أن التلاعبات التي حدثت بعد هذا تسري آثارها اليوم بشكل أشد حدة.
    ■ د. حلمي القاعود:
    العلمانية نتاج المجتمعات الأوروبية في العصر الحديث، وقد تأكدت في القرنين الأخيرين بسبب الخواء الروحي والعقدي الذي يعيشه الأوروبيون من ناحية، وهيمنة الكنيسة الكاثوليكية من ناحية أخرى، ولعل ثورة كالفن ولوثر التي عرفت فيما بعد باسم الاحتجاج على الكنيسة الكاثوليكية (البروتستانتية) كانت مقدمة لكسر الهيمنة الكنسية، وفصم عرى العلاقة الوثيقة بين الكنيسة والدولة، أو بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية.
    وإجمالاً، فإن العلمانية كانت إجراء يهدف إلى إزاحة سيطرة الكنيسة على الحكومة في أوروبا، خاصة بعد أن تنوعت مظالم القساوسة ورجال الدين ضد المجتمع، ووقوفها ضد العلم، وإحراق بعض الفلاسفة والعلماء بسبب آرائهم أو كشوفاتهم، ومـن أشهر الأمثلة على ذلك «سبينوزا» صاحـب مدرسة النقـد التاريخي الذي كان مصيره الحـرق، و «كوبرنيكس» الذي حرَّمت الكنيسة كتابه: «حركات الأجرام السماوية» الذي نشر عام 1543م، و «جردانو» الذي صنع تلسكوباً فعذب عذاباً شديداً وعمره آنئذٍ سبعون عاماً، وتوفي 1642م.
    والعلمانية تعني (غير الدينية) أو (الدنيوية) ومفهومها بالمصطلح الإنجــليزي secularism لا علاقة له بالعلمscience أو المذهب العلميscientism ، ولأن العلمانية بعيدة عن الدين؛ فقد اهتمت بما يسمى تحرير العقل، وإضفاء صفات الألوهية على الطبيعة، وتطبيق المنهج التجريبي، مما أدى إلى إنكار أية علاقة بين الله وبين حياة الإنسان، وإقامة الحياة على أساس مادي صرف، وهو ما تبلور في شيوع الإباحية والقبول بالفوضى الخلقية وهدم كيان الأسرة.
    وكان نصيب العرب والمسلمين من العلمانية غير قليل؛ حيث تسللت إليهم عبر جيوش الاستعمار منذ حملة نابليون على مصر والشام ثم حملات الإنجليز والفرنسيين والأسبان على بلاد العرب، فأدخلوا القوانين الأوروبية (خاصة القانون الفرنسي) وغيروا نظم التعليم، ووجهوا المتعلمين إلى الثقافة الأجنبية وإهمال الثقافة الإسلامية التي تمثل ثقافة البلاد وكان إعلاء شأن الثقافة الأجنبية واحتضان المهتمين بها من أبناء المسلمين عاملاً مؤثرًا في إهمال شأن الثقافة الإسلامية؛ بل ازدرائها وتحقيرها.
    ماهية الفن
    ■ د. عبد العظيم المطعني:
    الفن في الأصل يمكن تعريفه ـ ببراءة ينبغي أن تكون فيه ـ بأنه «القول الجميل»، ثم اتسع مفهومه من القول ليشمل العمل، فتولد عنه المسرح منذ القديم، ثم زاحمته السينما والشاشة الصغيرة كما يقولون الآن. وهو نتاج فكري خاص يتميز عن أنواع التفكير الأخرى.
    والذي يقابل الفن ـ مع شيء من التسامح ـ العلم. والعلم أيضاً نتاج عقلي؛ لكن رسالة العقل في حيز العلم نستطيع أن نشبهها بالمرآة تعكس ملامح الصورة التي تقف أمامها، ومعنى هذا أن يكون نتاج العقل في حيز العلم خبراً مطابقاً للواقع، أما نتاج العقل في مجال الفن فيتلون حسب الرؤية الخاصة بمن يعمل في مجال الفن؛ فالعقل ليس مقيداً في مجال الفن بحدود الواقع ولكن له حرية القفز فوق هذا الواقع، وله حق تصويره حسبما يراه الفنان على ما هو عليه في الواقع؛ ولذلك قالوا: إن العلم موضوعي والفن ذاتي، وتعني موضوعية العلم أنه حقائق يدركها جميع العقلاء كالمعادلات الرياضية وما أشبهها.
    أما الفنون فنتاج ذاتي يتلون بتلون صاحب النموذج؛ فلو أتينا بعالمين ـ طبيبين مثلاً ـ ليتحدثا عن الشيب في رأس الإنسان فسوف يتحدثان عن الأسباب والمظاهر البيولوجية المصاحبة للشيب سواء كان في سن مبكرة أو متأخرة.
    لكن إذا عرضنا هذه الظاهرة على أديبين فسوف يختلفان، وقد حدث هذا بالفعل؛ إذ رآه أحدهما سيفاً مسلطاً على رقاب العباد وأنه نذير للنهاية، بينما رآه آخر لمعة بيضاء تنم عن كمال التجربة وخبرة الأيام عند الإنسان؛ ومن هنا فإن الفنان يتمتع بحرية شرط أن يكون صادق الإحساس مع نفسه غير متكلف.
    والفن بعد هذا يعتمد على عناصر أربعة، يشترك العلم معه اشتراكاً أساسياً في عنصر منها وهو المعنى؛ لأن كلا النموذجين لا بد أن يحمل فكرة أو معنى، ثم يختلف الفن بعد ذلك بأنه يغلف بالخيال، و أن تشيع في روحه العاطفة، وأن تكون اللغة رومانسية ـ وليست كلاسيكية ـ. تقوم على التفخيم والتهويم والتجسيم.. سواء كان هذا الفن شعراً وهو أرقى أنواع الفنون، أو نثراً كالقصة والأقصوصة أو كان غير ذلك.
    ومن هنا نحن نتحدث عن الفن في مرحلة قراءته بأنه الفن الجميل برؤية خاصة تكون وراءها تجربة للفنان أو الأديب، وسعة خيال يتشكل به النموذج؛ هذا هو الفن، ومجاله أوسع بكثير من مجال العلم باعتبار الحرية التي يتمتع بها الفنان.
    وقد حكي عن بعض الصحابة وهو النابغة الجعدي أنه قال بيتاً من الشعر أمام النبي -صلى الله عليه وسلم-:
    بلغنا السماء مجدنا وجدودنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
    وهنا يأتي الرسول -صلى الله عليه وسلم- من زاوية نقدية مُوجِّهَة فقال له: «أين المظهر بعد ذلك يا أبا ليلى؟» فأوقعه في حرج، ثم تدارك أبو ليلى قائلاً: إلى الجنة. فقال -صلى الله عليه وسلم-: «أجل! إن شاء الله»(1).. هذا النموذج النبوي الكريم فيه رد مفحم على دعوى تتفجر هذه الأيام بعد أن اصطبغ الفن بالصبغة العلمانية: بأن الأدب لا سلطان لأحد عليه لا من ناحية الدين أو التقاليد والعادات، ولا من ناحية السياسة، وإنما الذي يحكم على الأديب المبدع حسبما يدَّعون هو الأديب المبدع، وفيما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- هنا رد على هذا الادعاء؛ إذ كف ـ عليه الصلاة والسلام ـ مبالغة شاعر بريئة، ونبهه إلى أنه جنح في خياله؛ ولكن الله ألهم الشاعر فرد بما أرضى النبي -صلى الله عليه وسلم-.
    ومن هنا فإن الفن أداة لتطوير المجتمع وإمتاعه وإقناعه وخدمته، والفن في تاريخ الأمة سبق تحولات خطيرة في التاريخ: نبَّه على عيوب فتلافتها الأمة، بصَّر بحقائق يجب أن يدان لها ويعمل من أجلها؛ وصدق الشاعر:
    ولولا خلال سنها الشعر ما درى بناة العلا من أين تؤتى المكارم
    ■ د. حلمي القاعود:
    يمثل الفن جزءاً من ثقافة أي أمة من الأمم، وقد عرفت الثقافة الإسلامية فنوناً قولية وشعبية انتشرت في البلاد العربية والإسلامية وخاصة فنون الشعر الغنائي والنثر الفني والسير الشعبية والقصص الخيالية والتاريخية، فضلاً عن فنون الهندسة المعمارية والرسم والخط والزخرفة سواء على الورق أو الجدران أو المحاريب أو مداخل القصور والمساجد.. وغير ذلك.
    بيد أن الاحتكاك مع حركات الاستعمار الأوروبي وطلائع التنصير والثقافة الغربية مهّدت لازدهار فنون جديدة كانت معرفة المسلمين بها محدودة أو غير واضحة مثل المسرح والسينما والأوبرا، ومؤخرًا دراما التليفزيون، وكلها تقوم على العنصر الدرامي: (الحكاية والصراع في داخلها، أو الحوار بين شخوصها)، ومهمة هذه الفنون نقل الأفكار والتبشير بالتصورات غير المألوفة، وبذلك دخل المسلمون عن طريق الدراما إلى عالم جديد من القيم العلمانية التي تتصادم في الغالب مع القيم الإسلامية، حيث بشّرت الفنون الدرامية بقيم الاختلاط المطلق، والعري، والعلاقات الإباحية، والإلحاد، والانتهازية، والبقاء للأقوى وليس للأصلح، وتسويغ العنف والشر والرذيلة، والتبشير بالرجل الغربي بوصفه «السوبر مان» أو الرجل الأعلى القادر على فعل كل شيء، والتغلب على كل الصعاب التي تعترضه، فضلاً عن تأثيرها السلبي حين تُقدِّم صورة الرجل المسلم عموماً في إطار كئيب ورديء بوصفه ميّالاً للدعة والكسل، والكذب والقذارة والخيانة والنفاق، أو تجعله صنوًا للجهل والتحجر والجمود والتنطع والجهامة والقسوة، أو محلاً للسخرية والاستهزاء.. وفي إطار ذلك كله كان التركيز على عزل الإسلام بعيداً عن واقع الحياة والمجتمع في الأعمال الدرامية؛ بحيث بدا «ديناً كنسياً» يرتبط في الأذهان بالمسجد أو المقبرة فحسب!
    هناك مقولة قرأتها للرئيس البوسني «علي عزت بيچوفيتش» فحواها أن الفن هو الوجه الآخر للدين، وقد ذكر الناقد الأنجلو أميركي «ت. س. إليوت» هـذا المعـنى بعبارة أخرى في كتابه حول معنى الثقـافـة.
    قرابة الفن للدين قائمة، ولكن أي فن؟ هذا هو السؤال الذي يتردد في أذهان الكثيرين، وخاصة في زمن الالتباس الذي نعيشه؛ حيث تختلط المفاهيم، وتتداخل المصطلحات، وتراوغ التعريفات.
    كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يعجب بشعر أمية بن أبي الصلت ويستنشده، وكان يعجب بشعراء آخرين، وخلع على كعب بن زهير بن أبي سلمى بردته حين أنشده قصيدته اللامية المشهورة(1):
    بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم إثرها لم يُفد مكبول
    وما ذلك إلا لأن القصيدة كانت فناً جميلاً صاغ معاني عظيمة تصب في خانة ترقية الإنسان والتبشير بقيم عليا، وهذه آية الفن الجيد الذي يعد بمفهوم علي عزت بيچوفيتش الوجه الآخر للدين.
    وإذا نظرنا إلى نشأة المسرح في الزمن القديم عند الإغريق والرومان فسنجدها قد ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالدين؛ ففي الأعياد المقدسة التي كانوا يقيمونها في المعابد كانوا يقومون بأداء التمثيليات أو المسرحيات أو الملاحم التي تعبر عن علاقتهم بآلهتهم أو رغبتهم في تقديم الشكر لها وخاصة بعد الحصاد، والعديد من أصحاب الشرائع السماوية والأديان الوضعية يقومون في معابدهم حتى اليوم بتقديم ألوان من الفنون الدرامية والموسيقية تعبيراً عن عقائدهم أو قصص أنبيائهم أو علاقتهم بمن يعبدون ويقدسون.
    وقد سجل المصريون القدماء على حوائط مقابرهم ومعابدهم بالرسم والكتابة لوناً من هذه الفنون التي تكشف عن طاعتهم لمعبودهم أو مصائرهم بعد الحياة الدنيا.
    إذن الفن مرتبط بطريقة ما بالروح الإنسانية؛ وقد اتخذته بعض الفلسفات الوضعية بل والدينية وسيلة للتطهير والارتقاء أو التكفير والغفران، شريطة أن يكون بعيداً عن الغواية والانحراف.
    ■ أ . محمود خليل:
    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
    الفن كما قال الدكتور المطعني: «كسب من كسوبات الإنسان يعبر به عن ذاته»، وهو تعبير أساسي عن مواجيد نفسه كأحد نتاجات الذات الإنسانية؛ فإن توافقت مع فطرة النفس وناموس الكون وتقيدت بالشرع كان الفن إسلامياً؛ إذن العيب لا يأتي من الفن وإنما من إساءة استخدامه.
    ولما كان الفن هو المعادل الظاهر المرئي لمكون أساسي من مكونات النفس البشرية كان لا بد له من أن يحمل رسالة تعبر عمــا تفتعل بــه النفـس، والله ـ تعالى ـ أمرنا أن نعتبر بالشاكلة لا بالشكل فقال: {قٍلً كٍلَِ يّعًمّلٍ عّلّى" شّاكٌلّتٌهٌ} [الإسراء: 84]؛ كان علينا أن نفرق بين الشاكلة المسلمة وما سواها، وإذا كان حديثنا عن العلمانية وتوظيفها للفن واصطباغ هذا الفن بصبغتها في ظل غياب الفاعل الإسلامي الذي يتعامل مع النفس السوية في ظل هذا الغياب كان همُّ العلمانية أن تشغل المساحة الفارغة في المجتمعات المسلمة التي لم تمتلئ بالحق فاتخذت من الفن معبراً.
    والفن كان الضالة المنشودة والقنطرة التي عبرت عليه كل الأيديولوجيات والنظريات الفلسفية التي خرجت عن الإطار الإنساني الصحيح، ومن ثم كان الفن هو التعبير المهاجم للأديان سواء في زي الماركسية، أو في ظل الوجودية وما بعد الوجودية والحداثة وما بعد الحداثة التي تنقض على الأديان وتنزل المقدس منزلة المدنس.
    ولئن وقع الخلط طويلاً بين الفن باعتباره وسيلة، والفن من قبيل المضمون مما جعلنا نغفل دوره في تعميق المفاهيم الشرعية في المجتمع، إلا أن تلك المذاهب قد استغلته منذ زمن بعيد، فلم يكن عجيباً أن يقول ماركس من أول يوم: «لأُنسين الناس بالمسرح» عام 1907م، ثم يأتي لينين من بعده فيقول: «لئن غابت عنا السينما إلى الآن فليعلم الماركسيون في العالم أن السينما بالنسبة لنا أهم الفنون»، ويأتي بعد ذلك ليون تروتسكي الثائر الماركسي ويقول عام 1923م: «لئن تركنا السينما دون أن نعبئها تعبئة ماركسية هادفة إلى الآن فلا أقول نحن مقصِّرون، بل أقول نحن متخلفون أغبياء».
    إذن واضع الفلسفة الشيوعية ماركس، ومطبقها لينين، والمنظر والثائر الراديكالي في داخل الفلسفة تروتسكي يعلمون جيداً قيمة الفن من حيث إنه وسيلة؛ فهذا قال المسرح، والآخر قال السينما، والثالث وجد التطوير التطبيقي للسينما.
    والسينما عندما ظهرت في أوروبا عام 1895م جاءت إلى مصر بعدها بعامين لم يكن هذا لسبقنا، ولكنها مثلت وعاء فارغاً شغله غيرنا في غيبة منا؛ وبهذا كان الفن مطية ذلولاً بالنسبة لهم على قدر ما كانت سلعة مشتهاة بالنسبة لنا، فشغلوا النفوس بالباطل في غيبة من الحق.
    ولأن الفن قد نشأ حين نشأ في أحضان الوثنية اليونانية القديمة فهو لا يعرف للدين منهاجاً وإذا عرف الدين فيعرفه في الآلهة وأنصاف الآلهة: آلهة الريح وآلهة المطر وغير ذلك، ولهذا فهو يحمل ظلالاً مشوهة وانقضاضاً على الأديان منذ أن كان فناً يونانياً قديماً في ظلال المسرح، ومنذ أن أصبح فناً سينمائياً في أحضان الماركسية. والماركسية هي الصيحة الثائرة للصهيونية، كما أن أهم ركائز الفـن ـ وهو التمويل ـ كان أيضاً صهيونياً، والفن السينمائي المعاصر نَبَتَ من أحضان ماير روتشيلد وإخوته فمولوه تمويلاً مسموماً صهيونياً منذ نشأته إلى أن انتهى إلى هوليود التي أصبحت تُدخل إلى ساحتها من شاءت. كما أننا لو نظرنا إلى بذور الفن الأولى في مصر علــى وجــه التحديـد لوجدناهـم إما يهـوداً وإما متهوديــن ســواء في التمـويل أو فـي الإخــراج.
    والفن بالمعنى المطلق لا يمكن الحكم عليه حتى يتحيز ويتشكل، ونحن نرى هنا أنهم حين صنعوه ووضعوا له أطراً أصبحت كمسلَّمات تقعيدية هُيِّئ للكثيرين أنه لا يصلح إلا بهذا النجس.
    البيان: إذن يمكننا التفريق بين مفهومين للفن: أحدهما لغوي وضعي مرتبط بالبراءة الأصلية هو كالمعنى المطلق، والآخر واقعي مرتبط بالممارسة القائمة التي قدمتها العلمانية ونظّرت لها وقعّدت، وهو أشبه بتحريف لهذا المطلق، والعلاقة بينهما علاقة ما بين الواقع والمثال. ونظراً لابتعاد الواقع عن المثال وطغيانه عليه في ظل الممارسة العلمانية نود أن نكشف طرفاً من التزييف العلماني باسم الفن، ونبين لماذا الفن بالذات؟
    ■ د. إبراهيم الخولي:
    الفن من حيث هو سلاح يتوقف أثره على هدف من يستعمله، وعلى القذيفة التي يطلقها من خلاله، والعلمانية حين تختار الفن وتوظفه فإنها تعرف غايتها وطريقها والوسيلة الصحيحة لتحقيق أهدافها، وحين قال ماركس: «الدين أفيون الشعوب» كان يدرك الأثر الحقيقي للدين في نفوس البشر.. أدرك هذا جيداً وحاول أن يقصي الدين لما له من تأثير على نفوس البشر.. لا يستطيع ماركس بهُرائه الذي زعمه فلسفة أن ينال من نفس مؤمنة مهتدية بدين الإسلام؛ فكانت المعركة ضد الإسلام لإزاحة العائق أولاً، فإذا ما انتهت من هذه الحصانة والمناعة التي يهبها الدين للنفس أمكن غزوها وأمكن وأمكن...
    الأثر النفسي للدين يقترب منه الأثر النفسي للفن دون تشبيه، والفن مخدر للنفس، وظيفته الأولى تخدير عقل المتلقي ليستقبل الرسالة التي يحملها الفن وهو مستسلم سلبي قابل دون أدنى مقاومة، وهنا نفهم لماذا هذه الحشود التي يصطنعها الفن من مؤثرات صوتية وبصرية، وحشد لعناصر قد لا يحتاج الأمر لشيء منها مثل عنصر المرأة.. الموسيقى.. الرقص.. كل هذا يحشر حشراً؛ مع أن النقاد والمتخصصين يرون أن هذا العنصر أو ذاك لم يكن له مكان في هذه الأعمال سواء كانت مسرحية أو دراما أو تراجيديا، ومع هذا يصر المخرج على إقحامه؛ لأن هذه العناصر هي التي ستزيل كل العوائق وتفتح كل المنافذ ليصل الفن برسالته المراد إيصالها إلى النفس وهي في موقف السلب.
    ولو أنا أخذنا المضمون نفسه في صورة كتاب يقدم أفكاراً عارية ومباشرة، أو في صورة رواية أو في صورة رؤية أو عرض فلسفي لما كان لها عشر معشار هذا التأثير، لكن لما استعان بالأساليب الفنية، وتلاعب بعقل الإنسان فخدَّره.. وبخياله فأطلقه.. وبعاطفته فاستثارها.. وبغرائزه فأيقظها، استطاع أن يسيطر عليه فأصبح كالمنوم مغناطيسياً يؤثر فيه ويوحي إليه بما شاء وهو قابل سلبي كأنما عدمت إرادته عدماً كاملاً.
    هناك إشكالية لا بد من الانتباه إليها من حيث مفهوم الفن، وهي أن كثيراً مما يندرج اليوم تحت مسمى الفن هو مندرج من جهة الشرع عندنا ضمن دائرة الحظر. بل للأسف الشديد أن أول ما يدخل في دائرة الحظر عندنا هو أول ما يتجه إليه غيرنا باسم الفن، وهذه مناقضة أساسية لا بد أن تكون في تقديرنا لهذا الأمر.
    ■ د. حلمي القاعود:
    الإسلام لا يرفض الفن الذي يرقى بالإنسان ويهذب غرائزه ويحض على المثل العليا ويحبب إليه الدفاع عن عقيدته ونشرها بين الناس وتوضيح معالمها وآفاقها.. ولكنه يرفض ـ بالطبع ـ تلك الصورة الشائهة التي تقدمها بعض الجهات في الدول العربية والإسلامية تحت مسمى «الفن»؛ فهذه الأعمال الرخيصة لا تدخل ضمن الإطار الفني بقدر ما تدخل في الإطار التجاري الذي يسعى إلى الكسب الحرام.. وقد أصبح مألوفاً مثلاً لدى الجمهور العادي أن هذا المخرج أو ذاك يسعى لكسب المشاهدين عن طريق الإثارة، سواء كانت هذه الإثارة بوسيلة كلامية عن الجنس، أو عن طريق استخدام الأجساد العارية لراقصات أو ممثلات تجذب الشباب المراهق أو المنحرف، فضلاً عن العنف الذي يقدم في الفيلم أو المسرح أو التليفزيون من خلال مشاهد القتل أو السطو أو المعارك أو الصدام مع الشرطة أو غير ذلك.
    ولا شك أن هذه النوعية التجارية تمثل انحرافاً واضحاً برسالة الفن الدرامي الذي يخاطب شريحة ضخمة من المشاهدين من مختلف الأعمار والطبقات والفئات، وخاصة بعد ذلك الانتشار الهائل لأجهزة التليفزيون، وتوفر أجهزة الالتقاط للمحطات التليفزيونية من أنحاء العالم كافة.
    ■ أ - محمود خليل:
    هناك إيضاح بسيط بخصوص كلام أستاذنا الدكتور الخولي حول كون الفن المعاصر ولا سيما المرئي يجعل المشاهد في حال غيبوبة، وهو إن جاز التعبير، فإن المغيب لا يفعل ولا يؤثر، لكن أنا أرى أنه يعيش حالة استلاب؛ لأنهم لا يريدون تغييبه فقط، ولكن الفن المعاصر يريد أن يحتله احتلالاً لحظياً ليصنع منه كائناً فاعلاً ولكن لخدمة أهداف بذاتها، ولذلك يقولون: إن أحدث وأصح وسائل الاتصال هي التي لا تتحدث إلى الآخرين وإنما تتحدث معهم، فهو يجعل منه دائرة اتصال فاعلة حية نابضة ينتظر منه فعلاً موجباً فيما بعد، وإلا لو كان تغييباً لانتهى عند هذا التخدير والمخدر لا يصنع ولا يتحرك.
    ■ د. حلمي القاعود:
    يلاحظ أن الإسلام في فنونه يهتم بالتجريد، وغيره يهتم بالتجسيم، وهذا الفارق مهم جداً؛ لأن الفنان المسلم يهدف إلى قيمة بالدرجة الأولى، أما الفنان غير المسلم فيهدف في الغالب إلى منفعة والفارق بين التوجهين كبير على مستوى النظرية والتطبيق معاً، وإذا عرفنا أن «البراجماتية» ـ أي المذهب النفعي ـ أساس من أسس «العلمانية» أدركنا مدى سطوتها في الترويج للقيم النفعية التي لا تضع في حسبانها الدين، أي دين، وما يفرضه من مبادئ خلقية خيّرة.
    ومن هذا المنطلق نجد أن الانحراف بالفن أو الفنون عامة جاء من قبل الدول والمؤسسات العلمانية التي أباحت لنفسها حق اللعب بغرائز البشر، واسترقاق المرأة لتتعرى في الأفلام والمسرحيات والمسلسلات، وتمارس الجنس بلا حياء، وتعيش أو تمثل حياة الحيوانية في أحط دركاتها.
    إن الغاية تسوِّغ الوسيلة في المنهج العلماني؛ ولذا نجد اللصّ الذي يكسر خزائن البنك ليسرقه، ويتغلب على جهاز الشرطة الذي يحاصره أو يطارده، ويطيح بإشارات المرور، ويمضي قدماً بما سرق حتى يعبر الحدود الدولية ظافراً، وينتهي الفيلم واللص بابتسامة عريضة تصنع أو تهيئ لقبول التعاطف مع اللصوص الأذكياء الذين يظفرون بالفريسة ولا يخسرون شيئاً (ترى هل صورة اللص هنا ترمز إلى الاستعمار بهدف تحسين جرائمه؟).
    لا شك أن النظرة العلمانية أسهمت في «سوقية الفن» بطريقة فعالة؛ حيث أسقطت الحاجز أو الوازع الديني الذي يجعل رسالة الفن فوق الرغبة في الكسب بأي ثمن، وأسقطت غاية الفن التي هي غاية بنائية تهدف إلى ترميم النفوس المشروخة، وتشجيع الأرواح المكسورة على تجاوز الأخطاء وترسيخ المفاهيم الإيجابية والقيم المضيئة.
    إن الفنون الدرامية في عالم اليوم لها تأثيرها الفعال؛ حيث يمكنها أن تصل بسرعة وسهولة إلى غرف النوم وتقدم للمشاهد أفكاراً وقيماً وسلوكيات يستوعبها ويتشربها بسرعة؛ لأنها تتسلل إليه وهو في حال استرخاء تام، لا يستطيع لها دفعاً..
    ومن ثمّ فإن أهمية التزام العمل الفني بروح الدين تضحي ضرورة أساسية في تقديم التصور الصحيح والفكرة الناضجة والقيمة الإيجابية والسلوك المستقيم.
    والتصور الصحيح لا يتحقق إلا بمفهوم صحيح لقيم الإسلام وتعاليمه وأفكاره؛ لأن الإسلام يختلف عن الشرائع الأخرى والأديان الوضعية.
    فإذا كانت بعـض الشـرائـع والأديان تبيح ما لا يبيحه الإسلام فهذا ليس ملزماً للفن الإسلامي. هناك من الشرائع والأديان والعقائد الوضعية ما يبيح النظرة المزدوجة للإله أو الوثنية، أو ما يجعل العلاقات البشرية تقوم على العنصرية أو الطبقية أو الاستغلال، وهذا لا يمكن قبوله أبداً في الإسلام.
    لا شك أن العلمانية من خلال الدراما تفكك المجتمعات، وتفكك الأديان وتحقّر القيم الطيبة، وتعلي من شأن القيم السلبية، وتؤسس لمجتمعات الغابة بما فيها من مكر وخديعة وتوحش.. وهذا كله مخالف لمنهج الإسلام.
    البيان: لو أخذنا فلسفة الفن خلال نصف القرن الماضي نموذجاً لتبين لنا مدى التجني والخبث العلماني في التدرج نحو هذا التفكيك.
    ■ د. حلمي القاعود:
    إذا نظرنا إلى ما يمكن تسميته بفلسفة الفن عبر نصف قرن مضى فسوف نجد أن هذه الفلسفة تنحصر في عدة نقاط، لعل أبرزها ترسيخ النموذج الأوروبي، وتأييد الثقافة الشمولية الاستبدادية، والتأكيد على تقويض المشروع الإسلامي.
    وليس من شك أن النموذج الأوروبي بوصفه النموذج الأقوى المنتصر على بقية شعوب العالم، جعل الفنون الدرامية تلهث وراء الاحتفاء به وتقديمه بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من خلال رؤاه وتطبيقاته، وعاداته وتقاليده، بل وتقاليعه في الزي والسلوك والعلاقات البشرية؛ ولسوء الحظ فإن النموذج الغربي الذي تعد أوروبا خير مثال له، خرج من الحرب العالمية الثانية فاقد الإيمان، محطم الروح الدينية، وإن كانت روحه الصليبية أو الإلحادية لما تزل قوية للغاية، فقدم للعالم وهو المنتصر العديد من النظريات والتصورات التي تصب كلها في خانة المادية والفردية والعنصرية والاستعلاء مما دعم التوجه العلماني بصورة غير مسبوقة في الغرب؛ لدرجة السماح بحقوق الشواذ جنسياً في بعض البلدان والاعتراف بزواجهم من نظرائهم، وقامت السينما بالتعبير عن ذلك صراحة ومباشرة في العديد من الأفلام.. وكذلك المسرح والمسلسلات التليفزيونية.
    وإذا كان علماء الاجتماع يذهبون إلى أن الضعيف أو المهزوم يتأثر بالمنتصر أو القوي، ويسعى إلى تقليده، فإن الفن الدرامي في البلاد الإسلامية تأثر إلى حد كبير بالنموذج الأوروبي أو الغربي وقلده في كثير من تصوراته وتطبيقاته، لدرجة أن صورة المنزل الإسلامي في معظم الأفلام العربية ـ مثلاً ـ لا تخلو من «بار» أو ركن لتقديم الخمر وشربه، كما أن معظم البيوت الإسلامية في هذه الأفلام لا تجد غضاضة في الرقص المختلط على أنغام الموسيقى الأجنبية.
    وهذا التقليد أو هذا «التأورب» الذي صنعته الدراما العربية جعل من تأييد الثقافة الشمولية الاستبدادية أمراً يبدو طبيعياً؛ فقد انتفت من وجدان القائمين على الفنون الدرامية المرجعية الإيمانية أو الإسلامية؛ مما جعل مناصرة الطغيان والاستبداد والظلم تبدو مسألة عادية لا تثير شبهة أو ريباً.
    وإلى جانب هذا فقد عرفت المنطقة العربية ألواناً من النظريات والرؤى التي تعارضت مع الإسلام وتصوراته، ودعا لها أصحابها بقوة السلطة والسلاح، وسخرت لها أجهزة الدعاية والمؤسسات الثقافية التي تحتكرها الدولة عادة، ومن ثم وجدنا ترويجاً لهذه النظريات والمذاهب الـتي تــقوم علــى مرجعية علمانية لا تضع في حسبانها أية أهمية بالنسبة للدين.
    صحيح أنه كانت تبرز بين الحين والحين معارضات خافتة حيناً، وحادة في بعض الأحيان لمثل هذه الطروحات، ولكن الإلحاح عليها، وتقديمها في أطر غير مباشرة في أحيان كثيرة جعل وجودها يبدو أمراً طبيعياً، مما أخمد روح المقاومة، ووجه اهتمامات الناس إلى ما يمكن تسميته بالإشباع المادي وحسب، والابتعاد إلى حد كبير عن المطالبة بالإشباع الروحي.
    ومن ثم فإن تقويض المشروع الإسلامي لإنهاض المجتمعات العربية والإسلامية كان غاية رئيسة في الأعمال الدرامية، بل وصلت الأمور إلى التشهير بالرموز الإسلامية، وتصويرها على أنها العائق الأول والأساسي في عمليات النهضة والتحديث.
    الشخصية الإسلامية في الأعمال الدرامية غالباً ما تأتي نقيضاً للشخصية العلمانية؛ فالأولى يرمز لها عادة بالمأذون ومدرس اللغة العربية وإمام المسجد والدرويش والمتدين الملتحي، وتجعل منها في الأغلب الأعم شخصيات فصامية، أي تقول غير ما تفعل، لها ظاهر يبدو براقاً وباطن خبيث، هي طيبة في الشكل شريرة في المضمون، وفي أحسن الأحوال فهــي شخصية ساذجــة بلهـاء أو أنانية انتهــازية لا تراعي الذوق العام ولا السلوك المتحضر.
    في المقابل تمثل الشخصية العلمانية الإباحية المتحررة صورة جميلة في الشكل والمضمون معاً، يرسمها المخرج بصورة تجعلها محبوبة من الجمهور أو يرتاح إليها الجمهور، ويتعاطف معها حتى في انحرافها وسلوكها غير الطبيعي أو القانوني، علاقاتها غير الشرعية أو غير القانونية تبدو مسألة مبررة وسائغة، وتركز معظم الأفلام على فكرة الإشباع دون مراعاة لمفهوم الحلال أو الحرام؛ ومن ثمّ فالبطل الذي يمارس علاقات محرمة لا يشعر بأي تأنيب للضمير أو إحساس بالإثم؛ لأن الأمر في مفهومه عادي وطبيعي ولا حرج فيه، وقد شهد العقد الأخير من القرن العشرين حملة درامية عنيفة ضد الإنسان المسلم، وتم تصويره في حالة مشوهة ومنفرة تثير السخط والغضب؛ حيث بدا أفاكاً ودموياً ولصاً وانتهازياً وعدواً للفرح والبِشر!
    لقد كان يمكن للفن لو أنه وضع رسالته الحقيقية في الحسبان، أن يساعد على تنشئة أجيال واعية بماضيها وحاضرها، ومستعدة لمواجهة المستقبل وفقاً للتصور الإسلامي الناضج، ولكنه للأسف الشديد بدلاً من ذلك صاغ شخصيات مجوفة، خاوية من العقيدة والانتماء والاتزان.. صحيح أن بعض الأعمال يمكن إدخالها في السياق الإيجابي، وخاصة ما ارتبط بالدراما التاريخية والشخصيات الساطعة، ولكنه في المجموع العام وفي مجال الأفلام السينمائية التي ساعد التليفزيون على عرضها وانتشارها حدث تشويه عام للشخصية الإسلامية، وتنفير منها، وازدراء لها، ثم كانت الطامة الكبرى بتشويه الإسلام نفسه وعَدِّه قريناً للإرهاب والظلام والجمود والتشدد والتخلف ومعاداة التطور والحضارة.
    ومن ناحية أخرى نلاحظ أن مستوى اللغة الدرامية في بدايات نصف القرن الأخير، بل وفي النصف الأول منه، كانت تتميز بالوضوح والدقة والرقيّ، ولكنها في العقود الأخيرة أخذت طابع الغرابة والابتذال والافتعال، وامتلأت بكثير من مفردات البذاءة والسباب والسوقية بوصف ذلك تعبيراً عن الواقعية في الأداء، ويمثل حالة من الصدق في نقل أحوال المجتمع، ولذا فإن ما نراه اليوم في لغة الشارع يمثل صورة من صور التردي غير المسبوقة في تاريخنا الاجتماعي بسبب التأثير الذي لا يمكن إنكاره للدراما السينمائية، وخاصة في عصر ما يعرف بسينما المقاولات.
    ■ د. عبد العظيم المطعني:
    الدكتور الخولي والدكتور القاعود وضعا لنا تأسيساً متيناً نستطيع أن نسير عليه بكل سهولة في مسائل تطبيقية عن استغلال الفن ليس في العلمانية وحدها وإنما في جميع الأيديولوجيات المعادية للإسلام واتخاذه وسيلة للتشكيك فيه ـ بجعله مطلباً استراتيجياً دائماً ـ أو القضاء عليه إن أمكن.. وقد يئسوا من الثانية؛ لأنهم كلما ضربوه ضرباً يقدرون أنه يفضي إلى الموت يجدونه يتحرك عملاقاً، لكن الذي لم ييأسوا منه هو التشكيك فيه، أو عزله عن بعض الفئات المسلمة غير المحصنة.
    إضافة إلى ما قاله الأخوان حول اختيار الفن؛ لأن الفن فيما أعتقد هي لغة جميع الطبقات وجميع الأعمار، تصل بكل سهولة إلى البيوت، ويتفهمها الجميع ويتفاعلون معها؛ لأنهم يتفاعلون معها بكل حواسهم، وهنا يمكن أن يتقبلوا ما يهدم الإسلام.
    أضرب لذلك مثالاً برواية (أولاد حارتنا).. ففي النصف الثاني من القرن العشرين اشتدت عندنا وطأة الفن الإلحادي، وكان الذين يريدون ضرب الإسلام أذكياء وجبناء، وقد وضح ذلك في عدة أعمال منها (أولاد حارتنا) هذه القصة من قرأها بوعي وجد أن كاتبها قد وضع فيها بكل دهاء ما يريد أن يقوله في المستقبل؛ لأنه لا يستطيع أن يصرح بما يريد في بلد كمصر؛ إذ تحاول القصة بمكـــر إلغاء التاريخ النبــوي كله ونفــي وجود الله ـ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ـ وقد قسم قصته إلى سبعة فصول تحدث فيها عن «جبلاوي» فوصفه بما يوصف به البشر وبما لا يوصفون به، وبدؤه بهذا لأنه أراد أن يمحو العقيدة؛ لأنه إذا محا هذا الصرح القوي سهل بعده اللعب في أي شيء، ثم تناول بعدها في بقية الفصول إدريس «إبليس»، وآدم «أدهم»، وجبل «موسى»، رفاعة «عيسى»، وقاسم «محمد» ثم تحدث عن عرفة «العلم الحديث»، وانتهت الرواية بأن العلم الحديث هو الإله الوارث لكل الفكر الديني؛ فلا شرائع ولا وحي وإنما العلم المادي بقوانينه قادر على تفسير الحياة وتدبير أمورها. هذا نموذج للممارسات العلمانية التي اتخذت الفن لهدم التاريخ النبوي كله وهدم العقيدة الإلهية، وأورثت الوجـود لعـرفـة أو للعلم الحــديث، وما فعله هنا نجيب محفوظ فعله غيره في أعمال أخرى. وبنفس الطريقة الخبيثة يجري تقرير كثير من المفاهيم العلمانية عبر الفن.
    ■ أ - محمود خليل :
    هذه السقطة التي سقطها نجيب محفوظ .. سقطها جيل كامل من الروائيين السوريين والمغاربة والمصريين ؛ ف ( أولاد حارتنا ) .. هي ( قنديل أم هاشم ) ليحيى حقي ، و ( انتصار العلم على العقيدة ) .. هي ( نهر الجنون ) لتوفيق الحكيم .. هي ( محمد رسول الحرية الثائر على العبيد ) .. وهي ( الحسين شهيداً والحسين ثائراً ) ... ، كان سقوطاً لجيل كامل ؛ لأن تلك الفترة كانت فترة مد ماركسي ، وكان الدافع الأول كما قال أستاذنا هو التشويش والشغب على العقيدة ليصبح بعد ذلك ما ينادون به واقعاً .
    لكن أريد أن أنقل الكلام إلى الفنون المرئية باعتبارها صناعة تكنولوجية معقدة ، وإذا كانت الأقصوصة والرواية المسرحية والعمل الملحمي لها أصول عربية وأصول إسلامية .. فهذا لا نقاش فيه ، لكن الآن أصبحت هذه كمالئات الفراغ ، كالمحتوى للكمبيوتر .. مع دخول الآلة الجهنمية .. ومع دخول رأس المال القوي جداً .. ومع دخول الأيديولوجيات العالمية المنظمة لمثل هذه الألعاب الشيطانية العالمية .. ومع وجود الحكومات الخفية في العالم أصبح الأمر أعقد وأكثر تركيباً وغموضاً مما نظن .
    نعم الرواية فن عربي ، والحكاية فن عربي . نحن أمة حكاءة وأمة تتلقى وتحفظ .. وأمة ذاكرتها في التلقي والإمتاع ، والاستماع فن أصيل عندنا ، لكن التوظيف المعاصر والتركيب الذي دخلت فيه هذه الفنون أصبح فناً لا يمكن أن نقول إن لنا فيه ناقة أو جملاً ، نحن نتلقى ، وللأسف نتلقى ، ونعرف أننا نتلقى .. ونعرف أننا ضمن دائرة المؤامرة ، ونحسن التفسير التآمري لهذه الأحداث ولا نصنع شيئاً ؛ لأننا لا نملك أن ندخل الملعب الجهنمي العالمي الذي خطط ووزعت أدواره بعيداً عنا ، ولا نملك إلا أن نكون في مقاعد المشاهدين المهزومين ، ليس هذا إلغاءً لدورنا ولكنه توصيف لواقع نبحث له عن حل مستقبلي ، والحل من وجهة نظري ليس في الخصام ؛ لأنه سيقتحم عليّ ، وسيدخل على الرغم مني .. الآن تم توزيع المناطق غزيرة الإشعاع في المنطقة الإسلامية ، واحتُل الفضاء كما احتُلَّتِ الأرض في اتفاقية : سايكس بيكو ، وسيقتحم الإرسال علينا دون حاجة إلى أطباق .
    لا بد أن نبحث عن الحل إذا كنا نريد أن نحيا هذا الواقع ، وأن نعلن تحريراً ولو جزئياً لمعنوياتنا وعقولنا وتربية أبنائنا ، لا بد أن نكون شيئاً في عالم الكبار الذي يرفض الصغار ، ويرفض الأعمال الفردية مهما كانت همة أصحابها .. لا بد من عمل إسلامي عالمي يمثل رأس المال الركيزة الأولى فيه ، وأن تكون الأقمار الصناعية الإسلامية ليس لنقل مباريات الكرة ولا مهرجانات السينما ولا السياحة الترفيهية .
    ■ د . عبد العظيم المطعني :
    أتأذن لي بسؤال تجيب عليه ؛ باعتبارك إعلامياً ؟ قلتَ إنهم هم يملؤون الفراغ ؛ ولو وجدوا فضاءنا مملوءاً لما ملؤوه ... باعتبارك إعلامياً قد يكون المنتج لنماذج فن إسلامي موجود لكن هل تضمن له أن يملأ الفراغ أو يزاحم ما يسمى بالفن وهو ليس فناً ولا أدباً .. ؟ هذه هي مشكلتنا .
    ■ أ - محمود خليل :
    الفنون العالمية تعاني من جدب في النتاج الإنساني الذي يرد الإنسان إلى إنسانيته ، الأفلام الإيرانية حققت نجاحات عالمية من باب التقييم البحت ، وقد رأيت عدداً منها ليس فيها ملاحظة عقدية واحدة ، وهي تعرض لمتطلبات إنسانية بحتة بصورة نظيفة بعيداً عن الإسفاف العلماني . الأفلام الهندية البوذية لأنها أفلام طبيعة وأفلام انطلاق لا تتاجر بالجنس لها مكانتها في عالم الفن (*) . نحن لدينا انتاجنا الأدبي الذي يمكن أن يمثل ذاتيتنا ؛ فعلى سبيل المثال الأستاذ نجيب الكيلاني - رحمه الله - وإن كان للبعض ملاحظات عليه كان يقول : سأموت محسوراً ؛ لأن عملي الذي أبدعته لم يجد تجسيداً إسلامياً يسد تصويرياً ما وقعت فيه إبداعياً ، ولكن للأسف .. رغم ما عرض عليَّ من عروض سخية جداً ، لم أرد أن أقضي نصف حياتي في السجن ، ونصفها الآخر يعبث بها المنتجون غير المسلمين ، أو أن أكون كالجاحظ مع تلميذه ؛ أُملي عليه ما أقرأ .. فيسمع غير ما يقول .. ثم يكتب غير ما يسمع .. ثم يقرأ غير ما يكتب ! فأترك أشياء منسوبة لي وما أنا في شيء منها ! وقد كان أمله قبل أن يموت أن يعد فيلماً سينمائياً يجسد جهاد الحركات الإسلامية المعاصرة ويتركه كأنما هو عمل ملحمي .
    البيان : مع الاعتراف بخطر هذه الإشكالية إلا أنه لا يمكن التغاضي عن الأعراف العلمانية التي تفرض فرضاً سواء في مجال الإنتاج أو حتى في مجال الترويج والتوزيع ؛ لأن الحرمان العلماني الذي يقاسي منه الإسلاميون اليوم لا يكاد يقاربه شيء إلا الحرمان الكنسي الذي عرفته القرون الوسطى ، وهذا الأمر يشكل هاجساً ملحاً إن لم يكن في مجال الإنتاج وهو حاضر ملحّ ففي مجال التسويق والترويج والتوزيع .
    ■ د . حلمي القاعود :
    للأسف ، فإن جهود الإسلاميين في مواجهة هذا الواقع الفني المتردي كانت محدودة للغاية .
    ■ أ - محمود خليل :
    في مصر توجد 16 هيئة علمية لتدريس الفنون ليس بينها واحدة تتبنى النظرة الإسلامية ، إذا كنت أعتبر أن السينما يمكن أن تصبح وسيلة من وسائل الدعوة المعاصرة ؛ فعليَّ أن أشجع الإبداع الذي تحمله صناعة وعناصر موهوبة ، وأن أقدم سينما في مواجهة سينما .. ومسرح في مواجهة مسرح ، ونحن لا نملك إلا ما نقوله !
    ■ د . إبراهيم الخولي :
    بداية ليسمح لي الأخ محمود أولاً بملاحظة جديرة بالانتباه ؛ أقول : إن هناك فرقاً مبدئياً بين موقفنا وموقف الغرب في المجتمع العلماني .
    المجتمع العلماني نفض يده من الالتزام بحرام أو حلال نفضاً كاملاً من نقطة البدء الأولى على مستوى النظم والشعوب ؛ يقول بريجنسكي مستشار الأمن القوي الأمريكي السابق في كتابه ( الانهيار ) : « نحن أصبحنا مجتمع إباحة الاستباحة ؛ الفرد في الولايات المتحدة استباح كل شيء ، ولم يعد في قاموسه كلمة حرام أو محرم ؛ وبهذا لا تستقيم حضارة ولا تستمر . السفينة كلها تغرق ولا يملك أحد إنقاذها ! وإنقاذها مرهون بالعودة إلى الدين والأخلاق ! » . أما نحن فللأسف الشديد في موقف التبعية ولا نستطيع أن نفطم أنفسنا عنه .. « لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر ، وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم . قلنا : يا رسول الله ! اليهودُ والنصارى ؟ ! قال : فمن ؟ » [1] .
    الإنسان في الغرب عبد نفسه وأحل نفسه محل الله ، وأصبح هو مصدر كل شيء ومحور كل شيء ومعيار كل شيء ، دستوره من وضعه .. الأخلاق نسبية ، وهذا ما يردده بعض وزرائنا اليوم .
    ثم الغاية تسوِّغ الوسيلة .. الإنسان حر في أن يعيش وجوده ، وأن يعبر عن هذا الوجود كما يريد دونما قيد عليه !
    على هذا علينا أن ندقق فيما نقول .. فماذا نعني بسينما إسلامية ؟ وهل يمكن أن نواجه سينما بسينما ؟ كيف يتم هذا دون اقتباس من المجتمع الغربي العلماني الذي لا يصلح مطلقاً أن يكون نموذجاً ولا مصدراً للاقتباس أو المحاكاة لمجتمع مسلم ما زال يلتزم بالإسلام شعباً وجماعة وإن انحرف النظام ؟ هذا إلى جانب ما تتحدثون أنتم عنه كإعلاميين من أن العالم اليوم أصبح قرية أو ربما غرفة ، كيف لي أن أنافس في ظل عالم مفتوح ؟
    ■ أ - محمود خليل :
    السينما الإيرانية - بغض النظر عن موقفنا من المذهب الشيعي - استطاعت أن تقدم فناً راقياً دون أن يقع فيما يمارسه الفن العلماني بصورة نالت إعجاب الغرب نفسه ، ودون تلبُّس بما تعتقده من عقائد تخالفنا نحن أهل السنة ، وهي في هذا مثال يمكن احتذاؤه . الأفلام الهندية كذلك ؛ لأنها أفلام طبيعة ولا تعرف العنف والابتذال اللذين تعرفهما السينما الغربية .
    وإذا كان الإنسان الغربي قد بدأ ينتابه الملل من هذا التكرار الشديد ، والبعض يعترف بأنها أزمة يحياها الفن الغربي باختلاف مدارسه وتياراته وهي ظل لأزمة الفكر التي يحياها التيار العلماني بعامة اليوم ؛ فإننا يمكننا بما نملكه من مقومات - متاحة دون أن تستغل - أن ننافس وبقوة .
    البيان : ربما نختلف معك فيما يتعلق بالأفلام الإيرانية والهندية ، فهي إن صحت سلامتها من الإسفاف الأخلاقي ، إلا أنها لا تسلم من إشكالات عقدية ومنهجية كثيرة .
    ■ د . إبراهيم الخولي :
    بالنسبة للأفلام الإيرانية لو اتفقنا على ما يقال حولها من انضباط ؛ فإن مسألة الاستمرار مسألة مشكوك فيها - وأنا أول الشاكين - في ظل التطور الذي طرأ على المجتمع الإيراني من أيام الثورة ومروراً برفسنجاني وما بعد رفسنجاني ، وبغض النظر عن رأيي في إيران وتياريها ، فإن تيار الإصلاح يمحو كل ضوابط الثورة .
    إذن مسألة الاستمرار مسألة فيها نظر ، وخاصة أن العوامل التي تأبى الاستمرار أقوى من أن يقاومها المجتمع الإيراني وغير المجتمع الإيراني .
    أما الفن الهندي فقد نشأ في أحضان الديانة الهندية التي لا تقبل هذا اللون من الفجور الغربي ولا تعرفه ، بل وليس ذلك من مطالب الإنسان الهندي وفلسفته في الحياة .
    وكيف لنا بإنجاح مبدأ سينما في مواجهة سينما مثل هوليود التي تنفق على الفيلم قرابة نصف مليار دولار أو يزيد ؟ ! المنافسة هنا أراها غير منطقية ؛ لأن هاجس الربح لا يزال ملحّاً لدينا !
    عملية الغزو مستمرة وستستمر ، ونحن في كل يوم نفقد من أدوات المواجهة بقدر ما يزدادون هم في قدرة الهجوم ، هذه المعادلة لا ينبغي أن نخطئها ! حين تنتشر الأوبئة وتعم حرب الميكروبات ؛ فإن العلاج تحصين الناس في وجه العدوى ، والمشكلة الآن أننا لا نحصِّن المسلمين في بيئاتٍ الإنسان فيها معرضٌ لأن يصاب بكل الأوبئة من حوله ! الأوبئة الآن لا تأتي عفوية ؛ وإنما ترسل إلينا إرسالاً .
    إذن القضية ليست أن أحاكي الغرب ، وأن أستخدم أسلحته بنفس القوة التي يستخدمها ؛ لأن السلاح نفسه ذو حدين . القضية الآن أننا نواجه عدوى دون تحصين ، وهجوماً دون مقاومة ؛ فقد أضحينا جسماً يتعرض لكل أسباب الإصابة دون مناعة ، فعلينا أن نفكر !
    ■ د . المطعني :
    كيف تكون المواجهة من هذه الزاوية وأنت ترفض بدائل الأستاذ محمود ؟
    ■ د . إبراهيم : نعم أرفضها .
    ■ د . المطعني : ماذا نصنع في ظل الخطر القائم فعلاً مما سمي بالغزو الفكري لهذه القضية ثم الغزو الأخلاقي ثم الغزو العقدي ؟ وعلى حد تعبير الشيخ الغزالي - رحمه الله - : « إن الغرب نظر إلى الشرق الإسلامي فاتخذ منه مثل ما يتخذ من المصارف الصحية : يطرد من هناك النفايات والمياه العفنة لتتسرب فينا » . نحن نملك وسائل المناعة نظرياً ، ولكن لا نطبقها عملياً كما يقول الشاعر :
    كالعيس في البيداء يهلكها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول
    والتطبيق العملي له منبعان :
    الأول « الشعوب » : وتبدأ الشعوب بالأسرة .. وتبدأ الأسر بالآباء والأمهات ، ونحن ندرك للأسف الشديد أن كثيراً من هؤلاء يحاولون تربية أبنائهم تربية إسلامية ، ولولا هذا الصنف لأخذ الإسلام رحله وخرج من كثير من ديارنا .
    المنبع الثاني « الدولة » : والمفترض في الدولة ألا تسمح بما يبدد عقائد الأمة ويبدل أخلاقها ، وكي نتجنب هذا الخطر فعلى الدولة أن تتبنى مشروعاً إسلامياً أعلى بإخلاص ، وتضع الخطط لرعاية هذا المشروع لتنميته ؛ لا نطلب بأن تتحول الدولة فجائياً وإن كنا نطمح إلى ذلك لتتبنى مشروعاً إسلامياً كاملاً يبنى من خلاله المجتمع على منهج الإسلام ، وعلى أقل تقدير ألا تسمح لنفسها أن ترى في المجتمع ما يدمر شخصية المسلم ، هذا بالدرجة الأولى ، وأن تضرب على يد الذين يكرهون ما أنزل الله ، ولا تسمح لهم بأن يطلعوا شعوبنا الإسلامية صباح مساء على ما يزهدهم في الإسلام ويبعدهم عنه .
    هاتان خطوتان لا بد منهما .
    وعموماً نحن علينا أن نهيئ الأرض ونضع البذرة ؛ أما الإنبات فعلى الله تعالى .
    ■ أ - محمود خليل :
    لعل الدكتور الخولي يرى أن المناعة هي الحل الوحيد .
    ■ د . إبراهيم الخولي :
    لا بل هي الحل الأول .
    ■ أ - محمود خليل :
    المناعة والتحصين هذه ضرورة شرعية سواء كان هناك عدو منتظر أو غير منتظر ..
    لكن ماذا نصنع إذا كان هذا العدو قد احتلنا على الرغم منا ، ولا نملك مناعة لا من فيروسات هذا العدو التي لا تقف عند طور ، ولا تحدها حصانة أو مناعة معينة ، ولا يحدها الحجر أو العزل الصحي ونحن لا نملك حتى مفهوم : « فِرَّ من المجذوم فرارَك من الأسد » ؟ ولو أن الفرار من هؤلاء يجدي فتيلاً لفررنا . الآن يكاد ألاَّ يخلو بيت من جهاز استقبال في زمن احتلت فيه السماوات كما احتلت الأرض .
    والسينما باعتبارها من الوسائل العصرية تأتي ضمن هذا المسلسل لا نقول الجهنمي إلا لملئه بمحتوى فاسد ، وكون الحرام غلب عليها فحرمناها ، هذا لا يعني عدم إمكانية استغلالها كأداة من قِبَل المصلحين . ولعل هذه الحساسية من السينما موروثة منذ أن جاءت السينما إلى بلادنا في عام 1897م ، وليس غريباً أن أول ما قامت بتقديمه جماعة أجنبية في سينما بجوار حمام سباحة للعراة ! يعني من أول يوم يعلنون أن بضاعة العلمانية الجسد الرخيص ! لكن تبقى الوسيلة بعد تصفيتها وتحليتها وسيلة مشروعة .
    البيان : هناك تعليق معبر للمنفلوطي - رحمه الله - في ( نظراته ) بمناسبة أول عرض مسرحي قدم في القاهرة ، وهو شهادة مهمة على عصره يقول : « كان الشر مفرقاً في البلاد فجاء كشكش فجمعه في مكان واحد » .
    ■ أ - محمود خليل :
    نعم .. ولعل هذا الفساد بل الإفساد من أول يوم هو الذي أوجد هذه الحساسية لدى الشباب المسلم ، وحاول بعض المصلحين أن يرشِّدها و يستثمرها في إيجاد نموذج للإبداع الصحيح . ويظل بعد ذلك السؤال المفتوح لنا : ما الحل ؟
    البيان : تبقى احترازات الدكتور الخولي لها وجاهتها وخاصة أن تجارب عدد غير قليل من الذين اعتزلوا الفن قد انتهوا إلى غير ما بدؤوه حين اعتزلوا ، وهو أمر يدعو إلى التريث وإعادة تقويم الأمور .
    ■ أ - محمود خليل:
    مسألة الحرام خارجة تماماً عما نطرحه من تصور لعلاج هذه المشكلة .
    البيان : لكن المشاكل تظهر دائماً في التطبيق ولم تنتف بعد ؛ ولذا ينبغي الحذر والاحتراز .
    ■ د . عبد العظيم المطعني :
    الدكتور إبراهيم يرى الاحتراز ليس حلاً ، وإنما تجنباً للشر .. أما المناعة فتنبت من داخل الإنسان نفسه ، هناك فرق بين الأمرين . هناك حلان : حل سريع وهو المنع من الخارج ؛ والثاني أنه بعد منع الخطر لا يمكن أن نترك الإنسان في حالة ضعف ؛ إذ لا بد أن نمنحه قوة ليتقي بنفسه الشرور .
    البيان : لكن الفن وإن تزايدت الحاجة إليه باعتباره وسيلة من وسائل الحماية والبناء يبقى الوضع القائم له كمؤشر عليه ، إلى جانب الخلاف الفقهي في مسألة التمثيل التي تجعل المرء أكثر حذراً في التعامل ، بل ربما احتاجت ممارسة الفن إلى مزيد من التحصين المسبق والمستمر ، بحيث تبقى المعضلة الكبرى هي إيجاد فن هادف ملتزم بالضوابط الشرعية التي تطلق الإبداع في مجال البناء وتكفه عن مجال الهدم .
    ■ د . إبراهيم الخولي :
    دائما يجب أن يوضع في الاعتبار أننا حين نتحدث في ظل مجتمع يلتزم بشريعة الإسلام ، ويلتزم بالحكم فيه بهذه الشريعة يختلف عما إذا كان حديثنا عن مجتمعٍ النظامُ فيه علماني والشريعة معطلة ؛ لأن ضمانات ألوان النشاط في المجتمع في مثل هذه الحالة أنت لا تملكها ، ومن ثم يصبح التجريد كلاماً بغير إنتاج ، أنت ضربت مثلاً بإيران .. إيران بعد مرحلة من مد الثورة وعنفوان التشدد والحمية بدأ التحلل من كثير من الضوابط بغض النظر عن رأينا فيها ، وأنا أعتقد أنه لو استمر الوضع في ظل الحكومة الحالية فإن المسألة ستختلف بعد 5 سنوات اختلافاً كبيراً جداً عن الصورة التي رآها الناس عندما كانت الثورة مهيمنة على كل شيء في توجيه المجتمع الإيراني . هذا الأمر لا يخص إيران فقط وإنما يمتد لمجتمعات سُنِّية عرفت بالمحافظة لفترات طويلة .
    ولهذا أقول إن الفتوى مرتبطة بزمانها ومكانها وملابساتها ، وليس يجوز أن أحلل الفتوى من قيود الواقع ؛ إذن وجود نظام بالمفهوم الصحيح وحكومة مسلمة ملتزمة بشريعتها لا تعطلها ولا توقف جزئية منها هذا الأمر أو عدمه يضع قيوداً عليَّ حين أعالج قضية كقضية الفن الإسلامي .
    ■ أ - محمود خليل :
    العمل على إيجاد النظام الإسلامي المتكامل يحتاج لجميع الوسائل المشروعة ، والتي منها الفن المنضبط بالضوابط الشرعية ، والتي ما زلت أرى إمكانية بروزه واكتساحه متى وجد .
    ■ د . عبد العظيم المطعني :
    بمناسبة ما يقال عن الفتوى فإن الفتوى الأخيرة التي أفتى بها البعض بجواز ظهور الصحابة عدا العشرة المبشرين بالجنة على خشبة المسرح وفي التلفاز تطرح إشكالين كبيرين :
    الأول : حول الجهة التي أصدرت الفتوى وكون فتواها غير ملزمة لعدم انضباط الحكم فيها ؛ إذ لا فرق بين العشرة وغيرهم من هذه الجهة .
    الأمر الثاني : وهو الإلحاح العلماني المتواصل في تكسير الثوابت الشرعية وهزها ، وقد نجح بعد حين في استصدار الفتوى ومن ثم توظيفها في إسقاط الضابط الشرعي ، ولكن هذه المرة تم اسقاط الضابط باسم الإسلام . وانظر كيف يأتون بإنسان شرب الخمر ليمثل خالد بن الوليد أو ابن عباس - رضي الله عنهما - [■■] ؟ !
    الحصاد
    البيان : الناظر في أحوال المجتمعات الإسلامية لا يمكنه أن يغفل أثر الفن المعلمن في عملية التفكيك سواء على مستوى الفرد الذي أصبح يحيا بين غريب ومتغرب وازدواج ، أو على مستوى المجتمع الذي بدأ بتغيير كبير في بعض أنحائه ، وبثنائية ثقافية أقرب إلى الصراع منها إلى التعايش .
    ■ د . حلمي القاعود :
    هكذا يبدو تشكيل الشخصية في المجتمع المسلم وفقاً للمفاهيم العلمانية يصب في خانة سلبية ، وفي السنوات الأخيرة ، راح صناع السينما والمسرح يقلدون ما يجري في أوروبا و أميركا تقليدًا شبه كامل ، وينتجون أعمالاً مطابقة للأعمال الأوروبية والأمريكية ، مع تغيير الأسماء والأماكن فحسب ، فحفلت أعمالهم بالعنف والجنس والعبث والتفاهة واللهو بألوانه المختلفة ، مما جعل شبابنا العربي المسلم يقلد أبطال هذه الأعمال في الملبس والسلوك والفكر ، ولأول مرة نواجه جيلاً لا يشعر بالانتماء إلى وطن أو قومية أو دين .. شباب متغرِّب لا يجد غضاضة في احتقار هويته والإشادة بالآخرين .
    البيان : بشهادة إحدى ممثلات الإغراء ؛ فإن حصيلة الأفلام السينمائية خلال الخمسين عاماً الماضية بلغ 3000 فيلم ؛ نصفها على الأقل أخذ السيناريو فيه كاملاً بمشاهده وأحداثه من فيلم أجنبي ، هذه الشهادة تجلي بمرارة قدراً من الجرم العلماني في هذا المجال .
    ■ د . حلمي القاعود :
    ثم - وهو الأخطر - مدى التأثير الفادح الذي وقع على الأسرة المسلمة ؛ حيث أخذ الشباب والفتيات يقلدون النماذج الدرامية في العلاقات والسلوك مما أدى إلى شيوع العزوبة والعنوسة والتفكك الأسري .. صحيح أن المسألة لم تصل إلى المستوى الذي يحدث في الغرب ، ولكنها ستصل إذا لم تحدث مواجهة إسلامية جادة وعاقلة .
    لقد دخل إلى مجال الفن بعض الأفراد المدعومين غربياً ، وخاصة من فرنسا ، مهمتهم الأساسية تشويه التاريخ الإسلامي ، وتقطيع الروابط التي تربط بين الأمة الإسلامية ، وتجعل من المحتلين الغزاة أو المستعمرين الغربيين رسل حضارة وتنوير وتقدم .. وقد أشرت في كتابي : « أهل الفن وتجارة الغرائز » إلى هذه النقطة بتوسع ، وسأكتفي هنا بضرب مثال حول صلاح الدين الأيوبي بطل تحرير القدس و فلسطين فقد صوّره أحد الأفلام في صورة « الكاوبوي » ، و « زير النساء » ، و « رجل الأعمال الغامضة » الذي يحقق انتصاراته بطريقة مريبة ، مع أن صلاح الدين كان رجلاً زاهداً عابداً فقيهاً بالشريعة مخلصاً لربه ودينه ، واضحاً كل الوضوح حتى مع أعدائه الذين حاربهم أو هادنهم ، وكان مثالاً للخلق الإسلامي الكريم في أرقى صوره ونماذجه ، ولولا ذلك ما حقق انتصاره التاريخي الذي أشاد به الأعداء قبل الأنصار !
    ينبغي أن نشير إلى نقطة مهمة ، وهي دور الدراما ، وخاصة المسرح في نشر النظريات والدعوات المعادية للإسلام والتدين بصفة عامة ؛ فقد استطاع الماركسيون والوجوديون والعدميون والعبثيون أن يتخذوا من المسرح تكأة يروجون من خلالها لأفكارهم وتصوراتهم ، وفي الوقت ذاته كان هناك تعتيم أو إقصاء لكتَّاب المسرح الذين يتبنون مواقف إسلامية أو قومية تنطلق من تصور إسلامي ؛ كما حدث مثلاً مع الكاتب الشهير الراحل « علي أحمد باكثير » الذي خصص معظم إنتاجه المسرحي لمعالجة القضية الفلسطينية من منظور إسلامي ، ولكنه للأسف تم التعتيم على إنتاجه وإزاحته من خشبة المسرح ، ليخلو المكان لدعاة الشيوعية وأشباههم من العلمانيين .
    ثمة ملامح عديدة يمكن الحديث عنها في إطار تناول الحصار الفني للدراما على مدى نصف القرن الأخير ، ولكننا سنكتفي بملمح واحد فقط يتناول الجانب اللغوي .
    ومن ناحية أخرى ؛ فإن انتشار التليفزيون وتعدد قنوات الإرسال القُطْرية من العواصم العربية ، دعا هذه العواصم إلى محاولة إشاعة لهجاتها الإقليمية والمحلية ، مما كان له تأثير ما في تكريس الإقليمية ، ووضع عقبة جديدة ضد التقارب القومي ، وهناك مسلسلات وتمثيليات يصعب فهمها ؛ لأن لهجتها المحلية تستغلق على المشاهد الذي لا ينتمي إليها .
    ومهما يكن من أمر ؛ فينبغي أن نشير إلى أن بعض شركات الإنتاج ومؤسسات التليفزيون ذات التوجه الإسلامي أخذت على عاتقها إنتاج بعض الأعمال الملائمة التي لا تتعارض مع التصور الإسلامي سواء كانت تاريخية أو واقعية ..
    وهذا يستدعي أن نشد من أزرها بالكتابات الدرامية الجيدة التي لا تتنافى مع قيمنا وأخلاقنا ، وأن نشجع على التوسع في إنتاج الأعمال المؤثرة والمفيدة والجذابة التي تجمع بين صفاء التصور وقوة الأداء . والأعمال الجيدة قادرة بذاتها على الاستحواذ على الجمهور الذي يسعى إلى المثل العليا والقيم الفاضلة والأخلاق الرفيعة .
    إذا كانت الهيمنة الكنسية ومظالمها البشعة من الأسباب الرئيسة في ازدهار العلمانية وانتشارها في أوروبا ؛ فإن العلمانية لم تحقق للفرد الأوروبي أو المجتمعات الأوروبية والأمريكية تبع لها الاستقرار النفسي أو الإشباع الروحي ؛ ذلك أنها منحت الفرد والمجتمع على السواء الإشباع المادي وحده ، ونتيجة لذلك انهارت قيم المسيحية العليا ، وسقطت المرجعية الدينية بالنسبة للسلوك الفردي أو العلاقات الاجتماعية ، ولعل هذا يفسر كثرة الحروب الطبقية والطائفية والقبلية في أوروبا عقب العصور المظلمة ، ناهيك عن الاستعمار العسكري المباشر ، والثورات الداخلية الدامية .
    لقد انسحبت هناك مرجعية العلمانية إن صح التعبير على الفنون جميعاً ، بما فيها الفنون الدرامية ؛ حيث انغمست في التعبير عن العري والانحلال والرذيلة بصورة مكشوفة وسافرة ، وكأنها تدعوه للإباحية والشر والعنف ، وقد ضجت بعض المجتمعات الأوروبية سخطاً وغضباً على بعض الكتَّاب والشعراء كما رأينا في فرنسا حين ثارت الكنيسة على رواية ( مدام بوفاري ) ، وديوان ( أزهار الشر ( لبودلير في القرن الماضي ، ولكن المسألة اليوم تعدت الرواية والديوان المذكورين إلى إنتاج الأفلام الإباحية الصريحة التي تسمى بالأفلام الزرقاء على نطاق واسع ، وأصبحت المرأة تظهر عارية تماماً في العديد من المسرحيات ، كما أصبحت مشاهد الجنس الكاملة موجودة في معظم المسلسلات التليفزيونية .
    وقد انتقل إلى بلادنا العربية المسلمة شيء كثير من هذا ، وصار الدفاع عنه يرفع راية حرية الإبداع وحرية التعبير ، وكأن حرية الإبداع أو حرية التعبير تعني إسقاط كل القيم وثوابت المجتمع وعدم مراعاة خصائص الأمة وأخلاقها ومرجعيتها الأساسية .
    وقد شهدت السنوات الأخيرة بعض الصراعات بين دعاة العلمانية والمدافعين عن الإسلام حول قضية التعبير بالجسد ؛ سواء في الفنون الدرامية أو الكتابية ، وذهب غلاة العلمانيين إلى ضرورة أن تتحرر الأمة من عقدة الجسد ، وطالب أن تدخل المرأة اللوحة كما تدخل الحمام !
    كما انتشرت الكتابات الإباحية مؤخراً عبر الروايات والقصص القصيرة والأشعار والمسرحيات ؛ اختباراً لمدى قدرة المجتمع على تقبل هذه النماذج التي ترتبط عادة بالتجديف والإساءة إلى الذات الإلهية والمقدسات .. وتبنى بعض المسؤولين هذه النماذج وأعلن عن علمانية المجتمع الذي يضم مسلمين وغير مسلمين .
    ولكن الأمة في مجموعها عارضت هذا التوجه معارضة فعالة ، ورفضت العلمانية ، وأعلنت تمسكها بدينها ومقدساتها .
    إن الفنون الجميلة تهب الناس متعة الجمال والراحة النفسية حين تضع في حسبانها أن تكون فنوناً رفيعة ترقى بالروح وتسمو بالوجدان وتغرس في النفس البشرية قيمة إنسانية عليا ، ولكنها تتحول إلى فن شيطاني خبيث حين تدعو إلى الرذيلة والشر والعنف ، أو تسلخ الإنسان عن هويته وقيمه وعقيدته وأخلاقه .
    وللأسف الشديد ؛ فإن معظم ما أوحت به العلمانية وما أنجزته كان مخاطبة الجزء الأسفل من الإنسان ، أي مخاطبة الغرائز دون مخاطبة القيم ، وهي كارثة بكل المقاييس .. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
    ■ د . المطعني :
    الحصاد له جملة وله تفاصيل .. جملته أنهم نجحوا في أن يجعلونا شعباً أوروبياً يعيش على أرض إسلامية أو عربية ، بمعنى أنهم نجحوا في اللعب في تكويننا الثقافي ، وانعكس هذا على السلوكيات حتى على الناس الذين صلتهم بدينهم قوية تجد تأثير الفن عليهم من قريب أو من بعيد ؛ وهذا ما يمكن أن نسميه علمانية السلوك .
    دائماً تبقى العقيدة هي الحصن المنيع . نعم قد ينجحون في المستقبل في التأثير في قطاع واسع من الشباب غير المحصَّن ؛ لكن الشباب المحصَّن بالعلم والتنشئة الأسرية الطيبة لا يقع - بمشيئة الله - تحت تأثيرهم . ثم هناك علمانية الأخلاق : التعامل بالربا في البنوك والاقتصاد ، وما نسمع عنه اليوم من زنا المحارم ، والفساد الأسري ، وانفلات المعايير الاجتماعية ، كل هذا انعكاس للتسيب العلماني الذي أوصلونا إليه ؛ حتى أصبحنا اليوم نتصرف ونحن لا نشعر أننا نخدم أعداءنا !
    ■ أ - محمود خليل :
    الحصاد على المستوى العقدي والفكري والاجتماعي والأخلاقي يلخصه قول الله - عز وجل - : ] وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً [ ( الأعراف : 58 ) .
    إذا كانت العلمانية تتزيا بأثواب تجددها كل حين حتى لا تَخْلَق ؛ فإن آخر أثوابها الحداثة .. وإذا كانت الحداثة في مجملها : هي الخروج على ما تم تقعيده في المجتمع من أطر عقدية وأخلاقية ولغوية ؛ بمعنى أنها هي التطبيق الفلسفي لنظرية النسبية التي تعني الوصول إلى نسبية الأشياء بحيث تنتفي أي مرجعية وهذا ما تعنيه الحداثة ، أما ما بعد الحداثة : فهي الهجوم على المقنن والمقدس وإنزاله منزلة المدنس إلى الحد الذي وصل فيه التطبيق العملي أن تخرج إحدى المجلات التي عرفت بعدائها للإسلام بملف خاص عنوانه : الله في السينما ! وفي عدد آخر تحت عنوان : حوريات الجنة ! ويصورون أشكالهن وكيفية جلوس الشهيد وحوله اثنتان وسبعون منهن ، وجمالهن وعيونهن وعريهن ! .. هذا هو التطبيق العملي لما بعد الحداثة حتى ننتهي إلى ما قاله أستاذنا الدكتور الخولي ألا تكون هناك حصانة ذاتية ولا مرجعية ذاتية ولا تمييز بين الصواب والخطأ في نفوس الناس ؛ فتنتفي الاستقلالية الذاتية والأهلية الذاتية الإسلامية الخاصة بحيث يصبح المسلم غير مؤهل .
    أما على المستوى الفكري والاجتماعي والأخلاقي فهذه تفريعات لشجرة تنبت في أصل الجحيم طلعها كأنه رؤوس الشياطين ؛ لأن الفكرة تنزل اجتماعياً وتؤثر أخلاقياً ، وهنا تحضرني كلمة للشيخ محمد الغزالي - رحمه الله - يقول فيها :
    ) إن السيل ربما ضرب القمة حيناً بأمواجه لكن في النهاية لا تظفر به إلا الوهاد والمستنقعات (
    نجح العلمانيون عن عمد في استقطاب الموهوبين وأنصاف الموهوبين وأعشار الموهوبين في ثلاثة عقود سابقة وعبؤوهم هذه التعبئة الفاسدة ، فأصبح النتاج الروائي والقصصي والمسرحي من فساد إلى فساد .
    ■ د . إبراهيم الخولي :
    النسبية التي تحدث عنها الأستاذ محمود معناها تحديداً أن الأخلاق ليس لها أصل إلهي ، ولا أصل ديني ، وأن الأخلاق بالمواضعة ؛ فما يكون فضيلة اليوم قد يكون رذيلة في زمن .
    الدور الذي يقوم به الفن لصالح الغزو العلماني يأتي متضافراً ومواكباً لغيره من أدوات الغزو ؛ وعلى سبيل المثال حين يقول محمد سعيد العشماوي : إن اليهودي المؤمن بالتوراة والنصراني المؤمن بالإنجيل والمسلم كلهم على قدم المساواة في صحة الاعتقاد وفي المصير المضمون أي النجاة ودخول الجنة ! ويقال للشباب المسلم : إن الإسلام لا يكفر أحداً على خلاف ما تنطق به الآيات .. حين يقرأ المسلم هذا الكلام فما الذي يمنعه أن يقبل من منصِّر أن يتنصر ؟ !
    البيان : الفن يقدم مثل هذا وأخطر بأسلوب أعمق أثراً .
    ■ د . إبراهيم الخولي :
    هذا ما كنت أبغي الوصول إليه ، نحن نعلم أن الإسلام ليس دين كهنوت ، لكن طبيعة الحياة اقتضت أن لكل شيء رمزياته وظواهره ، ومن هنا نسأل : لماذا شخصية العالم المسلم دائماً هي الشخصية المهينة في كل أجهزة الإعلام وفي كل الفنون ؟ وحين يريدون أن يسخروا من شخصية فإنهم لا يختارون إلا شخصية دينية ! .. ثم أخطر من هذا حين يصبح واعظ المجتمع أحد المهرجين ! .. يسمعه الناس في الصباح يتحدث عن القيم والمثل ثم يرونه في المساء مهرجاً ، هنا تهتز القيم !
    في ظل هذا الخلط - وهذا جانب منه - كيف للشباب المسلم الذي لم تعلِّمه مدرسة ، ولم تربِّه أسرة ، ولم تبرز أمامه قدوة صالحة وإن برزت تشوه كيف له في ظل هذا التشتت الذي أنتجته العلمانية أن يقيس الأمور ؟
    المواجهة
    البيان : في ضوء هذا كيف تكون المواجهة ؟
    ■ أ - محمود خليل :
    أولا : تهيئة عناصر فنية متعددة تنطلق من أرضية إسلامية عميقة وراسخة وشاملة .
    ثانياً : ضرورة الاقتناع أن التمويل المتكامل في مجال الفنون أصبح ضمن عناصر التربية الإسلامية التي بدون العمل بها وشغل هذه المساحة ستظل مساحة فارغة ضمن حقل التربية الإسلامية يتقدم غيرنا لملئه .
    ثالثاً : ضرورة الإنفاق على مشروع إسلامي عالمي ضمن المنطقة غزيرة الإشعاع لقمر إسلامي يضع له المتخصصون استراتيجية واسعة في العمل ، وهذا مشروع استثماري مادي في المقام الأول قبل أن يكون استثماراً في مجال التربية ، بعيداً عن الأطر الجغرافية والضغوط الحزبية والعصبيات السياسية .
    رابعاً : تشجيع فنون الأدب الإسلامي بكاملها ليتوفر المكان الذي يمثل المادة الخام لملء هذه الوسائل الإعلامية التي تحتاج إلى زاد يومي لا ينتهي .
    خامساً : الاتفاق على بعض الوسائل اللازمة لنا بوصفنا مسلمين والتي تدخل ضمن وسائل التعبير المباح ، وعدم الانشغال بساحة الفن الواسعة التي لا تعرف لانفلاتها حداً ولا قيداً ؛ وعلى سبيل المثال : النحت والموسيقى لا حاجة لنا إليهما .
    ■ د . عبد العظيم المطعني :
    أركز مع هذا الكلام على التربية بأن نتوجه إلى الآباء لكي تنشأ المناعة مع الطفل منذ نعومة أظفاره ، ولا تعجز الأسرة عن تربية أبنائها تربية عملية .
    البيان : لا بل قد عجزت في ظل موجة إفساد لم تعرفها الأمة من قبل ولا في الأندلس .
    ■ د . عبد العظيم المطعني :
    السلوك الإسلامي بين الوالدين داخل الأسرة الملتزمة يمكن إلى حد كبير أن يؤثر في سلوك أبنائها .
    ثانياً : مهمة الدعاة أن يكونوا حكماء أشداء رحماء في آن واحد .
    ثالثاً : فك الأسر الذي يقع فيه خطباء المساجد الآن في عدة بلاد إسلامية ، والحفاظ على المناهج الإسلامية نقية كاملة دون حذف أو تشويه ، ومن أسف فإن الخطباء الذين حققوا نجاحاً في المجتمع أغلبهم لم يتخرج من مؤسسات علمية شرعية ؛ ولهذا أقول إن هذه المؤسسات حتى في حال قوتها لا تعطي العلم وإنما تعطي مفاتيح العلم ؛ ولهذا فإن إعداد الدعاة لا يقف عند مجرد التعليم الجامعي ، وإنما يبدأ من انتقائهم من وسط أخلاقي طيب ، وأن يكون الداعية مولعاً بمهمة الدعوة وليس مرغماً أو مكلفاً بها ، إلى جانب هذا لا بد من إعطاء الدعاة حصانة كحصانة رجال القضاء ليؤدوا واجبهم بكفاءة ؛ وأعني الحصانة عن المساءلة ؛ لأن الخطيب إذا اعتلى المنبر وأدرك أن قوة ما سوف تحاسبه فسيجبن ، وربما رأى الباطل حقاً والحق باطلاً ، وفي مقابل هذا الحق أن يكونوا في أنفسهم موضوعيين لا يتحاملون على أحد أو يجاملون أحداً لكي يكونوا أهلاً لهذه الحصانة . وعلى الدول كذلك أن تحسّن من الحالة المادية للدعاة .. فهذه الدول عندما أرادت نزاهة القضاء فإنها وضعت لرجاله مخصصات مالية لا يوقع عليها إضافة إلى الراتب الذي يوقع عليه وأكثر منه ؛ بحيث تضمن التفرغ التام للعدل والإنصاف وتضمن له عيشة كريمة ، والداعية حين يجد الكفاية فإن ذلك يعينه ولا شك على القيام برسالته .
    ثم علينا أن نعيد حق الشعب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الشارع ؛ بحيث لا يصور هذا على أنه تطرف أو تدخل في حريات الناس ؛ لأن رجل الشرطة اليوم لم يعد يهمه منكر يكون حراماً ، وإنما المنكر عنده ما تحظره الدولة وإن كان واجباً دينياً ، إضافة إلى كون رجال الشرطة غير متواجدين في جميع الأماكن ، هذه الشعيرة ليست حقاً بل هي واجب على جميع المكلفين ، والدولة حين تعترف للشعب بمزاولة هذا الحق فإنه يستطيع أن يقضي على ثلاثة أرباع الفساد المنتشر في الشوارع .
    ■ أ - محمود خليل :
    ألفت النظر كذلك إلى ضرورة التنبيه الدائم على أخطار العلمانية ؛ بحيث لا يتسرب اليأس أو الفتور أو شعور العاملين في الحقل الإسلامي بطول المسافة وبُعد الشقة ؛ لأن التنبيه الدائم تتسلل من خلاله الحصانة الوقتية ، والمواكبة للأطوار الخبيثة للعلمانية .
    البيان : نشكر الأساتذة الفضلاء ، ونؤكد في الختام على أن الواجب علينا جميعاً الاهتمام بضرورة التأصيل الشرعي العميق للعمل الإسلامي بكل مجالاته ، والانطلاق من الثوابت العلمية والمنهجية بكل تجرد واتزان ، والحفاظ على الهوية الإسلامية المتميزة المعتزة بدينها وعقيدتها .

    أتمنى أكون ساعدتكم

    بلبل


  6. #6

    افتراضي

    واني كمان طالبين عليناا ندوه

    عمل ندوات ثقافية للطالبات(صحية- دينيه- اجتماعيه- علميه- نفسيه- ثقافية)

    بس اني ودي اجتماعيه ساااعدوني بليز..؟محتاجة


  7. #7

    Red face بنات ثاني ثانوي علمي او ادبي تعبير الندوهـ ( دمج مواضيع )

    السلام عليكم ورحمة الله

    :

    بنات انا عندي طلب : تكفون لاتردوني

    الي عندها تعبير عن الندوه او اي شي عن الندوه تعطيني او تقولي

    لان هالموضوع السرااحه مش داخل مخي احس انه غبي ومادري شيبي

    تكفون لاتردوني


  8. #8


  9. #9

    افتراضي

    هلا فيك حبيبتي
    بس وينهم البنااات

    ساعدوني تكفون


  10. #10


ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك