المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بلا اتجاه ( قصه روووعه لا تفوتكم ) وعشانكم نزلتها كامله



سولاف$
10-19-2006, 09:05 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اخواتي حبيت انزل هالقصه لانها اعجبتني كثيير واتمنى تعجبكم للكاتب انا راااحل

وللامـــــــــــــــــــــــــــــانه القصه منقوووووووووووووووووووووووله

اتترككم مع القصه
*****************************************
بلا اتجاه
للكاتب: أنا راحل


حرك الرماد المتخلف من رسائلها المحترقة بعود صغير، فانقلبت ورقة لم تحترق بالكامل، استطاع أن يلمح فيها عبارة ( فتنطلق روحانا إلى أبواب السماء)، نخسها بعوده ليعيدها إلى الجذوة الراقصة ويراقب حروفها وهي تتلوى وتذوي.

عندما احترقت آخر ورقة، رفع عينيه إلى الأفق أمامه وجعل يرقب خط التقاء السماء القاتمة مع الكثبان الرمادية، ولسعه الهواء البارد الذي يهب بعنف حاملا ً ذرات الرمل، منذرا ً بعاصفة مطيرة.

نهض ومشى متثاقلا ً تغوص قدماه في رمال النقرة التي أودع باطنها حبه، دفن هنا أجمل أيامه وولى، حرق هنا كل ما يذكره بها، رسائلها، خصلة شعرها، الكرت المزخرف المعطر، القلم الجاف الذي نقش عليه الحرفان الأولان من اسميهما.

ركب سيارته وانصفق الباب بدفع الريح التي بدت بدورها وكأنها تصفعه وتصفع سيارته بالرمل، قبع في الدفء خلف الزجاج يرقب هياج الريح خارجه ويسمع أنينها، ورأى من مكانه بقايا الرماد الذي خلفه والرياح تحمله لتذروه في مكان بعيد.

بدأت قطرات المطر تشارك الرمل في صفع زجاجه، تساءل بحزن ما هذا أيتها الريح ألا يكفي أنك ِ أدمعت ِ عيني بذرات الرمل حتى تبصقي علي الآن، طفر الدمع من عينيه فلم يمنعه تركه ينزلق على خديه، ليتخلل منابت لحية لم يحلقها منذ أسبوع.

وهناك، بين كثبان رملية ضخمة ترقد شمال الرياض، ووسط وادي قفر لم يذق رائحة المطر منذ سنين، وتحت زخات مطر مدرار، نسي حلفه بأن لا يبكيها، نسي رجولته الوليدة، نسي كبريائه وأنفته، وانطوى في مقعد سيارته الضيق ضاما ً رجليه إلى صدره كجنين خرج من بطن أمه قبل أوانه، وترك عينيه وأنفه تجودان بمائهما كما جادت السماء في ذلك اليوم المدلهم من حياته.
* * *
لو تركنا حمد قليلا ً لنفسه، ورجعنا بالزمن لنفهم ما الذي حدث، وما الذي جعل شخص ذو شخصية لاذعة ومحببة، وقدرات رائعة، يتحول إلى هذا الإنسان فاقد الحيلة الذي يلجأ إلى بطن وادي قحل يبثه همومه وشجونه ويبكي فيه بكاء كبكاء المسجون بذنب غيره، بكاء كله حرقة وعدم فهم لما حل به، فحمد لو رجعنا له قليلا ً لرأيناه يبكي ويكلم نفسه كأنه يحاول أن يشرح لها أسبابا ً لبكائه لم تفهمها، حتى تعينه في الضغط على الغدد الدمعية لتسخو بكل ما عندها وبكل ما احتبسته منذ خط شاربه.

سنتركه الآن، ونعود بالذاكرة إلى اليوم الذي تعرف فيه حمد إلى منتدى (( أقلام بلا اتجاه )) كأفضل بداية لسرد حكايتنا.



الفصل الأول
كان أحد أصدقائه والذي يشاركه كثيرا ً من الإهتمامات قد أخبره عن هذا المنتدى، كانا جالسين في بهو الجامعة المسقوف بالزجاج والصلب، والذي يحلو لهما الجلوس فيه مستمتعين بفساحته وارتفاع سقفه والهدوء الذي يغلف جوه، يتناولان من البوفيه الصغير شيئا ً يسكن جوعهما ويرتشفان شايا ً يحبه هو خفيف السكر فيما يحبه مروان (صديقه) حلوا ً كالدبس.

قال مروان وهو يلوك قضمة من (الكلوب ساندويش):

- وش أخبار منتداكم؟

- ممل... ياخي أحس الأعضاء اللي فيه ميتين، والكتابة في واد وهم في واد، والله إني أتعب أكتب قصة أو موضوع وأنزلها منسقة ومن أبدع ما يمكن وفي النهاية ما يرد علي إلا اثنين، واحد يقول مشكور والثاني يقول الخط ما هو واضح.

تراجع مروان بعنف للخلف ورفع رأسه ليطلق ضحكة من سقف حلقه كعادته، تاركا ً جسده الملئ يهتز، في مشهد جذب ابتسامات الجلوس حولهم، والحرج إلى حمد، فقال وهو يخفض رأسه ويقترب من مروان:

- مروان... قصر صوتك، فضحتنا.

- هههههه، حسن خطك؟ هذا أكيد مدرس الخط ( حسان توفيقي) اللي كان متقعد لنا في الإبتدائي- الله يكرهه- لاحقك إلى المنتدى.

- استغفر الله، ما تخلي الناس من شرك.

قالها حمد وهو يضحك ضحكة مجاملة، فيما استمر مروان في سيرة (حسان توفيقي):

- تذكر يوم يوقفنا......

- أقول بلا سواليف ذكريات، بلا هم، والله يا أنت رايق.

- الله... الله، وراك معصب؟ كل هذا عشان حسن خطك؟ يا خي لو أنك سامع كلام حسان توفيقي من زمان كان ماتفشلت في هالمنتدى.

وعندما رأى تشاغل حمد في تقليب كتاب بين يديه، هز رأسه وعاد إلى ما بين يديه، وحالما انتهى من الساندويش مسح يديه بمنديل يزينه شعار لشركة تغذية قبل أن يكوره ويحاول التصويب على سلة المهملات التي تبعد عنهم بضعة أمتار، ولكنه أخطاها وتدحرج المنديل بعيدا ً فعض شفته السفلى وتناول كوب الشاي وهو يقول:

- طيب... غير المنتدى، ما كثر الله إلا هالمنتديات، فيه منتدى سجلت فيه قبل فترة وأظن أنه بيعجبك، عندهم منتدى قصص وخواطر جميل جدا ً، ويكتب فيه مجموعة كتاب ممتازين، وكتاباتهم راقية ورايقة، وبعدين منتدى فعال، يعني تنزل موضوع تجي بكرة تلاقي الردود عشرين.

- والله حلو... ايش اسمه؟

- منتدى ( أقلام بلا اتجاه).

- أقلام بلا اتجاه... غريبة ما سمعت عنه؟ طيب أرسل لي اللنك حقه، وبشوفه لو عجبني سجلت فيه وتركت منتدى أي كلام هذا.

- صدقني بيعجبك، فيه كاتب رهيب جدا ً اسمه (النورس) يكتب رواية اسمها (بروق على ساحل الحب) وصل فيها حتى الآن الفصل التاسع، وفيه ( بنت فاضل) كتبت رواية حلوة خلصتها الشهر اللي فات، الظاهر كان اسمها ( بقايا حب أعجمي) أو ( ويبقى حب أعجمي)، وفيه أحسن واحد طبعا ً اللي هو أنا، مسمي نفسي ( قلم بلا غطاء).

- ههههههههه، قلم بلا غطاء؟ والله يا عندك ذوق في الأسماء... قلم بلا غطاء... أممممم، طيب ليش ما يصير قلم أخضر بلا غطاء، لا... لا... قلم أخضر جاف بلا غطاء ويقطع... لا... لا... قلم أخضر وغطاه أزرق ويقطع... هاهاه.

- يا مصلك، أجل أسمي نفسي مثلك ( على تخوم القبيلة).

ثم اتخذ مروان هيئة مدرسي اللغة العربية عندما يتحمسون في الشرح، وقال بلهجة تهكمية:

- على حرف جار لما بعده، تخوم جمع تخم وهو شدة الشبع تقول انتخمت أي امتلى بطني وذلك في حق من يأكل بأصابعه الخمسة، أما من يأكل بملعقة فهو ينتفخ والإنتفاخ ليس هذا مجال تفصيله، القبيلة هي مجموعة من الناس لهم شيخ يسمى شيخ القبيلة.

كان حمد يحاول كتم ضحكاته ويغالبها ليقول لمروان:

- اسكت يا جاهل... الله يغربل شيطانك، ههههههه... ياخي ألف مرة قلت لك (تخوم القبيلة) هذا واحد ثاني، أنا أكتب بيوزر أنت ما تعرفه.

- علينا... أعرف أسلوبك يا حبيبي، لو يكتب في الموقع مليون واحد أقدر أطلعك من بينهم، قال تخوم قال، المهم سجل لك بإسم زين في الموقع لا تفشلني قدامهم.

- هههههههههه... اللي يسمعك يقول الموقع موقعك، مالك إلا يومين مسجل عندهم وسويت كذا، أجل وش بتسوي إذا تميت ثلاث سنوات.

- المهم... الموقع وبرسل لك اللنك حقه، وخلنا نشوف المشاركات العدلة، مهوب تفشلني قدامهم تراني بحسبة كفيلك.

ثم نهض وطوح بالكأس الورقي إلى السلة ولم يخطأها هذه المرة، ولحقه حمد وهو يجذب كتبه من على الطاولة، وغادرا البهو ليعودا إلى الكلية.

* * *

عندما فتح بريده الإلكتروني من الغد كان مروان قد وفى بوعده وأرسل الرابط، كان الوقت حينها يقترب من منتصف الليل، وهو قابع في الظلام في غرفته الصغيرة التي ينفرد فيها لوحده، فيما يتقاسم أخوته الباقون الغرف كل اثنان في غرفة.

كان يحب ولوج النت ليلا ً، عندما يعود إلى البيت من عند أصدقائه، يطفىء النور ويشعل جهازه، وينفق ساعة يوميا ً موزعة بين تفقد البريد والمسينجر والمنتدى الأدبي الذي يكتب فيه بمعرف ( على تخوم القبيلة)، كان المنتدى يهتم بالشئون الأدبية ويضم مجموعة من كتاب القصة الشعبية والخواطر من الجنسين.

ولكن المنتدى افتقد للحماس مؤخرا ً، وغابت عنه كثير من الأقلام التي كان يحترمها، وأصبح يكتب فيه لمجرد الكتابة، ولذلك عندما أخبره مروان عن هذا المنتدى النشط فرح كثيرا ً وقرر زيارته والفرجة على موضوعاته.

عندما ضغط على الرابط، انتظر قليلا ً حتى بدأت الصفحة البيضاء تتلون بلون أزرق هادئ، كان تصميم المنتدى هادئ وجميل وينم عن ذوق عالي، كان مجمل الألوان فيه تتراوح بين اللونين الأبيض والأزرق وبينهما درجات الأزرق، وفي واجهة المنتدى كان يبدو اسم الموقع على شكل شراع لمركب صغير يبدو تائها ً في عرض البحر، وفوق قائمة المنتديات كان هناك شريط صغير يعرض آخر الموضوعات، جذب انتباهه عبارة صغيرة فوق الشريط، قرأها بصوت هامس ( أيها الداخلون هنا، دعوا لنا بعضا ً من حكاياكم، أليست حيواتنا حكايات يرددها الآخرون)، أعجبته العبارة وفهم مغزاها، تساءل عن كنه كاتبها؟

تجاوز العبارة ونزل إلى مجموعة المنتديات، وبلا تردد نقر على منتدى القصص والروايات، وجعل يجيل طرفه بين أسماء القصص، عرف عناوين بعضها منقولا ً من منتديات أخرى، فتح في صفحة أخرى قصة ( بروق على ساحل الحب) التي أخبره مروان عنها، وأيضا ً قصة ( بقايا حب أعجمي) التي هاله تجواز عدد قرائها العشرون ألفا ً، وجذبه عنوان قصة وعدد قرائها المرتفع لكاتب يدعى (قلم بلا اتجاه) كان عنوانها ( صفحات حب تذروها الرياح)، فتحها ليجد تحت اسم الكاتب وصورته التي تمثل مركبا ً في عرض البحر وصف (مشرف منتدى القصص والروايات)، انتبه إلى أن الصورة التي تمثل الكاتب هي نفس الصورة التي تتصدر الموقع، تساءل هل هذا هو صاحب الموقع؟

اكتفى بالقصص الثلاث التي فتحها، انتظر دقائق حتى يكتمل التحميل قطع بعدها الإتصال، نظر للساعة كانت تقترب من الواحدة بعد منتصف الليل، قاوم الرغبة الشديدة التي تنازعه للإطلاع على القصص، مذكرا ً نفسه بأن ورائه يوما ً جامعيا ً طويلا ً، أدخرها للغد، وقام بإقفال الجهاز بعدما حفظها على سطح المكتب.

* * *

مر اليوم مرهقا ً له متنقلا ً ما بين القاعات والمدرجات، ملاحقا ً المحاضرات والدكاترة، وعندما عاد إلى البيت كان التعب قد أنهكه، فآوى للفراش بعدما قبل رأس أمه حتى تكف عن إلحاحها على أن يتغدى قبل أن ينام وداعب رأس أخته الصغيرة.

استيقظ عصرا ً، كانت صلاة العصر قد قضيت، استغفر الله على تفريطه وتوضأ وصلى في غرفته ثم ذهب يبحث عن ما يسد جوعه، وبعدما شبع حمل كأسا ً من الشاي وعاد إلى غرفته.

وقف في المنتصف بين رواية ( بيروت.. بيروت) لصنع الله إبراهيم التي تستقر على حافة الكوميدنو وجهازه، ارتشف جرعة علها تساعده على اتخاذ قرار بين إكمال الرواية أو الإطلاع على القصص الثلاث اللواتي حفظهن في الليلة الفائتة، ثم حسم قراره وفتح الجهاز.

بدأ براوية ( بقايا حب أعجمي) فمروان أخبره بالأمس أن كاتبتها قد ختمتها، بدأ بقراءتها لم تعجبه في البدء لغتها المغرقة في العامية والتي غابت عنه بعض ألفاظها، ولكنه بدأ يعجب بشخصية البطلة، ويتابع القصة وأحداثها التي تدور وتدور، ولذلك لم ينتبه إلى وآذان المغرب يخترق الأجواء.

كان قد تبقى من الرواية فصلان، فأتمهما بعد الصلاة، كانت الرواية جيدة إلى حد ما، عابها تكرار الفكرة واللغة المفرطة في العامية، ارتدى ملابس الخروج، ونزل إلى الطابق الأرضي حيث كان أخوته الصغار يستلقون أمام التلفاز، حمل أخته الصغيرة ( لمى) بين ذراعيه وطوح بها إلى السقف وعاد يتلقاها ويطوح بها مرة أخرى وهي تضحك وتصرخ ( اتلكني... ماما... سوفي حمد)، كانت هي آخر العنقود، فيما كان هو البكر وجاءت بعده بسنتين أخته ( هيلة) ثم ( عبير) ثم ( سعد) وأخيرا ً الدلوعة ( لمى).

خرج من المنزل ليستقل سيارته (الشيروكي) والتي اختارها خصيصا ً لحبه للرحلات البرية، ففي أيام الأمطار والأجواء الربيعية يخرج إلى أطراف مدينة الرياض مع أصدقائه وأحيانا ً يقضون الليل في مخيم صغير يقيمونه هنا أو هناك.

وقت حمد موزع بين دراسته وهواياته، فبالإضافة إلى هواية التخييم والنزهات البرية، يعتبر حمد بين أقرانه وأصدقائه مرجعا ً في شئون الأدب العربي والعالمي، فهو يقرأ وبنهم الكثير من نتاج الأدب العربي ما بين شعر وقصص وروايات، وأيضا ً يتابع بشغف الأدب العالمي وخصوصا ً أدب أمريكا الجنوبية وأعمال ماركيز وجورج أمادو وإيزابيل الليندي، وكنتيجة طبيعية لمن يجمع بين شاعرية الصحراء تحت هبات الربيع والإطلاع على المؤلفات الجميلة الثرة لكبار الكتاب، بدأ حمد يكتب بلغة جميلة شعرية مجموعة من القصص القصيرة والمحاولات الكتابية التي نالت الإستحسان من أصدقائه.

* * *

عاد ليلا ً كعادته إلى البيت الذي نام كل من فيه، كان قد بقي على موعد نومه قرابة الساعة والنصف، فصنع له كوبا ً من عصير البرتقال، وتناول جهاز التحكم ليتنقل بين القنوات قليلا ً وعندما لم يجد شيئا ً يروق له أطفأ التلفاز وانتقل إلى الكمبيوتر.

كان قد تبقى له قصتان ( بروق على ساحل الحب) و (صفحات حب تذروها الرياح)، فكر لحظات ثم قر قراره على ادخار قصة مشرف المنتدى التي يتوقع أن تكون دسمة للنهاية، وبدأ في قراءة رواية (بروق على ساحل الحب)، أطفأ النور ومد قدميه على كرسي وضعه إلى جانبه حتى يريحهما، وبدأ يقرأها بهدوء.

عندما فرغ منها كان قد تجاوز موعد نومه بنصف ساعة، ولكن الرواية الجميلة جذبته رغم لغة الكاتب الضعيفة كحال الرواية السابقة ( بقايا حب أعجمي)، ولكن أعجبته الأحداث ومجموعة الأبطال الذين بدو كما لو أن النورس (كاتب القصة) قد بث فيهم الروح، فبدت أفعالهم وكلماتهم كأنها مجتزئة من أرض الواقع، وتصرفاتهم تقترب من التصرفات الطبيعية بعيدا ً عن المثالية والتصرفات الغريبة التي تصبغ أبطال القصص.

تمطى وألقى بنفسه على فراشه بعدما أغلق الجهاز وغسل أسنانه، وما هي إلا لحظات حتى غاب في لجة النوم.

* * *

بدى منشرحا ً في الصباح رغم قلة الساعات التي نامها، ولكن لأن اليوم أربعاء، وليس لديه سوى محاضرتين من الثامنة حتى العاشرة، والأهم أنه قد اتفق مع أصدقائه على التخييم في مكانهم المعتاد عصر هذا اليوم، مستغلين الإجازة الأسبوعية والأجواء الجميلة التي تلي الشتاء الذي ولى.

عندما انتهت المحاضرات خرج هو ومروان، قطعا الرواق المزحوم بالطلبة وتوقفا قليلا ً عند الكافتيريا الصغيرة الخاصة بالكلية ليأخذ مروان كأس كابتشينو ليعدل مزاجه كما يقول، سأله مروان عندما تركا جو الكلية المكيف إلى الهواء الطلق والسماء التي زينتها مزع السحاب:

- دخلت المنتدى؟

- ايه.

- سجلت؟

- لا... دخلت وفتحت بعض القصص فيه، والله الموقع جيد، بسجل إن شاء الله.

- وش قريت؟

- (بقايا حب أعجمي) و... الظاهر (بروق على ساحل الحب)، كذا اسمها؟

- ايه... أعجبتك؟

- (بقايا حب أعجمي) يعني، بس ذبحتني العامية، نص الكلام مافهمته، أما (بروق) حلوة، الشهادة لله أنها حلوة، قريتها أمس إلى حدود الساعة 1.30، الصراحة الكاتب مبدع، بس توها في الفصل التاسع.

- (بروق) حقت النورس صح؟

- ايه.

- ايه... (النورس) من كبار كتاب المنتدى، وعلى فكرة تراه ساكن في فرنسا، الظاهر أنه مبتعث هناك.

- ما شاء الله، ما كملت في المنتدى أسبوعين، وحافظ تاريخ كل كتاب المنتدى.

- تعرفت على واحد من المشرفين على الموقع، وأضفته عندي بالمسينجر، وجلسنا نسولف وعطاني بعض المعلومات عن الكتاب فيه.

- اها.

كانا قد وصلا إلى المواقف فإفترقا، اتجه حمد إلى سيارته، وانطلق بعجل إلى البيت ليظفر بساعات نوم حتى يكون مستعدا ً للتخييم.

* * *

عندما نهض عصرا ً كان يحس بخدر شديد، اتجه إلى الحمام وهو يسير بخطوات متمايلة، غسل وجهه بقوة ثم توضأ، ومسرعا ً اتجه إلى المسجد القريب حتى لا تفوته الر كعات الأخيرة من الصلاة.

عاد بعدما قضيت الصلاة، ليحمل عدته الخاصة وفراشه المطوي من الغرفة القصية في البيت والتي تحاذي السور الخارجي ويلقيها في مؤخرة سيارته، ثم ذهب إلى المطبخ بحثا ً عن شيء يطفئ جوعه.

كانت أمه تغسل الأواني المتبقية من الغداء، قبل رأسها وداعب رأس أخته لمى التي كان شعرها مهوشا ً وبين يديها إناء تأكل منه بأصابعها الصغيرة، قال لأمه:

- توصين على شيء يالغالية؟

- بتخيم هالأسبوع بعد؟

- ايه... قبل لا يجي الصيف، نبي نستفيد من الجو الحلو.

- الله يصلح قلبك، لو تنتبه لدراستك مهوب أحسن لك وأنا أمك.

- يا حبيبتي... يا أمي... اللي يسمع كلامك الحين يقول إني كل سنة أرسب ومعدلي نازل وحالتي حالة، الحمد لله دراستي ماشية والأمور زينة وأنا أخيم في مكان قريب وفيه إرسال لو بغيتوني اتصلوا علي وأجي، ماله داعي هالخوف.

- الله يصلح قلبك... هذا اللي أقوله.

- آمين، أتوصين على شيء؟

- سلامتك، مر على أبوك في المكتبة يبيك.

- أبشري.

* * *

توقف قليلا ً أمام باب المكتبة وأخذ نفسا ً عميقا ً، تعتبر هذه الغرفة غرفة والده الأثيرة، وهي مكونة من أرفف كبيرة تلامس السقف، تتراص عليها آلاف الكتب ما بين كتب دينية وفلسفية وتاريخية وأدبية، ومكتب يتوسط الغرفة يقبع خلفه كرسي مريح، في هذه الغرفة يقضي والده جل وقته، في قراءات متواصلة وبحوث ذات أسماء موحشة مثل ( الأثر التشكيلي في ثقافة بلاد ما بين النهرين) أو ( العقل العربي ما بين الإثبات والنفي)، كانت رؤية أبوه المنعزل أبدا ً في هذه المكتبة والمكب دوما ً بنظارته السميكة على الكتب ذات الأحجام الضخمة، هي التي دفعته إلى أن يكتشف عالم الكتب وأن يقرأ، ورغم أنه قياسا ً بأقرانه وأسنانه يعتبر متفوقا ً ثقافيا ً، ولكنه يدرك أن جل قراءاته لم تتعد النفَسَ الأدبي، وأنه لا يزال في المنطقة الضحلة فيما يغوص أبوه في اللجة الكاسحة للبحر المترامي.

حتى نفهم لماذا وقف حمد عند الباب وأخذ نفسا ً عميقا ً استعدادا ً للدخول، فإنه لزاما ً علينا أن نفهم طبيعة العلاقة التي تربط بين حمد وأبيه، كان حمد يحترم أبيه، يحترم علمه وعقله، ويشعر بالفخر عندما يظهر أبوه في التلفاز في كثير من القنوات أو على صفحات الجرائد عندما تفرد له الأعمدة، فأبوه ينظر له كأحد المفكرين العرب البارزين رغم انعزاليته، ولكنه في نفس الوقت يحس أن والده بعيد جدا ً عنه هو وأخوته بسبب انعزاله وغرقه في القراءة والبحوث، كما أنه يحس بأن والده لا يرضى كثير بتواجد حمد الدائم خارج البيت، وسفراته وتخييماته مع أصدقائه، كان الوالد يعتبر كل هذه الأشياء مضيعة للوقت وإن لم يصرح بذلك.

ولذلك عندما دفع حمد الباب ودخل كان يتوجس مما يريده والده منه، كان أبوه واقفا ً مستندا ً إلى أحد الرفوف، وبيده مجلد قد انتزعه كما هو ظاهر من سلسلة (قصة الحضارة) لويل ديورانت، كان يبدو أنه لم ينته لدخوله، وهو يركز عينيه على الكتاب، تنحنح حمد بحرج فرفع والده رأسه فبادره حمد:

- السلام عليكم.

- وعليكم السلام، هلا حمد.

أعاد الكتاب إلى مكانه، ثم سحب الكرسي وجلس على المكتب وجعل يقلب الكتب والأوراق المتناثرة على مكتبه بحثا ً عن شيء ما، وقال:

- بتخيم اليوم؟

- إن شاء الله.

- وكيف الأرض؟ فيه ربيع السنة هذي؟

- زينة والحمد لله، أفضل من السنة اللي فاتت.

- احرص على نفسك وأنا أبوك.

- ابشر.

نهض إلى كرسي في طرف الغرفة تتراص عليه مجموعة من المجلات العلمية وأوراق بشكل فوضوي، وانتزع من بين الأرواق مجموعة من المظاريف، ناولها إلى حمد وهو يقول:

- هذي فواتير البيت، سددها قبل لا تروح، لها أسبوع عندي وأخاف أنساها أكثر من كذا.

ثم تناول من جيبه مجموعة من النقد وأعطاه إياه وهو يقول:

- لا تنسى.

- ابشر.

ثم عاد إلى كتبه وأوراقه، فاستدار حمد وغادر الغرفة وهو يقول بصوت خفيض:

- مع السلامة.

- مع السلامة.

عندما أغلق الباب، أطلق زفرة قوية وشد بيديه على المظارف والمال، وانطلق إلى غرفته صاعدا ً بخطوات واسعة، جمع ملابسه الرياضية والأغراض التي يحتاجها في البرية في حقيبته اليدوية الصغيرة، ثم حمل إحدى الروايات ووضعها مع الملابس حتى يتسلى بها، قبل أن يتوقف قليلا ً ثم يتراجع ويعيدها إلى مكانها ويشغل جهازه، ويفتح الرواية الثالثة المتبقية والتي حفظها من منتدى ( أقلام بلا اتجاه) والمعنونة ب ( صفحات حب تذروها الرياح)، ثم يقوم بنقلها إلى الوورد وتنسيقها بشكل سريع ومتعجل، قبل أن يطبعها ويتناول الأوراق الحارة والتي تحمل رائحة الحبر، ويلفها ويلقيها في الحقيبة ثم يحملها منصرفا ً.



الفصل الثاني
خرج عن الطريق المسفلت، لتخوض سيارته في الرمال، وعجلاتها تحثي التراب على الجوانب وتصطدم بالحصى الصغير المبثوث في كل شبر، انطلق متعرجا ً مع تعريجات الطريق الذي حفظه من كثرة ما طرقه.

هدأ من سرعته عندما وصل شعيبا ً يقطع الطريق أمامه، وقد تناثرت على جوانبه أشجار شتى، وبدت أرضه رطبة ببقايا أمطار الأسبوع الماضي، سمى بالله ودفع سيارته إلى مكان آمن من الأرض تصلب بالحجارة وخرج صاعدا ً من الجهة الأخرى، ثم مضى ينهب الأرض التي بدأت تكتسي خضرة وورودا ً وأقاحا ً من كل جنس ولون.

أطربه المنظر البهيج والهواء اللطيف الذي يهب من نافذته التي فتحها بعدما أمن من غبار وحصى الأرض، فمشى مع الطريق المتعرج الذي شقته عجلات آلاف السيارات وهو يترنم بقصيدة شعبية شهيرة والسيارة ترتج من وعورة الطريق.

كان العصر قد ولى عندما وصل إلى المخيم، وألفى سيارتي مروان وعبدالعزيز متوقفة وهي مكسوة بالغبار، فيما مروان يبدو عند المشب منهمكا ً بإشعال النار ليصنع شايا ً، فيما كان عبدالعزيز يعيد نفض السجاجيد المفروشة داخل الخيمتين لتنضيفها من الحشرات والزواحف التي قد تكون باتت عليها منذ الأسبوع الفائت.

أوقف سيارته ونزل مبتسما ً فزعق مروان به:

- حمد... هات سيارتك هنا.

- سلام عليكم.

- وعليكم السلام... لا تطفئ سيارتك، تكفى وقفها هناك عند الأثلة حتى نحجز المكان، لا يقعد يجي أحد ويجلس فيها مثل الأسبوع اللي فات.

- طيب كان فرشت هناك زولية وحجزت المكان.

- الزولية يطيرها الهواء، وبعدين بكرة إذا قمنا الصبح لقينا أحد جالس فيها ويحوس علينا ظلالنا، وقفها هناك الله لا يهينك.

- طيب... طيب... أبو سعود، كيف الحال؟
قالها حمد لعبدالعزيز الذي خرج من إحدى الخيام بعدما أعاد الفرش إليها، فالتفت عبدالعزيز الذي كان طويلا ً له لحية خفيفة على جانبي وجهه كثيفة عند الذقن، وهو أكبرهم سنا ً، ولكنه أكثرهم طيبة قلب.

- هلا حمد، وراك واقف عندك؟

- بوقف السيارة تحت الأثلة، مثلك عارف أوامر مروان باشا.

ضحك عبدالعزيز فيما عاد حمد إلى السيارة وحمل أغراضه منها ووضعها على الأرض، ثم قادها إلى الأثلة ذات الفروع السامقة والظل الوارف والتي يعتبر ظلالها المكان الرسمي لشرب الشاي.

عاد إلى أغراضه فحملها ووضعها في خيمة النوم، ثم خرج إلى الخيمة الصغيرة التي كانت بمثابة مطبخ تكدست فيه أغراض الطبخ والمعلبات، وصافح عبدالعزيز الذي كان يغسل بعض الأواني، وجعل يساعده وهما يتحدثان حتى قطع عليهما صوت مروان الزاعق:

- الشاهي خلص... هاتوا معكم بيالات وتعالوا.

حمل عبدالعزيز معه زولية صغيرة ملقاة بإهمال في ركن الخيمة، فيما حمل حمد مجموعة من البيالات المغسولة وخرجا، كان مروان يمضي وهو يحمل الأبريق المسود بيد وطبق مكسرات باليد الأخرى إلى الأثلة حيث وقف هناك ينتظرهما حتى فرشا الزولية، ثم جلسوا والهواء يداعب ثيابهم بنسماته.

بدأو بإرتشاف الشاي، وفتح مروان طبق المكسرات وهو يقول:

- يا الله من فضلك... جو رايق، وشاهي يعدل المزاج، باقي الوجه الحسن.

حمد ضاحكا ً: أفا بس وأبو سعود مهوب وجه حسن؟

مروان: إلا أكيد أبو سعود فتنة للناظرين، والله يا بو سعود لولا الحياء لهاجني استعبار ولقرصت خدودك ذولي حيث أنهن كبار.

سقط حمد على ظهره ضاحكا ً، فيما قال أبو سعود:

- عاد تكفى هالوسامة اللي مقطعتك.

مروان: ولو يا بو سعود كلك ملح حتى وأنت معصب.

* * *

عندما غابت الشمس صلوا، ثم جاء ناصر ومحمد بسيارة واحدة فاكتمل عددهم، ناصر كان في مثل بدانة مروان، فيما كان محمد نحيفا ً جدا ً وله شارب خفيف، أضاءوا المصابيح الكهربائية وجلسوا بجانب الخيمة يتحدثون فيما مروان يصنع القهوة بالهيل.

كانوا يتحدثون في كثير من المواضيع، يتناقشون، يتجادلون ويضحكون على دعابات مروان، ومشاغباته لكل واحد منهم، حتى نهض عبدالعزيز وأذن لصلاة العشاء.

ثم بعدما فرغوا من الصلاة، بدأوا بإعداد العشاء حتى يتسنى لهم النوم مبكرا ً وخصوصا ً أن أكثرهم لم يناموا من الفجر إما لدراسة أو عمل، لذلك جعل مروان وناصر يتبلان ثلاث دجاجات كاملة، ثم يعلقونها في ثلاثة خطاطيف، قبل أن يدلوها في البرميل المدفون في الأرض والذي سعر محمد وحمد ناره، ثم يغطون رأسه مع ترك فتحة صغيرة للهواء حتى لا تنطفئ النار.

وعادوا إلى مجلسهم، وعندما جهزت الدجاجات، صفها مروان على صينية يتقاطر منها الماء، فيما كان حمد يحمل أرغفة الخبز التي سخنها على النار، وناصر يحضر المشروبات الغازية المدفونة تحت ركام الثلوج في الثلاجة الصغيرة، وعبدالعزيز ومحمد يصفان صحونا ً صغيرة من الفتوش والحمص أحضروها معهم من المنزل.

وبعد العشاء الحافل، صنع مروان شايا ً جعل يرتشفونه مع الحكايات، التي بدأت تثقل بتثاقل أجفانهم، وبدأ عددهم يتناقص حول النار، حتى نام آخرهم.

* * *

فتح حمد عينيه وجعل يحدق في سقف الخيمة المخطط تحت الضوء الخافت، كانت أصوات التنفس وشخير ناصر تتجاوب وسط السكون، نظر إلى ساعته كانت تشير إلى الساعة السابعة والربع، نهض برفق وخرج من الخيمة وهو يتمطى، كان الجو ذو برودة لطيفة.

قصد المطبخ وغسل وجهه، لن ينهض أحد من الشباب قبل الثامنة والنصف – قال لنفسه - هذا مؤكد، عاد إلى الخيمة وبرفق لبس بنطلونا ً وقميصا ً خفيفا ً ثم ألقى حول رقبته كوفية سوداء، ودس قدميه في حذاء الجري قبل أن يستخرج الأوراق التي طبع عليها البارحة رواية ( صفحات حب تذروها الرياح).

اختار بسكويتا ً خفيفا ً من المجموعة التي في المطبخ كتصبيرة، طوى الأوراق ودفعها في جيبه، ثم انطلق وهو يفتح البسكويت ويلتقم منه قطعة، تجاوز المخيم وانطلق حتى حاذى الشعيب القريب الذي كانت الأحجار التي جمعها المطر في قاعه تلمع تحت خيوط الشمس البازغة، فيما كانت العصافير تتطاير بين الأشجار.

نزل إلى الشعيب الحديث الجفاف، وهشمت خطواته الرمل الناعم المتماسك، مشى خطوات ثم انحرف صاعدا ً ليخرج مع الجهة الأخرى للشعيب، قاصدا ً مجموعة من الأشجار والأحراش والأعشاب التي افترشت رقعة صغيرة، كانت كجنة صغيرة أرضها لازالت رطبة من أثر الماء، وفرشها الزهور، ولا يقطع سكونها إلا زنين نحلة أو هسيس انزلاقة زاحفة لسحلية.

هنا مكانه المفضل الذي يقصده كلما جاء إلى المخيم، هنا تحت شجرة وارفة تمد أغصانها بكرم، وتلتف مجموعة من الأحراش حولها لتحجب المكان عن الأعين، هنا يأتي ليجلس متكئا ً على الجذع أو مستلقيا ً على البساط الرباني الأخضر، تاركا ً الزهور تعابث أذنه وعيناه تراقبان صفحة السماء الزرقاء الموشاة ببقايا الغيوم.

في هذا المكان جزء منه، هنا بكى عندما مات ابن عمه، وهنا ضحك عندما تم قبوله في كلية الآداب، وهنا يختلس ساعات ليقرأ وسط السكون غارقا ً في خضم أحداث الروايات، لينسى العالم بأسره، فتجده تارة يجوب مع بالداسار العالم بحثا ً عن الكتاب المفقود، و تارة يقطن غرفة ضيقة مع سجين تزمامارت، وأحيانا ً ينهب حقلا ً مع أحد الفرسان ذاهبين لتحرير جميلة ما.

واليوم وعندما ألقى بنفسه، أغمض عينيه قليلا ً وهو يسحب الهواء المنعش إلى جوفه، ويحتبسه قليلا ً قبل أن يزفر بقوة، ويمد يده إلى جيبه ليسحب الأوراق التي تجعدت قليلا ً وفقدت سخونتها، بعد مبيتها الليلي بين ملابسه، فردها ليطالعه العنوان متصدرا ً الصفحة ( صفحات حب تذروها الرياح)، قرأ أول جملة من الرواية " إلى كل المحبين في العالم أفيقوا"، اعتدل في جلسته أعجبته البداية، استند على الجذع وبدأ يقرأ.

* * *

بدأ يلتهم الصفحات غير شاعر بالوقت، كانت اللغة جميلة جدا ً شعرية، الأحداث تحكي قصة شاب بسيط يلج أحد المواقع الأدبية بالصدفة، ويقرأ قصة فتعجبه فيبدأ بمتابعتها، ثم لا شعوريا ً يبدأ بمحبة كاتبة القصة، ثم يفكر بأن يرسل لها رسالة تعبر عن مشاعره، ولكن عندما يبدأ في الكتابة يحس بالصدمة للغته الفقيرة وثقافته البسيطة مقارنة بصاحبته، فيبدأ بتثقيف نفسه والقراءة ومحاولة الكتابة للوصول إلى صيغة جيدة للرسالة تناسب حبيبته.

عندما انتهت الصفحات اكتشف أن للقصة بقية وأن ( قلم بلا اتجاه) لم يكتب سوى ثلاثة فصول منها، أسرته القصة ولم يستطع الفكاك من الروح التي تفيض منها، جمع الأوراق وأعادها إلى جيبه، ونظر إلى ساعته كانت تشير إلى 8.32 دقيقة، نهض من مكانه ونفض بنطلونه مما علق به، ومشى عائدا ً إلى المخيم.

كان من يراه من بعيد يظنه حزينا ً، فقد كان مطرقا ً يمشي ناظرا ً إلى الأرض، يفكر بأحداث الرواية ويستعيد في ذهنه بعض جملها وعباراتها، وقد ألهته عن ما يحيط به من ألوان الجمال، كما أنسته هبات النسيم واهتزازات الأعشاب.

عندما وصل إلى المخيم، وجد مروان ومحمد ملتفان حول النار، مروان يقلي بيضا ً بينما ينهمك محمد في تقطيع كبدة على صينية صغيرة، والشاي يكاد يغلي على جانب من النار، فيما جلس ناصر وعبدالعزيز على الزولية تتوسطهما دلة وفناجين قهوة ذات طراز قديم، وتمر مكنوز مغطى حتى لا يستوطنه الذباب.

- سلام عليكم.

- وعليكم السلام ( من الجميع).

ناصر: ما شاء الله... متى قمت؟

حمد: سبع وربع، وطلعت أتمشى.

عبدالعزيز: تقهو يا بن الحلال ( ومد له فنجانا ً مثلوما ً تتصاعد منه رائحة الهيل) شكل الفطور بيطول دام هالاثنين هم اللي يصلحونه.

شرب حمد جرعة من القهوة، وتناول بضع تمرات ليسكت جوعه، وهو ينظر إلى مروان ومحمد اللذان كانا يعملان وهما يكادان يتشاجران كعادتهما.

* * *

تناولوا إفطارهم، وفيما جلس محمد ومروان وعبدالعزيز يشربون الشاي، استقل محمد وناصر سيارتهم ليجلبوا بعض المستلزمات من أقرب محطة، بدأ مروان بمشاكسة عبدالعزيز الذي سرعان ما غضب ونهض معلنا ً أنه ذاهب ليتمشى، بقي حمد ومروان يتحدثان في مواضيع شتى حتى قال حمد:

- بصراحة موقع ( أقلام بلا اتجاه) رهيب، إذا رجعنا بسجل فيه بإذن الله، اليوم قريت رواية طبعتها وجبتها منه، بصراحة رواية روعة، أفضل رواية قرأتها على الأنترنت.

- أي رواية.

- صفحات حب تذروها الرياح لقلم بلا اتجاه.

- قريتها حلوة، بس ما أحس أنها مناسبة لمنتدى، يعني فلسفية ولغتها قوية وصعبة.

- وهذا اللي عجبني فيها، مع أنها توها في البداية وكل اللي كتب منها ثلاثة فصول لكنها حلوة.

- في روايات كثيرة حلوة في الموقع.

- مثل هذي ما أظن، وبعدين تعال أنت يا صاحب العلاقات، كاتبها تعرف عنه شيء.

- اللي أعرفه أنه من مؤسسي المنتدى، وهو على فكرة اللي صمم شكل الموقع، لكن ما أعرف عنه شيء غير كذا، الظاهر أنه ساكن في الشرقية.

- واضح ما تعرف أي شيء عنه، ههههههههههه، إلا وش اسم أمه.

- هيلة. ( قالها مروان وهو يرفع حواجبه، حيث أنه دائما ً ما يقول لحمد أنه سيتزوج أخته هيلة غصبا ً عنه).

- بايخ.

- ما قلت لي وش بتسمي نفسك؟

- ما أدري إلى الآن ما اخترت اسم.

- عندي لك اسم زين.

- وش هو؟

- محماس.

- والله أنك فاضي.

- لا... لا... هجاج، ههههههه.

* * *

ذهبوا عصرا ً إلى الجبل الذي يبعد كيلومترات عنهم، تسلقه حمد ومحمد، أما أصحاب الأوزان الثقيلة (مروان وناصر) فأكتفوا بالفرجة، استغرقهم الصعود عشر دقائق، فقد كان ارتقائه سهل، كما كانت قمته شبه دائرية وجرداء، وكان منحدرا ً بشكل خطر مع الجهة الأخرى.

عندما نزلا لم يجدا السيارة ولا الشباب، سارا في المنطقة ووقفا يراقبان رتلا ً طويلا ً ممتدا ً من النمل ذو الحجم الكبير، الذي كان يسير بإنتظام، تبعا الخط فوجدا أنه أشبه ما يكون بفرقة عمل لنقل أجزاء طائر ميت متحلل.

لمع زجاج السيارة القادمة من بعيد، كان مروان والبقية قد عادوا، ركبا وانطلقوا إلى أماكن أبعد مستمتعين بالطبيعة الوليدة، وكادت إطاراتهم أن تغوص في رمل ناعم أكثر من مرة، لولا أن تنبه مروان في اللحظة الأخيرة، ودفعه السيارة للخلف باحثا ً عن أرض أكثر تماسكا ً.

وعندما غابت الشمس عادوا إلى المخيم، ومع آخر غياب للشمس كان الأذان يرتفع بصوت عبدالعزيز مع لمعان المصابيح الكهربائية وهدير المولد.

* * *

صلوا المغرب، وبدأ مروان بطقوس إعداد القهوة، فيما جلس البقية على الزولية مستمتعين بالحديث على أنغام طقطقة الأخشاب وهي تتغلف باللهب، عندما لمع البرق جالدا ً صفحة السماء بسوطه ذي الشعب، ثم أعقبه هدير رهيب للرعد، غاصت في جوفه تكبيراتهم.

وبدأت السماء تمطر مطرا ً بدأ خفيفا ً قبل أن يبدأ بالهطول بقوة تصفع خيمتهم وتغسل الأرض، فيما انسحبوا بسرعة وهم يجرون زوليتهم خلفهم ليحتموا بسقف الخيمة المبطن، حتى مروان ترك قهوته تبرد على النار المنطفئة وتختلط بماء المطر.

وقفوا تلقاء الباب يتأملون الأرض وهي تتلقى القطر بشراهة، ثمة جعل يهرب إلى مخبئه وقد أفزعه الماء، والمصابيح يزداد لمعانها وهي تهتز مع أسلاكها برقصة مطرية.

استمر المطر يهطل وإن عاد خفيفا ً، وعندما داعبهم النوم، قنعوا بأن يأكلوا طعاما ً معلبا ً ويأووا إلى فرشهم على وشوشات الماء الذي ينقر على نسيج خيمتهم، وعندما غاب آخرهم في لجة النوم، كان آخر ما علق في ذهنه، صوت القدر الملقى في الخارج والماء يزبد على حافته ويفيض ليختلط مع تراب الأرض ويغور إلى الأعماق.

* * *

عندما نهضوا لصلاة الفجر كان المطر قد توقف، ولكن الرطوبة والماء يملأن ما حولهم، توضأ أحدهم من ماء المطر الذي احتجزه القدر، وقد بدا صافيا ً زلالا ً، ثم صلوا وعادوا يواصلون النوم.

وكعادته نهض حمد مبكرا ً، خرج ليجد الشمس محتجبة خلف السحب، والظلام يكاد يعتم الرؤية، أبدل ملابس النوم وخرج على الجوع غائصا ً في الوحل، تجاوز المخيم ومر من بجانب الأثلة التي كانت أغصانها تنقط الماء بعد حمامها الموسمي.

عندما وصل الشعيب، رأى الماء يجري فيه مهتاجا ً، مكسوا ً بلون التراب، سار بجانبه وهو يتأمل الماء الطافح بالأعشاب والأوراق والحشرات التي تعوم ثوان ٍ ثم تغوص ثم تعود للطفو وكأنها تصارع للنجاة.

قصد أضيق نقطة من الشعيب، وألقى جذعا ً جذبه خلفه أمتارا ً، وبخطوتين رشيقتين عبر الجذع المهتز إلى الجهة الأخرى في مغامرة غير محسوبة.

عرج على قرية للنمل رآها بالأمس، فوجد النمل يكد ليصلح ما فسد بالأمس، يعرض حبوبه للشمس المحتجبة حتى تجف، أقعى لحظات يتأمل دئبهم، وابتسم عندما طاف بذهنه منظر أصدقائه وهم نائمون فاغري الأفواه واللعاب يسيل من بين شدقي أحدهم.

قصد وكره الأثير، وجده غارقا ً بالماء، وقد حطت أوراق الأشجار فملئت الأرض، دار يتأمل الأوراق وهي تهتز، والأشجار وهي تنفض الماء عنها، والحشرات وهي منهمكة بتأمين نفسها.

عندما مرت ساعة عاد وتجاوز الشعيب كما فعل بالمرة الأولى، ثم قصد الخيمة وألقى نفسه في فراشه، حاول استدعاء النوم ولكن عندما تأبى عليه، جذب من حقيبته أوراق رواية ( صفحات حب تذروها الرياح) وعاد يقرأ كلماتها على الضوء الخافت، وهو يعيد رسم حروفها في ذاكرته.

* * *

عندما تناولوا إفطارهم ركبوا السيارة وجعلوا يجوسون المنطقة الغرقى بالماء، كانت الشمس التي تخلصت من حجاب السحب قد جففت مناطق وظلت مناطق عصية وبعيدة عن أشعتها.

وعند الظهر عادوا وصنعوا لهم غداءا ً ثم حملوه وأغلقوا المخيم على وعد باللقاء الأسبوع القادم، وانطلقوا إلى روضة قريبة، تحولت إلى شبه بحيرة، جلسوا قريبا ً من الشط وتناولوا غدائهم هناك وهم يكافحون الهوام وأسراب الحشرات التي جذبها الماء.

وأمضوا باقي اليوم في التجول بالمنطقة وعندما قاربت الشمس المغيب، ودع بعضهم بعضا ً وقفلوا إلى بيوتهم كنهاية عطلة آخر الأسبوع.

* * *

ألقى حمد عدة التخييم في المخزن في الخلف ثم دخل البيت قاصدا ً المطبخ، حيث كانت أمه تعد العشاء لأخوانه، ابتسمت عندما رأته قبل رأسها وأهوى بشفتيه على يديها، وهو يردد:

- كيف حالك يالغالية؟ وكيف أبوي وأخواني؟

- الحمد لله... كلنا بخير، وشلونك أنت؟ وشلون ربعك.

- الحمد لله بخير.

- أمطرت عندكم؟

- ايه والحمد لله... أمس طول الليل وهي تمطر.

- ما شاء الله... وشلون الربيع؟

- الأرض توها إن شاء الله تزين بعد أسبوعين.

- الله يوفقكم.

ثم انتبه حمد إلى اليدين الصغيرتين اللتين طوقتا ساقه، وأخته لمى تصرخ بفرح طفولي:

- آمد... آمد جاء.

تلقفها حمد ضاحكا ً وقبلها على خدها، فيما مد يده مصافحا ً إلى أخته هيلة التي جاءت على أثرها وهي تحتضن كتابا ً دراسيا ً، وعندما انتهت الترحيبات والأسئلة سأل عن أبيه، فقالت هيلة باسمة:

- في الصومعة.

ابتسم حمد للقب الذي تسمي به هيلة مكتبة أبيه، وناولها لمى وقصد المكتبة وسلم على والده، ثم صعد إلى الأعلى بحثا ً عن أخويه عبير وسعد، وعندما انتهى من المداعبات والقبلات، دخل إلى دورة المياه ونقع نفسه في الماء الساخن، وسكن هناك وسط الأبخرة، وأغمض عينيه وأحس بتعب
شديد وخدر ورغبة في النوم.خرج من الحمام، وقصد المطبخ حيث كان العشاء معدا ً، تناوله مع أخوته، حيث أن أبوه لا يتعشى منذ سنة كإجراء لمكافحة كرش برزت له مؤخرا ً.

عندما انتهى كان فراشه الوثير يهمس له همسات غير مسموعة، وجفناه يغالبانه، فترك أخواته اللواتي كن يثرثرن بأحداث اليومين السابقين، وعندما حط برأسه على الوسادة خطرت له فكرة.

نهض وفتح جهازه الراقد، ثم عندما ظهر سطح المكتب الذي تمثله صورة لشاطئ من جزر الأزوريس، نقر نقرتين ليفتح المتصفح واختار من مفضلته منتدى ( أقلام بلا اتجاه).

جعل يفكر وهو يراقب المنتدى، ويتجاوز شروط التسجيل بمعرف له، ثم توقفت عيناه عند المؤشر الراقص، والعبارة التي تطالبه بإدخال اسم مستخدم، حدث نفسه، أريد اسما ً جميلا ً، اسما ً معبرا ً وغير تقليدي، غامض، يعبر عن شخصية متوازنة، ذكية.

توافدت إلى ذاكرته مجموعة من الأسماء رفضها كلها، كان ذهنه مجهدا ً، أحس برغبة شديدة في النوم، فكر في إرجاء التسجيل إلى الغد، ولكن فجأة لمع في ذهنه اسم ( ضوء في آخر النفق)، كتب الأسم بسرعة، لحظات ثم ظهرت أمامه العبارة الشهيرة ( ضوء في آخر النفق شكرا ً لتسجيلك سيتم إرسال.......)، أطفأ الجهاز وغاب في عالم الأحلام.



الفصل الثالث
عندما استقبل الجهاز كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة مساءا ً، كان قد عاد للتو من عند أصدقائه، تساءل وهو يخلع ملابسه عن كنه هذا اليوم الذي مر سريعا ً.

تفقد بريده الألكتروني بسرعة ثم قصد المنتدى، فرح عندما وجد أن هناك فصلا ً جديدا ً من ( صفحات حب تذروها الرياح) لابد أنه نزل خلال عطلة نهاية الأسبوع عندما كان في البر، فتحه في صفحة جانبية، ومضى يتفقد القصص الأخرى محتفظا ً بما يعجبه.

عندما انتهى قطع الإتصال، ومر بسرعة على القصص التي فتحها، محتفظا ً بالفصل الرابع من رواية الصفحات للآخر، وعندما لم يتبقى إلا هي نظر إلى الساعة، كان قد بقي على موعد نومه الساعة إلا ربع، نهض إلى المطبخ وأحضر له عصير ليمون، وأراح قدميه على حامل خاص بهما، وتراجع بكرسيه ليفسح مجالا ً لراحته، ثم بدأ بالقراءة.

كانت الرواية قد توقفت في الفصل السابق عند عزم بطلها ( خالد) على تثقيف نفسه ليرقى إلى مستوى حبيبته الكاتبة ( نورا)، وبدأ الفصل الرابع بالكلمات التالية ( هو العشق، هو الوله، هو الهوس، ما قاد خطاه التي حفظت دروب النزهات والرحلات والإستراحات إلى دروب جديدة، استنكرت قدماه الطريق الذي تدوسه، استنكر أنفه رائحة الكتب، بعد سنوات من تعود رائحة الشيشة والدخان الذي يطلقه أصدقائه، استنكرت عيناه صفوف الحروف كأنها صفوف عدو مرصوص.

عندما ولج المكتبة ذاك اليوم، ظن أن الكل يحدق به، ككلب دخل مطعما ً على حين غرة، خشي أن يخلع المحاسب السوداني العجوز نعله ويلحق به ليطرده، مضى خائفا ً يتلفت ووقف بين الصفوف، تطاولته الكتب وكاد يسقط بين العناوين الهائلة ( مأزق الثقافة العربية)، ( طرائق الحداثة)، ( المضمر في النثر العربي)، أسكرته العناوين ففر إلى قسم آخر، لتصفعه من جديد عناوين أخرى ( التغيرات السيكولوجية لدى ضحايا الحوادث)، ( دراسات أنثروبيولوجية لشعوب أفريقيا الوسطى)، فر من جديد وهو يلهث، فوقعت عيناه على لوحة كتب عليها قسم الروايات والقصص، لاذ بها ووقف في كنفها يلتقط أنفاسه، ثم رفع بصره الكسير إلى العناوين ( حفلة التيس) تيس؟ هل أخطأ؟ ربما هذا القسم البيطري، لا... هذا قسم القصص والروايات، ما الذي أتى بالتيس هنا؟ عجيب... جذب الرواية ذات الغلاف الصارخ، وقرأ اسم المؤلف ( ماريو بارناس يوسا)، أعادها إلى مكانها ومشى قليل لتقع عيناه على غلاف جميل تتصدره فتاة وقرأ اسم الرواية ( ابنة الحظ)، تناولها وقلبها قليلا ً بين أصابعه التي لم تتعود نعومة الورق ولا خربشات الحبر، راقت له فحملها ومضى يبحث عن.....).

توقف حمد عن القراءة، وتراجع ليفرك وجهه وعينيه، يا إلاهي ما كل هذا؟ لقد حملني هذا الكاتب إلى هناك، إلى عالم هذا الشاب المسكين، هذه الرواية – قال لنفسه- ذات لون وطعم ورائحة، طعمها حريف في فمي، مذاقها لذيذ، دقة الوصف واللغة تغريني، تثيرني، تهيجني.

عاد من جديد يلتهم الفصل الرابع، وعندما أتى عليه أحس بالجوع إلى مثل هذه الحروف، إلى مثل هذه الكلمات والتعابير، كيف يشقى من يملك قلم كهذا؟ تساءل، والتفاصيل... هذه التفاصيل التي تبعث في النص روحا ً، ترق... ترق فكأنما تغادر الورق لتتجسد على أرض غرفته، تداعبه وتعابثه، والسخرية المبطنة للكاتب من بطله ومن الظواهر الإجتماعية ومن أخطائنا التي نواريها عن الناس وحتى عن أنفسنا.

ولأول مرة منذ سنوات، يحس بألفة وتعايش مع كاتب، ويحس بأنه يعرف الكاتب منذ عقود، وأن الكاتب يخاطبه هو، يحكي له هو، كأن هذه الحروف صيغت لتناسب عقله، لتلامس روحه، ولأن للرواية كل هذا العمق فربما لذلك احتفى بها القليل من رواد المنتدى.

أحس برغبة شديدة في التعرف على الكاتب، مجالسته، تذكر ما أخبره إياه مروان بأن الكاتب يقطن في المنطقة الشرقية، ولكن ما قيمة المسافات مع عقل كهذا، لا تهمه المسافات، هو الذي يجتاز مئات الكيلوات ليتمدد تحت شجرة، أو ليستمتع بزهرة تتأود ونحلة تطن حولها، ألا يسعه أن يطوي الأرض ليجالس إنسانا ً أعجبه عقله؟

فتح صفحة بيضاء على الوورد، جعل يتأمل المؤشر يرقص عابثا ً فيما عقله مشحون بالكلمات، كتب ومسح، ثم كتب ومسح، ثم تأمل بقايا كلماته، ثم في النهاية وصل إلى الصيغة التالية للرسالة التي نوى إرسالها إلى ( قلم بلا اتجاه):
( عزيزي قلم بلا اتجاه

الساعة الآن تقترب من الواحدة ليلا ً وكل ما يشغل فكري هو كيف أصوغ حروفي لك، قرأت روايتك الرائعة، فوجدت نفسي أعانق كل حرف من حروفها، مبدع أنت يا سيدي، لا يتأبى عليك حرف ولا يجمح، وتنسال أحرفك إلى قلبي، سيدي وجدتك ما بين كل حرف وحرف، رأيت سحنتك تطل من بين السطور جميلة زاهية، باسمة، ساخرة، قبضت على تجعيدات حروفك وهي تكاد تفر، تمنيت أن أكون بطلا ً من أبطالك، أسير على هدى حروفك، وعندما انتهيت وقفت وتمنيت أن أعرفك، أن أحدثك، أن يسمح قلبك الذي صاغ حرفك بي كتلميذ، سيدي عرفت عنك أشياءا ً كثيرة باحت لي بها حروفك، فهل تسمح لي يوما ً بأن أعاين ما عرفت؟ هل؟

صديق حرفك ضوء في آخر النفق).

لم يتردد لحظة فتح المنتدى، وقصد الرسائل الخاصة، وألصق رسالته هناك، ثم ضغط على زر الإرسال بقوة، وكأنما يمنح الرسالة بعضا ً من مشاعره، ثم بالسرعة ذاتها أغلق جهازه وألقى بنفسه في فراشه، هاربا ً من الأسئلة والخيالات.

* * *

مضى اليوم بطيئا ً لا كسابقه، في الكلية أحس بأن المحاضرين يتلكأون في الكلام، في الشارع أحس كأن السائقين يقودون ببطء، حتى مع أصدقائه أحس بأنهم مملون ثرثارون، حتى الشمس أبت المغيب كأنها تتحدى صبره.

ولذلك عندما جلس أمام الجهاز ينتظر دخول للمنتدى، زفر بكل قوته، مطوحا ً بذاكرة اليوم كلها من ذهنه، تساءل هل تكون نهاية هذا اليوم جميلة؟ هل رد ( قلم بلا اتجاه) على رسالته؟

وجد الإجابة في صندوق الرسائل الفارغ، الذي واطىء فراغ روحه، أحس بكآبة مفاجئة تغزوه، أغلق الجهاز والنت وألقى بنفسه على فراشه وغطى وجهه.

تساءل لماذا لم يرد؟ هل يعقل أنه لم يرى الرسالة حتى الآن؟ لا... لا... مستحيل فبصفته مشرف على المنتدى، لا بد من تواجده اليومي، وهذا يعني أنه رأى الرسالة، لماذا لم يرد عليها إذن ولو بحرف واحد؟ هل هي نرجسية المبدعين؟ أم لأنه يواجه دائما ً برسائل من هذا النوع؟ لا هذا ليس عذرا ً.

أحس بالندم لتسرعه بإرسال الرسالة، لا ريب أنه يسخر مني، لا ريب أنه يظن أني سجلت في المنتدى خصيصا ً لكي أحدثه، آه من حماقتي، لقد عرضت نفسي لهذا الموقف المقيت.

ثم إنه استعاذ بالله من الهواجس والوساوس وقرر أن ينتظر فربما هناك عائق منعه من إرسال الرسالة، سينتظر إلى الغد وحينها يفكر فيما سيفعل.

* * *

عندما جلس نفس مجلسه من اليوم التالي، كان قد قر عزمه على ترك الدخول للمنتدى لآخر لحظة حتى لا تفسد يومه النتيجة، ولذلك جعل يتفقد بريده، ثم تجول بين المنتديات التي تشده وشارك في بعضها، ولكنه في النهاية لم يستطع المقاومة وقصد المنتدى.

كاد أن يقفز من الكرسي فرحا ً عندما وجد الرسالة تنتظره، فتحها بسرعة وجعل يقرأ بصوت هامس:

( عزيزي ضوء في آخر النفق

لقد كانت رسالتك الجميلة مليئة بالمشاعر الطيبة، والتي لا أظن أني أستحقها كلها، سرني أن يعجبك ما خطت يداي، ولكني توقفت أمام سؤالك الأخير وقطبت متسائلا ً عم عساي أرد عليك؟

لي رأي دائما ً ما أصدع به أصدقائي، وهو أنه بين كل كاتب وقرائه حاجز، وأن إعجاب القراء بكاتبهم مرهون ببقاء هذا الحاجز، فإذا زال رأوا النقائص البشرية التي تعمره و لا تعود كلماته كافية ليزهو بها.

عندما سألتني باختصار، هل؟ كان سؤالك يعني بالنسبة لي هو هل أفقد رأيك الجميل بي بأن أزيل الحاجز بيننا، ربما قد لا يعجبك ما تراه يا سيدي، فلذلك سؤالي أنا لك أيضا ً يبدأ بهل تريد أن تزيل الحاجز ما بيننا؟ هل؟

قلم بلا اتجاه).

تراجع في كرسيه بعدما قرأ الرسالة ليفكر بما الذي يقصده قلم برسالته؟ أي حاجز وما هي الأشياء التي قد لا تعجبه في الكاتب، هو عندما أرسل رسالته له، كان يرسلها مدفوعا ً بملامسته للروح التي خلفها، ما أراده وعناه الروح، العقل الذي صاغ تلكم الحروف وشكلها، لا لشيء آخر وليس لديه أحكام مسبقة على الكاتب أو عن شخصيته، لا يوجد في باله تصور شكلي أو أخلاقي للكاتب، كل همه أن يكون بينهما حميمية ومكان يتحدثان فيه وحدهما.

كتب ردا ً مباشرا ً على الموقع، بدون مسودة ولا تصحيح للأخطاء:

( عزيزي قلم بلا اتجاه

عندما أرسلت لك رسالتي تلك كنت مدفوعا ً بحلاوة كلماتك، ونقش حروفك، لم أتوقف للتفكير بحواجز بين الكاتب والقارئ، ولا أرى لها لزوما ً، ولم أفكر بأن هناك تصورات سوف تتغير لو تواصلنا، سيدي أنا لازلت عند طلبي، يحق لك القبول كما يحق لك الرفض، ولكني أردت أن أكسب صديقا ً أعجبني عقله، فإن أحببت أن نتحاور ونتحدث ولم يسبب لك هذا حرجا ً فهذا بريدي دونك، وبإمكاننا الحديث على المسينجر، وندع للأيام إزالة الحواجز.

وشكرا ً لتفهمك.

[************************]

ضوء في آخر النفق)

* * *

لم تعجبه كثيرا ً لعبة الوقت التي صار يلعبها في الأيام الأخيرة، عقارب الساعة تتحداه في كل مكان، في قاعة الجامعة، في المنزل، حتى في جواله وسيارته.

حاول أن يتجاهلها وأن لا يفكر بالساعات القادمة، وأن يعيش لحظته، ولكن علة الترقب صارت تكوي عقله، تساءل عندما استوى على الكرسي في إحدى القاعات الضخمة، عما عساه يكون هذا الرجل، كم عمره، ماذا قرأ؟ ما هي تجربته؟ من الذين أثروا به؟ من هم كتابه المفضلون، هل سخريته هذه التي تطفح من كتاباته تواري وجعا ً كما يتبجح بذلك الساخرون، لم يردعه في الإسترسال في أفكاره، المحاضر العجوز ذو الصوت الخافت الذي دخل وبدأ بإلقاء محاضرته، كان من ذلك النوع من المحاضرين الذين لهم صوت منوم، ومحاضراتهم لا تعدو سردا ً لما حواه الكتاب، فلذلك كان عقله كثيرا ً ما يبحر في القاعة الخافتة.

عاد من جديد محاولا ً رسم صورة لصاحبه الغامض، تخيله بدينا ً يتنفس بصعوبة، أبيضا ً وله لحية خفيفة على الخدين، في عينيه بقايا حزن والتماعة، صموت لا يتكلم وإذا تكلم جاء صوته خافتا ً خجولا ً.

تخيله يجلس في غرفة صغيرة مهملة، تساقط بعض طلاء جدرانها، وبين يديه ورقة مخططة وقلم رخيص قد ضاع غطاءه، وهو يكتب بدون مسودة وبدون أن يمحي شيئا ً، كما قيل أن شكسبير يفعل.

أنقذه من تخيلاته التي طالت كل دقيق من حياة صاحبه نهاية المحاضرة، فخرج مهرولا ً كأنما يهرب من الوقت ومن عقله، بحث عن مروان، فوجده في الكافيتريا يرضي بطنه بجاتوه وقهوة مرة.

جذب كرسيا ً وجلس بجانبه وهو يقول:

- وين الناس؟ ورى ما حضرت المحاضرة.

- ههههه، هذا اللي ناقص، أي محاضرة الله يخلف؟ عسى مهيب محاضرة اللي يكلم نفسه.

- ههههههههه، استغفر الله، ما أحد يسلم منك؟

- لا... من جد عطني وش استفدت من المحاضرة.

- طيب... كلامك صحيح، على عيني ورأسي، المهم اتركنا من المحاضرة، وقلي وش الأخبار؟

- أبد... لا جديد، الجديد عندكم.

- شفت الفصل الرابع من ( صفحات حب تذروها الرياح)؟

- هههههههه، أشوف هالمنتدى صار عيشة لك، كل ما شفتك قعدت تغثني فيه، ياليتني ما علمتك عنه.

- هههههههه، أقول تراك أزعجتني، كأن المنتدى منتدى أبوك، هذي مشكلة القروي لا عرف شيء يبدأ يتمنن.

- المهم، وش فيه الفصل الرابع؟

- قريته؟

- لا... ما فضيت، قاعد أكتب قصتي بنزلها في المنتدى.

- هههههههه، أنت تكتب قصة؟ ههههههههه، حلووووووة، من جدك؟

- ايه وش فيها، حاقرني؟

- هههههههه، لا... لا... ولا شيء، غربل الله أبليسك من متى وأنت تكتب قصص، اه بطني بيوجعني من الضحك، وقصتك هذي وش عنه؟ عن بطوط؟

- بط الله بطنك، على الأقل أنا لو أكتب أسوأ قصة في العالم، بتصير أحسن من خواطرك اللي أنت تكتبها، قال ايش ( أنين الصمت يحكي حكايتي والحزن يسربل قلبي) أقول بلا يسربل بلا خزعبلات، على هالخواطر اللي أنت تكتبها ما باقي إلا تحط بكلة وروج ونبدأ نناديك حنان.

- أح... أح... هالحين خواطري صارت ما هي زينة، مهوب أنت أول واحد كان يشجعني.

- أنا ما شجعتك عشان سواد عيونك، أنا مشجعك عشان تزوجني أختك هيلة.

- هل الله بطنك، أطلب ربك، ما فيه أمل، أصلا ً هيلة ما تنزل لراعي بران مهبول مثلك.

- راعي بران، الحين أنا صرت راعي بران، الوعد يوم الأربعاء، إذا ما جيت تمشي مليون للمخيم.

- المهم، لا توجع رأسي، قصتك تتكلم عن ايش؟ لا تصير مكررة مثل هالمنتديات، كلها واحد يحب وحدة، الإختلاف بس بالمسميات.

- لا... لا... اصبر وتقرأها بنفسك وبعدها بتعرف إنك ظلمتني وأن الفصل الواحد منها يساوي كل خواطرك.

- طيب... نشوف.

* * *

انقضى اليوم بتعبه وكده، وعاد من عند أصدقائه، ككل يوم حتى كاد أن يكون روتينا ً قاتلا ً، استحم ليغسل أعضائه التي بدت مشدودة متوترة كقوس صياد، وعندما استرخى بدنه وعقله، قصد الجهاز وما هي إلا لحظات عاد يسمع الصوت الرتيب الذي يطلب اتصالا ً بالأنترنت.

قصد المنتدى مباشرة فلم يجد جديدا ً، سحب نفسا ً عميقا ً وقصد المسينجر، جعل يتأمل مؤشر المسينجر الذي يمثل شخصين يدوران حول نفسيهما، دارا... ثم دارا... ثم دارا... ولم تفتح أمامه الشاشة إلا عندما كادا يسقطان دائخين من الدوار.

وعندها ظهر له ما انتظره طوال اليوم، طلب الإضافة، ومن دون حتى أن يتحقق أو أن ينظر إلى حروف البريد اختار الموافقة، واتخذت علامة الرجل مكانها وسط صف الأصدقاء، كان لونها أحمر قان ٍ دلالة على أن صاحب البريد ليس متصلا ً الآن.

قام بحضر جميع أصدقائه وهو يدافع تأنيب الضمير، لم يكن يريد أن يشغله عن حواره المرتقب شاغل، كانت لديه اسئلة كثيرة، رغبة شديدة في أن يعرف كنه هذا الإنسان الذي يستتر بظلال الحروف.

مضى الوقت حتى يئس أو كاد، وهو يعلل نفسه بالتنقل بين المنتديات والمواقع، وكان على وشك الرحيل عندما جاء الفرج بالكلمة التي طالما انتظرها ( قلم بلا اتجاه قد سجل دخول)، أمسك أعصابه بقوة، لم يكن يريد أن يظهر لهفته ولا انتظاره.

مرت لحظات ثم بزغت كلمة ( السلام عليكم) لتنهي عطشه، تأنى قليلا ً ثم كتب رد التحية بأحسن منها، انتظر قليلا ً:

- ضوء؟

- نعم، هلا بك أخوي قلم، اسمي حمد.

- أهلا ً وسهلا ً أخوي حمد، أنا سعد.

- هلا والله، وشكرا ً جزيلا ً على لطفك وكرم أخلاقك، وبصراحة أنا بعد ما قرأت حروفك كان عندي رغبة كبيرة في إني أتعرف عليك.

- شكرا ً أخوي، من ذوقك.

- إلا ما قلت لي كم عمرك أخوي حمد؟

- ليه؟ هل العمر يفرق كثير بالنسبة لك؟

- لا...لا... لكن قصدي التعارف عرفنا الآن الأسماء وبعدها ممكن نتعرف أكثر حتى يكن حوارنا واضح، عموما ً أنا عمري 22.

- أنا 19 أصغر منك.

- مو كثير، من الرياض؟

- ايوه، وأنت من الشرقية.

- ما شاء الله... وايش تعرف عني بعد؟

- ولا شيء، بس إنك من الشرقية.

- اها... اليوم بحثت في المنتدى عن مشاركات لك ولكن للأسف ما حصلت شيء، كنت حاب أعرف أشياء عنك من كلماتك.

- لا... أنا جديد في المنتدى، يعني مالي إلا كم يوم مسجل، لكن عندما قرأت قصتك، أحسست أنه وراها أديب حقيقي، مو مجرد هاوي يكتب لمجرد الكتابة.

- شكرا ً لإطرائك حمد، والحقيقة أنا اكتب من سنوات، يمكن هذا هو اللي ساعد على انه تكون كتاباتي نوعا ما ً جيدة.

- جيدة... حلو التواضع، لكن الواقع أن كتابتك لها مذاق خاص، إلا بصراحة ما فكرت تنشر رواية.

- بصراحة لا، وما أفكر حاليا ً بالشي هذا ولي أسبابي، وبعدين السؤال يرجع لك، أنا بناءا ً على رسالتك أجد عندك لغة سليمة وقلم جميل، ومع ذلك ما أشوف انك نشرت شيء.

- بصراحة أنا مجالي الخواطر، وصعب إني أكتب رواية.

- ليه؟

- الرواية تحتاج إلى فكرة، وأنا كل اللي عندي حروف، أنا أقدر أشكل الكلمات على كيفي، لكن الرواية محتاجة أكثر من الحروف، محتاجة هدف، بطل، أحداث، حوار، أشياء كثيرة ما أجدها في نفسي.

- طيب، هذا ما يمنع أنك تجرب، وبعدين الفكرة او القصة تجي بشكل تراكمي، تبدأ بسيطة وتظل تتغير وتتبدل مع المضي في الكتابة، قليل من الكتاب اللي يكتبون الرواية وهم عارفين بالضبط كل أحداثها، بالعكس تلاقيهم يعدلون على الأفكار أثناء الكتابة، عموما ً أنا الآن مضطر للخروج مسرعا ً، ولكن بيننا موعد آخر، لندع هذا اللقاء كلقاء تعارف بينما يكون لقاءنا التالي لقاء تبادل للخبرات.

- طيب، راح أفكر في كلامك.

- ممتاز، لقاءنا الثاني يكون بكرة؟

- بكرة الأربعاء، لا... ما أظن مناسب لي، أنا بكرة وبعده بكون خارج الرياض، مساء الجمعة يناسبك؟

- تم... توصي على شيء؟

- سلامتك.



الفصل الرابع


حمل ذكرى هذا اللقاء القصير معه إلى المخيم، وحدث نفسه بأنه ستكون هناك حوارات قادمة وجميلة بينهما، وحينها سيعرف كيف اكتسب صاحبه هذه القدرة على التقاط الفكرة، ومعالجتها بلغة ساخرة جميلة، سيتعلم منه كيف يخلق شخصياته ويبث فيها روحا ً فتدب خارج الورق كأنها أطياف للبشر حولنا، ولكن كل هذا سيكون عندما يعود أما الآن فسيفرغ نفسه للاستمتاع بالجو والأرض الموشاة بالزهور.

كانت المجموعة نفسها التي جاءت الأسبوع الماضي، ومضت أيامهم كما تمضي عادة لا مفاجئات، وعندما قفل راجعا ً يوم الجمعة كان يحس شوقا ً ورغبة في الإسراع ليحادث سعد، كما تمنى أن يكون قد أضاف جزاءا ً جديدا ً من روايته.

* * *

جلس أمام الجهاز بعد ما انتهى من تحية أهله، كان جلده لازال رطبا ً من الماء، بعد الإستحمام السريع، والوجبة الخفيفة التي تناولها أعطته شعورا ً بالرضى، وعندما دخل كان سعد موجودا ً، كتب بنقرات سريعة من أصابعه النحيلة:

حمد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حمد: مساء الخير.

سعد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلا ً أهلا ً، الحمد لله على السلامة، من طول الغيبات جاب الغنايم.

حمد: أي غنائم؟ وش قالوا لك رايح حرب، كان إنك تبي ضبان وجرابيع ممكن، هذي غنائمنا.

سعد: ههههههههه، مهوب أنت مسافر؟

حمد: لا... أنا مخيم، عادتنا أنا ومجموعة شباب نخيم كل نهاية أسبوع من يوم الأربعاء العصر إلى عصر الجمعة.

سعد: اها... وأنا على نياتي قلت الرجل شكله معتمر وإلا مسافر لديرته، أثرك تطارد ورى الجرابيع.

حمد: ههههه، إلا كيف الحال؟ وشولنكم؟ بشرنا عنك؟ نزلت شيء جديد.

سعد: بخير، تقصد الرواية؟ لا... لا... بكرة بنزل الفصل الجديد.

حمد: والله لو تدري قد ايش أنا متحمس لروايتك، كنت أفكر فيها أمس الخميس، بصراحة أعجبتني كثير.

سعد: من ذوقك.

حمد: لا من جد، حتى إني اليوم جاي وناوي افتح معك تحقيق، ههههههه.

سعد: ههههه، تحقيق؟ الله يستر في ايش؟.

حمد: أبي أعرف كيف وصلت لهالمستوى في الكتابة، لمن تقرأ؟ ولمن تكتب؟ كيف تأتي بالفكرة؟ ايش هي طقوسك في الكتابة؟ يعني أتمنى أعرف
كل الأشياء التي أدت إلى أنه يكون لك مثل هذا الأسلوب الجميل.

سعد: الله... الله... كل هذا؟ لا يكون ناوي تناسبني.

حمد: ههههههه.

سعد: طيب يا سيدي، ابشر بسعدك، برد على كل أسئلتك، لكن قبل ما أتكلم بقترح اقتراح.

حمد: تفضل.

سعد: أريد أن نكتب بالفصحى، لأنها لغة التفكير بالنسبة لي، والكتابة بها أسهل، فما رأيك.

حمد: طيب... أقصد حسنا ً.

سعد: ههههههه، عادي خذ راحتك لا تحمس بعدين يجيك شد وابتلش فيك.

حمد: لا تخاف علي، المهم أنت تكون مرتاح وأنا ماراح أقطع استرسالك، لكن لو سمحت لي بوقفك بين فترة وفترة حتى أسألك استيضاحا ً.

سعد: جميل، من أين أبدأ؟

حمد: أولا ً لمن تقرأ؟

سعد: برأيي أن هذا السؤال ليس مهم كثيرا ً، صحيح أن أفكار الكتاب التي يبثونها في كتبهم قد تؤثر على الإنسان وتعيد صياغة تفكيره، ولكن الأهم هو ما الذي أقرأه وكيف أقرأه.

حمد: اها.

سعد: بالنسبة لي القراءة تعدت مرحلة البحث، فالقراء عادة أنواع هناك القارئ الباحث عن المعلومة والقارئ المستمتع، والقارئ المتذوق، وأنا أصنف نفسي من الصنف الأخير.

حمد: ما فهمت هذا التقسيم، ممكن توضح.

سعد: حسنا ً، القارئ الباحث عن معلومة، لا يهمه كاتب بعينه وإنما هو يدور بين الكتب باحثا ً عن معلومة محددة، أو موضوع محدد، وقد لا يخرج من عشرات الكتب إلا بصفحات معدودة.

سعد: أما القارئ المستمتع فهو القارئ الذي يقرأ في لون واحد أو أكثر من ألوان الكتب لا يجاوزه، فهو مثلا ً يقرأ في الشعر فقط، أو يقرأ روايات، بمعنى أنه قارئ انتقائي يقرأ ما يعجبه فقط، ولاتهمه المعلومة بشكل أساسي.

حمد: والقارئ المتذوق؟

سعد: القارئ المتذوق، هو القارئ الذي عقد صلحا ً مع الحروف، فلم يعد يهمه ما يقرأ فهو يقرأ ويخرج من كل ما يقرأ بمفيد، أعطه رواية، كتابا ً سياسيا ً، كتابا ً نقديا ً، قصيدة، كتابا ً فيزيائيا ً يخرج منه بفائدة، ويفلسف الكتاب بطريقته الخاصة، أنا هذا الرجل.

حمد: ما شاء الله... لا إله إلا الله، يعني انسان موسوعي.

سعد: ههههه، لا ليس بهذا المعنى، القارئ الموسوعي يهدف أولا ً لجمع المعلومة، فقراءاته تكون مركزة بعكس القارئ المتذوق فهو علاقته مع الحروف تتعدى إلى علاقة صداقة، فهو لا يهمه قدر ما عنده من المعلومات بقدر ما عنده من الروح التي اكتسبها والعقل الذي تفتح.

حمد: يعني كذا أنت تقرأ في أكثر من مجال.

سعد: بالضبط، أنا أفضل النظرة الشمولية للحياة، فلذلك لابد حتى تفهم الأحداث التي تقع حولك، لابد أن تكون لديك معرفة بدوافع الأحداث، سواءا ً كانت دينية أو اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية، وعندما تأتي تكتب تستفيد من هذه المعارف في كتاباتك.

حمد: ممتاز، طيب كيف تفيدك هذي الأشياء في كتابة الرواية؟

سعد: عندما تكون نظرتك للواقع شمولية وفهمك للدوافع مبني على تعدد المسببات، فأنت تقدر تعطي أبطالك ورواياتك الأسباب الواقعية للتصرفات، ويصبح أبطالك ليسوا مجرد حبر على ورق أو اسماء مجردة، بل تحس بأنهم موجودين على أرض الواقع وربما يقطنون البيت المجاور لبيتك.

حمد: لمن تكتب؟

سعد: للقارئ بكل أنواعه، للقارئ المثقف الذي يقرأ ما بين سطوري، للشاب الحالم، للفتاة التي تفتش عن كلمة حب، للمقهورين وللسعداء، للضاحكين والباكين.

حمد: جميل، ولكني تحدثت عن كتاباتك مرة مع أحد أصدقائي، وقال لي إنك كاتب رائع ولكن أسلوبك متعب وفلسفي وفوق مستوى القراء، وهذا يعني أنك تكتب لفئة معينة.

سعد: هل أطلعت على بريدي؟ هههههه، يا عزيزي لو أطلعت على بريدي لرأيت أن كثيرين أرسلوا لي يمتدحون ما أكتبه ويسألونني عن رأيي في مواضيع شتى، أنا أرى أن ما أكتبه في المنتدى محاولة للتغيير، تغيير نمط كتابة الرواية الشعبية، ولي منهجي في ذلك.

حمد: لحظة... لحظة... ايش... أقصد ماذا تعني بالرواية الشعبية وما هو منهجك في تطويرها.

سعد: الرواية الشعبية يا عزيزي ما تراه أنت الآن على جنبات المنتدى، روايات كثيرة جدا ً، الكل يكتب الرواية بدون استثناء، حتى الذين لا يلمون بأصولها وطبعا ً النقاد الآن منصرفون عن هذه الروايات، لماذا؟ لأنها مليئة بالغث ولغتها مغرقة في العامية، والكثير منها لا يستوفي شروط الرواية، ولكن عندما نقوم نحن بمقاربة هذه الروايات إلى الروايات المنشورة، سنحصل على رواية شعبية قادرة على المنافسة والوصول للجميع، ثم إن هناك تجارب جميلة جدا ً، وروايات خرجت من نطاق الانترنت بعدما صقلت بالتجربة.

حمد: ولكن هذا صعب يا سعد، لأنه أكثر كتاب الروايات في المنتديات هواة، هذا أولا ً وثانيا ً رواياتهم يا أما نسخ مكررة من بعض أو هزيلة وضعيفة.

سعد: هذا في الوقت الحالي لحداثة التجربة، ولأننا ما زلنا في البداية، إذا الانترنت نفسه لم يمض على وجوده إلا بضع سنوات، فالرواية الشعبية الانترنتية لازالت جنينا ً يتخلق وسيأتي اليوم الذي تولد من رحم التجربة والخطأ، سيأتي اليوم الذي تنتج فيه المنتديات وبالعمل الجماعي روايات قوية بإمكانها النزول للسوق، حتى أني أحلم باليوم الذي أجد فيه رواية فاخرة الطباعة على أرفف المكتبات بقلم مجموعة من كتاب منتدى ( أقلام بلا اتجاه).

حمد: رواية متعددة الكتاب؟ ما أدري لكن أحس الفكرة صعب تتحقق.

سعد: لما لا؟ تخيل مجموعة شباب أحدهم يأتي بالفكرة ثم يتعاون معه البقية في صياغتها وتنقيحها والبحث عن مصادر المعلومات لتغذيتها ورسم شخصياتها وتدقيق أحداثها، ثم يكتبونها بأسلوب جميل ولغة جماعية راقية، ويعود البقية ليقرأوها وينقحوها.

حمد: فكرة خيالية جدا ً وإن كانت حلما ً رائعا ً.

سعد: لا أدري ولكني الآن أغالب لساني حتى لا أفشي لك سرا ً، ولكن ربما إحساسي بالراحة معك، وإعجابي بك سيجعلني أفشيه لك مبكرا ً.

حمد: ما هو السر؟

سعد: لقد بدأت فعليا ً بتأسيس هذه الجماعة، بحكم أني المشرف على منتدى القصص والروايات، والآن بالإضافة لي يوجد عضوان انتقيتهما من المنتدى من أفضل الكتاب وخاطبتهما بالفكرة وقد وافقا بحماس.

حمد: معقول؟

سعد: نعم ولكن ما زلنا بحاجة إلى مزيد من الأعضاء حتى نبدأ الإنتاج، أفكر بأن تكون لي أنا وأحد الأعضاء الكتابة وللبقية المراجعة وطرح الأفكار، وبهذا الشكل سيكون لدينا انتاج نفخر به، وإذا نجحت التجربة بإمكاننا أن نرتب لنشرها بشكل علني وتعميمها، وربما الظهور في برامج تلفزيونية للحديث عنها.

حمد: ما أصدق أذني هذا مثل حلم، طيب فيه إمكانية إني أنضم لهذي الجماعة؟

سعد: بصراحة أنا أفكر بالشيء هذا منذ قرأت رسالتك، ولكن كيف أقدر أقنع الأعضاء الباقين، وأنت ليس لك شيء منشور في المنتدى.

حمد: توني جديد، ما سجلت إلا من فترة قريبة.

سعد: هذا قانون العضوية الأول وهو أنه لابد أن نضم الشخص إلينا على أساسين كتاباته والأساس الثاني أن يكون مسجل في المنتدى، لأننا كيف نحكم على كتابته ونحن لم نقرأ شيئا ً له.

حمد: يعني لازم أكتب شيء وانشره بأسرع وقت.

سعد: ليس أي شيء، اكتب فصل من رواية وانشره وأنا اقنع الأعضاء بضمك.

حمد: طيب... راح أبدأ من اليوم، بصراحة أنا هذا مثل حلم لي، طيب... يا خي ضيعت صرت أخلط عربي على عامي على أردو، حسبي الله على عدوك أنا تحمست وضاع الكلام.

سعد: ههههههههه، خذ نفس وركز أفكارك.

حمد: طيب... الآن كيف راح تكون الجماعة هذي، وكيف راح تكون اجتماعاتكم، ومن الأعضاء فيها.

سعد: الأعضاء لن أكشف لك أسمائهم حتى تنضم لنا، أما الجماعة فسيكون مركزها الرئيسي المنطقة الشرقية لأنه حتى الآن هناك عضوان أنا وآخر من الشرقية، والعضو الثالث أو على الأصح العضوة من الرياض، أما الاجتماع فسيكون مرة في الشهر بالإتفاق، وحضوره إلزامي للشباب، أم البنات فحضورهن سيكون صوتيا ً فقط عن طريق التلفون.

حمد: ممتاز، وكيف سيكون العمل؟

سعد: سنبدأ أولا ً بطرح القصة والنقاش حولها ورسم تسلسل حوادثها الزمني، وشخصياتها، وبعد الإتفاق على ذلك نقوم برسم الشخصيات وتحديد معالمها، ثم بعد ذلك نجري الأبحاث الخاصة بوقائع الرواية وأماكنها، مثلا ً لو فرضنا أن الرواية تدور في العصر العثماني، فعندئذ ٍ لابد من أن نلم بالأماكن والحياة اليومية في ذلك العصر والأزياء وغيرها، وبعد هذا كله نبدأ بالكتابة، وبعدما ننتهي تأتي مرحلة المراجعة والتنقيح، ثم القراءة النهائية والإتفاق على الرواية وفي الأخير طرحها للطبع ونشرها.

حمد: فكرة عظيمة جدا ً، ولكنها تحتاج جهدا ً كبيرا ً.

سعد: وعمل جماعي، اليد الواحدة لا تصفق.

حمد: طيب، لماذا عدد الأعضاء محصور بخمسة، لماذا لا تطرح الموضوع في المنتدى في إطار مشروع ضخم يساعد فيه كل كتاب المنتدى، ويتم طرح الرواية بإسم المنتدى؟

سعد: فكرت بهذا الشيء في البداية، ولكن كما قلت لك أكثر كتاب المنتدى الآن من الهواة، والعمل بالشكل هذا سيتشتت، ثم إن الرواية العامة تكون مفضوحة ولا فائدة في طرحها للسوق، لأن بوسع أي شخص قرائتها من الموقع مباشرة.

حمد: صحيح، ولكن باب الإنضمام للمجموعة مفتوح.

سعد: أكيد، لو مثلا ً بدأنا بكتابة الرواية ثم ارتأينا أنه هناك كاتب في المنتدى سيفيدنا فإننا سنخاطبه ونحاول الإستفادة منه.

حمد: وهذه الجماعة سيعلن عن نشاطها في المنتدى؟

سعد: لم نقرر بعد، أنا أرى التكتم على الموضوع ومفاجأة الأعضاء في النهاية، والبعض يرى نشر الموضوع حتى نزيد حماس الأعضاء ونقوي المنتدى ونجذب الكتاب الذين قد يرغبون بالإنضمام للجماعة.

حمد: بصراحة يا سعد لقد قلبت أفكاري.

سعد: حلم جميل أليس كذلك؟

حمد: جدا ً

سعد: حلم يتحقق بإذن الله.

حمد: طيب... وش الصعوبات التي تتوقع تواجهنا؟

سعد: في البداية، سنواجه صعوبات في الإنسجام بين الأعضاء ومحاولة التفكير كواحد، مشكلة التكاسل التي ستصيب البعض بعد ذهاب فورة الحماس في البداية وخصوصا ً في المشاريع الطويلة مثل هذا.

حمد: وكيف يتم التغلب على هذه المشاكل؟

سعد: كل شيء في وقته حلو كما قيل، ثم إن تقسيم العمل يساعد نوعا ما في حل مشكلة البطء، وبإمكاننا الحفاظ على فورة الحماس لو قمنا بتقسيم العمل إلى مراحل ونفذناه بشكل متتابع بحيث يحس الجميع بالإنتاجية ويتحمسون للنهاية.

حمد: جميل جدا ً.

سعد: وأتمنى أنك تكون معنا في العمل هذا.

حمد: بإذن الله، سأبدأ من اليوم بالكتابة، الله يعنني على البحث عن قصة مناسبة.

سعد: حمد أنت لغتك جميلة، كل ما تحتاج إليه هو التركيز على الأفكار، حاول تبحث عن فكرة غريبة، وتعالجها بأسلوب جديد وستنجح بإذن الله.

حمد: يعين الله.

سعد: طولنا عليك.

حمد: بالعكس هذي أبرك الساعات والله.

سعد: الله يسلمك وننتظر جديدك.

حمد: خير إن شاء الله.

سعد: توصي شيء؟

حمد: سلامتك.

سعد: في أمان الله، مع السلامة.

حمد: مع السلامة.

* * * * * * * * *

الفصل الخامس

أشعلته تلك المحادثة مع سعد، فلم يستطع النوم ليلتها، كان عقله يعمل بأقصى سرعة، يفكر بمشروع سعد الكبير، يحلم به، يتخيله واقعا ً محققا ً، ثم يكد مخه بحثا ً عن فكرة لرواية ينافس بها كبار المنتدى.

أذن الفجر وهو بين النوم واليقظة، صلى وعاد إلى البيت وهو لا يكاد يرى طريقه من التعب، نبه أمه إلى أنه سيتغيب هذا اليوم عن الجامعة لأنه لم ينم، ثم ألقى بنفسه على السرير وغاب تحت دفقات الهواء البارد الذي كان يبثه المكيف.

عندما فتح عينيه كانت الساعة قد جاوزت الحادية عشرة بدقائق، نهض وتمطى ثم اغتسل وتناول شيئا ً بسيطا ً من المطبخ حتى لا يفسد غدائه، ثم عاد إلى غرفته بكوب شاي وأفكار مضطربة.

جلس أمام الجهاز وجعل يكتب حروفا ً ثم يمسحها بشرود وهو يستحث عقله بحثا ً عن فكرة جديدة، زفر بضيق ورشف رشفة من الشاي ليطرد من ذهنه مجموعة من الأفكار القديمة المستهلكة، قصص الحب مللنا منها – قال لنفسه – قصص المآسي ضج الانترنت منها وكذلك التلفاز، القصص الهزلية لا تناسب، فيما أكتب يا ترى؟

* * *

استسلم عندما أذن الظهر لعجزه ثم قام ليصلي، أحس براحة نفسية وسعة في صدره عندما ولج المسجد البارد والهادئ، وترك خلفه العالم الضاج بالحركة والأصوات، صلى ركعتين ثم أتبعهما بأخريين، قبل أن يتناول مصحفا ً ويبدأ بالقراءة بصوت هامس.

التفت عليه شيخ كبير كان يصلي بجانبه وسلم عليه، أحس حمد بخشونة راحة يده، ولكن وجهه كان سمحا ً بلحية بيضاء طويلة وتجاعيد كللت الفم والعينين، عندما عاد لقراءة القرآن تساءل عن عدد السنين التي مرت على هذا الشيخ، وعن ماذا رأت عيناه طوالها؟ وما عساه يقول لي لو سامرته يوما ً وما عساه يقص علي؟

عندما قضيت الصلاة وخرج عائدا ً إلى البيت كانت فكرة الرواية قد نبتت في رأسه، فكرة بسيطة – قال لنفسه – شيخ كبير يحكي تجاربه في الحياة، ولكن أين الإثارة؟ أمممم... دعني أرى يكون هذا الشيخ في شبابه قاطع طريق في فترة زمنية قبيل توحيد المملكة، ويقتل رفاقه في عملية فاشلة فيما يهرب هو إلى الجنوب ويختفى في الجبال، ثم... ثم ماذا؟ يتوب؟ نعم يتوب ويقرر طلب العلم ويصير معلم صبيان في قرية من القرى المنثورة على سفوح الجبال ثم يتزوج ثم... ثم يحس بالحنين إلى دياره فيعود غريبا ً ومعه عائلته، ثم... ثم يموت أحد أبنائه بمرض فيما يدخل الأبن الآخر المدرسة النظامية الجديدة ويبتعث للخارج، والأبن الأصغر يصبح ضابطا ً كبيرا ً، لحظة... لحظة... الشيخ هو بطل القصة وهو الذي يجب أن أركز عليه، ما شأني بأبنائه، حسنا ً... من جديد، قلت قاطع طريق ثم يتوب ثم ماذا؟

كان قد وصل البيت وهو يعالج الأفكار والهواجس، أسرع قاصدا ً جهازه حتى لا تطير الكلمات منه، حسنا ً... لا بد من بداية قوية، الحروف الأولى من الرواية هي التي تجذب الناس غالبا ً.

برقت الحروف فجأة في ذهنه كأنما انجابت عنها ظلل من السحاب كانت تحجبها، وبدأت أصابعه وكأنما أصابها مس فبدأت نقرها على لوحة المفاتيح يتسارع ويكتسب نغمة بعث الحروف:

( تلوى جهز في الرمل كصل كبير وهو ينطلق لتنفيذ أوامري، فيما لزم طراد مكانه منطرحا ً على الأرض مترقبا ً لإشارتي، عيني تسبران الركب الذي بدى في الأفق، قافلة... قافلة بعد كل هذه الأيام من الجوع والمسغبة.

كمنا خلف عوشزة موحشة كرأس غول، يدي تقبض على البندقية، وجهز مازال يتلوى زحفا ً كالموت النازل، والقافلة تقترب حتى صرنا نسمع صوت حاديها، وثغاء أغنامها، وبكاء أطفالها.

وعندما استدبرهم جهز، أحكمت التصويب ثم في لحظة برك البعير الذي يحمل المتاع وهو يهدر بعدما ثقبت عنقه رصاصتي، بدأ طراد وجهز يطلقان النار، وأفعمت الجو رائحة البارود، وكسى الدم الأرض وتناثرت أمتعة القافلة.......).

تحلب ريقه من الإثارة، وبدأ يحس بهبات السموم وهي تحثي عليه الرمال، وبدأ يسمع هدير الجمال، وقعقعة السلاح، ورائحة البارود، ويكتنفه الليل الصحراوي القارس.

انتشله صوت أمه وهي تدعوه إلى الغداء من خيالاته ، فنزل وجلس على السفرة شاردا ً، يستمع إلى أحاديث أبيه مع هيلة وملاعبته للمى، وثرثرة أخيه سعد التي لا تنتهي، ووشوشات عبير في أذن أمه بطلبات مكررة، أما هو فليس هنا، هو هناك خلف الآكام والآطام، يفترش الرمل ويتكئ على الصخور، ويشارك نزال وطراد وجهز الأكل من خبز منضج بالرماد ولبن حامض.

- هيه، وين وصلت؟

نبهته أمه من شروده، فقالت هيلة ضاحكة:

- وصل البر أكيد.

أغضى عينيه عن ابتسامات أخوته وأبويه، وضحكات لمى التي لم تفهم شيئا ً بالطبع ولكنها تضحك لضحكهم، تناول طعامه بسرعة ثم فر إلى غرفته.

* * *

مساءا ً، بكر بالعودة من عند أصدقائه، فتح الصفحات القليلة التي كتبها من روايته وجعل يتأملها ريثما يتصل بالانترنت، عاد له عبق التاريخ، وأطياف الماضي البعيد، مائة عام انقضت على التاريخ المفترض لروايته، نزال وطراد وجهز بدوا له كأشخاص حقيقين قابلهم وجالسهم، وربما طلبوا منه أن يساعدهم في قطع الطريق على قافلة.

عندما اتصل أخيرا ً بالانترنت قصد المسينجر أولا ً، وعندما لم يجد سعد هناك، قصد المنتدى وكاد أن يقفز من الفرح عندما وجد الفصل الخامس لرواية ( صفحات حب تذروها الرياح) يتصدر الموقع، حفظ الفصل على سطح المكتب، وقطع الإتصال وبدأ يقرأ بعدما قام بطقوسه من إحضار مشروب وإطفاء النور.

بدأ الفصل ببيت شعر (

فهل غرك ِ أن حبك ِ قاتلي /// وأنك ِ مهما تأمري القلب يفعل ِ

آه... آه... يا امرؤ القيس هل كابدت الذي أكابده - لا أظن - يا امرؤ القيس كنت أنت ابن ملك وشاعرا ً مرغوبا ً، وكنت... وكنت، مما يرغب فيك حبيبتك، أما أنا؟ فما أنا إلا سجين للحروف التي أرجو فكاكها، غريق في تقاسيم الكتب التي صار جسرا ً إلى قلب الحبيب.

كنت أظن في أيامي السالفة السعيدة قبل أن يخترقني سنان الحب، أن البنات لا ينتظرن إلا فارسا ً يأتيهن ممتطيا ً فرسا ً أبيضا ً، حتى وقعت في غرام من أجبرتني على امتطاء الكتب؟ وسلكت طريق الحب وعرا ً وطفقت أدافع الحروف وأستبطن النصوص وأستذوق المشعور والمنثور، وأمضي طويلا ً... طويلا ً... أبتغي في تعاريج القوافي سبيلا، بوقت شحيح وفكر يشب قليلا ً... قليلا ً.

تمر بي أيام يأس أطوح فيهن بالكتب، وأشتم الكاتب وما كتب، ثم أصفق الباب خلفي وأمضي لألف الشوارع شريدا طريدا، وعندما أعود ليلا ً أجد صفحات الكتب تلمع في الظلام التماعا ً وئيدا، ابصر فيه التماعة ثغر الحبيب عندما يتدفق منه الكلام قصيدا.

الآن عرفت أني سأعض أصابعي يوما ً ندامة ً، وأنه سيأتي يوم سيكون لزاما ً علي فيه أن أجمع أشتات عواطفي وأرحل، ولكن بعدما يكون حبها قد خالط مني الشغاف، وأكون بعدها قد عفت كل النساء.

اليوم بكيت، نعم أقولها هكذا وبكل بساطة بكيت كطفل غرير، رغم مرور سنوات طويلة على بكائي لآخر مرة، منذ غادرت عهد الطفولة المندرس وفتلت طوالع شارب يخط علامة الرجولة، تسألني ما الذي أبكاني؟ الذي أبكاني فصل من كتاب.

لا تضحك... لا تضحك... أرجوك، لا تزد ضغثا ً على إبالة، القصة وما فيها أني كنت أتحدث مع نورا، فذكرت لي كتابا ً أعجبها كثيرا ً، فتحمست وطلبت منها اسمه لأقرأه، لا حبا ً في الكتاب ولا الثقافة، وإنما فقط لأمر بعيني على السطور التي مرت عليها عيناها، ولأبحث عن بقايا أنفاسها العطرة على السطور.

قصدت المكتبة، ودفعت من دم قلبي 60 ريالا ً ثمنا ً له، واحتملت صفحاته الخمسمائة، وعدت لأكتشف أي طلسم هو، قلت بهلع - عندما قرأت الفصل الأول منه بلا فهم - لا ريب أن كاتبه عجوز تسعيني كره الدنيا فقرر ذات حقد أن ينتقم من كل البشر، قرر أن يقتل البراءة في الزهور، والضحكة في الثغور، فألف كتابه هذا، وأودعه كل غامض من اللفظ والمعنى، وتعمد التحوير والإنزلاق بين السطور.

حتى غدى كل حرف أقرأه منه يجب ما قبله، فاختلطت علي الحروف وأصبت بالدوار، فأرجأته إلى الغد وعزوت عدم فهمي إلى التعب وقلة النوم، ولكني لم أزدد في الغد إلا خبالا ً، وعندما واطئت خيبة الأمل مني ذلة بكيت، بكيت كبرياء الرجل فيني وعجزي، تخيلت موقفي غدا ً وهي تسألني رأيي في الكتاب فأتلجلج وألوك الكلمات لوكا ً، وما عساي أقول؟ بكيت قلة حيلتي وضعفي، بكيت خزيي وعاري، بكيت تمكن الحب مني وأوجاع قلبي المحتل، ثم عندما انتهيت عدت وبكيت لأني بكيت على أمر لا يستحق البكاء.

تمنيت أن تحط على نافذتي حمامة، لأقول لها كما قال الشاعر القديم:

أقول وقد ناحت بقربي حمامة /// أيا جارتا لو تعلمين بحالي

ولكن أين الحمام في هذه المدينة؟ لو فتحت نافذة غرفتي لوجدت أمامي كهربائيا ً فلبينيا ً يعالج الأسلاك في العمارة المقابلة، ولو أني تجرأت وشكوت له حالي لما زاد أن قال ( هادا بابا ما بي موسيكلا... أنتا في كلام هبو بأدين هدا كويس)، ولهززت رأسي شاكرا ً له هذه النصيحة الهادفة الثمينة............)

* * *

عندما أتى حمد على الفصل، والذي كان في مجمله وصف لمشاعر خالد وتباريح حبه لنورا، أحس بكآبة وزهد في كل شيء، تخيل كيف يمكن أن يؤذي الحب صاحبه.

قام لينام، كان طراد ونزال وجهز والأبل الهائجة والليل الصحراوي، والقصائد النبطية حول النار، قد توارت خلف صورة مظلمة لشاب يحتضن كتابا ً بين يديه ويهتز ببكاء مكتوم، في بيت قديم قد نام أهله.

* * *

أمضى يومه يفكر بما قرأه، وعندما عاد ليلا ً إلى جهازه، وأعاد قراءة ما كتبه هو أحس بهزاله، قال لنفسه " فيما يعالج سعد في روايته موضوعا ً حساسا ً جدا ً بأسلوب جديد ونغمة جديدة، وينقل لنا مشاعر أبطاله بمنتهى الوضوح، أهرب أنا إلى عصر آخر وعالم آخر، إبل وصحاري وقطاع طرق، كل هذا كان هروبا ً، مجرد هروب من الواقع الذي لم أجرؤ على الكتابة عنه لأني لازلت أخاف الحديث والكتابة".

فكر أن يمسح كل ما كتب، وكاد يفعل ذلك، ولكنه تراجع في اللحظات الأخيرة، وفر إلى النت يبحث فيه عما يجن هواجسه، وهناك كان سعد بإنتظاره على المسينجر:

سعد: أهلا ً... أهلا ً.

حمد: السلام عليكم.

سعد: وعليكم السلام والرحمة، هلا والله.

حمد: مساء الخير.

سعد: مساء النور والسرور.

حمد: حسبي الله على عدوك، يا خي الفصل اللي كتبته قلبني فوق تحت.

سعد: هههههههههه.

سعد: ليش؟ وش اللي صار؟

حمد: أمس كتبت فصل، جزء من فصل لرواية وكنت أفكر أنزله اليوم، لكن بعد ما قرأت روايتك تراجعت.

سعد: ليش تراجعت؟

حمد: روايتي كانت عن قاطع طريق عاش قبل عشرات السنين وقصة حياته وغربته.

سعد: ممتاز، جميل جدا ً، ليش تراجعت؟ وايش دخل الفصل اللي أنا كتبته؟

حمد: يا خي حسيت الفصل اللي أنا كتبته تافه، وخارج الزمن.

سعد: ليش؟

حمد: أنت مثلا ً قصتك تعالج موضوع مهم وهو العلاقات عن طريق النت أما روايتي فأيش تعالج؟ موضوع قطاع الطرق المهم؟

سعد: هههههههههههههه.

حمد: من جد، حتى قبل شوي كنت بمسح اللي كتبته.

سعد: أعقل بس، لا تمسح شيء بالعكس أنا أعجبني موضوعك ويهمني أقرأه.

حمد: كيف أعجبك؟

سعد: هذا نوع جميل من كتابة الرواية وصعب جدا ً... جدا ً، وعدد الكتاب اللي برزوا فيه قليل جدا ً، أنت عارف الشيء هذا؟

حمد: أي نوع؟

سعد: هذي تسمى الرواية التاريخية، حيث الكاتب يعالج أحداث تقع في زمن ماضي، وينقل صورة دقيقة لذلك العصر بجميع أبعاده المكانية والنفسية والإجتماعية، أنت يا حمد بدأت بالصعب الذي لم نصل له حتى الآن.

حمد: لكن ما أكتبه بعيد عن الواقع.

سعد: بالعكس ما تكتبه هو الواقع بعينه، أنت عندما تكتب عن قاطع طريق عاش قبل عشرات السنين، فأنت تتكلم عن الإنسان، الإنسان عندما يخطئ، الإنسان عندما يتحول إلى مجرم ووحش، والإنسان هو هو، في كل زمان ومكان ولكن تتغير الوسائل فقط.

حمد: طيب أنت قلت صعب وين الصعوبة فيه؟

سعد: ليس صعبا ً فقط وإنما معقد أيضا ً، مثلا ً قصتك هذه، في أي عصر؟

حمد: ما قبل توحيد المملكة بقليل.

سعد: انظر إلى ماذا تحتاج حتى تكون قصتك كاملة ومرضية، أولا ً إلى معرفة الأحوال السياسية والإجتماعية في ذلك الوقت، أسماء الأمكان التي وقعت فيها الأحداث لأنه ذلك الوقت لا يوجد مدينة اسمها الرياض أو كانت موجودة ولكن ليس بشكلها الحالي.

سعد: لابد أن تعرف أيضا ً أسماء الأسلحة والملابس والأكل وأشياء كثيرة حتى تكون أمينا ً في نقل البيئة التي تدور فيها الأحداث، وأيضا ً تحتاج لتفسير الدوافع السلوكية لأبطالك بناءا ً على ظروفهم هم مو ظروفنا حنا.

حمد: الله... الله... كل هذا؟

سعد: أجل وش تحسب، مجرد تفتح الوورد وتكتب، يا حبيبي إثرك على نياتك.

حمد: يا خي أنا اكتشفت فيك خصلة.

سعد: الله يستر... وش هي؟

حمد: تحب تعقد الأمور.

سعد: ههههههههههههه.

حمد: والله... يا خي وسع صدرك ولا تدقق.

سعد: بالعكس " إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا ً أن يتقنه"، الإتقان مطلوب حتى في كتابة الرواية.

حمد: بس مهوب لهالحد، أسوي أبحاث عشان أكتب رواية، وين عايشين فيه، وش قالولك بصنع صاروخ.

سعد: ههههههههههه. وليش مستهين بالرواية، أنت عارف أنه الرواية والكتابة عموما ً ممكن تأثر في الناس أكثر مما يؤثر فيهم كتاب علمي متخصص.

حمد: ممكن... لكن إذا كل من كتب رواية سوى أبحاث كان ما أحد كتب رواية.

سعد: وهذا اللي صاير الآن، أذهب إلى المكتبات يا عزيزي وأقرأ الروايات المرصوصة على رفوفها، سخافات... لا أقل ولا أكثر، لماذا؟ لأن الكاتب استهتر بالقارئ وكتب له أي كلام، للأسف أجد الروايات الغربية أكثر إتقان من الروايات العربية.

حمد: عموما ً... أنت تغلبني في هالأمور، ولكن خلاصة رأيك أن أنشر الرواية؟

سعد: أنا كان رأيي أنه اختيارك للموضوع جرئ وجديد، لكن الآن نأتي للمعالجة واللغة إذا كانت جيدة فتوكل على الله وأنشرها.

حمد: طيب عندي رأي.

سعد: ما هو؟

حمد: اللي كتبته كله ست صفحات، بكمل الفصل وبرسله لك وعطني رأيك أنشره وإلا لا.

سعد: توكل على الله، سأنتظر الفصل منك.

حمد: طيب... بطلع الآن وأروح أكمله وأرسله لك الليلة.

سعد: ما شاء الله... ما تلعب، حامي بحامي.

حمد: ههههههههههه، توصي على شيء؟

سعد: سلامتك، انتظر الفصل، ما راح أنام إلا لما أقرأه.

حمد: خير إن شاء الله... مع السلامة.

سعد: مع السلامة.

* * *

خلال الساعة التالية لهذه المحادثة، عاد حمد يتنسم رائحة الشيح والقيصوم، ويغوص في كثبان الرمال ومغاور الجبال، ويتسربل الليل البهيم، ويغير مع نزال على القوافل وينهبها.

وعندما انتهى أرسل الفصل إلى سعد، ثم أوى إلى فراشه ونام وهو يحلم بكل ما كتبه ويعيش فصوله.

* * *

عندما نهض في الصباح كان أول شيء فعله هو الضغط على زر تشغيل الجهاز، دخل ليستحم وعندما خرج طلب الإتصال بالنت وجعل يلبس ملابسه ريثما يتم الإتصال، وعندما تم الإتصال قصد بريده بحثا ً عن رأي سعد في الفصل الذي كتبه، وعندما فتح البريد كانت رسالة قليلة الكلمات بإنتظاره، كل ما تقوله هو: " انشرها يا مجنون... انشرها".

* * * * * * * * *




الفصل السادس

أدرج الفصل الأول من الرواية، ثم أغلق النت وفر، فر من البيت ومن هواجسه، يمكننا أن نعتبر ذلك اليوم ساقطا ً من حساب أيامه، فقد كان يقوم بأعماله اليومية بحكم العادة، يمشي بحكم العادة، يذهب إلى الكلية بحكم العادة، يحضر المحاضرات بحكم العادة، لا يحاول إعمال ذهنه هربا ً من الهواجس، وإن كان يتساءل في لحظات الشرود، كيف سيستقبل الجميع الرواية؟ هل ستعجبهم؟ أم ستكون بالنسبة لهم مجرد رواية أخرى؟ لقد أعجبت سعد، ولكن ماذا عن البقية؟ هل؟ وهل؟ ثم عندما يتنبه يعاود الفرار.

* * *

عيل صبره أخيرا ً، ولذلك عندما وصل إلى البيت، قفز الدرج قفزا ً إلى غرفته، غير عابئ بأخته هيلة التي لاحقته بلسانها الحاد بعدما كاد يسقطها، ولكنه لم يسمعها، نسي كل شيء وهو يندفع إلى المنتدى ليريح قلبه.

ولكن واجهته خيبة الأمل عندما وصل المنتدى، لم يكن هناك سوى رد يتيم على روايته التي تذيلت الصفحة الأولى، وحتى عندما فتح الرد لم تواسه كلماته القليلة " مشكور على الفصل الكيووووت ونتريا الياي".

أغلق النت ونزل ببطء إلى الطابق السفلي، عندها تذكر جوعه وإرهاقه، فمضى إلى المطبخ ليخلط خيبته مع الأرز المودع في إناء محكم وقد بلله بخار الماء الذي تجمع على باطن الغطاء، تناول غداءا ً بئيسا ً، ولام نفسه على تسرعه " لو صبرت إلى الليل وأدرجت الفصل عندها لكان خيرا ً لي، لربما وجدت أحدا ً يقرأ لي، ولما قاربت قصتي الآن الصفحة الثانية، ولما اضطررت إلى استجداء الردود لها".

ثم يعود ويقول " لا... لا... سيراها سعد وسيرد عليها، أنا متأكد من ذلك، الصبر... فقط الصبر، هو كل ما علي فعله"، حاول التشاغل باقي اليوم، ذهب إلى أصدقائه كعادته وأنفق ساعاته في سوقهم الفارغ، وعندما عاد تردد قليلا ً بين فتح المنتدى وبين التريث إلى آخر الليل، ثم حسم الأمر وفتح المنتدى والمسينجر في آن واحد.

كانت الردود قد زادت اثنين، قصدهما ولكنه اصطدم بكلمات التشجيع الباهتة، " يالله أين الكتاب الكبار؟ أين سعد؟"، قصد المسينجر وهناك وجد سعد، وبنقرات متوترة كتب:

حمد: السلام عليكم.

سعد: وعليكم السلام، خلك معي لحظة حمد، معي مكالمة مهمة.

حمد: طيب.

مضت دقائق ثم عاد سعد ليكتب:

سعد: معليش حمد أنا آسف الآن، مضطر أطلع، عارف أنه ما تكلمنا حتى الآن، لكن ظرف طارئ.

حمد: لحظة... لحظة... حرام عليك أنا مولع هنا.

سعد: هههههههه، ليه سلامات.

حمد: شفت روايتي؟

سعد: شفتها وبنتكلم عنها بعدين، بكرة.

حمد: وأنا وش يصبرني إلى بكرة، ليه ما رديت علي.

سعد: بقولك بكرة ليه، وبعدين أصبر الرواية توها جديدة ولا انعرفت، المهم أشوفك على خير، مع السلامة.

حمد: مع السلامة.

قالها حمد لنفسه لأن سعد كان قد ذهب، حاول حمد تقليد أبطال الروايات بأن يعض شفته غيظا ً، ولكنه اكتشف تحت طائلة الألم أن هذه عبارة روائية لا أكثر، لو كان مروان هنا لكان عضه بكل قوته على سبيل التنفيس.

"هل سأنتظر إلى الغد؟" تساءل " يا الله... لقد كان اليوم يوما ً طويلا ً وعندما وجدت سعد في النهاية، ها هو يهرب مني، ما الذي حدث؟ لم هرب؟ هل عرض على مجموعته ضمي ورفضوا فهرب من مواجهتي؟ ربما لم تعجبهم القصة، فهي في النهاية مجموعة من الجمِال وقطاع الطرق، أف".

* * *

في الغد كانت روايته قد وصلت إلى الصفحة الثالثة وظل عدد الردود كما هو، ثلاثة ردود هزيلة الكلمات وذات حروف مجامِلة.

ولذلك عندما وجد سعد في المسينجر، سلم عليه بفتور:

حمد: السلام عليكم.

سعد: وعليكم السلام، أهلا ً وسهلا ً بالروائي الجديد.

حمد: كيف الحال؟ أي روائي جديد وكلام فاضي.

سعد: الحمد لله بخير، وين حماس أمس، اليوم بارد، ههههههههه.

حمد: والله من خيبة الأمل وضيقة الصدر، كنت متوقع ردود على الرواية على الأقل منك.

سعد: ههههههههههههه. ولا خيبة أمل ولا شيء. اسمع.

حمد: تفضل.

سعد: أولا ً عذرا ً على اللي صار أمس كنت مشغول وطلعت بسرعة بدون ما نتكلم مع بعض.

حمد: لا عادي.

سعد: ثانيا ً الفصل جميل جدا ً، لكن اصبر المنتدى مثل ما أنت شايف مليء بالقصص والروايات، وصعب الناس تميز روايتك من البداية.

حمد: اها.

سعد: وثالثا ً أنا كاتب رد على روايتك، براجعه اليوم بإذن الله وبنزله.

حمد: جميل.

سعد: ورابعا ً موضوع انضمامك للمجموعة، حتى الآن لم يتم اجتماع، أنا أرسلت للأعضاء رابط روايتك، وبشوف آرائهم.

حمد: طيب فيه ملاحظات على الفصل؟ ما فيه أحد قالك شيء عنه؟

سعد: ههههههههههههه، سبحان اللي صبرك في بطن أمك تسعة أشهر، الرواية مالها إلا يوم نازلة وتبي الناس ترد عليك وتمدحك، اصبر.

حمد: هههههههه.

سعد: وملاحظاتي على الرواية بتجدها في الرد اللي بنزله.

حمد: خير إن شاء الله.

سعد: بس شف، ترى مسوي نفسي ما أعرفك، وردي عليك رسمي جدا ً، وأنت نفس القضية كأنه ما بيننا سابق معرفة وعيش ومسينجر.

حمد: ههههههه، عشان ما حد يقول أنك واسطتي، هههههههه.

سعد: هههههههه.

حمد: طيب، انتظر ردك على أحر من الجمر.

سعد: يا جمر أنت، جمر... وبعارين وقطاع طرق، أثرك وحشي وحنا ما ندري، كنت أحسبك دلوع أمك... طلعت سفاح.

حمد: ههههههههه. المهم توصي شيء؟

سعد: وين؟ تو الناس.

حمد: بشوف دراستي اللي مهملها هاليومين.

سعد: طيب قبل لا تمشي، بطلب منك طلب.

حمد: آمرني.

سعد: إذا ما فيه إحراج ممكن رقم جوالك، لأنه أنا أحس أن علاقتنا في الأيام القادمة أكبر من المسينجر.

حمد: الساعة المباركة والله اللي تتصل علي فيها، هذا رقمي...........

سعد: جزاك الله خير وراح اتصل فيك بعدين، ما أعطلك الآن، مع السلامة.

حمد: مع السلامة.

غادر سعد حمد وهو منتشي، كيف لا؟ وسعد قد تقبله كصديق وطلب رقم هاتفه، الآن سيستطيع سماع صوته وربما جاء يوم وجالسه فيه، سيتخلص من عبث لوحة المفاتيح، وسيداخل سعد، سيصبح سعد واقعا ً مجسدا ً وليس مجرد شبح نتي، والأيام تحبل وتضع.

* * *

أخي ضوء في آخر النفق

قرأت الفصل الأول من روايتك المعنونة ب " سنوات منسية"، ووقفت متسائلا ً أمامها، هل نحن الآن نشهد ولادة كاتب مبدع، حروفك يا سيدي تبدو لي كالضوء في آخر النفق الطويل لمن أتعبه المشي وألتحف الألم.

سيدي لم تخبرنا قبلا ً بأنك ستنقلنا إلى هناك، حيث تتلوى الأفاعي على الرمل، وحيث تغوص أخفاف الجمال في الكثبان وحيث يعلو هديرها، وتلمع الخناجر في الغسق وهي تبحث عن لحم تنغرس فيه.

لم تخبرنا قبلا ً يا سيدي، لنأخذ للأمر عدته وأهبته، كنت أقرأ روايتك وأنا أرتدي ملابس النوم، فوجدتني أقف أمام نزال وطراد وجهز ووجهي يحمر خجلا ً، فيما الرياح والرمال تلسع جسدي.

أعجبني في روايتك الفكرة غير النمطية، والخيار الصعب الذي اخترته، فالكتابة عن زمن ماضي تحتاج إلى أكثر من مجرد حروف وأسطر، تحتاج إلى قراءة مكثفة ومعايشة وجدانية.

أعجبتني اللغة الشاعرية الجميلة، والوصف والذي وإن لم يلم بالتفاصيل ولكنه على الأقل قاربها، لن أستعجل فصولك، ولكني تمنيت أن تبدأ من هذا الفصل رسم شخصياتك، لأني رأيتك في هذا الفصل تركز على البيئة والصحراء، وعندما انتهى الفصل وجدنا أنفسنا لا نعرف إلا أسماء الأبطال، لم نعرف لم يفعلون ذلك، ولا بماذا يفكرون، ولا أي شيء حميمي عنهم.

أرى خلف أفكارك وقلمك الكثير، ولكن ينقصك التركيز على التفاصيل، وإعطاء عناصر الرواية حقها بالكامل.

سجلني قارئا ً مستمتعا ً.

* * *

كان خارجا ً من القاعة بعد نهاية المحاضرة المملة عندما وجد مروان أمامه، انتبه الآن أنه لم يره منذ أربعة أيام، لا بل خمسة، رآه لآخر مرة الجمعة الماضية عندما تركوا المخيم واليوم الأربعاء، هل مضى الأسبوع بسرعة؟ أم ماذا؟

ابتسم مروان وصافحه وهو يقول عاتبا ً:

- وين الناس يا القاطع؟ زعلان علينا؟

- هلا والله... هلا والله، أنت اللي وين الناس؟

- موجودين، أنت اللي ما لك شوفة، أمس وقبل أمس أدورك بعد المحاظرات ولا أحصلك.

- دنيا ومشاغل الله يعين، وكيف حالكم؟

- الحمد لله، ترى نتيجة الإختبار الأول طلعت.

- لا... بشر عسى نتائجنا زينة؟

وهكذا غاص الإثنان في أحاديث تتناول الإختبارات والمواد، وآخر الأحداث، حتى وصلا البهو الجامعي، حيث جلسا بعدما تناول مروان كأس شاي وتناول حمد عصير برتقال طازج.

قال مروان محولا ً سياق الحديث بعد رشفة من الشاي:

- كيف النت معك والمنتدى؟

- نزلت فصل من روايتي؟

- روايتك؟ ما شاء الله ومن متى صرت تكتب روايات؟ وبعدين ما علمتنا ولا شيء؟ ما لك حق.

- لا... لا... الموضوع جاء بشكل سريع، وبعدين هي تجربة، ولا لي إلا يومين منزلها.

- وش اسمها؟ عشان أقرأها وأضحك على أسلوبك.

- اسمها " سنوات منسية" وبعدين بدري عليك تضحك علي، هذي الرواية تحتاج عشرين سنة عشان تكتب مثلها.

- آآآآآآه... عشرين سنة، شرط أنك ناقلها من سلسلة قصص " أنا الطفل الصغير".

- ههههههههههه، الله يرجك.

- وش تتكلم عنه؟

- اقرأها وتعرف.

- طيب اطبع الفصل، وهاته معك للمخيم نقرأه ونشوف.

- يصير خير.

* * *

عندما عاد إلى البيت قرأ رد سعد، فكر أن يكتب ردا ً سريعا ً، ولكنه أرجأ الفكرة إلى حين عودته من المخيم، حتى لا يكون الرد مرتبكا ً وغير مناسب، واكتفى بطباعة فصل روايته الوحيد.

احتمل عدته، وودع أبويه وأخوته وانطلق في طريقه، كانت الشمس آخذة في المغيب عندما حاذى الطريق الصحراوي، فتح النافذة وجعلت يعب من الهواء الساخن الآخذ بالبرودة، وزفر بقوة مودعا ً الأسبوع الماضي بتعبه، ومستقبلا ً اليومين الأخضرين القادمين.

كان شاردا ً يراقب تعرجات الأرض والظلال التي تتمدد عليها بفعل أشعة الشمس الأخيرة عندما تنبه على رنين هاتفه الجوال، أبطأ من سرعته وتناول الجهاز من جيبه، كان الرقم الذي يتألق على الشاشة رقما ً غريبا ً، ضغط زر فتح الخط الأخضر، ليتدفق صوت عميق هادئ إلى أذنه، عميق كأنه قادم من بئر معطلة في مفازة وعثاء.

- السلام عليكم.

- وعليكم السلام، هلا.

- حمد؟

- هلا... معك حمد.

- كيف حالك حمد؟ أنا سعد.

- أهلا ً... أهلا ً... أهلا ً، ما توقعت إنك بتتصل اليوم.

- هل الوقت غير مناسب بالنسبة لك؟ تحب اتصل في يوم آخر؟

- لا... لا... هذي الساعة المباركة، يالله حيه.

- حبيت اسمع صوتك، وأيضا ً يكون معك رقم جوالي.

- اها... يا هلا والله.

- وضعت الرد اللي قلت لك عليه في المنتدى.

- قرأته اليوم الظهر، الله يجزاك خير، بصراحة رد يبرد الكبد، وراح أرد عليك إن شاء الله برد يليق بك.

- الله يخليك يا رب، إلا على فكرة حمد أنا جاتني فكرة مجنونة شوي، وقلت أشوف إذا تشاركني جنوني وإلا لا؟

- تفضل، وش هي؟

- ايش رأيك تتغدى معي بكرة في الشرقية؟

- كيف؟ أتغدى معك؟

- أنا فكرت نلتقي، وبصراحة الأيام القادمة بتكون أيام امتحانات وراح يمكن ننقطع بحدود الشهر عن بعض، وبصراحة الكلام عن طريق المسينجر، أو حتى الجوال ما هو كافي، فلذلك قلت أعزمك بكرة على الغداء لو حبيت عندنا في الشرقية، ونجلس مع بعض العصر والمغرب ولو حبيت حتى تنام عندنا أهلا ً وسهلا ً فيك.

صمت حمد صمت القبور بعد كلمات سعد، وجعل عقله وقلبه يتنازع القرار في هذه الفكرة المجنونة، ولذلك عندما عاد صوت سعد يسأل:

- حمد؟ ألو؟

- معك؟

- وش قلت؟ إذا يناسبك ممتاز، وإذا ما يناسبك خيرها في غيرها.

- أنت فاجأتني... خلني أفكر... وأشوف ظروفي وأرد لك.

- ممتاز... انتظر اتصالك وقرارك.

وعندما أغلق سعد الجوال، ظل حمد ممسكا ً به عند أذنه، وقد أوقف السيارة جانبا ً والغبار يحيط بها، ومن يراه يظن أنه وقف ليتأمل الشمس التي بدأ قرصها يسقط، ولكن آخر شيء كان يشغل باله هو الشمس.

* * * * * * * * *






الفصل السابع

غابت الشمس وحمد لازال في سدرته، وبدأ الظلام يجن المرئيات حوله بردائه الصفيق، والأفكار تعلو به وتحط، وبدأ السؤال الذي خلفته مكالمة سعد يغلف ذهنه " ماذا أفعل؟ ".

كان الهواء يهب مدوما ً حاملا ً ذرات الغبار، والأعشاب والنباتات البرية تتأود وهي تمر ببدايات اليباس والتحول إلى هشيم ستذروه الرياح يوما ً، وحمد مازال هناك خلف المقود يفكر بعرض سعد.

الفرصة التي يحلم بها منذ تعرف على سعد هاهي تأتيه بكل بساطة، كل ما عليه هو أن يقطع ال 400 كيلا ً التي تفصله عن الساحل الشرقي ويلتقيه، يجالسه، يتحدث معه، يراه ويتخذه صديقا ً من لحم ودم لا صديقا ً شبحيا ً.

ولكن كيف يسافر ويترك أصدقائه والمخيم، ثم هل سيأذن له والداه بالسفر؟ قطعا ً لا، ثم لو أذنا له كيف سيقطع هذه المسافة وحيدا ً؟ فهو لم يسافر قط خاليا ً، كيف وكيف؟ وتداعت الأسئلة على ذهنه تداعي الجدار المقضوض.

تنبه على الظلام الذي لفه وتداخل مع الموجودات من حوله، وأدركته وحشات القفر والليل والوحدة فأشعل أضواء السيارة وانطلق إلى المخيم، وإلى أصدقائه الذين تأخر عليهم، وهو يدافع الهواجس ويحاول التركيز على منعرجات الطريق، حتى وصل المخيم وقاطنوه قد صفوا يصلون بعدما ملوا انتظاره.

توضأ وأدرك الركعة الأخيرة معهم، وعندما انتهوا من الصلاة، أقبلوا يسألونه عن حاله وعن تأخره، فتعذر بطارئ شغله، وانتهز فرصة انشغالهم بإعداد القهوة ليعود إلى كهوف ذهنه.

" أذهب أو لا أذهب، هذه هي المعضلة"، قال لنفسه وهو يرتشف القهوة، " إن ذهبت فدون ذلك أراضي أقطعها، وأهلا ً أقنعهم، وإن رفضت وبقيت في مكاني ندمت بقية الأسبوع، ومن يدري فربما ندمت بقية العمر، آه يا سعد، ماذا فعلت بي؟ لقد كنت أعد نفسي لنهاية أسبوع أودع بها التعب والنصب، فجعلتني أستقبل ما منه فررت".

* * *

لاحظ أصدقائه شروده، وعدم مشاركته لهم أنشطتهم، لم يكن مهموما ً ولكنه كان في أرض أخرى أو عالم آخر، سألوه عما به ولكنه نفى أن يكون هناك شيء، فآثروا تجاهل الموضوع وعدم إزعاجه.

تناولوا عشائهم، وشربوا الشاي حول النار، وجعلوا يتبادلون الحكايات والأقاصيص والسوالف، حتى تمكن منهم النوم، وبدأ عددهم حول النار يتناقص حتى لم يعد هناك سوى حمد.

جافاه النوم رغم تعبه، وقاربت الساعة منتصف الليل، وأسئلته ما زالت معلقة بلا أجوبة، بلا نهاية مغلقة، قلبه يدفعه شرقا ً، وعقله يجذبه أرضا ً، وبين العقل والهوى معركة منذ كان الإنسان.

غلب هواه على عقله عندما أدركه التعب، سيسافر ليلقى سعد هكذا قدر، فالفرص لا تأتي مرتين، سيسافر ضحى الغد، بعد الإفطار سيبلغ رفاقه أنه سيعود إلى المدينة لأن لديه عمل يقوم به هناك، ولن يخبر أمه وأباه بسفره، سيطويه في صدره وفي هذه البرية، وأما السفر وحيدا ً فرغم جزعه وتخوفه منه ولكن جاء اليوم الذي يجب أن يعتمد فيه على نفسه.

استراح قليلا ً بعد هذا القرار، فتح جواله وكتب رسالة قصيرة إلى سعد " أنا قادم ضحى الغد"، وألقى الجوال بجانبه وانطرح بجانب النار الخابية، يتأمل النجوم التي تلمع كباقي الدمع في عين صبي، حتى غابت النجوم خلف جفنيه وهو يتردى في هوة النوم، وفي صمت الليل اهتز الجوال مستقبلا ً رسالة أقصر من سعد تقول " أهلا ً بك".

* * *

فتح عينيه في لحظة، وجد نفسه ما زال في العراء، والشمس قد بدأت رحلة الإرتفاع، وأصوات مروان وعبدالعزيز وهما يصنعان القهوة تصل إلى أذنه كأنها قادمة من الأعلى، من السماء.

نهض متثاقلا ً، وهو ينظر بنصف عين فيما أغلق الأخرى إلى رفيقيه، اللذان انتبها له فبادره مروان قائلا ً:

- ما شاء الله، مهيب العادة؟ نايم برى ومتأخر في القومة يالعصفور.

قال حمد بصعوبة بعدما سعل عدة مرات حتى يجد صوته:

- صليتوا الفجر؟

- لا... نتحراك... أكيد صلينا، وعجزنا وحنا نقومك أنت والفطيس الثاني ناصر.

تركهما وتوضأ وصلى متأثما ً، وعاد ليجلس وهو يحس بالألم في عظامه وعضلاته من قسوة الأرض، كان مروان قد توسط الزولية وجلس بجانبه عبدالعزيز وهما يشربان القهوة ويأكلان التمر مطوحين بالنوى.

تناول الفنجال الذي مده مروان، وتناول تمرة واحدة لتخفف مرارته، فيما مروان يسأله:

- عسى ما شر؟ تعبان؟

- لا... ما فيني إلا العافية.

- ما أدري أنا يوم قمت الفجر لقيتك نايم برى، حاولنا نقومك ولا قمت قلت شكله تعبان، وبعدين قمنا أنا وأبو سعود ولقيناك ما رحت في جولتك الصباحية، قلنا الله يستر لا يصير الطائر المشقشق تعبان بس.

ضحك أبو سعود على وصف مروان الهازئ (الطائر المشقشق) فعاجله مروان:

- وأخيرا ً تنزلت وضحكت يا أبو سعود وشفنا سنونك، حرام عليك يا خي لا بغيت تضحك المرة الثانية تلثم تراك فتنة، ترى قلبي ما يقوى على النعومة.

- أقول وسع بس، ولا تبتلينا على هالصبح.

- أفا يا بو سعود أفا، أنا أبتليك؟ هذا وأنا أحبك وأدعيلك دايم أن الله يزوجك مدام توسو.

- وش مدام توسته أنت يا مخرف، أقول أعقل بس.

- توست؟ أنا قلت توست؟ شكله بدأ مفعول الجوع يا بو سعود؟ وإلا تلمح أنك تبي توست على الفطور؟ عاد من وين نجيب لك توست بهالبران؟

- والله النشبة مع هالدب المهبول، فكني منه يا حمد، تكفى.

ولكن حمد كان في عالم آخر، حتى أنه لم يسمع ولا حرف من هذه المشاكسات الدائمة، كان يفكر في قراره مرة أخرى، فقرار الليل يمحوه النهار، وهواجس الليل تكتسي وضوح النهار فتكون أشد وأوجع.

بدأ يحس الرهبة في صدره، والضعف في ساقيه، وانسداد النفس عن الأكل والكلام، وعندما زادت مشاكسات مروان وهجومه على أبو سعود، ضاقت نفسه فنهض مستأذنا ً حتى من دون أن يكمل فنجاله، وسار يبحث عن شجرة يحزم في ظلها أمره.

بعد مئات الأمتار وجد ضالته في أثلة ضخمة، قد اسود جزء من جذعها بنار مجهولة، ونقش على جهة أخرى منه بخط مرتبك ( ذكريات أشواق + فاطمة + نوف 23/12/1425 هـ)، تناول غصنا ً يابسا ً وجلس على الأرض وجعل ينكت به الأرض وهو يفكر من جديد.

" سأذهب... سأذهب، ولكن متى؟ سيقتلني الإنتظار إلى وقت الإفطار، لأفعلها الآن، نعم الآن، أنا لست جيدا ً في الإنتظار، سأفقد عقلي لو بقيت ساعة واحدة، سأتحرك الآن".

عاد وقصد سيارته أولا ً وشغل المحرك، ثم عاد إلى مروان وعبدالعزيز اللذان ينظران إليه بإستغراب وقال بنفس منقطع:

- برجع للرياض؟

مروان: عسى ما شر؟ فيه شيء؟

عبدالعزيز: وراك؟ عسى منتب تعبان.

حمد: لا... أنا بخير ولا بي إلا العافية، بس فيه ظرف طارئ برجع للرياض بسببه، وبجي هنا الليلة إذا خلصت بإذن الله، توصون شيء.

قالها وهو يفر هاربا ً إلى سيارته، فلحقه مروان وأمسك بيده وهو يهم بالركوب:

مروان: حمد... خير إن شاء الله، الأهل فيهم شيء؟

حمد: لا... الأهل فما فيهم إلا العافية، بس أنا صار لي ظرف طارئ وبروح الرياض وبرجع الليلة ما هنا إلى كل خير، لا تخاف، حتى أهلي ما راح أقولهم شيء عشان لا يخافون، الموضوع ما يستاهل.

مروان: خير إن شاء الله... الله يوفقك، المهم طمنا عنك، في أمان الله.

حمد: في أمان الله، سلم لي على الشباب إذا صحوا، ناصر ومحمد.

ثم ناوله الفصل المطبوع والذي نسيه أمس في السيارة وهو يقول:

حمد: سم هذا الفصل الأول من روايتي، بشوف رأيك فيه إذا رجعت الليلة.

مروان: خير إن شاء الله.

وانطلق بأقصى سرعته، وصارت أحشائه تثب مع وثبات السيارة على الطريق مسببة له ألما ً وضيقا ً، حتى وصل إلى الطريق الإسفلتي، وحالما اعتلاه انطلق يمينا ً حتى التقى الطريق بطريق آخر متجه إلى المنطقة الشرقية.

* * *

توقف عند أول محطة قابلته على طريق الدمام، طلب من العامل ملأ خزان الوقود، فيما نزل هو إلى البقالة الصغيرة التي غطى الغبار جدرانها وبضاعتها وحتى بائعها البنغالي.

تناول مجموعة من المشروبات وقوارير الماء والكيك وألقاها في الكيس ودفع ثمنها حتى بدون أن ينظر إلى وجه البائع، وعاد إلى سيارته وانطلق بها بعدما دفع ثمن الوقود.

* * *

استقبل الطريق الآن، وجعل الإسفلت الذي بدأت الشمس تصليه يلمع كأنه مدهون بالزيت، جذب قارورة ماء وخلع غطائها بقوة كادت تسكب بعض الماء على ثيابه، عب منها بقوة العطش والحيرة والبال المشغول، زاد سرعة السيارة ودفع شريطا ً في المسجل حتى يفر من أفكاره التي آنست منه انفراده وسفره الطويل.

تساءل عندما تعب من الفرار " هل كان قرارا ً صائبا ً؟"، " عقلا ً... لا، كان قرار هوى ً متسرع، أنا أعرف هذا، ولكن ما الذي سينجيني من لوم نفسي وعذلها إن أنا تركت هذه الفرصة تفر من يدي؟".

أحس بضيق وداخله خوف عندما فكر " ماذا لو أن أمي وأبي علما بسفري دون إخبارهما؟ خصوصا ً أبي"، وبدأ يوم قديم مدفون وسط ركام الذكريات ينهض كعنقاء ويعود إليه محلقا ً متجسدا ً كأنه يرى مشاهده الآن.

كان حينها في السابعة من عمره، وكان أبوه أيامها يعمل في عمله الرسمي صباحا ً وعمل إضافي بعد العصر ثم يعود ليلا ً متعبا ً مهدودا ً لينطرح في مكتبه حتى موعد نومه نصف الليل، لذلك كانوا لا يرونه إلا في الصباح عندما يوصلهم إلى المدرسة أو على مائدة الغداء للحظات قبل أن يغيب في بطن كتبه وأبحاثه، كان بعيدا ً عنه وعن أختيه هيلة التي كانت في الخامسة حينها وعبير التي كانت في الثانية من عمرها.

وفي ظل ابتعاد الأب عن جو البيت فإنه من الطبيعي أن يتحول حمد إلى عفريت صغير، فطيبة الأم لم تكن لتردع شقاوة الطفل وبدايات نموه في ذلك الوقت، لذلك كان حمد يعتدي على أختيه ويشاكسهن، ويخرج إلى البقالة القريبة رغم تحذير أمه الدائم له خوفا ً عليه وتهديدها له بأن تخبر أباه، الذي لم يكن يزيد على تهديد حمد وتخويفه.

حتى جاء ذلك اليوم، كان حمد عائدا ً من البقالة ذات صيف يحمل في يده ايسكريما ً يتقاطر على يده وتذوب الكريمة المنعشة في فمه، وعلى غير انتظار عاد أبوه بعد أن استأذن من عمله المسائي وصادفه في الشارع الضيق بجانب منزلهم.

كان حمد ساهما ً عندما توقفت إلى جانبه سيارة أبيه على حين غرة، وسمع أبوه يزعق فيه " حمد؟ وش أنا قايل لك؟"، داخله الرعب فلم يتحرك وبقي الأيسكريم يذوب على أصابعه، فيما قفز أبوه من السيارة بكل الغضب والحنق وصفعه ملقيا ً بايسكريمه أرضا ً، وجاذبا ً إياه إلى السيارة.

بدأ حمد يبكي واختلطت دموعه بناتج أنفه الذي سال، فيما أبوه يزعق فيه بعنف " كم مرة أعلمك؟ كم مرة أقولك؟ لا تطلع بالشارع، لا تضرب خواتك؟ هالحين أوريك"، وعندما دخلا البيت أمسكه أبوه بقوة ودفعه إلى الجدار، أحس حمد بقسوة أحجار الجدار وهي تضغط على رأسه الصغير وبقوة اليد التي هزته وأبوه يقول بصوت هامس مرعب وعيناه تغوصان في أعماقه " إن شفتك مرة ثانية طالع من البيت كسرت رجلينك، تسمع؟"، هز حمد رأسه الذي تلوث بنواتج عينيه وأنفه وبقايا الايسكريم على أصابعه وفمه، وهو يبكي بكل قوته، يبكي خوفه ورعبه، يبكي ذلته وهو يرى ابتسامة أخته هيلة الشامتة.

أطلقه أبوه لتجذبه أمه إلى دورة المياه وتغسل وجهه ويديه، وهي لا تكف عن تأنيبه " كم مرة قلت لك، يا حمد يا وليدي ترى أبوك بيضربك، حمد خلك رجل، حمد خلك عاقل، هه وش استفدت الحين؟ أبوك ضربك وزعل عليك، الله يصلح قلبك وأنا أمك" لم يرد حينها اكتفى بالبكاء وعندما أطلقته قصد فراشه وجعل يبكي هناك حتى نام.

أثرت فيه هذه الحادثة كثيرا ً، قد نقول أنها قتلت شقاوته وعبثه في لحظة، وربما كانت أول نقش في لوح غربته، صحيح أن أبوه استدعاه في اليوم التالي ونفحه قبضة ريالات كترضية، ولكنه ظل في نظره ذلك الرجل المخيف الذي لا يجب أن تصل الأمور إليه.

كبر حمد وكبر معه هذا الخوف الغريزي، يخاف نظرات أبيه، يتوقف عن الضحك عندما يدخل، يخفي عنه كل شيء، لا يتحدث معه إلا عندما يجيب على أسئلته، ينفذ كل ما يطلبه منه بلا مناقشة، وكان دائما ً ما يحاول عزو علاقته الباردة مع والده إلى إنشغال أبوه الدائم في المكتبة وقراءاته وأبحاثه، ويحاول تناسي تلك الحادثة.

بدأ هذا التحول مريحا ً للأب في البداية، فالولد الشقي المتعب أصبح هادئا ً مطيعا ً، تخلص من ثرثرته اليومية ونزقه واعتداءاته على أخواته، ولكن مع مرور السنين وخصوصا ً عندما اكتفى بعمله الرسمي وأصبح يقضي وقتا ً أطول في البيت، بدأ يدرك أنه وأد طفولة ابنه.

نحى حمد ذكرياته بصعوبة وحاول التركيز على لقائه المرتقب مع سعد، هذا اللقاء المصيري للعلاقة الوليدة، ترى ما الذي جعل سعد يعرض عليه هذا العرض السريع وهما لم يعرفا بعضهما إلا من فترة بسيطة؟ هل سيكون سعد انسانا ً رائعا ً كما توحي كتاباته؟ أم سيكون مجرد خدعة قلم؟

حاول تخيل شكل سعد؟ فكر بالصورة الذهنية التي رسمها عقله لسعد، كانت تمثل شابا ً بدينا ً أبيض اللون وله لحية خفيفة على خديه، ثم بدأ عقله يقوم بتعديلات مجنونة، أنقص وزن الشاب ثم أعطاه شاربا ً كثا ً ولونا ً أسمر، ثم أضاف لحية كثة ثم تراجع وحذفها، ثم مسح الصورة كاملة وتخيله يشبه (كولين فاريل) ولكن بشارب خفيف وبقايا لحية.

أحس بتعب ذهني ونفسي حاول اطفائه بتجرع عصير برتقال طازج قد خفت برودته، وبمراقبة عداد لوحات الطريق وهو يتناقص، والطريق يمتد أمامه كأنه بلا نهاية، والشمس تزداد حرارة.

* * *

كان قد اقترب من الخُبر عندما رن جواله، قفز قلبه إلى فمه " من هذا؟ لا يكون أبوي ويبي مني شيء؟"، التقط الجوال وزفر بقوة عندما وجد رقم سعد، نفخ بقوة ومسح آثار الإضطراب من صوته ورد:

- هلا.

- هلا... حمد، السلام عليكم.

- وعليكم السلام، هلا والله.

- وين أنت؟

- حول الخبر، قريب.

- افا... أنا ما أقدر أشوفك اليوم، انشغلت وصار عندي ظرف طارئ.

- ايششششششششششش؟

- هههههههههه، امزح معك وراك انهبلت.

- حسبي الله على عدوك، قاطع لي 400 كيلو، خاف الله فيني.

- طيب يا عزيزي، أنت عارف الراشد، صح؟

- صح.

- طيب الوعد في مواقف الراشد، هناك نلتقي ومن هناك آخذك، على فكرة وش سيارتك؟

- شيروكي أخضر.

- خلاص تمام، كم تحتاج حتى توصل هناك.

- ثلث ساعة وأكون هناك.

- على بركة الله، والحمد لله على السلامة.

- الله يسلمك.

أغلق حمد الإتصال، وفعلا ً بعد ثلث ساعة كان يوقف سيارته في مواقف الراشد، وينزل منها والشمس تصلي رأسه من حرارتها، جعل يتلفت حوله بحثا ً عن شخص ينتظره ولكن لم يكن هناك أحد في الجوار، وتناهى إلى سمعه صوت أذان الظهر يرتفع من مسجد بعيد، فعاد إلى سيارته وجعل ينتظر تحت الهواء البارد الذي يبثه المكيف.

* * * * * * * * *
الفصل الثامن

في حي من أحياء مدينة الخبر يقع بيت قديم، وإن كان المار به لا يلاحظ قدمه بعد الترميمات التي طالت داخله وخارجه مؤخرا ً، والتهمت جزءا ً كبيرا ً من مدخرات صاحبه.

يقطن هذا البيت الشيخ عبدالرحمن أو أبو وليد كما يناديه الجميع، وهو عجوز سبعيني جاء إلى المنطقة قبل خمسين سنة هاربا ً من نجد العطشى حينها، جاء فردا ً وتقلب في صنوف الشقاء والتعب، وذاق الغربة مكانا ً وزمانا ً وقلبا ً، حتى دقت السنون حَبَهُ وأنخلت دقيقه.

ثم فتح الله له باب الرزق وأنعم عليه، فعاد إلى نجد بالمال ليتزوج ابنة عمه ( سلمى) التي كانت حينها ترفل في ربيعها الثامن عشر، بينما كان هو كهلا ً ثلاثينيا ً مجربا ً.

مضت السنين وبطن (سلمى) يتكور ليقذف بالأطفال ثم يعاود الكرة حتى أوفى على سبعة أولاد وثلاث بنات، تبقى منهم الآن خمسة أولاد وبنتين، وليد ( البكر) وسليمان ( الذي يعمل اليوم في جدة) وعلي ( الذي نال شهادة الدكتوراة في (إقتصاديات البيئة والموارد الطبيعية) من جامعة ( وست فيرجينيا) في الولايات المتحدة الأميركية) ومحمد ( توفي رضيعا ً) و تركي وعبدالعزيز وبدر ( قتل في حادث سيارة)، أما البنات فوضحى ( ماتت بالجدري) وهند وأسماء.

ثم بعد سنوات تزوج أبو وليد ابنة أحد أصدقائه، وزف إليها وقد قارب الخمسين رغم همسات أبنائه الكبار الغاضبة وبكاء ابنتيه، كانت الزوجة الجديدة تعمل معلمة في مدرسة ابتدائية في الدمام، جميلة وبيضاء ذات عرج خفيف أثر حادث سير كاد أن يقضي على حياتها قبل سنوات، ونجت منه بنفس وقدم معطوبة.

ومن السنة الأولى أنجبت شيخة ( وهذا هو اسمها) ابنها الأول سعد ثم أتبعته بعدها بسنوات أخته نوال، قبل أن ينصحها الأطباء بالتوقف عن الإنجاب خوفا ً على صحتها المتدهورة، حيث كانت تعاني فقر في الدم و صداعا ً دائما ً يطرحها أرضا ً طوال اليوم، ويخلفها بمزاج عكر عندما يزول، فكان الشيخ يحمل طفليه الغريرين اللذين اكتسبا بياض أمهما وعينيها الحوراوين إلى بيته الآخر، ويتركهم وهو يوصي أم وليد بحسن معاملتهم والإنتباه لهم من مضايقات أبنائها الأشقياء، فتهز رأسها وهي تتمتم " خوش والله، عيالنا ما بزيناهم نبزى عيال الناس".

اصطلح أبناء سلمى على تسمية أخوتهم من المعسكر الآخر ( أولاد الأبلة) بحكم أن أمهم معلمة، وفيما بعد عندما نبغ سعد في المدرسة حاز لقبا ً خاصا ً به هو ( الدافور).

كان سعد يحس بالغربة مع أخوته، كان لهم محيط يختلف عن محيطه وجو لا يناسب جوه، ولكنه بدأ يحبهم ويعتمد عليهم وخصوصا ً بعدما دخل المدرسة وعاين التغير الذي يطرأ على معاملة الجميع له بعدما يعلمون بأنه أخ لعبد العزيز، الذي كان يلقب سرا ً بالبعير نظير ضخامة جسده وقوته الهائلة.

ثم جاء المنعطف الكبير في علاقته بأخوته في السنة الثالثة الابتدائية، حيث أعاد أخوه بدر السنة راسبا ً في الرياضيات التي كان يسميها ( مادة إبليس)، فأصبحا في فصل واحد، وسرعان ما تآلف الأخوان ونسى بدر حزازات البيت وخلفها وراء ظهره وهو يرى اهتمام أخيه بمساعدته في حل الواجبات وتجاوز الامتحانات حتى استطاعا تخطي السنة معا ً.

تركت شيخة ( أم سعد) التدريس بعد ولادتيها وزيادة متاعبها الصحية، وتفرغت لتربية ابنيها رغم نوبات الصداع المتكررة، وكان أن زرعت في ابنها سعد هوايتها التي منعها منها الصداع، القراءة المكثفة، فكانت تغرقه في الصيف الطويل بأعداد لا تنتهي من مجلات ميكي و بطوط وسوبرمان وغيرها من مجلات الأطفال، لتحقق هدفين أولهما تحويل الهواية إلى عادة عند ابنها والآخر تقليل خروجه من البيت وبعده عن نظرها.

وبعد سنوات حَمِدَ سعد لأمه ذلك التصرف، وخصوصا ً بعدما فطم من القصص المصورة، وانتقل إلى قراءة روايات عربية أو عالمية ذات طبعات شعبية كان يحصل عليها في أيام الصيف الحارة والرطبة من مكتبة تبعد عن بيتهم ثلاثة شوارع.

مع مرور السنوات بدأت قراءات سعد تتوسع لتشمل الجانب الديني والتاريخي والنفسي والأدبي، وخصوصا ً بعدما قدم له والده كهدية تخرج من الثانوية مجموعة ضخمة من الكتب في مجالات متعددة كانت نواة للمكتبة الوليدة.

كانت العلاقة التي بدأت صغيرة بين سعد وبدر قد تحولت إلى حب أخوي نادر، كان بدر يفخر فيه بعقلية أخيه الصغير وذكائه واتساع معارفه، وكان يستشيره في كثير من الأمور متناسيا ً فارق السن بينهما.

وكان سعد يبادله حبا ً بحب، فهو أقرب أخوته له، وأطيبهم قلبا ً، صحيح أنه كان يعجب بقوة عبدالعزيز وسطوته، ويفتخر بأخيه الدكتور علي الذي جاء بالدكتوراة من أمريكا، ولكن يبقى بدر على بساطته هو الأعز.

قبل سنوات معدودة كانا يترقبان نتيجة الثانوية العامة، حينها جاء تركي حاملا ً الجريدة وهو يصيح " أهب عليك يا أبو دفرة جايب 96 %"، اختطف بدر الجريدة وبحث عن اسمه ثم عندما وجد معدله الهزيل ألقى بالجريدة جانبا ً وركل الأرض وهو يزعق " واوووووك... ياربييييه!!!! كله من مادة إبليس، هي اللي طيحت معدلي، والله حالة".

قبل سعد في ( جامعة الملك فهد للبترول والمعادن)، فيما لم يجد بدر بدا ً من السفر للدراسة في جامعة الإمام بالقصيم مع أبناء عمه هناك، والتردد بين القصيم والشرقية في نهاية الإسبوع لزيارة أهله.

حتى جاء ذلك اليوم الذي لم يعد فيه، وقبيل مغيب الشمس غادر الأب العجوز البيت متعجلا ً إثر مكالمة هاتفية يصحبه ابنيه وليد وعلي اللذين جاءا من منزليهما، وليد من الدمام وعلي من سكن الجامعة، وانطلقوا إلى الاحساء ليعودوا به ملفوفا ً بقماش بلله الدم، والأب العجوز قد أخضلت لحيته دموعه وهو يبكي بصوت خفيض ويحرك يديه كأنه يطرد نذر الموت التي خطفت ابنه.

صلوا عليه ظهر الغد، ثم حملوه إلى المقبرة التي خيم عليها الصمت، وقفوا أمام القبر الفاغر ووضعوا النعش، ثم تقدم الذين لم يدركوا الصلاة فصلوا، ثم نزل سليمان - الذي جاء من جدة - ووليد ليضعاه في اللحد ويسدانه باللبن والطين، ثم أهالوا عليه التراب وأعلوا التراب بالبحص الأبيض.

جاء سعد إلى المقبرة ذاهلا ً، يرمق ما يحدث بعيون جاحظة، الأصوات من حوله تخفت... وتخفت، لا يكاد يسمع هسيس المساحي وهي تهيل التراب، ولا تمتمات الدعاء التي تنطلق من الأفواه المحيطة به، كان يرقب تركي ولحيته ثائرة مغبرة، علي وقد تجرد من أبهة المنصب مشعثا ً مغبرا ً، أبوه وهو يتجلد ويملأ عينيه بالنظرات الأخيرة إلى ابنه، ابنه الذي أمضى سنوات طويلة يراه وهو يدرج أمامه.

تواردت إلى ذهنه صور سريعة من حياة بدر، بكاءه عندما ألقاه تركي وعبدالعزيز في الماء ذات الشتاء على الكورنيش، عيناه اللتان كانتا تنعسان عندما كانا يذاكران الرياضيات، سندوتشات الفلافل التي كان يلتهمها ليالي الامتحانات وهو يقول " العقل ما يشتغل والبطن فاضي"، منظره وهو مغطى بالطين عندما تعثر في مزرعة خاله بالقصيم قبل سنوات إثر مطر غدق، الابتسامة التي تظهر على طرف فمه عندما يرد اسم بنت خاله التي يحبها ( خولة)، مئات الصور تواردت إلى ذهنه، وفي كل صورة منها يظهر بدر وهو يشع والأضواء حوله تخفت وتخفت حتى يصير وحيدا ً في العدم، بقعة ضوء في قفار العالم الموحشة.

ترك فقدان الأخ والصديق أثره في نفسية سعد، فانعزل عن محيطه الخارجي، واستورف ظل مكتبته ولجأ إلى بطون الكتب يبثها حزنه وهمه، جعل يقلب في تاريخ الأمم، ويقرأ في وفيات الأعيان، يقلب آلاف الصفحات ليجد أسماء وتواريخ وفاة هي كل ما تبقى من أمم غبرت الدنيا وملأت ما بين الخافين ثم عادت إلى التراب وفنت فيه إلى أن يبعثها ربها جل في علاه.

شكل ذلك اليوم علامة فارقة في حياة سعد، لأنه قرر فيه أن لا يعلق قلبه بإنسان فان ٍ، وخصوصا ً أن هذه المصيبة جاءت امتدادا ً لأزمة عاطفية عصفت بقلبه في مراهقته.

مضى سعد في حياته غريبا ً أو كالغريب، ووفرت له عزلته ساعات يومه ليقرأ ويتقلب بين آلاف الصفحات، وكان صمته الحسي يقابل بانفجار كتابي يملأ صفحات كثيرة يلقيها عندما ينتهي في درجه ويقفل عليها ضنا ً بمشاعره على أي أحد حتى أخته نوال التي كان يحبها بعنف آلامه وبقوة الضغوط التي تعصف به.

نوال التي تقترب في هذه الأيام من الثامنة عشرة، وتتفتح كوردة بيجونيا على حافة مرج، كانت قد اكتسبت جمال أمها وبياض بشرتها وعينيها وأنف أبيها، ودلال وخفة آخر العنقود، كانت المفضلة عند أبيها وعند سعد وحتى عند بعض أخوتها من المعسكر الآخر.

نشأت نوال على محبة أخيها منذ كان يروي لها الحكايا في ليالي رمضان قبل أن تنام وهي محاطة بعرائسها، ومنذ كان يحضر لها حلوى العيد التي يملأ بها جيوبه ثم يفرغها بين يديها، محتفظا ً لنفسه بحلوى الكارميل فقط، وحتى عندما كبرا حفظت له الحب في قلبها رغم جنوحه إلى العزلة وانشغاله بنفسه.

كانت تقنع منه بنظرة في اليوم عندما يقوم بتوصيلها إلى مدرستها، وبكلمة الشكر التي يلقيها بعجل عندما تحمل له في تلك العصاري الحارة كأس الشاي الذي يحبه من يدها، وهو متكئ على الجدار الأجرد وقد ألقى برأسه على يده وهو يقلب ناظريه في الكتب الملقاة حوله.

كان خجلها يمنعها من أن تسأله عن سعد الذي كان يحملها بين يديه يوما ً ويركض في فناء المنزل وأنفاسها تتقطع من الضحك، عن سعد الذي يكبل يديها بيده بينما يعابث أنفها بريشة فتصرخ وتحرك أنفها وهو يضحك ويتقي رفسات قدميها، عن سعد الذي كان ينتظرها عند باب مدرستها الابتدائية ليحمل عنها حقيبتها ويمضي بها إلى البيت وهي لا تنفك عن الثرثرة، أين ذهب؟ وما الذي حل به؟

تخفف سعد قليلا ً من مسوح العزلة التي توشحها عندما تعرف في الجامعة على شاب قادم من الجنوب، شاب خفيف الظل ومتحمس دوما ً يدعى عائض، وكان لتعارفهما قصة طريفة.

كان سعد يومها قد نهض من الفراش متأخرا ً، وبهلع أدرك أنه تأخر عن اختبار قد أمضى أياما ً في الاستعداد له، فأنطلق كظبي في إثره وشق، وعندما وصل مواقف الكلية كان الاختبار قد بدأ منذ عشر دقائق فأوقف سيارته كيفما اتفق، وأنطلق ليؤدي امتحانه وعندما عاد لسيارته بعدها بساعتين وجد شابا ً طويلا ً أسمر وله لحية تكلل وجهه وتبعث على الارتياح، يتكئ على سيارة ( هايلوكس) ذات طراز قديم، قد سدت سيارته عليها طريق الخروج، احمر وجه سعد حرجا ً فيما بادره الشاب:

- ما تخاف الله... ساد علي الطريق؟ ذلحينه لي ساعة وأنا موقف هنا.

- آسف... أعذرني والله ما انتبهت، كنت مستعجل أبي ألحق الامتحان و...

- يا ذي البلية... إنتى بتقص علي قصة حياتك؟ هيا ابعد السيارة من دربنا، خلينا نروح نشوف شغلنا.

- لا حول ولا قوة إلا بالله، ابشر... ابشر.

وأبعد سعد سيارته وهو يلوح بيده معتذرا ً، ولكن الشاب انطلق بدون أن يرد، تاركا ً سعد يلهبه الخجل ويمِرهُ الحرج.

رآه بعدها بأيام جالسا ً في بوفية الكلية وبين يديه أوراق يقلبها، فاهتبل سعد الفرصة وقصد البائع واشترى كوبين من الشاي، ومضى إلى طاولته ليضع أحدهما أمام الشاب فيما احتوى الآخر بين كفيه وجلس على الكرسي المقابل وهو يقول:

- سلام عليكم، عسى ما قطعتك عن شيء؟

- اعقب ذا أنته؟ ما كفتك المرة الأولة؟

ضحك سعد وقال وهو يضع الكوب على الطاولة:

- رد السلام أول وبعدين عاتب.

- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

- ما تعرفنا على الاسم الكريم؟

- عائض.

- والنعم فيك أخوي عائض، معك سعد... وصدقني يا أخوي أني ندمان على اللي صار، وأتمنى أنك تسامحني.

- الله يحللك، مع إني وقفت في عز الحر ساعة كاملة.

وجر هذا اللقاء إلى لقاءت أخرى، ووطدت الأيام صداقتهما، حيث تعرف سعد على هذا الإنسان الطيب والبسيط، حدثه عائض بلهجته المميزة عن بيتهم الذي يحتل قمة أحد جبال تهامة، حدثه عن أهله وأخوته وعن قريتهم، وأنشده بعض القصائد الجنوبية التي تردد في الأفراح بتنغيم ينفرد فيه أهل الجنوب.

كان عائض شاعرا ً عاميا ً مبرزا ً، واشتهر بمشاركاته الشعرية و النثرية في أحد منتديات الانترنت، وكان يحاول إشراك سعد في هذا المنتدى ولكن سعد كان يؤجل ويسوف ويعتذر بالإنشغال وعدم وجود مادة صالحة للنشر.

حتى قرر عائض ذات يوم أن يؤسس منتدى ً خاصا ً به، وطلب من سعد مساعدته، وتولي الإشراف على قسم القصص والروايات في المنتدى، رفض سعد في البداية وعرض المساعدة في التصميم فقط، قبل عائض هذا العرض مؤقتا ً، فقام سعد بتصميم الواجهة بمساعدة أخته نوال التي كانت إضافة إلى ذوقها الجميل تحمل شهادة قد في التصميم حصلت عليها من أحد المعاهد، وكانت النتيجة تصميم مزج بين رقة نوال ولمساتها الرفيعة وكلمات سعد التي صارت شعارا ً على صدر المنتدى ( أيها الداخلون هنا، دعوا لنا بعضا ً من حكاياكم، أليست حيواتنا حكايات يرددها الآخرون).

عندما أطمأن عائض إلى تصميم المنتدى عاد للإلحاح على سعد بتولي الإشراف، وكان يردد وهو يمسك ذقن سعد ( طالب ذا اللحية الغانمة، ما تردني خايب) وسعد يضحك وهو يقول ( يا ربيه... والله يا أنت نشبة، يا أخي تراي منب مناسب، شف غيري)، ولكن عائض يعود من جديد حتى رضخ سعد أخيرا ً وقبل المنصب.

خرج سعد من عزلته قليلا ً، بدأ يتحدث مع الأعضاء، يرد على مشاركاتهم، يكتب في المنتدى آرائه النقدية، ونتائج دراساته اللغوية التي يخرج بها من قراءاته حتى جاء اليوم الذي بدأ فيه بكتابة قصص قصيرة.

خرجت القصص التي كتبها سعد عن إطار المعتاد، حيث اعتمد على أساليب ومواضيع لم يدرج عليه القراء ولم يتعودوها، وساعدته الخبرة التي تحصل عليها من القراءة لكبار كتاب القصة في العالم مثل ( تشيكوف، جي دي موباسان، ارنست هيمنجواي وغيرهم) في ذلك، ومع تتالي القصص حاز سعد جمهور لا بأس به، حتى صار يتلقى دعوات من أدباء خارج وداخل المنتدى بعضهم أصدقاء لعائض لحضور اجتماعاتهم التي تناقش الشأن الأدبي و التي كانت تعقد دوريا ً، ولكن سعد كان يتعلل بشتى العلل حتى يتجنب الحضور.

لم تكن رغبته في العزلة وليدة خجل أو عدم ثقة بالنفس كما ظن البعض، بالعكس كانت نتاج ثقة زائدة بالنفس، وزهد في التعرف على الناس ومخالطتهم، كان يرى الشباب حوله في الجامعة وفي الحارة بقلوب وعقول فارغة، لا تتعدى اهتماماتهم الكرة والسيارات، وأوقاتهم ضائعة بين الأسواق والطرقات، يبحثون عن شيء مفقود، كان سعد متأكدا ً أنهم لن يجدوه يوما ً.

فلذلك كان يرى أن الساعة التي يقضيها في غرفته وفي أحضان أوراقه خير من الساعات التي يقضيها مع عقول خاوية وألسن موبوئة بألفاظ رديئة، أو في نقاشات لا طائل ورائها.

ثم جاءت الخطوة الثانية عندما فكر سعد في تطوير المنتدى، جاءت فكرة الرواية الجماعية في ذهنه، فنازعها في البداية ونبذها أياما ً بحجة أنها ستنتزعه من عزلته المريحة وأنها تخالف طبيعته، حتى تغلب هواه على عقله وقرر قراره على إنفاذها.

كان هناك شاب يكتب في المنتدى وكان سعد معجبا ً باختياره للأفكار وأسلوبه في السرد وإن كان يعيب عليه لغته المتواضعة المغرقة في العامية، كان هذا الشاب يحمل معرف ( الليل)، اتصل به سعد عن طريق المسينجر وطرح الفكرة عليه، تحمس لها الشاب وأصبح العضو الثاني، ثم بدأت رحلة البحث عن العضو الثالث، اهتدى سعد بعد طول متابعة إلى كاتبة ذات لغة جميلة وشعرية رغم قلة مشاركاتها تدعى ( مجروحة بأهدابي)، وأرسل لها فكرة المشروع وخطة تطبيقه المتوقعة وانتظر أياما ً حتى جاءته الموافقة، تبقى مكان لعضوين آخرين وبدأ سعد يبحث من جديد.

كان هذا عندما جاء اليوم الذي وجد فيه في بريده رسالة قصيرة، فتحها ليطالعه اسم غريب ( ضوء في آخر النفق)، نظر إلى عداد المشاركات وإلى تاريخ التسجيل، ليجد أنه مشترك حديث، قرأ الرسالة ببطء أعجبته أولا ً اللغة السليمة التي لم يتعود مثلها من المشاركين الجدد الذين يأتون بلغتهم اليومية معهم، كما جاء الكلام الذي تضمنته الرسالة ليلامس نرجسية خفية بدأت ترتع في روحه.

قال سعد لنفسه " هذا كاتب يقول لي " لكم وددت أن أكون بطلا ً من أبطالك، أسير على هدي حروفك، وعندما انتهيت وقفت وتمنيت أن أعرفك، أن أحدثك، أن يسمح قلبك الذي صاغ حرفك بي كتلميذ لقلمك"، كل هذا قاله شخص لم يعرفني يوما ً، لم يلتقي بي لحظة، فقط هي حروفي التي أسكرته، جعلته يختط الحرف، يزن الكلمات، يتمنى الأماني، وإن من البيان لسحرا".

تردد سعد قبل أن يرد على الرسالة، فكر بأن يرد ردا ً لطيفا ً يتخلص به من صاحب الرسالة ويتسق به مع رغبته في عدم مخالطة الناس، ولكنه فكر ترى ما الضير لو تحدثت معه قليلا ً؟ إن أعجبني وإلا تخلصت منه، لست ملزما ً بشيء.

وهذا ما كان كما مر بنا، وتسارعت الأحداث حتى وصل سعد إلى دعوة حمد إلى اللقاء به في الشرقية، قد يستغرب كثير من الذين عاشروا سعد هذا التصرف الذي يخالف شخصيته، حتى سعد نفسه كان يتساءل " هل كان قرارا ً سليما ً؟".

اندفاع سعد ودعوته لحمد يمكن تفسيرها عندما ننظر إلى الثقة المتنامية عند سعد، فسعد الذي انطوى مدة طويلة على نفسه يبنيها من الداخل، وجد عندما انفتح قليلا ً على الآخرين كل ترحيب وإعجاب، وجده عند رواد المنتدى وعند القراء وحتى عند بعض زملائه الذين تابعوا كتاباته، كل هذا دفعه إلى الثقة بنفسه، ثم جاءت رسالة حمد لترفعه إلى عنان السماء أستاذا ً ومعلما ً، فهل يحق لنا بعد هذا أن نتساءل ما الذي غير سعد؟

سعد مثل أي انسان عندما يسكره العُجّب حتى يثمل فيجيء قراره كروأى الثمل يراها حقا ً حتى يفيق، والآن وهو متجه إلى مجمع الراشد في سيارته ( الماكسيما البيضاء) ليلتقي بهذا الشاب الذي رضي أن يقطع أكثر من 400 كيل كي يلقاه، كان يفكر بأنه كان قرارا ً حكيما ً.

- وصل إلى المواقف متأخرا ً قليلا ً، رأى الشيروكي الخضراء تقف في طرف قصي، دفع سيارته نحوها وتقدم ببطء.

* * * * * * * * *


الفصل التاسع

كان سعد قد وصل متأخرا ً قليلا ً إلى حيث وقف حمد، واندفع من سيارته ليصافح الشاب ذو البنية الجيدة والوجه المنتظم الملامح وإن بدا تحت خطوط تعب، وبعد نهاية السلام والمجاملات البسيطة قاد حمد سيارته إلى ظل ناء حيث أوقفها بعيدا ً عن وطأة الشمس، ثم ترجل ليرافق صاحبه، وكل منهما يتأمل ملامح الآخر من طرف خفي.
من طرف خفي وهو مسترخي على مقعد ( الماكسيما)، جعل حمد يتأمل بشرة سعد البيضاء، جسده الناحل، شعره الثائر، وغمازات خديه الأنثوية عندما يضحك، التفت سعد وابتسم لنظرات حمد:

- وش فيك تطالعني؟ مستغرب شكلي؟

- هاه؟ لا... لا ( قالها بحرج وحول وجهه إلى الطريق المحصور بمباني حديثة).

- بصراحة... كيف كنت متخيلني؟

- هههه، كنت متخيلك سمين... ولك لحية خفيفة ( عوارض).

- ههههههه، أنا كنت متخيلك طويل، ونحيف جدا ً وأسمر.

- طلعت أنت أنحف مني وأطول.

توقف سعد عند مسجد حديث البناء، ذو طراز شامي، له مئذنتان سامقتان على جانبيه، فرت قطة صغيرة كانت تعابث بقايا أرز يابس منثور على الأرض عندما ترجلا، قصد سعد المسجد فيما انحرف حمد إلى دورات المياه ليتوضأ.

غسل حمد وجهه وأطرافه بقوة بالماء الفاتر، تاركا ً اضطرابه يحط مع قطرات الماء التي صارت أثرا ً لدربه عندما قصد المسجد، وعندما دخل لسعت برودة الرخام باطن قدميه وأورثته شعورا ً محببا ً.

* * *



قال سعد والحصى الأبيض يصر تحت أقدامهما بعدما قضيت الصلاة:

- الواحد يفكر في أشياء كثيرة يبي يقولها ولكن عندما يأتي الوقت تطير كلها، ويعجز يلقى موضوع يتكلم فيه.

- ههههه، صحيح والله.

- طيب يا سيدي، خلنا نتفق على برنامجنا اليوم، الآن نروح البيت... الوالدة مسوية لنا غداء على شرفك، راح نتغدى احنا الاثنين فقط لأن الوالد متزوج اثنتين ويتغدى اليوم عند زوجته الأولى، وبعد العصر لما تخف الشمس نطلع البحر، يناسبك كذا؟

- توكل على الله.

- ممتاز، وعشان نتعرف على بعض أكثر، أنا سعد عبد الرحمن ال...... وعمري 22 سنة مثل ما قلت لك قبل، أدرس في كلية الملك فهد للبترول والمعادن.

- حمد علي ال.....، عمري 19 سنة وداخل على العشرين، وأدرس بجامعة الملك سعود.

- ونعم فيك أخوي حمد، والساعة المباركة اللي شرفتنا فيها.

دارت بينهما أحاديث مجاملة خفيفة، عن الجو والطريق، حتى أوقف سعد السيارة أمام منزل أبيض، كانت تبرز خلف سوره نخلة يتيمة، وتتوقف أمام بابه سيارة نقل قديمة، عبرا ممرا ً ضيقا ً مرصوفا ً بحجارة ذات لون رملي، تحف به حديقتان صغيرتان تنتصب في إحداهما النخلة اليتيمة، فيما يزين الثانية سقف خشبي تغطيه النباتات المتسلقة ويستقر تحته كرسيان مريحان ذوي بطانة جيدة.

هاجمت رائحة العشب المبلول أنف حمد قبل أن يدعوه سعد بكلمات مرحبة للدخول إلى مجلس يحوي أرائك عصرية ذات لون فاتح مريح، وحطت على المنضدة الزجاجية التي توسطته، دلة عربية ذات لون ذهبي أحاطت بها فناجين و تمور شهية تزهو في أوانيها.

أحس حمد بالراحة وهو يغوص في الأريكة، ويد سعد تناوله قهوة ذات رائحة قوية ذكرته بقهوة أمه، رشف من الفنجان فيما الأبخرة تتسلل إلى أنفه، استأذن سعد وغادر إلى داخل البيت.

قلب حمد عينيه معجبا ً بنظافة البيت وتصميمه الجميل وأثاثه الأنيق، والصمت الذي يلفه، وتذكر حرجه عندما كان أصدقائه يزورونه في منزله ويسمعون زعيق أخته لمى، أو المشاجرات الدائمة بين عبير وسعد، تنهد وقال لنفسه " لا عجب أن تهيأت لك الفرصة للإبداع يا سعد، بيئة هادئة كهذه تصنع الإبداع".

عاد سعد مبتسما ً، وجذب الدلة إلى مكان قريب من حمد ليتسنى لهما الجلوس متقاربين وجلس وهو يقول:

- ما قلت لي يا حمد ما أنت مستغرب من التآلف السريع اللي صار بيننا؟؟؟

- بصراحة سألت نفسي في الطريق، معرفتنا كانت قصيرة جدا ً، وكانت شجاعة منك اقتراح هذه الخطوة على إنسان ما تعرفه.

- الشجاعة كانت شجاعتك اللي قطعت المسافة هذي كلها.

- الله يخليك.

- وكيف الكتابة معك؟ ما بدأت بالفصل الثاني؟

- حرام عليك، أنا ما بعد رديت على قراء الفصل الأول.

- ههههه، طيب فيه فكرة واضحة للفصول القادمة في بالك.

- يعني... أفكر الفصل القادم يكون عن حياة العصابة في البر وعملياتهم، والفصل اللي بعده أخلي أحد أفراد العصابة ينقتل بحيث يكون مفتاح للأحداث.

- تبي نصيحتي؟

- أيوه.

- قدم مقتل عضو العصابة إلى الفصل الثاني، وخل وصفك لحادثة القتل يجي بكلمات حازمة وقاطعة وبدون لعب على العواطف أو استدرار لها.

- ما فهمت... كيف بكلمات حازمة؟

- أصب لك قهوة ( ومد سعد يده فناوله حمد الفنجال فملأه وأعاده إليه ثم أردف قائلا ً)، لنفترض الآن أن المقتول بيكون جهز، زين؟ تكتب مثلا ً واصفا ً المشهد " كان الدم يختلط بذرات الرمل فتتماسك، قال طراد وهو يشير إلى أذنه (لقد عبرت الرصاصة من هنا) جذبت الشعر المشعث الطويل لجهز ورأيت الجرح في أسفل الجمجمة والذي كان يثعب دما ً وبخارا ً".

- أف... أف... حرام عليك، وش الوصف المروع هذا، المنتدى فيه بنات يا أخي؟

- هههههههه، وش عليك من البنات؟ أنت جالس تكتب رواية وإلا جالس تسولف على أخواتك؟ الرواية روايتك يا أخي، وأنت توصف براحتك ما دمت في حدود الأدب والأخلاق والدين، لا تضع قيود ما لها داعي، وإلا بتكتب على لسان نزال " آه... لقد مات جهز يا لحزني وألمي، كيف سأعيش بعدك يا جهز؟ لقد كنت نعم الحرامي ونعم قاطع الطريق" ولملمت أشتات قلبي الممزق و أهويت بيدي على فمي ون.....

وتوقف سعد على ضحكات حمد الذي وضع يده على بطنه وهو يهتز وقد لمعت عيناه، وضحك وهو يكمل:

- والله... من جد، لازم تكتب بدون ما تفكر بالآخرين، عندما تكتب كن نفسك، وإلا الناتج راح يكون كتابة ماسخة بلا عمق ولا صدق.

- لكن الكاتب يكتب للقراء، فلابد يراعي رغباتهم.

- لو كل الكتاب قالوا هذا الكلام لما تحركنا خطوة واحدة، الكاتب ليس المرآة التي تعكس رغبات القراء، الكاتب هو صانع المرآة التي يرى فيها القراء أنفسهم.

- هذا تحجيم لدور القارئ.

- بالعكس أنا أرى إشراك القارئ في الرواية ولكن ذلك يأتي بعد نهاية الرواية ونهاية النص، وهو ما يعرف بالنقد، أما إشراك القارئ قبل ذلك فهذا تدخل.

- هذا ممكن في الروايات المطبوعة، ولكن الواقع على الانترنت إنك تنشر الرواية فصل... فصل، والقارئ قد يقترح بعض الأشياء أو يتدخل في النص.

- يتدخل كنقد أو تصحيح خطأ، أما في الفكرة أو طلب تعديلات على الأحداث فعندها لا تكون رواية، ولا تعبر عن شخصية الكاتب.

- معك... طيب نرجع لموضوعنا، ما قلت لي ليه أقتل أحد أفراد الرواية من الفصل الثاني؟ أليست خطوة مستعجلة؟

- بالعكس خطوة في مكانها، وأيضا ً بترفع مستوى الأحداث.

- صحيح، طيب بفكر بالموضوع.

- أكتب الفصل بشكل احترافي، وأنا برسل الرابط للجماعة، وبإذن مكانك محجوز بيننا.

- يصير خير... إلا روايتك أنت كيف حالها؟

- تقريبا ً أنهيت الفصل السادس، والآن أراجعه.

- روايتك تحتاج نفس طويل، لكنها رائعة جدا ً، وتدفع القارئ إلى مشاعر لم يجربها من قبل.

- روايتي هذه بالنسبة لي مجرد تجربة، أجرب فيها مجموعة من أدواتي الكتابية، وأبدل فيها بين الأساليب الأدبية، أما مشروعي الروائي الذي أدعوه بحق رواية فهو الآن مجرد فكرة في رأسي.

- حرام عليك... أنها أعتبرها من أجمل قصص الحب اللي قرأتها.

- قلتها بلسانك، قصة حب، لا أكثر ولا أقل.

- طيب... وين المشكلة؟ كل الكتاب يكتبون قصص حب.

- رجعنا للكتاب والقراء؟ أنا هو أنا، لا يهمني أن فلان كتب قصة حب أو أن القارئ الفلاني يهمه هذا النوع، أنا أكتب عن الحب لأسباب خاصة قد تعرفها يوما ً.

- أنا أشوف أن محاولة التميز في كل شيء متعبة، أنت متميز في الطرح، متميز في اللغة، متميز في أشياء كثيرة، فلا أظن تقليدية الموضوع تؤثر في هذا.

- المواضيع غير المطروقة بالآلاف فليش أحصر نفسي في مواضيع مكررة؟

- قد يكون الموضوع مكرر، ولكن طريقتك في الطرح متميزة ومختلفة.

- ولكن تظ.....

وقطع حديثه رنة واحدة من جواله، فنهض على إثرها مستأذنا ً، ثم عاد بعد دقيقة وهو يقول:

- تفضل يا حمد الغداء جاهز.

نهض حمد وقاده سعد إلى المغاسل التي كانت مرآتها الضخمة تلمع بالنظافة والعناية، وتتناثر أنواع الصابون ما بين سائل وصلب، والعطور وأعواد الأسنان بين الأحواض الثلاثة، غسلا يديهما، ثم جففاها بمنديل ورقي ملفوف حول عمود من الخشب ذو قاعدة سميكة، ثم ولجا غرفة جانبية صغيرة.

كانت هناك سفرة مربعة تتوسط الغرفة تناثرت عليها أطباق الفواكه والسلطة والمرق وعلب المشروبات الغازية وتوسطها صحن كبير من الأرز الأبيض، وبجانبه استقر صحنان في أحدهما سمكة كاملة وفي الآخر قطع دجاج مقلية.

استطاب حمد مذاق الطعام وتنوع ألوانه فأصاب منه فوق عادته، وكانا يقطعان انشغالهما بأحاديث خفيفة، أو ضحكات متقطعة على مزاح سعد وتعليقاته.

عندما فرغا قاد سعد حمد إلى غرفة أخرى، تجاوزا للوصول إليها بابا ً ثم رواقا ً قصيرا ً، كانت صغيرة قياسا ً بالأولى، وتحتل أحد جدرانها مكتبة تزدهي بألوان مختلفة من الأغلفة، وتتراص العناوين فيها كمدرجات أستاد رياضي غداة مباراة نهائية، خطرت في بال حمد مكتبة أبيه الضخمة، كانت أكبر وأكثر تنوعا ً.

أشار سعد إلى مقعدين استقرا أمام مكتب صغير وهو يقول:

- استرح... لحظات بجيب الشاي.

وغادر الغرفة، أدار حمد عينيه في العناوين، ميز بعض الكتب التي يعرفها، وبعض التي سمع عنها، " حقا ً... كيف لا يبدع من يمتلك هذه البيئة وهذه التجهيزات" قال لنفسه.

عاد سعد بعد لحظات يحمل الشاي، واحتل المقعد المقابل له وهو يقول:

- أيوه يا سيدي، وين كنا؟

- ما أذكر... تكلمنا في عدة مواضيع.

- ما عليه، عموما ً أنا تكلمت كثير، وأتمنى أن الموضوع هالمرة يكون منك.

- طيب... أنا بسألك سؤال عندما قرأت قصتك لأول مرة، أحسست أنك تخاطب القارئ مباشرة، تصل إلى قلبه بسهولة، أتمنى أن أعرف كيف تستطيع فعل ذلك؟

- بكل بساطة، لأني عندما أكتب لا أحاول توجيه القارئ، أنا أضع أمامه الحقائق كما هي بدون زخرفة أو تخفيف من حدتها، وعليه هو أن يستخرج منها العظة والعبرة، أنا أترك له حرية التفكير عندما أكتب نصي، بعكس الكتاب الآخرين الذين يفسدون القصص بسرد آرائهم في الحياة في ثنايا الحوار.

ونهض واتجه إلى أحد الرفوف في المكتبة، وانتزع أحد الروايات وقلب صفحاتها قليلا ً ثم قال:

- اسمع ماذا يقول الكاتب هنا " ... كأن حياتي أصبحت دربا ً لكل مار، يأتون بوجوههم وشعورهم المشعثة ليلقوا في وجهي أحاديثهم ونقودهم المتسخة، ما أصعب الحياة عندما تحشر الكلمات في الأذن و ..."، ما رأيك في هذا النص؟ وما هي الشخصية التي تتوقع أن الكاتب أجرى مثل هذا الكلام غير النمطي على لسانها؟

- إذا كنت تقصد اللغة فهي جيدة، أما الفكرة فلا أستطيع الحكم عليها من هذا السطر المنتزع من الرواية.

- أترك الفكرة، أقصد الألفاظ والفلسفة التي يتحدث بها هذا البطل، أمامك خيارات لتحديد مستوى بطل القصة العلمي، دكتور جامعي، طبيب، أو مهندس؟

- ما أدري؟ لكن الكلام يدل على شخصية قوية وساخطة على المجتمع، يمكن يكون طبيب؟

- لا... حلاق.

- لا... لا... معقولة؟ حلاق؟ ههههههههه، وين حلاق يتكلم بهالكلام؟

- لا تسألني... اسأل الكاتب العبقري، عموما ً... نسبة كبيرة من الكتاب يضعون آرائهم في الحياة وفلسفتهم على لسان البطل حتى لو كانت شخصية البطل لا تحتمل الفلسفة، أو لا تناسب سياقها التاريخي في السرد، الكل يقع في هذا الخطأ.

- طيب يا سعد... لا تزعل مني، ولكن أنت في روايتك جعلت الشاب خالد يتكلم لغة أقوى من السياق التاريخي له.

- لا... لا... لو أعدت قراءة روايتي، لوجدت أن الكلام الذي يقوله خالد في الحوارات لا يخرج عن السياق الذي نشأ فيه، أي أن قوة خالد تكون عندما يكتب، وهذه القوة تدل على الجهد الذي يبذله في نحت الكلمات لتزهو بحبيبته، فهمت قصدي؟

- ولو... تظل اللغة أقوى من السياق التاريخي المفترض لخالد.

- طيب... يا سيدي ممكن أكون وقعت في الخطأ الذي أحذر منه الآخرين، ولكن الخطأ يظل خطئا ً.

- طيب... أتركنا من الموضوع هذا، خل نتحدث في مواضيع غير هذي.

وبدأ الاثنان يخوضان في مواضيع شتى تتناول جوانب أخرى، ومضى الوقت وهما يتحدثان، ثم عرض سعد بعض الكتب على حمد والتي سوف تحسن من لغته وأسلوبه الكتابي، وظلا هكذا حتى أرتفع أذان العصر.

قصدا المسجد القريب والذي يقع في الشارع الخلفي لبيت سعد، أقيمت الصلاة وصفا للصلاة وقد تحاذت مناكبهما، وبدأ حمد محاولاته الدائبة في الخشوع وطرد الهواجس والخيالات.

وفي الركعة الثالثة أحس حمد بقلبه يدق كساعة جدارية التقت عقاربها، وتشتت خشوعه عندما هتك صوت رنين جوال هدوء وسكون المسجد، كان جواله هو، ولكن من المتصل؟ من؟ وانثالت الهواجس على حمد كسيل عرم.

* * * * * * * * *





الفصل العاشر

ظل رنين الجوال يتردد في المسجد الساكن، حتى بدأ بعض المصلين بالتنحنح عندما طال وصدهم عن الخشوع، فامتدت يد حمد المرتبكة وأغلقته.

" هل هذا أبي؟ لا... ربما أمي؟ لا... لا إن شاء الله، يمكن أحد الشباب، أو يمكن واحد غلطان، طيب... لو صار أبوي، مصيبة... يمكن يطلب مني الحضور إلى المنزل لسبب ما، يمكن يكون جدي جاء للرياض مثلا ً، ويبي يشوفني ويسلم علي قبل رحيله المتعجل كعادته، سبحان الله... هكذا بلا موعد ولا ترتيبات، يأتي ومطلوب منا أن نأتي لو من آخر الدنيا عشانه، ولكن لا... لا... مستحيل جدي يجي في مثل هذا الوقت من السنة، أكيد أمي، ولكن ماذا تريد؟ هي لا تتصل عندما أكون في البر، ربما هي هيلة، نعم... نعم... هيلة، هي التي دأبت مؤخرا ً على الاتصال بي من وقت إلى آخر وخصوصا ً بعدما شاهدت برنامجا ً سخيفا ً عن العلاقات بين الإخوان وتقويتها، أف... هذا وقت علاقات، الله يصبرنا على تقليعات البنات بس، يوم يوجعن رؤوسنا بطلباتهن ومشاويرهن، ويوم ثاني يقرأن مجلة وإلا يشوفن برنامج وينزل عليهن الحنان من السماء السابعة، ويبدأن بالتدخل في كل صغيرة وكبيرة في حياتنا، أف... طيب... آآآآ... المفروض ما أستعجل يمكن واحد غلطان، يمكن العجوز اللي تتصل علي من فترة تسأل عن ( أم فالح).... "

( السلام عليكم و رحمة الله... السلام عليكم ورحمة الله) قطع الإمام عليه هواجسه، فقام ليكمل ما فاته ثم تنبه عندما استوى واقفا ً إلى أنه لم يفته شيء، وأنه الوحيد القائم في الصف الأول، فعاد للجلوس وسلم وقد احمر وجهه من الحرج.

التفت إليه سعد مستغربا ً وعلى شفتيه ضحكة خبيثة يداريها، فهب حمد حتى من دون أن يأتي بالأوراد، وخرج من المسجد مسرعا ً، وسحب الجوال من جيبه، كانت شاشة الجوال فارغة، هذا معناه أنه قطع المكالمة في وجه المتصل، ارتجفت أصابعه وهو يقصد ( سجل المكالمات) ثم ( المكالمات المستلمة)، وانتظر ثانية قبل أن يظهر اسم مروان كآخر متصل.

انفجر حمد حنقا ً " الله يغث هالعلة... وش يبي هالدب؟" ثم ضغط على زر الاتصال، وعندما جاءه صوت مروان على خلفية هواء وضحك، قال حمد بغل ومن بين أسنانه:

- نعم؟

- السلام عليكم... هلا حمد.

- وعليكم السلام... نعم؟ وش تبي؟

- آلو... ما أسمعك... أرفع صوتك.

زعق حمد بشكل جذب انتباه بعض الذين خرجوا من المسجد:

- وعليكم السلام... وش تبي؟

- ايه... اسمعك الحين، كيف الحال؟

جذب حمد نفسا ً عميقا ً ليهدأ أعصابه المفلتة، ثم قال ببطء وهو يسيطر على توتره:

- هلا مروان... بخير، الحمد لله.

- أقول... ما أبي أزعجك، بس اليوم أنت تركتنا متعجل وكنت على غير طبيعتك، فقلت أتصل أتطمن عليك.

- الله يجزاك خير... لا الحمد لله الأمور تمام، وبجي لكم الليلة إن شاء الله.

- ننتظرك على العشاء؟

- لا... لا... بتأخر عليكم، تعشوا أنتم، بالعافية.

- الله يعافيك، أجل ما أطول عليك، مع السلامة.

- مع السلامة.

والتفت حمد ليجد عيون سعد المتسائلة خلفه، وخصوصا ً بعد خروجه المتعجل، وتصرفاته الغريبة، فقال وهو يبتسم بارتباك:

- اتصال غريب، وفي غير موعده.

- ههههههه، وش هالإتصال اللي يخليك تخبط في صلاتك، وتطلع من المسجد ركض.

ضحك حمد بحرج ولم يحر جوابا ً، فتجاوز سعد الموقف وعادا إلى المنزل.

* * *

خرجا إلى البحر عندما خفت الشمس، كان الشاطئ ممتلئ بالناس، أوقف سعد سيارته ونزلا وجعلا يمشيان والهواء يعابث ثيابهم، كان العد التنازلي للرحيل قد بدأت دقاته داخل عقل حمد، والطريق إلى الرياض يرتسم الآن في مخيلته، وسعد يحدثه في أمور شتى، ولكن حمد الآن بعدما رأى سعد وجلس معه، لم يعد يرغب سوى بالعودة قبل اكتشاف أمره.

جذبه سعد إلى مكان خال ٍ على الشاطئ، واقتربا من الموج الهادر حتى كاد يقتحم أرجلهما، ووقفا هناك يتأملان الأفق والمراكب الصغيرة المنتشرة أمامهم، قال سعد وهو يعب من الهواء:

- لا أجمل من البحر عند أهل السواحل، له تأثير يماثل تأثير البر لدى أهل نجد.

- صحيح... البر بحر نجد.


* * *

كان العصر قد انتصف عندما أوقف سعد سيارته بجانب سيارة حمد، ونزل يودعه، وضع يده في يده واحتفظ بها قليلا ً وهو يقول وقد وضع عينيه في عيني حمد:

- تشرفت بمعرفتك، وأشكر لك هذه الزيارة الجميلة، رغم قصرها، وسأزورك في الرياض قريبا ً إن شاء الله.

- أهلا ً وسهلا ً بك في أي وقت، وهذي الساعة المباركة.

- في أمان الله وتوصل بالسلامة.

- الله يسلمك.

وانطلق حمد، وكما قطع الطريق إلى الخبر وهو غارق في الهواجس، عاد أيضا ً وهو يطفح فيها، ولكنها كانت هواجس من نوع آخر، كان سعد يحتل تفكيره، لقد رآه، جالسه، تحدث معه، ولكنه لم يتعرف عليه حتى الآن، يريد أن يعرف أكثر، كل ما عرفه عن سعد مجرد مجموعة آراء أدبية، وشذرات غير ذات أهمية من حياته، يريد أن يعرف الأهم، مثل ما الذي صاغ تفكيره بهذه الطريقة؟ كيف وصل إلى ما وصل إليه وهو في هذه السن؟ وغير هذا كثير من الأسئلة، ولكن لم العجلة ستأتي الأيام بعجاجها.

انتقل تفكيره بعد هذا إلى روايته ذات الفصل اليتيم، هل يفعل ما قاله سعد؟ هل يعجل بقتل أحد أفراد العصابة؟ أم يثبت على قراره ويرجئ ذلك إلى الفصل القادم؟ أدرا الفكرة في رأسه ثم قر قراره على العمل باقتراح سعد، سيدع جهز يموت في الفصل القادم.

وهكذا مضى ينقل أفكاره ويكد عقله، حتى وصل إلى المكان الذي يترك منه الطريق المعبد ويخوض في الأرض المبثوثة حصى ونباتات برية ليصل إلى المخيم، ضيق عينيه وخفف سرعته ومضى تكلله سحابة من الغبار يخترق الطريق الذي اعتاده، حتى وصل المخيم والساعة قد أوفت على العاشرة مساءا ً.

تسلل إلى أذنيه صرير الحشرات الليلية مخلوطا ً بضحكات أصدقائه عندما نزل، تنفس بعمق ووقف بجانب السيارة في الظلام، ومرت في ذهنه لمحات من كل ما فعله خلال هذا اليوم العجيب، فكر في رحلته كلها، لقاءه بسعد، وطفت في ذاكرته وبلا سبب صورة للكرسيين الذين رآهما في حديقة بيت سعد.

طرد الأفكار من ذهنه ومشى إلى حيث يقوده وهج النار التي التف حولها صحبه، وعندما لاح لهم جاءه صوت مروان:

- هلا... هلا والله.

- السلام عليكم.

جاءه الرد بأصوات مختلطة، صافح الجميع وجلس مستدبرا ً النار، استل ناصر من دلو ملئ بالماء والبيالات (بيالة) صب فيها شايا ً وناولها له وهو يقول:

- والله وفقدناك اليوم يا أبو علي.

- الله يسلمك.

مروان: أبو سعود اليوم ضاق صدره عشانك مشيت، حتى أنه بغى ما يتعشى من ضيقة الصدر.

ناصر: هههه، أشوى أنه يأكل بيديه الثنتين.

ضحك حمد، فيما تململ عبدالعزيز وقال وهو يحدج ناصر بنظره:

- والله ما خلص العشاء إلا أنتم يا راعين الكروش، وخصوصا ً هالدب.

وأشار برأسه إلى مروان، الذي أشار بإصبعه إلى فم عبدالعزيز وقال وهو يتصنع الجدية:

- أبو سعود... فيه مايونيز على فمك.

مسح عبدالعزيز فمه، فأنفجر مروان وناصر ضحكا ً:

مروان: شفت أنك مشفوح، الله لا يبلانا بس.

ناصر: ههههه، ترى أبو سعود ضايق صدره أن الأكل باليمين بس.

* * *

عندما انفرد حمد بمروان حول النار، كان الليل قد انتصف والبقية قد أووا إلى فرشهم، قال مروان وهو يحرك النار الخابية بعود طويل:

- قرأت الفصل اللي أعطيتني إياه.

- وش رأيك؟

- بصراحة حلو.

- وش اللي عجبك فيه؟

- شف أنا ما عندي هرج واجد... ما راح أقولك مثل باقي الناس ( فضاء الرواية ينقلنا إلى عوالم أرحب، والتواجد الزمكاني للبطل يحاول التضافر مع عوامل السرد لنحصل على مزيج من الرتمية والحس الواعي) إلى آخر هالكلام الفاضي، أنا ما عندي إلا كلمتين حلوة أو مهيب حلوة، بس.

مرت في ذهن حمد صورة سعد وهو يستفيض في نقد فصله والكلام يتدفق من فمه، وقارنها مع صورة مروان الذي قال هذه الكلمات اللا مبالية وهو يمد رجليه في اتجاه النار وقد اتكئ على وسادة خلفه مفسحا ً المجال لكرشه لتتمدد للأمام، طرد المقارنة من ذهنه سريعا ً، وقال ليتجاوز الموضوع:

- وروايتك... متى بتنزلها؟

- قريبا ً... لا تستعجلها بتأكل الجو عليك أنت والكتاب بالمنتدى.

- ههههههه، يصير خير.

- إلا على فكرة، اليوم وش السالفة؟ ما كنت طبيعي الصباح، كنت ضايق صدرك وكان فيه شيء مثقل عليك، والآن مبسوط كأنه هم وزال عنك، عسى ما كان فيه مشكلة وإلا شيء؟

صمت حمد قليلا ً، ثم لم يدري لم انطلق لسانه لينهي إلى مروان بخبر سفره كاملا ً، ذكر كل شيء من بداية تعرفه على سعد إلى لقائه اليوم معه، أغفل فقط حكاية الروائية الجماعية لأنه لم يحن وقتها.

صمت مروان وتلقى الحكاية كاملة وهو يحرك الرماد والجمر، وعندما انتهى حمد قال:

- والله إنك مهبول... وشلون تسافر لواحد ما تدري من هو؟ ولا تعرف أي شيء عنه، وبدون ما تبلغ أهلك، أو حتى تبلغ أي أحد بمكانك، يعني لو لا سمح الله صارت لك مشكلة وشلون بندري عنك؟ المفروض بلغتني أنا على الأقل.

- والله إنك صادق... لكن ما جاء على بالي... كنت مستعجل فتصرفت بهالشكل.

- وبعدين هذي خاتمتها يالردي... تخلي ربعك وأخوياك كذا، وتسافر عشان واحد يكتب بمنتدى... يا خسارة تربيتي فيك.

- ههههههه، أقول ضف وجهك، أنت ما تربي ولا عنز.

- المهم... نصيحة لوجه الله، لا تصير مطفوق، مهوب كل واحد يعجبك كلامه و إلا كتابته تروح تركض له، ترى الواحد ممكن يكون أسلوبه في الكتابة ملاك، لكن لما تقابله تكتشف أنه شيطان في صورة إنسان.

- فعلا ً... يعني أنت مثلا ً يا مروان لما الواحد يقرأ لك يحس أنك فاهم، لكن لما يقعد معك يكتشف أنك ما عندك ما عند جدتي.

- الشرهة مهيب عليك الشرهة علي اللي أضيع وقتي معك... أقوم أنام أصرف لي.

ونهض فلحقه حمد وأطفأ النار، وعندما استوى حمد على فراشه، بدا له اليوم الذي مضى طويلا ً جدا ً وحافلا ً، و تواردت إلى ذهنه عندما تدلى في جب النوم صور كثيرة، مروان وعبدالعزيز يصنعان القهوة صباحا ً، جذع شجرة محروق طرفه وعلى الطرف الآخر نقشت ذكريات مجهولة، عامل بنغالي ذو سن مكسور في بقالة مغبرة، شواخص الطريق وهي تمر به أو هو يمر بها، مواقف الراشد، سعد، غمازات سعد، المسجد الشامي، حديقة، نخلة، كرسي في الحديقة، دجاج وسمك، جوال، بحر... بحر... بح... وسحبه الموج إلى الأعماق فنام.

* * *

مضى يوم الجمعة سريعا ً، وصارت السفرة الخاطفة مجرد ذكرى، وبدأت ملامح سعد تذوب، حتى أن حمد تساءل " هل حقا ً كنت بالأمس في الخبر؟"، عاد إلى المنزل بتساؤلاته وذكرياته.

وعندما انتهى من السلام على أهله، وقبل رأسي أمه وأبيه، قصد دورة المياه وألقى بنفسه في البانيو الذي ملأه ماءا ً دافئا ً، أسند رأسه إلى الطرف وأغمض عينيه، أحس بالماء يجلو تعبه، اضطرابه، يرتب ذاته المتناثرة.

أمضى قرابة الساعة وهو مسترخ ٍ، والأفكار تتجول بهدوء في طرقات عقله، فكر في روايته، لقد قرر أن يفعل ما قاله سعد، سيدع جهز يموت في هذا الفصل، وسيكون هذا الموت بعبارات حاسمة وقوية وبدون ابتذال للمشاعر، وسيرى كيف يتلقى القراء النص.

خرج من الحوض، جفف جسده، وتناول عشاءا ً خفيفا ً ثم جلس أمام الجهاز، ألقى برأسه للخلف وجعل يدير الكلمات في ذهنه، سيبدأ بداية صاعقة، هو يحب مثل هذه البدايات، عندما تحاصر القارئ بمجموعة من الأحداث المتوالية، ثم تنسحب بهدوء وتبدأ من البداية لتفسر ما حدث.

فتح صفحة بيضاء على معالج النصوص ( الوورد)، كتب في أعلاها ( الفصل الثاني) ثم بدأ يكتب سطرا ً ثم يمسحه وهو شارد والكلمات تتداول في عقله، ثم جاءت الكلمة وتلتها أخرى، وتتابعت الكلمات، واستحالت صفحة ثم صفحات، حتى مضت ساعة وهو منطلق وعندما توقف عن الكتابة كان بين يديه فصل وليد.

* * *

في مدينة الخبر/ 10.45 مساءا ً.

كان السكون يلف حديقة المنزل، التي تلمع أعشابها من أثر الماء، وتحت العريشة التي غطتها النباتات المتسلقة جلست نوال، كان الهواء المحمل برطوبة خفيفة منعشة يهب مداعبا ً وجنتيها وشعرها.

كانت تجلس على كرسي الخيزران المبطن تبطينا ً جيدا ً، وعلى ركبتيها استقر جهاز محمول تداعب أصابعها مفاتيحه الناعمة، وتلقي شاشته الصغيرة نورا ً خافتا ً على وجهها وسط الظلمة التي لفت المكان، كانت منهمكة في وضع اللمسات الأخيرة على تصميم من تصميماتها الحالمة التي تفيض بالأطفال والزهور والطيور والألوان الهادئة.

جاءت نوال كدرة العقد بين أخوتها وأخواتها، فجمالها ورقتها كانت تضفي عليها هالة سحر تقتحم القلوب بسهولة، ذات بشرة بيضاء وعينين حوراوين وغمازات في خدها تتراقص بجنون عندما تضحك، وشعر يكلل رأسها كتاج رباني أسود، كانت تسمى بين زميلاتها في المدرسة ( سالي) لشبهها بـ ( سالي) بطلة أحد أفلام الكرتون الشهيرة ولرقتها ولطفها، وامتد عبث الفتيات إلى تسمية المديرة بالآنسة ( منشن) لأسباب ليس هذا مجال ذكرها.

ورغم التدليل والمعاملة الخاصة التي نالتها نوال من أبيها ومن سعد وأخوتها من أبيها فإن هذا لم ينشئها مدللة، سطحية، لا يتعدى تفكيرها رغبتها ونزواتها كما يحدث دائما ً، بل جاءت تربية أمها الحازمة لتوازن الدفة وتصنع من نوال شخصية آسرة.

في مثل هذا الجو نشأت نوال رقيقة مرهفة الحس، تحب الرسم والذي طورته إلى التصميم على برامج التصميم الحديثة، وتكتب خواطر بسيطة تدونها في مفكرة ذات قفل صغير.

كل فتاة في الدنيا عندما تبدأ عواطفها في التشكل تفتش عن رمز تحبه، لا حبا ً عاطفيا ً كحبيب بل حبا ً خالصا ً كرمز، قد يكون هذا الرمز أبا ً أو أخا ً أو عما ً أو حاكم البلد، قد يكون حيا ً وقد يكون ميتا ً، لأن الفتيات يختلفن عن الفتيان بأن الحب لديهن متعلق بالأشخاص لا الأشياء، الحب لدى الشاب انتقائي، فهو يحب شكل فلان، عيني فلانة، وأخلاق فلان الثاني، وأناقة فلان الثالث وهكذا، بينما تركز الفتاة حبها كله في شخص محدد، فتحبه بكل ما فيه، تحب شكله وكلامه وضحكته والتفاتته وحتى مشيته، ولذلك عندما تحب الفتاة تحب بإخلاص، وفي حالة نوال كان هذا الرمز الذي درجت على حبه أخوها سعد.

وعلى مر السنين ورغم تقلباته النفسية وانعزاله ظلت حب سعد عامرا ً في قلب نوال، بل ربما غلت في حبه حتى بدأت تظن أنها لن تحب أحد مثلما أحبته، وظلت دوما ً تحاول التقرب منه، وتنفيذ طلباته البسيطة التي لا تتعدى صنع ألوان من الطعام يفضلها، أو تهيئة المنزل لاستقبال أحد أصدقائه القليلين، ولذلك عندما طلب منها يوما ً مساعدته في تصميم منتدى على الانترنت حلقت فرحا ً بهذه الخطوة التي قد تعيد إليها سالف الأيام.

ثم بدأ في كتابة القصص القصيرة، فتحمست لمتابعتها، حتى أنها صارت تحملها معها إلى المدرسة لتطلع بفخر زميلاتها عليها، وجعلت من نفسها القارئة الأولى له، حتى صار يعطيها القصة لتقرأها قبل أن يضعها في المنتدى، ثم شرع في كتابة رواية، حينها وصل حماسها إلى القمة، وتتبعت بطليه خالد ونورا وأحبتهما، أحبت بساطة خالد كما أحبت عمق نورا، وتمنت أن لو تكون نورا وأن يأتي يوما ً خالد الذي يكتب فيها المعلقات، وبلغ من هوسها أن صارت تبكي بعيدا ً عن العيون عندما تقرأ كلمات خالد اليائسة، وتتمنى لو تطلب من سعد أن لا يقسو عليه.

في ذلك المساء كان التصميم الذي بين يديها يكاد ينتهي، عندما سمعت باب البيت الداخلي يفتح ورأت سعد يبرز منه خارجا ً وبين يديه مجموعة من الأوراق، قصدها وهو يرفع الأوراق إلى رأسه، هتفت فرحا ً:

- الفصل السادس؟

- ايه.

- ما شاء الله... ايش النشاط هذا؟ العادة الفصل يأخذ منك وقت أكثر.

- آه... لو تدرين الفصل هذا قد ايش تعبني ودوخني، المهم... الفصل بين يديك ِ، أنا الآن بطلع البحر، أبغى أغير جو وأشم هواء بعد التعب هذا كله.

- في هالوقت؟ مو عادتك. ( قالتها وهي تنظر إلى ساعة يدها التي قاربت الحادية عشرة).

- محتاج للخروج... أبي أغير جو، أقرأي الفصل... أريد رأيك ِ قبل أن انشره غدا ً.

وغادر المكان بخطوات خفيفة، فأغلقت نوال جهازها وحملته مع الأوراق إلى الدور الثاني حيث غرفتها الصغيرة، وضعت المحمول على المكتب، وأطفأت الأنوار وألقت بنفسها على السرير مضيئة نور القراءة المجاور للسرير والذي يزودها بالجو الخاص بها.

تحسست الأوراق التي بدت لها أكثر من المعتاد، أملت نفسها بفصل دسم، ومرت بأصابعها على الحروف المنغرسة في لحمة الورق، وهي تتأمل خط سعد الذي يلتهم الكلمات من السرعة.

بدأت عيناها بالمرور على السطور محركة شفتيها بهمس خافت مرددة ما تقرأه، وعندما بدأت كلمات الفصل تتوالى بدأت أصابعها تتوتر على الورق ودقات قلبها تزداد، وقلبت الأوراق بأصابع مرتجفة، وتوالت الحروف كدر عقد مقطوع، وبدأ سؤال مجنون يثب في ذهنها وهي تقترب من الورقة الأخيرة، وعندما بلغتها سقطت الورقة من يدها وتهادت لتحط على بقية الأوراق، وهناك على خدها الأسيل لمع خيط من الدمع، وبعد ثانية تبعه خيط ثان ٍ.

* * * * * * * * *


الفصل الحادي عشر

في لحظة فتحت عينيها، كان نور مصباح القراءة يبدد جزء ً صغيرا ً من ظلام الغرفة، حركت يدها فأحست بآلام في رسغها فأدركت أنها قد نامت متكئة على يدها.

كان الفجر قد حل، نهضت بتثاقل وأدت فرضها وعندما انتهت أنارت الغرفة، لمحت الأوراق المتناثرة على السرير، وعادت إلى ذهنها الكلمات المسطورة فيها، وداخلها شعور بالضيق والهم، تناولت الأوراق، جمعتها في حزمة واحدة، وعادت لتستلقي في السرير وتقرأ بتعب وحزن.

كان الفصل الذي بين يديها عبارة عن رسالة طويلة جدا ً من خالد إلى نورا، وكانت الرسالة تبدأ بـ :

( حبيبتي نورا

لحظة... لا تعقدي حاجبيك ِ ولا تسخطي على جرأتي، أعرف أنها أول مرة أخاطبك ِ بها بهذا اللقب، بل أنت ِ أول من أقول لها " حبيبتي"، ولكن خذيني بالرفق وأقرئي الرسالة إلى نهايتها.

سأحدثك ِ في هذه الرسالة عن نفسي فأنا لم أحدثك ِ عنها إلا القليل، سأفعل الآن وإن كان لي عندك ِ فضلة مودة لم تطيرها كلمتي السابقة فلا تتململي من حديثي، فقد كنت أسعد كثيرا ً عندما كنت تحدثيني عن نفسك، آرائك، صديقاتك، واليوم أظن أني قادر على الرد بالمثل.

ولدت في صيف لاهب في قرية صغيرة مطمورة بالرمال، كنت أول حفيد لجدي، وربما هذا هو السبب الذي جعله يفقد وقاره كما أخبرتني أمي، حيث صار يأتي كل حين إلى غرفة النساء ليطل علي في المهد، يتأمل خلقتي وملامحي الصغيرة وهو يردد ( ما شاء الله... ما شاء الله... الخشم خشم عمه سلطان، والعيون عيون أميمته، والخشيشة خشيشة خالته أسماء، يا الله أنك تغفر لي والوالدي، اللهم صلي على محمد... يا زين ذا الولد زيناه... كله ملح)، طبعا ً هي ملاحة وفق مقاييس جدي وللمرآة رأي آخر.

كان أبي يعمل عملا ً ما، تجارة أو نقل يقضي بأن يتنقل بين السعودية والكويت، فكان يتغيب عن القرية شهورا ً، نقضيها أنا وأمي في كنف جدي، عندما كبرت قليلا ً أدركت أنه هناك عدم استلطاف مخفي بين أمي وعماتي، هو شيء من أمور النساء التي تعرفينها، أظن أن عماتي كن يردن تزويج أبي امرأة ما وخيب أبي آمالهن بزواجه من أمي فغضبن وصرن يعاملنها بجفاف، وأمي ليست ناقصة لسان ولا خافتة صوت، كانت ترد الصاع صاعين، ونشأت أنا بين الفريقين، كنت أتلقى القبلات من كليهما، وخصوصا ً من عمتي فاطمة التي مازلت أتذكر قبلاتها المبللة باللعاب وأنفاسها اللاهثة.

عندما اقتربت من السابعة قال أبي لأمي أنه سيأخذنا إلى الرياض حتى أدخل المدرسة وأصير "أستاد" كما كان يتمنى فيما كانت أمي تأمل أن أكون إماما ً للحرم المكي وهو حلم لم يتحقق كما ترين، صحيح أني صرت إماما ً لمسجد حينا الصغير لفترة بسيطة في أحد الرمضانات، وكنت أجتهد حينها في القراءة من المصحف والترتيل بصوت كنت أحسبه شجيا ً، حتى جاء يوم قرأت فيه سورة الأنعام ولم أنتبه أن هناك يدا ً أثيمة قد انتزعت صفحة كاملة من المصحف، عندما أحس المأمومون بقفزي لعدد من الآيات ردوا علي فأصررت على موقفي لأن المصحف بين يدي وأرى ما لا يرون، عندما انتهت الصلاة نبهوني على خطأي، أريتهم المصحف بعناد، فضحكوا وهم يشيرون إلى أرقام الصفحات، تواريت أنا خجلا ً من بلاهتي، وفي الغد قدموا غيري.

دخلت المدرسة واجتهدت في الدرس والتحصيل، وخصوصا ً أن أبي كان لديه نظرية تربوية جميلة اسمها " نظرية اللعاب" تتحدث هذه النظرية عن أن " أن كل العيال لعابين، وأن الولد ما ينضبط إلا إذا مسيته بالعقال وإلا الخيزرانة"، هذه النظرية كانت حافزا ً من حوافز لي لأجتهد، وبغض النظر هل كنت لعابا ً أم لا، فالحاصل هو أني كنت أنجح وإن كان نجاحا ً بسيطا ً، حتى تخرجت من الثانوي ودخلت في كلية المعلمين لأحقق حلم أبي وأصير " أستاد".

هنا يجب أن أتوقف وأن أعترف، صحيح أني اخترت قسم اللغة العربية، وصحيح أنه كان لزاما ً علي أن أقرأ كثيرا ً في التراث العربي حتى أحصل على مادة علمية تخولني النجاح، ولكني رغم ذلك كنت شابا ً متواضع القدرات، بلا حلم، بلا طموح، بلا هدف.

ثم جئت أنت ِ، كان الأمر كأني كنت راقدا ً سنوات طويلة في قبر مفتوح، والأتربة تنثال علي ببطء، وأن بابا ً من السماء فتح وأطللت أنت ِ منه وقلت ِ لي قم فقد طال رقادك، فقمت كأني بعثت جديدا ً.

نورا... لقد مرت بي أيام كنت أمضي فيها في الحياة، أدرس وآكل وأشرب، أضحك وأسافر وأصخب، ولكن عندما أتيت أني بدأت أفكر، لقد أيقظت ِ عندي الرغبة في التغيير.

لا أظن أني يوما ً من الأيام سأوفيك ِ حقا ً أو سأستطيع أن أرد لكي جميلا ً، لا... لا... لا ترفعي حاجبا ً وتهزي رأسا ً وتقولي ولكن ماذا فعلت أنا لكي أستحق كل هذا؟

نورا... يا نور حياتي وبهجتها، كنت أقرأ في الكلية للجاحظ، والتوحيدي، وابن خلدون، والمعري في الأقدمين، وللرافعي والزيات والعقاد والطنطاوي في الآخرين، ولكني كنت أقرأ لهم قراءة لا تجاوز حلقي ولا تنفذ إلى عقلي وقلبي، لا زهدا ً فيما يكتبون ولكنه الشيء عندما يفرض على الواحد منا فلا يقبله، ثم جاء اليوم الذي قرأت فيه لكي فأيقنت حينها أني لم أقرأ قبلها كتابا ً ولم أفهم خطابا ً.

قد تظنين أني أبالغ في كلامي، وأن حبي لكي يجرح شهادتي في قلمك، ولكن سأخبرك ِ ماذا فعلت بأحد مقالاتك ِ التي أذهبت عقلي، حيث أني نسخت مقالك ِ الشهير " التعب الأدنى" بعدما كلفت به، ولم أذيله باسم بل كتبت في أسفله " كاتب ناشئ ينتظر رأيك" ودفعت المقال تحت باب أحد المحاضرين لدينا في الكلية، وهو ناقد معروف وله بحوث ودراسات لها احترامها، وعدت بعدها بأيام لأجد ورقة ملصقة على بابه مكتوب فيها

" إلى كاتب ناشئ

قرأت ما خطته يداك يا بني، وحري بمن له هذا القلم أن يطرق الباب وأن يعرض نفسه للعيان لا أن يدفع بأوراقه من تحت الأبواب كأنها منشورات أو محظورات، تابع دربك فهو طويل ولكن لا تبخس نفسك حقها، واسأل الله لك التوفيق والسداد."

ذهلت فهذا الناقد معروف بعنفه وقلمه الذي يسوط به الكتاب والشعراء، هل تذكرين الرواية التي فازت بتلك الجائزة الخليجية، هو عينه الناقد الذي ساط الكاتب واللجنة التي تقدم الجائزة، وقال فيهم قولته الشهيرة " الذي يهرف بما لا يعرف يجيزه الذين لن يعرفوا يوما ً أنهم لا يعرفون"، المهم أني ذهلت أنه لم يشذب المقال ولم يهاجم الكاتب كما يبدو أنها هوايته الأثيرة.

نورا... صحيح أنك ِ لم تأتي بجديد في اللغة أو في الأدب، ولكنك ِ من الذين يعرفون طريق القلب، الذين تلين لهم الكلمات وتتقلب حيث يريدون، الذين يجاوزون المواضيع التقليدية ليعبروا عن هواجس القراء، رغباتهم، أحلامهم وخيباتهم، أنت ِ تستطيعين أن تقولي ما يتلجلج في صدور الجميع ولكنهم يعجزون عن الإتيان به حتى يروه مسطورا ً بين يديهم فيقولوا يا الله ما أجمل هذا وأبسطه، كأن الكاتب أطلع على أفئدتنا فقال ما أردنا أن نقوله.

نورا... الحب يجترح المعجزات، وحبك ِ صنع معجزتي، انتشلني من هوة الضياع، من الوقت الذي يمضي سدى، تعرفت عليك ِ ذات أحد، كانت الساعة الحادية عشر ليلا ً وكنت قد قصدت مقهى الانترنت الذي يبعد عن منزلنا ثلاثة شوارع والذي آتيه عندما أستشعر الملل، كان مظلما ً وغمامة من الدخان تطوق الجالسين فيه، انتحيت الركن الذي أفضله، ومضيت أتجول في الانترنت بلا هدف، في يوم الأحد المبارك ذاك الذي مر عليه الآن سبعة أشهر و اثنان وعشرون يوما ً، ولجت المنتدى إياه ووقعت عيناي على قصتك ِ ( مذكرات أحمر شفاه) جذبني العنوان كما تجذب عبارة ( تخفيضات 70 %) النساء ( ههههه، أعترف أني لا أجيد أسلوبك ِ في التهكم والتعبير، لا تشرهين)، ما علينا قرأت قصتك ِ مرتين وسط رائحة الدخان الخانقة، فأحسست كأن الرائحة النتنة قد زالت وحل محلها عطر غامض مجهول، طفقت كالمجنون أبحث عن قصصك ِ الأخرى في الموقع، وجدت يومها قصة ( فتاة غلاف) ومقالك ِ ( التعب الأدنى).

عدت إلى المنزل فجرا ً، أحمل في جلدي وملابسي رائحة الدخان العفنة، وبين جوانحي عطر كتاباتك الغامض، ورغم أني ارتجفت تحت دفق الماء البارد فإن النار التي بعثتها حروفك ِ لم تخبو بين جنبي، كانت قد تبقت ساعتان على موعد المحاضرة الأولى ولكني لم أنم، جلست ككاهن من قبيلة الزن اليابانية على السرير أستمع لضجيج المدينة التي تستيقظ، وأفكر بك ِ، كنت أتخيلك ِ حينها نائمة بوداعة رضيع.

عدت طبعا ً لأقرأ ما كتبته مرات ومرات، و لأتتبع كل ما تكتبينه حتى وعيت في يوم من الأيام على حقيقة أني بدأت أحبك ِ، لم نكن قد تبادلنا حرفا ً واحدا ً حينها، كنت أيامها أخجل أن أخط لك ِ ولو سطرا ً واحدا ً بلغتي المتواضعة ومفرداتي القليلة، كنت قانعا ً بأن أقرأ لك ِ فقط، أن أعب حروفك ِ وأن أستنشق عبقها، وأن أترك لخيالي رسم تفاصيل ملامحك.

حتى بلغ الحب مني الشغاف، وجاوز الأعطاف، جلست يوما ً على مكتبي الصغير الذي تغطيه الكتب الجامعية والمذكرات والملخصات، وبين يدي ورقة بيضاء مسطرة، وجعلت أتأمل الخطوط الزرقاء الدقيقة المتوازية وأنا أكد ذهني بحثا ً عن شيء أكتبه لك ِ، وكلما فكرت في جملة أعود فأنبذها مستسخفا ً، حتى أدركني اليأس، فرفعت بصري إلى سادة القلم المستقرين على مكتبي، استعطفت المازني، وتملقت الرافعي، وداهنت الزيات، ولكنهم كانوا عني في سبات.

يومها أوقد حبك ِ شرارة الثورة، ثورة العاشق الذي اقتضى حبه أن يغير نظام حياته من أجل حبيبته، ثورة عصفت بكل شيء في حياتي، برنامجي اليومي، هواياتي، الناس من حولي، يومها وضعت رسالة لائقة لك ِ كهدف أمامي ومضيت أبحث عن كل ما يؤهلني لأكتب لك ِ، نورا... كان الطريق مريرا ً متعبا ً، أمضيت شهرين في الصيف في القراءة اليومية، وألغيت سفرة كنت قد أعددت لها مع أصدقائي، وفي النهاية صار بين يدي رسالة أستطيع أن أرسلها لك ِ، كانت هي الأولى، وصار ما تعرفين من ردك ِ علي، والرسائل التي تبادلناها، وانتقالنا إلى الحديث المباشر على المسينجر وصولا ً إلى رسالة اليوم.

نورا... كنت قد قطعت على نفسي عهدا ً أن لا أؤذيك بكلمة، كنت أتخير ألفاظي لك ِ رغم لهفتي الشديدة وحبي الجارف، كنت آنف أن أدنس طهرك ِ وأن أتجاوز أخلاقي وتربيتي، كنت أكبت الحب وأعيد النظر في الحروف لأتأكد أن لا كلمة تسللت من رقابتي الصارمة.

تتسألين ما الذي غيرني اليوم؟ هل تجاوزت أخلاقياتي؟ هل أرضى أن يمسك ِ سوء أو أن تعلوك ِ كآبة؟ لا والله... دون ذلك الموت، ولكني تعبت يا نورا... تعبت... وصار يتملكني الآن شعور عداء المسافات الطويلة الذي جرى كل المسافة ثم أدرك في اللحظات الأخيرة أن السباق ألغي، وأن تعبه وجهده لا معنى له.

نورا... أدركت منذ فترة بسيطة ومن سياق كلامك ِ أنه لا مكان لي في قلبك، لا الآن... ولا مستقبلا ً، وأن نظرتك ِ لن تتعدى يوما ً ( القروي البائس الذي يلوك الحروف)، يقولون في الإستراتيجية العسكرية دائما ً لا تبدأ حربا ً لا تستطيع كسبها، أنا لن أكسب هذه الحرب.

وبما أني خاسر لا محالة، واستباقا ً للطعنة القادمة، فسأمزق فؤادي مختارا ً وأرحل، سأحمل حروفي الكسيرة، سأحمل بقايا الحلم الميت بين يدي كطفل مات اختناقا ً، سأرحل لأوقف الاستنزاف اليومي لقلبي.

منذ يومين أعطيت أمي الإشارة التي كانت تنتظرها لتبدأ رحلة البحث عن زوجة لي، لم أشترط شيئا ً، تدور أمي الآن باحثة عن هذه البائسة الصغيرة المتشبثة بالحلم، هذه البائسة التي ستفرح عندما يقال لها أنه هناك من تقدم لها، ستبدأ بالاستعداد... ستطوف الأسواق لتشتري كل جديد وجميل تكسو به جسدها، وفي ليلة العمر ستبكي أمها وهي تودعها، ستزهو في حفل أمام الحاضرات وأمام صديقاتها وقريباتها، ثم ستخطو إلى منزل قد سد صاحبه قلبه منذ زمن، وبعد أيام تعلم إلى أي قبر اقتيدت، لن تسمع أصداء الكلام الجميل... سترى بؤسها يجوب زوايا المنزل، تهرع بهلع إلى الهاتف... تحدث صديقاتها بهستيريا ( ما يكلمني كثير... ما ني قادرة أفهمه يا بنات... أحس إني مخنوقة... ياليتني ما تزوجت... خايفة... خايفة) سيطمئنونها ويطالبونها بالصبر وأنه ستتغير الأحوال إلى الأفضل مع الأيام، وتمر الأيام ولا يتحسن شيء وترضى هي بواقعها الكئيب، ويبقى صاحب القلب المغلق يتمتم نورا.

أليست بائسة؟ لا... لا... لست متوحشا ً يا نورا، أنا عاشق مصدوم، يتقلب كل ليلة على الألم بأن حبيبته ستذهب إلى غيره، وأن كلماتها وضحكاتها سيستمتع بها رجل آخر. )

توقفت نوال عن القراءة مع تجمع الدموع في عينيها من جديد، أخذت نفسا ً عميقا ً، نظرت إلى الساعة، لم يتبقى الكثير على موعد ذهابها إلى المدرسة، نهضت لتصلح من حالها.

عندما انتهت كانت قد تبقت خمس دقائق على موعد خروجها، وبدلا ً من أن تتناول إفطارها المعتاد، تناولت الأوراق وقفزت بقية الأوراق وقصدت الصفحة الأخيرة:

(

هكذا... لا رسالة بعد اليوم ستصلك ِ مني، ولا رسالة منك ِ سوف أستلمها، سأقوم بإلغاء هذا البريد الآن، لن ألج المنتدى يوما ً... بل ربما أغادر الانترنت كاملا ً... كل ما سأصطحبه معي حبك ِ... كلماتك ِ... والامتنان العظيم على الدافع الذي وفرته لي لأرقى بنفسي فكريا ً... والألم العميق من تأثيرك ِ على نفسيتي وصحتي.

نورا... هو الوداع... لا لقاء إلا في الجنات بإذن الله، أتمنى أن لا أكون مجرد شخص عابر في حياتك.

أرى الطريق الآن يتبدى لي موحشا ً، كمسافر مع قافلة اكتشف في القفار أنه فقدهم، أنا الضائع يا نورا في قفار الحب، أنا التائه الشريد.

أهدي لك ِ بيتين نظمتهما:

هونا على قلبي ولا تذهبا /// بروحي فما زلت متعبا
إذا المجنون بليلى مات معدما /// فأنا في نورا أحيا معذبا

خالد

انتهت الرسالة

* * *

((إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ))

- تمت الرواية بحمد الله –)

لفت نوال الأوراق وحملت حقيبتها وانطلقت إلى سيارة سعد التي تنتظرها في الخارج.

* * *

انطلق سعد بالسيارة حالما ركبتها نوال، تركا الصمت يغطيهما ببردته، كانت هي ترمق وجهه المختفي خلف النظارة الشمسية القاتمة بطرف خفي، تحاول النفاذ إلى مشاعره، وعندما يئست مدت له الأوراق المطوية بهدوء.

انتبه ليدها الممدودة، فتناول الرزمة وعرف فيها فصله السادس والأخير، ألقى بالأوراق بلا مبالاة في المقاعد الخلفية وسألها:

- كيف شفتي الفصل؟

سكتت هي قليلا ً لتبحث عن كلمات مناسبة، ولتبلل حلقا ً جافا ً ثم أجابت:

- ليش سويت كذا؟ حرام عليك تخلص الرواية وهي في الفصل السادس، يعني الرواية توها بادية، وبعدين ليش خالد يترك نورا... يعني مو معقولة... ما تصير في الواقع، الواحد ما يترك وحده يحبها، القصة كذا صارت مرة سخيفة.

ضحك سعد باستخفاف، وقال وهو يلف حول إشارة ليعود في الاتجاه العكسي:

- والله النشبة... وش تبيني أسوي؟ أخلي خالد يخطب نورا، ونورا تقوله كلم أبوي وتعطيه مسينجر أبوها، ويدخل خالد على أبوها في المسينجر ويقول له ( داخل على ثم عليك، ما أقبل إنك تضيفني عندك إلا إذا حققت طلبي، أنا والوالدة شفنا بنتك نورا في منتدى وجازت لنا، وأبيها على سنة الله ورسوله) عاد يرد أبوها ( هذي الساعة المباركة يا ولدي، هات مسينجر أبوك ومسينجرات ربعك عشان نسأل عنك، أنت عارف يا ولدي الأصول)، ههههههههههه.

- هاهاه... ما تضحك... أنا ما قلت كذا، لكن كنت تقدر تكمل القصة وتخليها أحسن من كذا.

- يا نوال... يا حبيبتي... كيف أكملها؟ خلاص خالد طوال الوقت يرسل لها في الفصول السابقة، لازم تكون هناك نهاية، وما فيه أحلى من هذي النهاية، حبيبتي هذا الواقع، وأنت عارفه الشيء هذا، لا تخلين عواطفك تتدخل، علاقة زي العلاقة هذي، كيف نهايتها؟ قولي لي؟

- ما أدري... لكن مو بالشكل هذا... حاسة الرواية مبتورة، وحاسة إنك قسيت على خالد.

- أنا قسيت على خالد؟ أنا؟ أنا خليته بطل يا شاطرة... خليته يتخذ قراره بنفسه، خليته رجل يعرف متى يوقف ويقول لا وينسحب بكرامته، بدل ما يجلس ينتظر اليوم اللي هي تقوله فيه، أنا انخطبت يا خالد مع السلامة.

كان قد توقف عند مدرستها، ففتحت هي الباب، والتفتت إليه:

- عموما ً... نصيحتي لك لا تنزلها في المنتدى بالشكل هذا، لأنه ما راح أحد يتقبلها بالشكل هذا.

- فات الأوان... نزلتها قبل نصف ساعة.

* * *

الرياض/ نفس اليوم العاشرة والنصف مساء ً.

جلس حمد يستمع إلى الرنين المميز للاتصال بالانترنت، وعندما تم الاتصال قصد المسينجر وأدخل كلمة السر ثم ضغط رابط منتدى ( أقلام بلا اتجاه) وطفق ينتظر أيهما يفتح أولا ً، كان المسينجر الأسبق، وكان سعد موجودا ً، نقر حمد بسرعة:

حمد: السلام عليكم.

سعد: وعليكم السلام... هلا والله.

حمد: ما توقعت أحصلك هالوقت.

سعد: ما لي وقت محدد... ممكن تحصلني في أي وقت.

حمد: وكيف حالكم؟ طيبين؟

سعد: ههههههه، شكلك ما دخلت المنتدى وشفت المناحة اللي فيه.

حمد: مناحة؟ أي مناحة؟ وش السالفة؟

سعد: أبدا ً بس نزلت الفصل السادس والظاهر ما أعجب القراء الأعزاء، والله سخافة، روح أقرأ الردود والله تحس إنك تكتب على جدران شارع مهوب منتدى محترم.

حمد: أح... أح... وراك معصب؟ لحظات بقرأ الفصل والردود وأرجع لك.

سعد: أنا بطلع أشوفك بكرة وآخذ رأيك، مع السلامة.

حمد: خير إن شاء الله... مع السلامة.

* * *

قرأ حمد الفصل بسرعة، وعندما انتهى توقف يتأمل النهاية الغريبة باستغراب والتي جاءت كقطع لخيط السرد، ولكن في داخله تولد إعجاب بتصرف سعد الذي أخلص لأفكاره ونهجه ولم يبالي بالاعتراضات والردود الغاضبة.

عاد يقرأ الردود ولم يستطع منع نفسه من الضحك على بعض الردود التي جاءت منفعلة ومعبرة عن صدمة كاتب أو كاتبة الرد، حيث كتبت إحدى القارئات:

( لاااااااااااااااااااااااااا حرام عليك وش هالنهاية التعبانة ما يصير تسوي كذا في خالد وبعدين نورا وش ردت على رسالة؟؟؟)

وهناك قارئ متحمس حاول أن يتحكم بأعصابه وأن يكتب بقلم الناقد، ويبدو أنها المرة الأولى التي يشارك فيها في هذه القصة حيث كتب:

( انا متابع منذو زمان للقصة ولاكن مادعني للكتابة هو النهاية حيث جت مبتوره ---

وايضا البطل خالد كان لابد ان يحاول ان يتقدم لحبيبته وليس يفر لانه هذا ليس من رجولة - -

وشكرن)

أما إحدى كاتبات الخواطر الشهيرات في المنتدى فقد كتبت:

( هي النهاية إذن
لملم خالد قلبه المبعثر ورحل
يا خسارة كنت أتوقع أن يقاوم خالد وأن يدافع عن حبه
صحيح أنك أخي قلم بلا اتجاه نقلت لنا الواقع ولكن لا تنسى أن الناس أحيانا لا تبحث عن الواقع وإنما تبحث عن تجميل لهذا الواقع.

مع خالص التمنيات في كتاباتك القادمة)

انتبه حمد إلى أن الساعة قد جاوزت منتصف الليل فأوى إلى فراشه، وفي هذه المرة أصطحب معه خالد إلى أحلامه، وعندما بدأ يهوي في جب النوم كانت ملامح خالد التخيلية قد امتزجت بملامح سعد حتى صار كأنه هو.

* * *

إضاءة

سعد: رجعنا للكتاب والقراء؟ أنا هو أنا، لا يهمني أن فلان كتب قصة حب أو أن القارئ الفلاني يهمه هذا النوع، أنا أكتب عن الحب لأسباب خاصة قد تعرفها يوما ً.

الفصل التاسع

إعتام.

* * * * * * * * *


الفصل الثاني عشر

وجد حمد المناحة لا زالت قائمة عندما عاد من الغد إلى المنتدى، فالذين فاتهم النواح بالأمس قدموا ليقوموا بدورهم اليوم، ولكن سعد ظل صامتا ً وسط كل هذا الضجيج.

قرأ حمد الردود الجديدة وهو يتساءل هل كان للرواية كل هذا التأثير؟ هناك بعض الردود لأناس حديثي تسجيل، بعضهم كان هذا الرد الأول بالنسبة له، عجبا ً أين كان هؤلاء عندما كان سعد يكتب الرواية؟ لم َ لم يشاركوا حينها؟ لم انتظروا حتى انتهت الرواية؟ بعض هؤلاء كان يبدو عليه الحماس الشديد والإلمام بأجواء الرواية أكثر من المشاركين الدائمين فيها.

كتب أحدهم وكان يدعى (The Bone) وتحت اسمه صورة لما يشبه عظما ً بشريا ً ترفعه يد سوداء إلى السماء:

( عزيزي قلم بلا اتجاه

كنت أتابع هذه الرواية منذ مدة، من الفصل الثاني تقريبا ً، طبعا ً هو ليس تاريخا ً بعيدا ً في رواية سداسية الفصول.

سأخبرك بأمر بسيط أولا ً قبل الحديث عن الرواية، كان جدي يملك بستانا ً صغيرا ً في ضاحية من ضواحي حلب، وكان مما يميز البستان ويضفي عليه جمالا ً مجموعة من أشجار المشمش ذات الثمار الذهبية والتي كنت أتسلل لأقطف من إحداها بضع ثمرات قبل أن ألوذ بالعريشة خلف البير لأمسحها بكمي ثم آكلها متحملا ً لذعتها الخفية.

كان جدي يجمع المشمش بمساعدة جدتي وبعض بناته اللواتي لم يتزوجن، وكان المشمش حينها المادة الخام التي يقوم جدي وبعد عمليات طويلة جدا ً تعتبر سر الصنعة لديه بتحويلها إلى مربى ً شهير جدا ً يحمل اسم ( مربى أبو غسان)، اسأل عن هذا المربى لو زرت الشام يوما ً، ما أريد قوله أن جدي لم يكن يحصل على المشمش مباشرة، بل كان عليه أن يتحلى بالصبر ويترك الأمور تسير ببطء ولكن بإحكام.

عندما قرأت روايتك لأول مرة، رأيت فيها دقة جدي واهتمامه بفنه، وحكمت لك بدقة في تنشيع اللحظة الإنسانية واستخلاصها تماثل دقة جدي في تنشيع المشمش واستخلاص المربى منه، ولكن في هذا الفصل اكتشفت للأسف أنك لم تحز صبره، فجاء المربى الذي صنعته ناقصا ً ذو حموضة مؤذية.

أتمنى أن أقرأ لك يوما ً عملا ً كاملا ً غير مبتور.

تحياتي.)

تساءل حمد هل أحتاج لكل هذه القصة ليقول أن الرواية ناقصة، صحيح أن بعض الناس يتنفس بالكتابة، مشمش وبير وتنشيع، يا للفراغ.

عندما تأخر الوقت ولم يأتي سعد غادر حمد المسينجر، نظر إلى ساعته كان قد تبقى بعض الوقت، عاد إلى الفصل الصغير من روايته، أعاد قراءة ما كتبه، عالج بعض الأخطاء، أعاد كتابة بعض المقاطع، أكمل السرد قليلا ً، وعندما ناوشه النعاس استسلم له كوشاح حريري في مهب ريح شمالية.

* * *

مر الغد سريعا ً حتى أن حمد تساءل في المساء عندما جلس أمام الجهاز، هل صار الانترنت والمنتدى والروايات كل حياته؟ لم يعد يذكر شيئا ً آخر، بدا الأمر كأنه دوامة ضخمة تجذبه، لقد بدأ ينعزل قليلا ً... قليلا ً، عن أهله، عن أقاربه، عن أصدقائه، أصبح عالمه مكونا ً من حمد، خالد، نورا، طراد، مع هؤلاء يعيش يومه، يحاورهم في خياله، يلبسهم حالته النفسية، عندما يكون غاضبا ً، يتراءى له خالد وهو يصفع نورا، فيما تصرخ هي ( أيها السلطوي الوضيع ذو الثقافة الرجولية)، بينما طراد يطلق النار بلا سبب، وعندما يحزن تبكي نورا بينما خالد يردد ( أيها الحزن... لقد اتخذتك خليلا... أيها الحزن... لقد حللت ثقيلا... أيها الحزن... ذقت الصب مرا ً.... عويلا)، بينما طراد يلقي جهز في القبر، وعندما يضحك... يرى نورا تضحك مفرجة عن أسنانها التي وصفها سعد، أم كان خالد؟ لا... كان سعدا ً على لسان خالد بأنها كهوابط ثلجية في كهف مضيء، فيما يردد خالد كأنه ممثل مسرحي يؤدي دورا ً لشكسبير ( أما الضحك فيحدثوننا عنه وما ذقناه... يقولون أنه دواء للروح لذي الروح) وطراد يضحك وهو يمشي وسط عاصفة صحراوية.

أهال حمد على هواجسه ركام اليوم عندما فتح المسينجر ووجد سعد أمامه، ابتدره بالسلام ثم أتبع:

حمد: هلا والله بالبتار.

سعد: وعليكم السلام... وش بتاره؟

حمد: ههههههه من كثر ما رددوا اللي في المنتدى كلمة النهاية مبتورة صرت أسميك البتار.

سعد: ايييييييه... لا يهمونك، عالم فاضية، يا إما أكتب اللي يبونه وإلا خلاص يقلبونها مناحة.

حمد: ايه بعد بسميك النواح من كثر ما تقول مناحة هههههههه.

سعد: والله إنك رايق.

حمد: ههههه، لا من جد وش بترد عليهم.

سعد: ومن قالك إني بتعب نفسي وأرد عليهم، اليوم إن شاء الله بقفل الموضوع، وخلهم يموتون بحرتهم.

حمد: معقولة؟

سعد: ليش لا، عالم فاضية وردودهم زي وجيههم، ليش أتعب نفسي وأرد عليهم.

حمد: ما أدري... بس أحسها قوية بحقهم وبحق المنتدى وخصوصا ً إنك مشرف.

سعد: أنا كتبت الرواية بصفتي الشخصية، والإشراف شيء ثاني.

حمد: طيب رد رد واحد للجميع توضح فيه وجهة نظرك، أحسن من أنك تتجاهلهم.

سعد: ولا رد ولا نص رد، أنا مذنب عشان أبين وجهة نظري؟ لا... لا... خلهم ينطقون.

حمد: ههههههه، شكلك معصب مرة، وسع صدرك وخذ الأمور برواق.

سعد: والله سخافة، صجة هنا في المنتدى وحتى في البيت ما سلمنا، أختي موجعة رأسي بهالموضوع بعد.

حمد: ما شاء الله... أختك متابعة القصة؟

سعد: أول شخص يقرأها هي، والمشكلة إنها من النوع اللي يتعلق بأبطال القصص والمسلسلات.

حمد: يا رجل أحمد ربك... أنا أهلي ما يدرون إني أكتب حتى.

سعد: المهم أتركنا من هالموضوع لأنه بيفقع مرارتي، وقلي وش صار على قصتك؟

حمد: قصتي يا طول البقاء والسلامة خلاص يومين وبنزل الفصل الثاني بإذن الله.

سعد: ممتاز... عشان أعرضه على الباقين من الأعضاء ونخلص من موضوع الرواية الجماعية.

حمد: عسى إن شاء الله.

أمضيا بقية الوقت في أحاديث أخرى، ثم مضى كلا ً منهما إلى شأنه.

* * *

في الجامعة/ الساعة العاشرة صباحا ً.

غادر حمد قاعة الدرس وهو لا يكاد يحمل رأسه بين كتفيه، كان يحس بنعاس رهيب ورغبة شديدة في النوم، كانت محاضرة الدكتور العجوز إياه ذو الصوت المنوم، وكان حمد قد أغفى صدقا ً مرات ومرات... ولم ينقذه إلا لكزات مروان من الوقوع بين يدي الدكتور.

كان مروان يضحك وهما خارجان وهو يقول:

- هاه... يا نومان... الله يغربل أبليسك فضحنا شخيرك.

- مروان... والله يا بي نوم... يا أخي أشوف بطنك كأنه وسادة من التعب.

- ايه... ايه... هذا من التهجد طول الليل... نم شوي، إن لجسدك عليك حقا، شوي... شوي على نفسك.

- أقول أقلب وجهك... يبيلي الحين كوفي عشان أصحصح... خل نروح البوفيه.

توجها إلى بوفيه البهو المفضل لهما، وأخذ حمد كوبا ً كبيرا ً من الكابتشينو ومروان مثله من عصير الفواكه، وجلسا في طرف قصي، وقال حمد وهو يذيب السكر في كوبه:

- وش أخبار روايتك؟ أخبرك بتنزلها قريب؟

- الله المستعان... نزلتها أمس، والناس ردت عليها... وينك أنت.

- والله... ما شاء الله... ما شاء الله... ولا تقولنا ولا شيء؟

- ما نزلتها إلا أمس بالليل وهذاني قلت لك... عاد نبي رأيك فيها.

- بدخل وأقطعك تقطيع... بقول ( الحقيقة أن الكاتب يحاول التماهي مع الأقلام النقدية في خصوصية سردية ذات أفق تتضافر فيه العوامل الإبستمولوجية في تأثيريتها على القارئ مما يعطي انبجاسا ً معرفيا ً...

- جعله ينبجس بطنك... رد زي الناس وإلا وريتك الشغل.

- ههههه، أبشر اليوم بإذن الله بدخل وأقرأها، وش اسمها؟

- اسمها ( بيت أبو مرزوق).

* * *

نفس اليوم/ العاشرة مساء ً.

جابت عينا حمد الصفحة الأولى في المنتدى بحثا ً عن رواية مروان، ثم انتقلتا إلى الصفحة الثانية ثم الثالثة ولكنه لم يجدها، جرب طريقة البحث، كتب ( بيت أبو مرزوق) في خانة البحث، ولكنه لم يجد شيئا ً بين النتائج التي عادت له.

تساءل عندما يأس، هل كان مروان يعابثه؟ ربما أخطأت في الاسم... ولكن لا... هو مقلب من مروان، لا ريب أنه يضحك الآن من تصديقي له، سأعرف كيف أقتص منه، تناسى بعدها الموضوع وعاد ليضع اللمسات الأخيرة على الفصل الثاني من روايته.

* * *

من الغد وعندما جلسا في البوفيه بين إحدى المحاضرات، تظاهر حمد بأنه لم يحصل شيء، تحدثا في عدة موضوعات، كانت عينا حمد تحاولان قنص أية بادرة سخرية من عيني مروان، ولكن ملامحه لم تحمل له شيئا ً ذا بال، فقرر في النهاية أن يكون البادئ:

- على فكرة... وراك أمس تكذب علي؟ تقول منزل روايتك وأنت مانزلتها.

اكفهرت ملامح مروان وقال وهو يلف عبثا ً قطعة رقيقة من بقايا منديل حول سبابته:

- نزلتها ولكن أنحذفت.

- أنحذفت؟ من اللي حذفها؟

- هالتعبان... قلم بلا اتجاه.

- ليش؟

- أرسل لي رسالة على الخاص يقول إنها ما ادري ايش مخالفة للقوانين، ولا تحمل هدف، الله أكبر... عاد هو راعي الأهداف، قصته أسخف قصة شفتها في حياتي، حب... وواحد يحب وحدة وبعدين يتركها... قمة التناقض.

- غريبة؟ طيب ليه ما أرسلت له عشان تعرف بالضبط منه وش اعتراضاته؟

- اتركه عنك بس... إنسان تافه ومريض، أصلا ً أنا خلاص بترك المنتدى هذا، بنشرها في منتدى ثاني والله أحس منه ألف مرة.

- مروان... وسع صدرك، أنا بكلم سعد وشوف وش الموضوع.

- سعد؟

- قلم بلا اتجاه... هو سعد اللي رحت الخبر الخميس الماضي عشان أقابله، نسيت؟

- صح... يا حسافة مشوارك على ناس ما تستاهل، نصيحتي لك، لا تزيد علاقتك به، تراه مغرور وشايف نفسه.

- يصير خير... أنس الموضوع أنت.

* * *

لم َ حذفت رواية مروان؟ تردد السؤال في ذهن حمد وهو يقود السيارة عائدا ً إلى المنزل، كان الهواء يهب بقوة حاملا ً ذرات الرمل وبقايا ورقية مجهولة ليسفيها في نهر الطريق أمامه، ويصل إلى إذنه صوت الريح خافتا ً كخلفية لأفكاره وهواجسه، هل كانت سيئة فعلا ً؟ معقولة؟ لقد رأيت في المنتدى في الأيام السابقة روايات رديئة المستوى جدا ً ولكن سعد كان يبقيها مراعاة للقراء، لماذا رواية مروان بالذات؟

مخالفة للقوانين... ربما هذا هو السبب، ولكني أعرف مروان، أخلاقه عالية وابن عائلة طيبة ولا يمكن أن يكتب شيئا ً مسيئا ً لأحد، ما السبب يا ترى؟ لقد بدا سعد متوترا ً في المرتين الأخيرتين اللتين التقيت به فيهما، هل كان لتوتره وعصبيته الظاهرة دور في تصرفه هذا؟ نعم... لا ريب أن هذا هو السبب، ربما إحساس سعد بالضغط والهجوم الذي ناله الفصل الأخير الذي طرحه هو ما جعله يبحث عن حجر يركله تنفيسا ً وكان الحجر يا لسوء الحظ مروان.

زادت الريح من زئيرها، وتداخلت الأفكار في ذهن حمد، قال لنفسه وأنا الذي كنت أحلم بأن ينضم مروان للمجموعة لو قدر لي الانضمام لها، الآن فسدت علاقة سعد بمروان وهما لم يلتقيا بعد، ومروان كما خبرته عنيد جدا ً، كما أنه إذا غضب فمن الصعب إرضائه... يا للأحلام عندما يطوحها الواقع.

* * *

كان أول ما كتبه حمد بعد السلام عندما وجد سعد في المسينجر مساء ذلك اليوم:

- عسى هدأت أعصابك بس؟

- أعصابي هادئة من زمان، ليش السؤال؟

- لا بس اليومين اللي فاتت طايح تقفيل وحذف مواضيع، فظننت أنك معصب وضايق خلقك.

- لا... لا... منب معصب ولا شيء، وبعدين أنا ما سويت شيء خطأ، قفلت رواية انتهت والردود عليها ما عاد لها قيمة، وحذفت رواية غير مناسبة للمنتدى.

- على فكرة الرواية اللي حذفتها كاتبها صديقي الروح بالروح، وتكلمت معي اليوم بالموضوع وكان معصب مرة ويرى إنك ظلمته.

- لا ظلمته ولا شيء، ومو مهم صديقك وإلا لا، المهم اللي كاتبه يرقى للمشاركة في المنتدى وإلا لا.

- طيب... وش المشكلة في روايته؟

- أولا ً مهيب رواية، كلام فاضي، مجمع لي نكت محششين وما أدري أيش، على لغة ماسخة ما أدري وش تبي، على أحداث هزيلة... واستخفاف دم ممجوج.

- معليش سعد، بكون صريح معاك مهوب عشان الكاتب صديقي، لا والله ولكن أنا قرأت كثير من القصص في هالمنتدى بايخة وبعضها وصل إلى عدد كبير من الفصول، ومع ذلك ما حذفتها ولا شيء.

- كانت غلطة، في البداية كنا نبي نكسب القراء، فلذلك فتحنا لهم المجال يكتبون في حدود القوانين، لكن الآن خلاص لابد للكاتب من كتابة شيء راقي، وإلا الباب يوسع جمل.

- ههههههههه، وااااوك... أنت ناوي تنتقم من القراء وإلا شلون؟ سعد هذا منتدى مهوب جريدة، يعني الكتابات تكون متفاوتة، ومسموح بالكتابة الرديئة إذا لم تتجاوز القوانين.

- لا... خلاص، إلى متى نظل على هالحال؟ لازم نطور أنفسنا ونطور الكتاب والقراء.

- بالقوة؟ والحذف والتقفيل؟

- والله اللي مو عاجبة في أمان الله، المنتديات كثيرة... المهم اتركنا من الموضوع هذا... وين الفصل الثاني من روايتك؟

- جاهز... بنزله الليلة.

- ممتاز بقرأه قبل ما أنام... وأرسل الرابط للجماعة.

- خير إن شاء الله... قبل لا أمشي أحب أقولك شيء، ممكن؟

- تفضل.

- أنا حاس أنه غضبك من الردود اللي جتك وراه سر، فيه شيء داخلك تأذى، أنت كنت تتمنى إن القراء يهتمون باللي كتبته مهوب يهاجمونه، ما أدري تحليلي صحيح وإلا لا، لكن اللي يهمني الآن هو أن غضبك وخيبة أملك في القراء ما تجعلك تعاقبهم، بس... هذا اللي بغيت أقوله، وعذرا ً لو كنت تعديت حدودي.

انتظر حمد رد سعد، مرت دقيقتين ولم يظهر الرد، كانت علامة أن سعد يكتب ردا ً الآن تظهر وتختفي أسفل مربع النص، ثم توقفت العلامة عن الظهور، ورحل سعد.

* * * * * * * * *

الفصل الثالث عشر

" ما الذي حدث؟" هذا هو السؤال الذي صار مضغة في ذهن حمد وسيارته تخوض في الرمال في طريقه إلى المخيم، والشمس التي تنحدر على خط الأفق كشطر برتقالة على حرف كأس تهاجم عينيه بشراسة اليأس، " لم رحل سعد بتلك الطريقة؟"، كان قد انتظر عودته لنصف ساعة أدرج خلالها الفصل الثاني من روايته، ولكن أمله بأن يكون الأمر مجرد انقطاع في الاتصال تبدد كخيط من دخان، وعندما عاد اليوم من الجامعة، فتح بريده قبل خروجه، ولكن لم تكن هناك رسالة اعتذار أو توضيح تزاحم فضاء الأسئلة المهووسة.

" هل غضب سعد من كلامي؟ ولكن لم َ؟ أنا لم أقل شيئا ً ذا بال، عجيب أمره، ما هذا الغموض الذي يكتنفه؟ وما هذه الأسئلة التي يثيرها حوله دائما ً؟ وتصرفاته الغريبة، مع أبطاله، رواد المنتدى، معي الآن، ما دوافعها؟ نرجسيته ونظرته الفوقية؟ أم سره الدفين الذي ألمح له يوما ً؟ لن أنسى المرة الأولى التي قرأت فيها حروفه، لقد أحسست حينها بثقل المعاني المحملة فيها، وأنها ليست مجرد قصة عابرة، بدت لي كأنها سيرة ذاتية، تلك الحرارة وتلك التفاصيل العميقة التي بدت كأخاديد في سهل السرد المبسوط كانت تشي بآثار التجربة لا الخلق، هل يكون سعد قد أحب يوما ً؟ هل يمكن أن يكون سعد هو خالد؟ هل هناك نورا؟ هل نورا موجودة حقا ً".

أحس حمد عندها بحرارة في بدنه، أحس كأنه توصل إلى السر الدفين، إذن سعد هو خالد، ونورا ليست نورا ورقية وهمية الملامح، هي إذن ذات بصفات حقيقية، هي الملهمة التي ألهمت سعدا ً كل هذا، وربما يكون اسمها الحقيقي نورة كعادة الكتاب في تحوير الأسماء عند استلهام الوقائع الحقيقية، ولكن أين خالد من سعد؟ سعد كما رأيته وعرفته ذو شخصية طاغية وقدرات عقلية وكتابية لا تتناسب مع شخصية خالد البسيط ذو الثقافة الوليدة، لا... لا... هناك فكرة ما... هناك شيء ناقص، سعد مبثوث في النص، هذا ما أنا متأكد منه، ولكن ليس بهذه السهولة، أحتاج إلى نفس أطول لأصل إلى العمق.

توقف حمد عن التفكير عندما وصل إلى المخيم، وفيما هو يستعد للنزول عاتبته نفسه، " إلى متى تشغل بالك بهذا السعد؟ كأنه محور الدنيا وقطبها؟ لديك حياتك تعيشها... لديك أصدقاء تجالسهم... وهذا السعد الذي تركك بلا كلمة وداع لا يجب أن يحجب عقلك عن الاستمتاع بالمخيم والجو الجميل والرفقة الذين حرمك منهم في الأسبوع الفائت، يجب أن تنفض عقلك من هواجسه".

* * *

مضى الوقت جميلا ً سريعا ً، وحمد والبقية غارقون في الضحك والصخب والحديث، تناولوا عشاءهم المعتاد دجاجتين مشويتين تجلت فيهما خبرة مروان، وحمصا ً وزيتونا ً أخضر، ثم تناولوا شايا ً أسودا ً ثقيلا ً حول النار وهم يتسامرون ويتبادلون الأحاديث ومروان لا يكف عن المشاغبة والنيل من عبد العزيز بلسانه، يساعده في ذلك ناصر، فيما يكتفي حمد ومحمد بالضحك والدفاع عن صاحبهما معرضين نفسيهما للسان مروان ولذعاته.

عندما وضع حمد رأسه على الفراش، طافت بذهنه ذكرى رحلة الأسبوع الماضي إلى الشرقية، بدت كأنها آتية من زمن سحيق، وفيما هو ينزلق على سفح النوم البلقع علقت في ذهنه صورة سعد وهو يودعه ذات يوم في مواقف سوق الراشد.

* * *

هب حمد فزعا ً في ظلام الخيمة الصغيرة، كان قلبه يدق بقوة، وبدا لعينيه اللتان مازال النوم يعشيهما كأن أحدا ً يقف تلقاء باب الخيمة حيث يتسلل خيط من النور، مد يدا ً مفزوعة وقبض على يد محمد ليوقظه بلسان معقود، هزه فتململ محمد ثم انقلب على الجانب الآخر، وفي تلك اللحظة ولج حمد مرحلة اليقظة الكاملة وأدرك أن ما حسبه رجلا ً قائما ً ليس إلا ثوب معلق بجانب الباب، تنفس بصعوبة وتوقفت الرجفة التي تهز أعماقه، حاول تذكر الحلم الذي أفزعه، تلاشت التفاصيل في العتمة، كل ما تبقى شارع طويل مظلم وفي آخره كان هناك شخص يجلد بالسياط، أرعبه أنه كان يعرف الشخص ولكنه لم يتذكر من هو، عاد إلى فراشه وأغمض عينيه مستدعيا ً النوم، وعندما انتظم تنفسه نام.

نهض في موعد جولته الصباحية، خرج من الخيمة وغسل وجهه بالماء الذي تسربت إليه برودة الليل، تناول بسكويتا ً دسه في جيبه، وقصد ملاذه وبين يديه رواية ( الجذور) لأليكس هايلي.

كانت الأعشاب قد يبست ولم يفلح ندى الصباح في ترطيبها، والمنطقة التي كانت قبل أسابيع قليلة خضراء يثعب فيها الماء ويجري في كل اتجاه، وتتنقل فيها الحشرات مابين أصناف الزهر، صارت اليوم يباسا ً غاض مائها، وأحرقت الشمس أزهارها، فصارت الأعشاب تهتز ورؤوسها للأرض كنادب الأهل.

أسند ظهره إلى الجذع الحنون الذي ألف شقوقه وتجاعيده، داعب اللحاء بأصابعه ومسح على رؤوس الجذور الضاربة في الرمل والتي بدت كأفاعي تتقمص دور النعام المزعوم، فتح الصفحة الأولى من الرواية وقرأ:

(( في بداية ربيع 1750 وفي قرية جوفور على مسيرة أربعة أيام من ساحل جامبيا في غرب أفريقيا ولد طفل ذكر ل "أمورو وبينتا كنت" مستمدا قوته من جسد بينتا الشاب القوي وكان أسود مثلها تجري في عروقه دماؤها وكان لا يكف عن الصراخ، وكانت القابلتان المجعدتا الجلد....))

* * *

صلوا العصر والشمس التي زادت حرارتها خلال الأسابيع الماضية تحد من حرية حركتهم، وتجعلهم يفيئون إلى الظلال أن وجدوا لها سبيلا، جلسوا بعد الصلاة يتناولون غداءهم الذي أخروه إلى أن ينادي منادي الجوع.

وعندما انتهوا وغسلوا أيديهم حمل كلا ً منهم نصيبه من الشاي وجعل يتجول في المنطقة بخطى وئيدة، كان حمد يرشف الشاي بهدوء مدافعا ً هجمات الذباب بيده، ومتأملا ً شقوق التربة والنباتات الذاوية، والحشرات التي تأتي وتمضي سريعا ً، والبقايا التي نثرها متنزهون سابقون بلا أخلاق أو مروءة، بقايا زجاجية مهشمة، علب صفيحية صدئة، بقايا أطعمة ملقاة بإهمال وقد لونتها الشمس، وأكياس بلاستيكية ممزقة ذات ألوان باهتة.

كان شاردا ً، يداه تتحركان بآلية الأولى ترفع كوب الشاي إلى فمه فيما الأخرى تهش الذباب المستبسل، الذي يطن بحيوية ممثلا ً الصوت الوحيد في هذه البرية، حتى جاء صوت ثان ٍ، كان صوت جوال حمد، تناوله بتراخي وهو يرشف الشاي الذي فترت حرارته، ولكن الحرارة هذه المرة جاءته من الاسم الذي كان يتراقص على الشاشة، لقد كان سعد، ضغط حمد على زر الإجابة وتدفق الصوت إلى أذنه:

- السلام عليكم.

- وعليكم السلام ( دفعها حمد بجهد كبير إلى نبرة اللامبالاة).

- كيف حالك حمد؟ عسى مرتاح إن شاء الله ( كان الصوت هادئا ً يأتي كطبقة واحدة، كأن سعد يقرأ من ورقة).

- بخير الحمد لله ( ماذا سيفعل الآن هل سيعتذر عن فظاظته؟ تساءل حمد).

- عذرا ً على الانقطاع اللي صار بشرح لك السبب عندما نلتقي.

- لا... لا... ما صار إلا كل خير ( بس؟ عسى ما تكلفت؟ والله من زين الاعتذار).

- آ.... الحقيقة أنا الآن في الرياض، وراجع الليلة للشرقية، عندي أشغال أسويها العصر وبنتهي منها بحدود آخر العصر، فلو كان فيه إمكانية أشوفك قبل ما أمشي.

- في الرياض ( أصاب الوجوم حمد، توقف عن المشي، وتلفت حوله، لم يتوقع أن يكون بهذا القرب)، آ... والله إنه...

- حمد، لو كنت ما أنت متهيئ، أو مشغول لا تضغط على نفسك، أنا جاي بشكل سريع وبمشي الليلة، بس كل السالفة إني ما حبيت أجي الرياض وأروح بدون ما أقول لك.

- لا... خير إن شاء الله، إذا خلصت شغلك اتصل بي.

- تم... مع السلامة، أشوفك على خير.

- مع السلامة.

أعاد الجوال ببطء إلى جيبه، ورشف آخر قطرة في الكوب، وبدأت من جديد مسيرة الحيرة والاضطراب، " آآآآآآآه... يا ذا السعد، آآآآآعععه... محيرني في غيابه وفي حضوره، أف... أف... وبعدين؟ هو أنا كل ما قلت خلصنا، رجعنا لنقطة البداية، الآن كيف أترك الشباب؟ الأسبوع اللي فات عدت على خير، لكن الأسبوع هذا بيزعلون، وخصوصا ً مروان، هاها... يا سلام... مروان من جد بيقلبها على رأسي، أتركه وأمشي وعشان من؟ عشان سعد، والله حالة، أف... أف...".

تحرك من وقفته عندما أحس بلسعة حبيبات الرمل الساخنة التي تسللت إلى نعله، نفض رجله بقوة ومشى وهو يجر الكوب خلفه خير منتبه لنقط الشاي الأخيرة التي تسربت ملوثة ملابسه، " طيب وأنا ليش غبي أواعده؟ كان قلت له لا مشغول... الله يساعدك، مع السلامة، يعني معليش واحد جاي بدون موعد سابق وبدون أتفاق مهوب ذنبي، لكن... لكن الرجل أكرمني يوم رحت له في الشرقية، مهيب حلوة بحقي أهمله يوم جاء للرياض، يعني مهما كنت مشغول الرجل ضيف، وبعدين على من ألعب؟ أنا اللي ضربت أربعمائة كيلو عشان أقعد معه، أزهد به يوم جاء عندي؟ مهوب منطق، بس الشباب وشلون أقول لهم؟ مروان قسم بالله إن يفضحني، طيب أقول لهم إن أمي اتصلت تبيني؟ لا... والله إن يبتليني ربي على هالكذب، وش الدبرة؟ أف... حسبي الله ونعم الوكيل يا سعد، ما تعرف تجي بيوم مناسب؟ لازم تحوسني؟"

نظر إلى ساعته وحسب الوقت الذي يلزمه للرجوع إلى الرياض، مع الوقت المتبقي على صلاة المغرب، لم يكن لديه وقت كاف ٍ للحيرة، ولذا قصد سيارته مباشرة وأدار محركها، كان الشباب متفرقين في نواحي متباعدة ماعدا أبو سعود الذي كان مستلقيا ً في ظلال الخيمة وقد طرح شماغه على وجهه، ظنه حمد نائما ً ولكنه أبعد الشماغ ورفع رأسه عندما سمع صوت المحرك وقال وهو يشير بيده:

- حمد... وين؟

- عندي شغل يا أبو سعود في أمان الله.

وانطلق بالسيارة، رأى مروان يتمشى في الشعيب الذي ألقت الأثول الضخمة ظلالها على جانبيه، اقترب منه واستجمع شجاعته وفتح النافذة الجانبية ونادى مروان فأقبل وهو يسحب خلفه عصا قصيرة وعلى وجهه ابتسامة ضاحكة:

- وش عندك؟

- آآآ... توصي على شيء أنا ماشي الآن، عندي شغل بسويه وأرجع الليلة، تبي شيء من الرياض؟

غاضت الابتسامة من وجه مروان، وأشاح بنظره إلى الأفق البعيد، تاركا ً صفحة خده تواجه حمد قبل أن يعود بنظره ويقول:

- الأهل؟

- لا.

أمال مروان رقبته قليلا ً منتظرا ً شرحا ً أكثر، ولكن حمد صمت وتشاغل بارتداء نظارته الشمسية، فهز مروان رأسه ومشى مبتعدا ً وهو يلقي خلفه بكلماته الأخيرة:

- في أمان الله.

نظر حمد بأسى إلى ظهر مروان الذي كان يمشي ببطء وبلامبالاة وهو يضرب الأرض بعصاه، أحس لحظتها بأن ثمة شيء قد انكسر في علاقته بمروان، شيء رآه في عينيه، ميزه في نبرة صوته، شيء كان موجودا ً ثم خبا، لام نفسه وهو ينطلق بسيارته لم َ لم يبرر فعله لمروان؟ لقد كان مروان ينتظر شرحا ً، ينتظر ما هو أكثر من هذه الكلمات البائسة.

وهكذا أمضى حمد الطريق في لوم نفسه على ضعفها، حتى دخل الرياض والشمس تنزلق من قبة السماء، وسجف الظلام قد بدأت تتهدل حتى تكاد تغطي كل المرئيات، عليه الآن انتظار اتصال سعد.

"ما الذي جاء بسعد إلى الرياض يا ترى؟ أي عمل هذا الذي يدعيه؟ ثم لماذا لم يعلمني بحضوره قبل اليوم؟ كان لديه الأسبوع بطوله... لم َ اليوم؟ هل هي محاولة منه لفرض سيطرته علي؟ لا شك أنها كذلك، مع هذا الغرور وهذه النرجسية لابد أنه يظن أن مجرد مكالمة منه تجعلني أغادر كل أعمالي لألحق به، كلام فارغ، من يظن نفسه؟ ولكن لحظة... هذا صحيح، لقد تركت أصدقائي، ووضعت علاقتي مع أحد أعز أصدقائي على خط النار بمكالمة منه، لا... لا... ليس الأمر هكذا، أنا فعلت هذا لأنه أكرمني ومن حقه أن أعامله بالمثل، أوف... خلاص بلا سخافة، يكفي تفكير، خلاص يجي الزفت هذا الحين وأشوف وش سالفته".

* * *

جاء الاتصال المنتظر قبيل المغرب، بذات الصوت الغريب ذو الطبقة الواحدة، بلا انفعالات، بلا دفء:

- السلام عليكم، هلا حمد، تأخرت عليك؟

- وعليكم السلام هلا والله، لا حيالك الله، تبي أوصف لك البيت؟

- بيت؟ لا... لا... لا تأخذ المسألة بشكل رسمي، أنا ماراح أطول مسافر الليلة، خلنا نخليها جلسة شبابية خفيفة في كوفي.

- ما يصير تجي الرياض ولا تدخل بيتنا، لازم نتعشى وإياك.

- مرة ثانية، الظروف ما تسمح المرة هذي.

- بس...

- حمد، أرجوك المرة هذي أنا مستعجل، خلها مرة ثانية.

- طيب مثل ما تحب، وين تحب نجلس؟

- يناسبك ( د.كيف) اللي بشارع الأحساء؟

- ممتاز... متى؟

- بعد صلاة المغرب مباشرة.

- خير إن شاء الله.

* * *

أوقف حمد سيارته ونزل وهو يدير عينيه في الطاولات المتناثرة خارج المقهى، لمح سعد جالسا ً إلى إحداها وقد أمال جسده في استرخاء، قصده وحالما لمحه سعد قادما ً هب وتصافحا وهما يتبادلان عبارات المجاملة.

كان حمد يتفحص وجه سعد الذي بدا طبيعيا ً وبلا تعبير محدد، طلب حمد كابتشينو فيما طلب سعد موكا، ثم نظر سعد إلى وجه حمد وقال:

- أرجو إني ما أكون قطعت عليك أشغال أو شيء.

- لا... لا... بالعكس هذي الساعة المباركة اللي جيت فيها الرياض، كان ودنا والله لو ضيفناك بالبيت.

- لاحقين خير، ترى أنا زياراتي للرياض كثيرة.

- اها... أنا فكرت إنك قليل ما تجي للرياض.

- لا... أنا أجيها بمعدل ست... سبع مرات في السنة، مع إنه مالي أقرباء هنا.

وصلت الأكواب الساخنة لحظتها والبخار يرقص فوقها رقصته الشهيرة المتموجة، تناول سعد كوبه ورشف منه رشفة، ثم مسح شفتيه التي تغطت بالكريم ( القشدة المخفوقة كما يسميها اللغويون) وأكمل:

- الرياض بالنسبة لي ملاذ فكري، عندما أحس بالضيق والوحدة، أركب سيارتي وأخلف الخبر خلفي بل الساحل الشرقي كله، أغادر الرطوبة التي تكاد تزهق أنفاسي، أغادر الوجوه التي ألفتها، وآتي هنا... إلى الصحراء القاسية، أتجول في الرياض، أدور في أسواقها، مطاعمها، تقتحم أذني ضجة شوارعها، وأنفي رائحة طرقاتها، ثم أقصد أخيرا ً مكتباتها لأكدس في سيارتي أحدث الكتب، ثم أرحل وحيدا ً كما جئت وحيدا ً.

سكت سعد هنيهة، وأنزل رأسه يتأمل الكوب الذي بين يديه ثم رفع رأسه وقال وهو يصوب نظراته إلى حمد:

- أريد أن أعتذر عن خروجي الوقح ذلك اليوم، لم أفكر بصفاء حينها، تعاملت مع كلامك بحساسية شديدة، أنت وضعت يدك على الجرح، أنا فعلا ً تأذيت كثيرا ً من تعامل القراء مع ما كتبته على أنه مجرد قصة أخرى يحق لهم العبث بها، أحسست بشعور الغريق عندما يطلب منه أن لا يبلل ملابسه، شعور الفتاة التي استعدت لليلة رومانسية مع زوجها بشموع وإضاءة خافتة لتفاجأ بقوله عندما عاد ( وش هالظلمة ولعي اللمبات، كتمتينا بهالشموع).

ضحك حمد بقوة على الوصف الغريب، وشاركه سعد الضحك وهو يكمل:

- هذا هو شعوري والله يومها، الخيبة... الخيبة تمثلت لي جاثوما ً أزهق أنفاسي، هل يعلم هؤلاء أني أكتب الفصل في يومين ثم أصاب بعدها بما يشبه الحمى الفكرية، فأظل أهذي ولا أقرب ورقة ولا قلما ً لأسبوع، هل يعلم هؤلاء أن الأمر بالنسبة لي بمثابة استفراغ فكري؟ هل يعلمون أنهم بعثروا آلامي؟ أنهم وطئوا جروحي، عاثوا في مساحات حزني؟ لا... لا يعلمون، لأنهم لا يقرأون ولا يفهمون، لا تلمني يا حمد... فما كتبته لم يكن خيالا ً محضا ً، وإنما هو شيء مني، قطعة مني، لقد أطلعتهم على عوالمي الداخلية، على مسارات الأفلاك التي ظلت طريقها داخلي، ولكنهم طوحوا بهذا كله في لحظة.

سكت سعد عندما أحس بأنه صوته ارتفع، تجاهل نظرات من حوله الذين وصلتهم كلماته الأخيرة، وأشاح بنظره بعيدا ً، فيما أطرق حمد مفكرا ً بما سمعه، ولم ينبهه إلا صوت سعد الذي جاءه قائلا ً:

- حمد... تعرف مكان قريب نقدر نمشي فيه؟

- نمشي فيه؟ كيف؟

- مضمار للمشي يعني.

- آآآآ... فيه طريق النهضة قريب، شارعين من هنا.

- خل نروح نمشي هناك أحسن من الجلسة.

ركبا سيارتيهما، ولحق سعد بحمد الذي انطلق مسرعا ً وفي عقله تتردد كلمات سعد الأخيرة، " ترى ما السر الذي تختزنه يا سعد؟ ترى ما السر؟ هل نورا حقيقية؟ هل أحببت يوما ً؟ ما هي جروحك؟ ما هي أحزانك؟ متى تفتح قلبك يا سعد وتخبرني؟ متى؟".

كانت المواقف تمتلئ عادة في يوم الخميس، ولكنهما وجدا لحسن الحظ موقفين متباعدين، نزلا إلى الممشى الذي تحوطه الأشجار ويمضي متعرجا ً، فيما يجلس الناس على جانبيه، ويمضي الأطفال راكضين وهم يزعقون بفرح.

لفهما الصمت قليلا ً ثم قال سعد وهو يسحب الهواء بعمق:

- جميل هذا المكان، يبدو أنه سيكون مزارا ً لي في المرات القادمة التي آتي فيها إلى الرياض.

- نعم هو جميل ( ما هذه العبارة السخيفة – قالها حمد لنفسه بعدما تلفظ بها).

عاد الصمت يلفهما من جديد، كان ثقيلا ً لزجا ً، يكتم الأنفاس، ويتعب الروح، وعندما طال انبرى سعد قائلا ً:

- أتعرف ما هي مشكلتي يا حمد؟ مشكلتي هي أني أفكر كثيرا ً، هي أني دقيق جدا ً أكثر مما يحتمل، كل شيء لدي يخضع لحسابات، نوع من هستيريا التنظيم والدقة، مشكلتي أن أفضل وأقرب أصدقائي هما الكتاب الذي يضيف لي جديدا ً والساعة التي تخبرني أن الوقت يمضي بسرعة، هل تعلم أني أحيانا ً أحس بارتفاع في حرارة جسدي من كثرة التفكير، أحس بضغط كبير على عقلي، أفكر في كل مكان... البيت، الجامعة، الشارع، وأنا أقود السيارة، أفكر وأحدث نفسي طوال الوقت، أفضل محاور لي هو ذاتي، أحاور ذاتي كل يوم، أنقدها، أبتدع نكتا ً وأضحك منها، أسلي نفسي بنفسي، هناك ثرثار في رأسي، لا يريد أن يصمت، يخبرني كل يوم بما أعرفه، يخبرني بتفاصيل كل ما قرأت، ويمضي يتنقل بين المعلومات والمواضيع بجنون، هل تريد أن تسمع جزء ً من هذره اليومي؟

وأشار إلى رأسه بسبابته، فهز حمد رأسه أن نعم، بدون أن يفتح فمه، فألقى سعد بنظره إلى الأرض، وبدأ بالكلام بسرعة:

- أين كنا؟ حسنا ً لا يهم... الكلام يأتي ببعضه... يقول ابن مالك في ألفيته (كلامنا لفظ مفيد كاستقم واسم وفعل ثم حرف الكلم) وكل ما أحتاجه الآن مجرد اسم أو فعل حتى أصوغ حكاية جيدة أو موضوعا ً شيقا ً، ألفية ابن مالك بالمناسبة هي منظومة في النحو، فالعرب كانت تنظم كل شيء... العقيدة، الفقه، النحو والتاريخ، فهناك ألفية العراقي ونونية ابن القيم ونونية القحطاني، فالشعر ديوان العرب الذي حفظ آدابهم، الغريب هو أن كثير من الأمم سبقت الكتابة الأدب عندهم، ما عدا العرب كان الشعر سابقا ً للكتابة، ولذلك ظهر فيهم شعراء مجيدون منذ القدم، وما شعراء العصر الجاهلي إلا أبسط مثال على ذلك، وإن كان الدكتور طه حسين يرى في كتابه الشهير ( في الشعر الجاهلي) أن الشعر الجاهلي منتحل، هذا الكتاب الذي سحب بسببه إلى المحكمة، طبعا ً ليس بسبب متحمسين للشعر الجاهلي وإنما بسبب أشياء أخرى ذكرها في الكتاب، نعود إلى الشعر والأمم... انظر مثلا ً إلى الإنجليز أشهر شعرائهم هو وليم شكسيبر لم يظهر إلا في القرن السادس عشر، شكسبير هذا لازال شخصية غامضة، لا نملك معلومات واضحة عن حياته حتى أن البعض نفوا أن يكون شخصية حقيقية ونسبوا أعماله إلى الفيكونت إدوارد دي فير، أما الغريب والمضحك في الأمر فهو أن هناك من أدعى أن اسم شكسبير ليس إلا تحوير لـ ( الشيخ زبير) ولا تسألني عن سبب هذا الادعاء، وليم شكسبير... وليم... بالمناسبة اسم وليم هو اسم تيوتوني مثله مثل إيرك وهنري، والأسماء التيوتونية هي الأسماء التي تنتج من اندماج اسمين لشيئين ولا يعني هذا بالضرورة أن يكون للاسم الناتج معنى، وليم مثلا ً مكونا ً من جزئين ول التي تعني إرادة ويم التي تعني خوذة، وأسماء الأعلام بالمناسبة ذات أصول عدة فهناك الأسماء ذات الأصول العبرية مثل بنجامين أو بنيامين والذي يعني ( ابن اليد اليمنى) و سوزان الذي يعني ( زنبق) نتنياهو الذي يعني ( عطا الله) وهناك الأسماء اليونانية مثل ميلاني وهيلين وجورج وهناك الأسماء السلتية مثل دوجلاس وجنفر، وطبعا ً العربية مثل محمد وعبدالله، أما أغرب الشعوب في التسمية فهم اليابانيون فهم مولعون بالأسماء ذات المعاني الغريبة، قرأت قبل سنوات في إحدى الصحف عن الأب الذي كان يرغب بتسمية ابنه بـ ( زهرة زنبق على عجز كبش) أو شيء من هذا القبيل ولكن قسم تسجيل المواليد رفض قبول هذه التسمية، فأختار عوضا ً عنه اسم ( ابن الشيطان) مدعيا ً أن هذا لا يلحق الأذى بأي أحد، والشيء بالشيء يذكر، فالهنود الحمر كانوا شاعريين في اختيار أسمائهم فكان لديهم ( الريح في شعره) و ( الراكل إلى الأعلى) و طبعا ً أنت تعرف ( الراقص مع الذئاب)، ولكن الهنود الحمر تم ذبحهم وإبادتهم من قبل المستعمرين الأوروبيين، وكل ما تبقى منهم الآن أربعة ملايين فرد يعيشون في محميات، ولا نعرف عنهم شيئا ً سوى أسماء قبائلهم التي أطلقت على بعض المنتجات، فالشيروكي (السيارة) والأباتشي ( الطائرة الهجومية) ليست إلا أسماء قبائل هندية، طبعا ً هناك قبائل هندية كثيرة الكريك والسوك والشيووا والسيوكس والآباش وغيرها، ولكن الأمريكان لم يخرجوا حتى الآن بمنتجات تحمل أسمائها، وبما أننا في سيرة الأمريكان وإنتاجهم، فلا بد أن نعرج على الثقافة الأمريكية الاستهلاكية؟ فالشعب الأمريكي أكبر شعب استهلاكي في العالم، وهو على عكس ما يظن الناس يستهلك أكثر مما ينتج، ولذلك فأمريكا الآن ترزح تحت دين عام يبلغ 7400 مليار دولار، نعم... 7400 ألف مليون دولار، لقد سمعتني، بمعنى أن أمريكا الآن تنهب خيرات العالم بالدين ولا تقدم شيئا ً بالمقابل، بينما من الجهة الأخرى الشعب الياباني شعب منتج أكثر منه مستهلك، بالإضافة إلى أنه سوق مغلق أمام جميع المنتجين غير اليابانيين، فاليابانيون عودوا أنفسهم منذ سنوات على تقليل الإنفاق وزيادة الإنتاج وهم الآن يحصدون ما زرعوا، طبعا ً لا ينافسهم أحد إلا الألمان، والعجيب هنا هو الدافع لدى الشعبين، فدافع الشعب الياباني للتفوق هو الشعور بالدونية والنقص فاليابانيون يحاولون دائما ً التغلب على نقصهم وضعفهم وفقرهم إلى الموارد الطبيعية وهذا ما يدفعهم للأمام، بعكس الألمان الذين يشعرون بالفوقية وأن ألمانيا فوق الجميع كما يقول النشيد الألماني الشهير، وهو المدخل الذي دخل عليهم منه هتلر، فهتلر كان يذكر دائما ً بالظلم الذي لحق بالأمة الألمانية في الحرب العالمية الأولى والأراضي التي اقتطعت منها وأعطيت إلى فرنسا ( الألزاس واللورين) وأيضا ً ما حصلت عليه بولندا، الغريب هنا هو أن هتلر ليس ألمانيا ً أصلا ً وإنما هو رسام نمساوي مغمور كان يبيع لوحاته للمقاهي في فيينا، واسم عائلته أصلا ً لم يكن هتلر وإنما كان هيدلر ولكن تم تحريفه إلى هتلر تخفيفا ً في النطق، شارك في صفوف الألمان في الحرب العالمية الأولى وأصيب، وعندما نتحدث عن هتلر فنحن لا ننسى رفاقه بالطبع هملر رئيس الجشتابو وجورينج صاحب اللوفتوافه، أتعرف اللوفتوافه؟ الطيران الألماني الحربي الضارب الذي أرعب أوروبا، أيضا ً جوبلز وزير الدعاية الوسيم الذي كان مؤمنا ً بهتلر حتى أنه عندما سقطت برلين قام بتخدير أبنائه الستة ثم قتلهم بالسم بالتعاون مع زوجته قبل أن ينتحرا معا ً، ورومل ثعلب الصحراء والقادة الكبار مثل فون رنشتد وفون باولوس ودانتز، لقد كانت أياما ً أسود من قلب الكافر، قتل فيها 35 مليون إنسان في ظرف ست سنوات، طبعا ً كان الختام باللمسة الأكشنية الأمريكية بواسطة قنبلة ( الولد الصغير) كما أسموها التي ألقيت على هيروشيما، وقتلت مائة ألف من سكانها في لحظة، أعوذ بالله من غضب الله، ولكن دعنا من الحروب وسيرتها مع أن المؤرخ توينبي قال أن مجموع السنوات التي قضتها البشرية بدون حروب في التاريخ المنظور 278 سنة فقط، تخيل هذا !!! آلاف السنين لم يدم فيها السلام سوى هذه الفترة البسيطة، فلذلك الحروب شئنا أم أبينا تشكل جزء من الثقافة البشرية، والعجيب أن الحروب ساهمت أحيانا ً في تقدم العلم، فكثير من المنتجات التي نستعملها الآن كانت في الأصل منتجات حربية ولأبحاث التي قامت عليها كانت تحت مظلة وزارات الدفاع، وأبسط مثال شبكة الانترنت التي كانت في الأساس شبكة لوصل متعهدي القوات المسلحة الأمريكية بوزارة الدفاع الأمريكية، عموما ً... قلت أننا سنخرج من الحروب وأقرب قشة نتعلق بها هي الانترنت، الانترنت الحالة الجديدة، سبحان الله... كل الأمور تبدأ بسيطة ثم تتعقد، انظر للانترنت الآن... بدأنا الآن نسمع بالجرائم الإلكترونية وبدأت الدول في سن القوانين التي تجرم بعض استخدامات الانترنت، ومع مضي السنوات ربما يتحول الانترنت إلى منظمات ضخمة وجماعات ضغط هائلة، فالانترنت يتميز بسهولة الاستخدام والعالمية مع قدرة عالية على النشر وتوصيل المعلومة، وسيأتي اليوم الذي تسود فيه الثقافة الجوجلية ( نسبة إلى محرك البحث جوجل) الذي يقدم لنا خدمات كبيرة جدا ً في نشر المعلومة كما يحمل سلبيات يجب أن نحذر منها، وبالحديث عن النشر... لو تعلم مقدار الخدمة التي قدمتها لنا الطباعة؟ في الماضي كان نسخ الكتب يتم يدويا ً ويأخذ وقتا ً طويلا ً، كما أن المؤلف الذي يقضي ربما سنوات في التأليف ويكد بدنه وعينيه في البحث والكتابة يضطر عندما ينتهي إلى البحث عن ملك أو وزير ليهديه النسخة الأولى من الكتاب، فإذا أعجب بها أمر بنسخها ومنحه مبلغا ً من المال كمكافأة، وربما لا ينتشر الكتاب كثيرا ً لقلة الناسخين له فيطوى في بطون المكتبات، وتتعجب عندما تنظر في سيرة الكتاب الكبار في الزمن الماضي فتفاجئ بأنهم شحاذين رسميين، خذ أبو حيان التوحيدي مثلا ً، أقرأ مقابساته أو كتابه الإمتاع المؤانسة ستعجب بعلم الرجل وسعة معارفه ولكنك أيضا ً ستعجب من اللغة الذليلة الخانعة التي يستجدي فيها مثل قوله ( أجبرني فإنني مكسور، اسقني فإنني صدٍ، أغثني فإنني ملهوف، شهرني فإنني غفل، حلني فإنني عاطل)، إلا يسوؤك أن تجد هذا في كتاب أدبي أو علمي؟ وأبو حيان هذا هو الذي أحرق كتبه في آخر عمره بسبب تألمه من أن لا أحد قدر جهده وعمله وظنا ً بعلمه على الناس أن يقرءوه بعد موته، ويشابه الشعراء في هذا الكتاب، فالمتنبي الذي عده البعض أفضل شعراء العرب، أين قصائده في الفقراء والمساكين أو في الأحوال الاجتماعية أو الفكرية، للأسف جل قصائده ذاتية استرزاقية مطعمة بالحكم التي تخلب لب الناس، لماذا؟ لأن الشعر أكل عيش، وعليه قس أكثر الشعراء الذين كانوا يقفون بأبواب الخلفاء لينعم عليه الخليفة بـ ( أعطوه عشرة آلاف دينار وجارية وغلام يا حاجب)، مساكين أولئك الشعراء فاتتهم الآن الدواوين المطبوعة لشعراء اليوم، ذات الصفحات المصقولة والتي تكتب بها القصيدة على خلفية تمثل شمس غاربة أو قمر في المحاق، ويصدر الغلاف بصورة الشاعر وهو يبتسم بخفر وحياء كأنه مغصوب على طبع الديوان، وعندما تفتح الديوان لا تجد قصائد وإنما تجد كلاما ً فارغا ً من نوع
( راحت وحسيت أنها بتروح
وقلبي معها راح
وبغت تروح الروح
حزة صلاة التراويح
والقلب مجروح
جاء غزال مقبل مملوح
مثل رجم العقوم الطراميح
القلب يبي له عدة وتصليح
والأكل ما يصلح بدون تبهير وتمليح)، تبهير وتمليح؟ من معنا؟ الهدوج وإلا ماما نورة؟ كلام فارغ، للأسف فات المتنبي هذا العز، وبما أننا مازلنا في سياق النشر فحمى النشر لم تصب فقط الشعراء بل والكتاب أيضا ً، اذهب إلى المكتبات ستجد على رفوفها الغث والسمين، وللأسف ستجد الغث يحتفى به وتتناوله الأقلام بينما تغض الطرف عن الكتاب ذوي المواهب، وهذا يدل على أن المسألة لا تخضع للثقافة أو لمعايير فنية وإنما هي القدرة على تسويق الذات والمصالح، لدينا شللية (من شلة) في الأدب للأسف، لدينا أقلام تضيع في الزحام بسبب الخلافات الإيديولوجية أو الشخصية، لدينا...

كانا قد وصلا الآن إلى نهاية المسار من الناحية الشمالية وصار لزاما ً عليهما الالتفاف والعودة مع المسار الآخر، ترامت إليهما أصوات المؤذنين متداخلة وهم يدعون للفلاح، استدارا وعادا صامتين يرددان مع المؤذن، وعندما انتهى سعد (..... وآت محمدا ً الفضيلة والوسيلة وابعثه مقاما ً محمودا ً الذي وعدته) التفت إلى حمد الساهم وأشار إلى رأسه وقال بحزن:

- أرأيت حجم ما يدور هنا؟ أرأيت ما يلاحقني في وحدتي؟ هل تصدق أني قطعت المسافة بين الرياض والشرقية وهذه الملاحم تدور وتدور في رأسي، إني لا أستطيع النوم بسهولة؟ صار النوم في فلسفتي مضيعة وقت؟ أحيانا ً أضع رأسي تحت الوسادة لا فوقها، وأحاول أن أسكت هذا الثرثار الموجود في عقلي، ثم عندما أتهادى في الوسن وأرى النوم كحضن أم رؤوم وعندما يغوص رأسي في نعومة المهد الرباني، ينسى الثرثار الذي بدأ صوته بالخفوت نصف بيت أو تاريخ حدث ما أو عبارة قرأها في كتاب ما، فيحرمني النوم، فأنهض هاتكا ً أستار الليل وأظل إلى الفجر أنقب في مكتبتي عن ما نسيه، حتى إذا صليت الفجر سقطت على الفراش فاقدا ً للوعي خانقا ً الثرثار.

صمت والتفت ينظر إلى فتاة صغيرة جميلة كانت تمر بهما وهي تضحك بقوة وعلى فمها وبين أصابعها حلوى ذات لون أحمر جعلتها كمثال صغير لدراكيولا، ولكنه دراكيولا فاتن وجميل بالطبع، بينما كان حمد ساهما ً معقود اللسان، لا يدري ما الذي يجب عليه قوله، كان مبهوتا ً بكل ما سمعه، يحس بما يحس به كل إنسان اقترب من حافة المآسي الإنسانية.

وصلا إلى المواقف، قال سعد وهو يمسح حبات العرق التي كللت جبينه ويتجنب نظرات حمد:

- أنا ماشي الآن.

- الآن؟ خل نتع...

قاطعته إشارة سعد الحاسمة، فصمت ونظر إلى سعد الذي ركب سيارته وأدار محركها، ثم فتح النافذة الجانبية ونظر إليه نظرة أخيرة قبل أن يقول:

- أتمنى إني ما أكون صدعت رأسك اليوم بحديثي، كما أني تركت للختام خبرين صغيرين، الأول هو أني تعوذت من شيطاني وسأرد ردا ً واحدا ً مفصلا ً على القراء في روايتي، والثاني هو أني قرأت الفصل الثاني من روايتك، وأعجبني كثيرا ً كما أعجب الجماعة الذين أرسلت لهم، تستطيع اعتبار نفسك العضو الجديد في الجماعة، هذه هدية بسيطة أرجو أن تمسح بعضا ً من وقاحتي، وبإذن الله خلال الأسبوع القادم سيكون الاجتماع التحضيري لوضع الخطوط الرئيسية للرواية الجماعية.

- الله يبشرك بالخير، فاجأتني بصراحة.

- ههههه، توصي على شيء؟

- سلامتك.

- مع السلامة.

تراجع سعد بسيارته دافعا ً إياها خارج الصف، ولوح بيده وهو ينطلق حتى وصل مخرج المواقف حيث تمهل ولمعت الأنوار الخلفية الحمراء لسيارته للحظات، ثم رحل سعد.

* * * * * * * * *




الفصل الرابع عشر

عاد إلى المخيم، ولكن الأمور لم تعد كما كانت، عاد يحمل خدوشا ً على جوانب روحه، كأن كلمات سعد أحجار ضخمة سقطت في أعماق نفسه وهي تصطدم في جوانبها محدثة صلصلة لازالت ترن في أذنيه.

عاد ساهما ً، واجما ً، متسائلا ً... تخوض سيارته في الرمال، وتحاول كشافاتها تبديد الظلمة والغبار، والليل الذي كان وليدا ً عندما خلف الرياض وراءه قد صار أبا ً ذو نجوم وهلال.

وصل المخيم ليجد أصدقائه قد جلسوا على السجادة الحمراء التي قد أحترق أحد أطرافها من مزحة سخيفة ذات يوم، ولونت بقع الشاي التي انسكبت في مناسبات متفرقة وجهها الأحمر ذو الزخارف، كانوا يتحدثون ويتناقشون بحماس ويصخبون حينا ً وحينا ً يضحكون.

حاول وهو مقبل عليهم أن يدرع بوجه باسم يقيه تساؤلاتهم وكلماتهم، التي جاء أولها من ناصر:

ناصر: هلا... والله هلا... هلا والله بالحامل والمحمول.

حمد: السلام عليكم... لا حامل ولا محمول... ما معي شيء.

ناصر: هه... ما جبت لنا شيء من الرياض؟

حمد: وش أجيب يا كافي... عطوني بيالة شاهي بس... رأسي مصدع.

عبدالعزيز: وهذي بيالة شاهي ( قالها وهو يمد يده بواحدة مثلومة).

حمد: يا هالبيالة المكسورة... دايما تصير من نصيبي.

ناصر: هذا أبو سعود الله يهديه... بخيل ولا يعرف بالإتيكيت.

عبدالعزيز: مخلين الإتيكيت لك يالدب.

ناصر وهو ينظر إلى مروان الذي كان يجلس على مبعدة عدة أمتار وبين يديه قطع دجاج يشويها على الفحم بنظرة طلب المساندة، ولكن مروان جاوبه بابتسامة خفيفة ولم يعلق: ما أقول شيء يا أبو سعود... أنت أبخص.

عبدالعزيز: كمل نصبتك اللي كنت تنصبها علينا قبل لا يجي حمد تر....

لم يسمع حمد باقي الجملة لأن عقله غاب من جديد في حمى الأسئلة، وعيناه معلقتان بمروان الذي كان يتشاغل بما بين يديه ولا يشارك بالحديث على غير عادته " هل هو غاضب؟ هل ضايقه رحيلي؟ لا بد أن أتحدث معه، ولكن ليس الآن فأنا لا أكاد أفيق من توهاني وشرودي" هكذا حدث حمد نفسه وهو يرمق يدي مروان وهما تديران الأسياخ بمهارة وخبرة.

* * *

الرياض بالنسبة لي ملاذ فكري، عندما أحس بالضيق والوحدة، أركب سيارتي وأخلف الخبر خلفي بل الساحل الشرقي كله، أغادر الرطوبة التي تكاد تزهق أنفاسي، أغادر الوجوه التي ألفتها، وآتي هنا... إلى الصحراء القاسية، أتجول في الرياض، أدور في أسواقها، مطاعمها، تقتحم أذني ضجة شوارعها، وأنفي رائحة طرقاتها، ثم أقصد أخيرا ً مكتباتها لأكدس في سيارتي أحدث الكتب، ثم أرحل وحيدا ً كما جئت وحيدا ً.

* * *

هل يعلم هؤلاء أني أكتب الفصل في يومين ثم أصاب بعدها بما يشبه الحمى الفكرية، فأظل أهذي ولا أقرب ورقة ولا قلما ً لأسبوع، هل يعلم هؤلاء أن الأمر بالنسبة لي بمثابة استفراغ فكري؟....

* * *

مشكلتي هي أني أفكر كثيرا ً، هي أني دقيق جدا ً أكثر مما يحتمل، كل شيء لدي يخضع لحسابات....

* * *

هناك ثرثار في رأسي، لا... يريد.... أ... ن... ي...ص... م... ت...

* * *

عاد حمد إلى أرض الواقع على أصوات الشباب وقد نهضوا يغسلون أيديهم استعدادا ً للعشاء، نهض يتبعهم متثاقلا ً وسار حافيا ً، يحس بخشونة الأرض تحت قدمه، وقسوة الحصى المبثوث في جنبات المخيم، وتداعب باطن قدمه أعشاب ميتة قد سجتها الرياح، غسل يديه بماء بارد، ثم وجهه ورأسه وجعل يهز رأسه نافضا ً الماء وهو يشعر بانتعاش، وبالهواجس تتوارى، وتختفي في الشقوق الذاكرة حتى حين.

عاد إلى السجادة ليشارك الشباب وليمتهم البسيطة، كان مروان قد استرد جزء من روحه وعاد يداعب عبدالعزيز بكلماته، ورغم أنه لم ينظر إلى حمد أبدا ً ولكن مجرد عودته أشعرت حمد بالراحة، فجعل يضحك من كلمات مروان بقوة، للتنفيس أحيانا ً وللتملق أحيانا ً أخرى.

مروان: أبو سعود تكفى شوي شوي... ترى الدجاج مهوب طاير... ما طار وهو حي وشلون يطير وهو مشوي.

عبدالعزيز وهو يلوك خبزا ً وحمصا ً قد تبقى بعضه على طرف فمه: وأنت شوي شوي... مهوب لازم تعبي بطنك بق للمسلمين شيء.

ناصر بلؤم: أبو سعود أمسح فمك حومت كبدي... وع.

عبدالعزيز وهو يغمس قطعة خبز في الحمص ثم يبلل بها شفتيه ليغيض ناصر: وهذي خشتي صارت كلها حمص... وش عندك.

مروان: الله يحلل البزور يا أبو سعود... هذا وحنا نقول أنت كبيرنا... قالوا من عاقلكم قالوا هالمربط.

ناصر: مروان... تبي نربطه بعد العشاء، ترى معي حبل بالسيارة.

مروان: والله إنها فكرة زينة... لا ونأخذه ونجدعه بالشعيب يقولون إنه كله جن.

عبدالعزيز وقد أوجس خيفة لأنه يعرف جنون صاحبيه فقال محاولا ً توجيه الحديث وجهة أخرى: أقول أعقلوا بس... إلا أنت يا حمد وشلون الرياض.

نظر له حمد بغل لأنه حول الأنظار إليه وكاد كأس الكولا الذي يتجرعه يسقط من يده ورد بتعجل لإنهاء الحديث: الحمد لله بخير.

ناصر: لا تصرف يا بو سعود... والله العظيم إن ما مسحت خشتك ذي... أن لا أربطك أنا ومروان ونجدعك بالشعيب ونخلي الجن توريك الشغل.

خنس عبدالعزيز ومسح فمه وسط ضحكات مروان وناصر الشامتة.

* * *

كانت النار قد خبت عندما نهض مروان الذي قضى الساعة الماضية وهو يحرك شاردا ً رمادها بعصاه، كان الجميع قد أووا للفرش تباعا ً وظل حمد يقاوم النوم والشرود، منتظرا ً اللحظة التي ينفرد فيها بمروان.

وحانت اللحظة عندما جلس مروان على السجادة بجانبه، سكب لنفسه ماء ً ثم سأل حمد:

- كيف شغلك اليوم؟

- الحمد لله.

- طيب ليه ضايق صدرك وشارد؟

- مريت اليوم بتجربة غريبة... إحساس ما مريت فيه قبل يا مروان.

صمت مروان، وفي دقائق أنهى له حمد ما مر به خلال هذين اليومين، من محادثته مع سعد في المسينجر إلى حضوره اليوم، ومن لقاءهما في المقهى إلى سيرهما في طريق النهضة والانفجار العقلي لسعد إلى رحيله.

وقال حمد وهو ينهي حديثه:

- اليوم يا مروان عندما رحل سعد حسيت بمعنى الغربة الداخلية، حسيت كيف ممكن الواحد يقدر يألم نفسه ويقسى عليها أحيانا ً بسبب أشياء هو ماله ذنب فيها.

سكت مروان ولم يرد ثم نهض وانصرف وحمد يراقبه وعندما وصل باب الخيمة وقف لحظات ثم عاد وقال وهو واقف:

- معليش يا حمد... بس ما لاحظت إنك قلت الكلام هذا كله ببساطة، حمد... ما لاحظت إنك وفي خلال أسبوعين تخليت عن أصدقائك مرتين... وعشان من؟ عشان واحد مريض نفسي... حمد... ما لاحظت إن سعد الزفت هذا صار محور لحياتك... وصرت مستعد تتخلى عن أي واحد فينا عشانه... يكفي اتصال واحد منه وتروح تركض له... للأسف... كنت أظن إننا نهمك.

- مروان... أنا ما تركتكم الأسبوع هذا عشانه... أنا رحت عشان أرد له عزيمته لي الأسبوع اللي فات فقط... مروان أنت عزيز وغالي، كلكم عزيزين وغالين.

- لا تزعل مني يا حمد لو قلت إني ما ني مصدقك، أنت مفتون بهذا الشخص والأيام بتثبت لك الشيء هذا... عموما ً... أنت حر... تصبح على خير.

ومضى مروان إلى فراشه، فيما ظل حمد في الخارج يستمع إلى أنين الرياح ومعزوفة الحشرات الليلية.

* * *

مضى الغد بطيئا ً على حمد، كان يتجنب الصدام مع مروان، ويؤجل الحوار معه إلى أن يهدأ، سيتركه لنفسه يومين أو ثلاثة وبعدها تصلح الأمور، هكذا قدر.

أما مروان فقد كان يحس بألم في داخله، أن يرى أعز أصدقائه، يتخلى عنه بكل بساطة، كان يتساءل هل أنا فارغ إلى هذه الدرجة حتى يحس حمد بأن قضاء الوقت مع سعد أفضل من قضاءه معي؟ هل هي فورة ويعود بعدها حمد كما كان؟ هل؟

مضى اليوم... وعاد الجميع إلى منازلهم، وعاد حمد بغير الوجه الذي ذهب به، مرهقا ً شاردا ً يفكر في سعد، في مروان، في نفسه، في أشياء كثيرة تحتاج إلى حسابات جديدة.

* * *

السبت/ الساعة 9.30 مساء ً.

لم يذهب حمد إلى أصدقائه اليوم، وإنما قبع في غرفته تحت دعوى الإرهاق، كان لقاءه بمروان صباح اليوم في الجامعة باردا ً وهادئا ً، والكلمات قليلة وثقيلة، ولم يكن حمد في مزاج يسمح بالشرح والاعتذار ولذلك جعل الأمور تسير في مجراها، ولم يحاول التغيير.

كان سعد يلح على أفكاره، وذكرى يوم الخميس ماثلة أمامه، وكلمات سعد كأنما نقشت على لوح من رخام فهي تعرض عليه في كل لحظة، وتبرق في مخيلته كأنها ترجيع صدى أبدي.

ولذلك وجد صعوبة في أن يفعل شيئا ً، لم يستطع المذاكرة، ولا مشاهدة التلفاز، ولا الخروج، ولا الدخول، حتى الاستحمام بدا له بلا طائل، وعندما جلس أمام حاسوبه ينتظر الدخول إلى الانترنت، صار يزفر بقوة ليخرج الضيق الذي يثقل صدره.

وجد سعد في المسينجر، ارتجفت يداه، فكر بالهروب، بالخروج من الانترنت كله، لا يريد لقاءه، لا يريد الحديث معه الآن، لا يريد سماع شيء، تكفيه حيرته هو، اضطرابه هو، مشاكله هو، خيباته هو وانكساراته هو.

ولكن سعد ابتدأه بالسلام ثم أتبع:

- أهلا ً... كيف الحال؟

- وعليكم السلام... الحمد لله بخير، كيف حالك أنت؟

- الحمد لله طيب...

- كيف الحال اليومين هذي؟

- بخير الحمد لله.

- قرأت الرد؟

- أي رد؟

- ما دخلت المنتدى اليوم؟ الرد على قراء روايتي.

- لا ما دخلت بدخل بعد شوي.

- أمس بالليل كتبته ونزلته في الموقع.

- الله يستر.

- ههههههههه... تفاءل يا أخي يمكن أكون غيرت النهاية.

- والله يا هي صعبة... أقرب الرد وأشوف.

- المهم... أنا مستعجل بروح أجيب أمي وأختي... برسل لكم الآن أنت والبقية الجماعة رسالة تحديد موعد الاجتماع الأول وتعريف بالبقية.

- ما شاء الله وش هالنشاط؟ متى الاجتماع؟

- الاثنين القادم على المسينجر الساعة 10 مساء ً.

- خير إن شاء الله.

- توصي شيء؟

- سلامتك.

- الله يسلمك... أستلم الرسالة.

لحظات ووصلت إلى حمد الرسالة فتحها ليجد مكتوبا ً فيها:

(( الأخوة الأعضاء

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

يسعدني الإعلان عن انعقاد الاجتماع الأول لبحث كتابة الرواية الجماعية لمنتدى ( أقلام بلا اتجاه)، وذلك يوم الاثنين القادم الساعة العاشرة مساء ً، على المسينجر، أتمنى من الأخوة التقيد بالموعد، والآن سيتم تعريف سريع للأعضاء وتبادل للبريد:

1. قلم بلا اتجاه الخبر [*************************
2. الليل الدمام [********************
3. مجروحة بأهدابي الرياض [*******************
4. ضوء في آخر النفق الرياض [*******************l]

وشكرا ً لكم.

قلم بلا اتجاه))

قرأ الرسالة وأسماء الأعضاء، لم يتذكر أنه قرأ لهم شيئا ً من قبل، فكر أن يقرأ لهم حتى يعرف لم َ أختارهم سعد؟ قصد المنتدى، وهناك فتح رواية سعد ( صفحات حب تذروها الرياح) ليقرأ الرد، ثم بحث عن مشاركات ( الليل) و ( مجروحة بأهدابي)، وجد ثلاث قصص قصيرة للأول، وقصة قصيرة وواحدة طويلة لمجروحة، فتحها كلها وجلس ينتظر، وعندما اكتمل فتح الصفحات قطع الاتصال، وقصد رواية سعد وبدأ يقرأ.

* * *

هل يعلمون أنهم بعثروا آلامي؟ أنهم وطئوا جروحي، عاثوا في مساحات حزني؟ لا... لا يعلمون، لأنهم لا يقرأون ولا يفهمون، لا تلمني يا حمد... فما كتبته لم يكن خيالا ً محضا ً، وإنما هو شيء مني، قطعة مني، لقد أطلعتهم على عوالمي الداخلية، على مسارات الأفلاك التي ظلت طريقها داخلي، ولكنهم طوحوا بهذا كله في لحظة.

* * *

(( توطئة

هذا ما يجنيه من يحاول تحريك صخرة في وادي قفر، إنه يحرك عوالم قد استوطنتها... عوالم تتوجس من نور الشمس.

لذوي الألباب

عندما بدأت في كتابة روايتي... كانت البداية اختيارا ً... لم يسألني أحد الكتابة... لم أستشر أحدا ً في موضوع الرواية، أحداثها، اتجاهها... كان حق الكاتب في الكتابة، كما هو حق القارئ في القراءة والنقد.

وعندما وضعت النهاية التي أملتها علي مسئوليتي ككاتب يحترم فنه، يحترم قلمه، ويحترم قراءه، لم انتظر تصفيقا ً... هتافا ً... تملقا ً... كل ما أملته مجرد قارئ... قارئ يقرأ ما وراء الحروف... قارئ يقرأ الرواية كاملة... ثم يربت بيد وهمية على كتفي ويقول " لقد وصلت الرسالة... شكرا ً"... واليوم وأنا أطلع على ردودكم... أكاد أجزم بأن هذا الكاتب لم يتجسد واقعا ً... أنه ولد في خيالي وهناك ذوى ومات... لم كنت أكتب إذن؟ لمن؟

هنا في هذه الصفحة وعلى مدى شهور بعثرت نفسي، تركت قلمي يرسم لكم الإشارات... تركت خالد يخبركم أشياء ً وأشياء... كما تركت نورا تفعل ذلك... ومن وراء هذا كله كنت أنا الذي يتحدث إليكم... كنت أغلف رسالتي بأسلوب أدبي... ولكن يا للأسف... اكتشفت اليوم أني نسيت أن أضع لكم ( دليل الاستعمال).

ما يضايقني حقا ً... بغض النظر عن مدى فهمكم لما قلته... هو أني حاولت أن أصنع فارقا ً... حاولت أن أحول الصخرة الجاثمة عن مكانها، أن أجعل الشمس تصل إلى التربة التي اشتاقت إلى النور، إلى التنفس ورؤية وجه السماء، ولكني نسيت حينها إني معرض للسع، معرض لخشونة الصخرة، معرض لغضبكم.

ما يضايقني صدقا ً... هو أن الذين اقتاتوا على حروفي أياما ً... والذين شكلت كتاباتي رافدا ً لهم... عادوا اليوم يرتدون أسمال المزق التي انتزعوها من حروفي... ليصيحوا باسم الأدب والقصة والكتابة.

لم أسمع قبل اليوم بالنهاية التي يختارها ويصوغها القارئ... فهل سمعتم؟ هل كان يجب علي أن أكتب عشرات النهايات لهذه الرواية... نهاية لكل قارئ، لأستجلب رضا ً لا أبحث عنه.

لو نظرتم إلى ما كتبت لوجدتم أنه لا يعدو قصة شخص بسيط قرأ لفتاة مثقفة وأحبها ثم فر عندما لم يستطع مجاراتها... هي قصة بسيطة... لا جديد فيها على مستوى الحدث، فأنا لم أكن أبحث عن الأحداث، لم أعدكم بشيء، أنا هنا كنت أكتب عن الإنسان، خيباته، آلامه، آماله، انكسارات الحلم، قسوة الفقد، وفقد القدرة، وقدرة الفعل، وأشياء أخرى... كنت أحاول أن أصنع منظارا ً... استكشف به ذاتي وذوات الشباب الذين يرمز إليهم خالد... ونورا كانت أشبه ما تكون بالرمز لكل شيء جميل في هذه الدنيا... لا نستطيع الحصول عليه.

هل ظننتم أني عاجز عن تدوير الأحداث؟ اختلاقها؟ هل تظنون أني لا أستطيع أن أحبس أنفاسكم بتتابع الأحداث وسرعتها؟ هو أمر مقدور عليه... ولكنه لباس لا يناسبني، يقصر عن مقياس عقلي ورأيي، تركته لأهله... أنا أحاول الغوص في الأعماق، أحاول قراءة الناس، تصرفاتهم، آمالهم، مخاوفهم.

ولذلك فأنا أعتذر لكم لو كنت قد سحبتكم إلى الأعماق وأنتم لم تجاوزوا يوما ً المناطق الضحلة، أعتذر لأني كشفت هنا جزء ً من ذاتي المقروحة، وأعتذر لأني تعشمت أن هناك من يقرأ ما وراء الحروف.

أحتاج الآن إلى أيام طويلة لأبرأ وأتعافى من الكتابة... ولكن عندما أكتب هنا مرة أخرى أعدكم أن أظل قريبا ً من السطح، ليس من أجلكم، ولكن لأن أنفاسي ما زالت قصيرة... أقصر من رعشة هدب... أقصر من خفقة جناح... وأقصر من خطرة التفكير في العقول الصدئة.

وها هي قصة خالد تتجسد من جديد... أنا خالد... ونورا هي الكتابة العميقة... رباه... إن هذا الجب موحش. ))

* * * * * * * * *
الفصل الخامس عشر

الاثنين/ التاسعة وخمسون دقيقة مساء ً.

زفر حمد بقوة وهو ينتظر الدخول إلى المسينجر، دقائق معدودة ويبدأ الاجتماع الأول لهذه المجموعة الوليدة، لحظات وتتضح صورة العمل القادم، لحظات ويتعرف على شخصين جديدين ويدخلان قاموس حياته الشخصية وتعاملاته اليومية، ( الليل) و ( مجروحة بأهدابي).

كان قد قرأ قصص ( الليل) الثلاث، أعجبته كثيرا ً أفكارها المبدعة والجديدة، هذا الشاب يملك خيالا ً مجنحا ً واسعا ً - قال لنفسه - ولكن يا للأسف لا تسعفه اللغة كثيرا ً، فلغته تغرق بسهولة مهما حاول انتشالها من العامية والألفاظ المصطنعة، والتشبيهات المتكررة.

وبالأمس قرأ ما كتبته ( مجروحة بأهدابي)، بدأ بالقصة القصيرة والتي تحمل اسم ( امرأة تقتات الحزن)، كانت القصة عن أرملة ثلاثينية تعاني من تسلط أخوتها، وتتذكر زوجها الراحل بحزن وحب، لم تحمل القصة جديدا ً، هي نفس تيمات الفتيات المتعلقات بالحزن، كأنما الحزن والشرود يكمل صورة الفتاة الرقيقة، ولكنه للحق أعجبته اللغة الجميلة، لغة كغيمة صيفية فرت من الحرارة ومن غضب الشمس، لغة ناعمة سلسة، مداعبة كنسيم الصباح.

طبع القصة وقرأها مرتين، ملونا ً الجمل والمقاطع التي أعجبته بلون فسفوري مميز، وصار يعيدها مستحسنا ً:

( تمضي أيامي كساقية بئر معطلة، لا تعزق ماء ً ولا أملا ً....)

( لا أصعب من الفقد... إلا سماع نقد الفقد... ممن لم يجربه...)

( بكت نورة ولفت وجهها ببقايا خمارها الممزق وهي تقول:

- دعوا لي صورته على الأقل، فمازال في عينيه ذلك البريق الذي كان يدفئ شتاءاتي الماضية.)

( صرخ عبيد:

- أيتها المخبولة لا تنتظري فارسا ً يأتيك ِ على صهوة الحلم، أبو عثمان غني وطيب، ولا يعيبه شيء... كفي عن العيش على ضفاف نهر جف.)

( الليل حيث يرتاح الظالم والمظلوم من معارك أطراف النهار...)

( هذا البيت يعبق به، ولو عمرت عشرة قرون، ثم مررت به بعدها، لسمعت وجيب قلبي في صدري...)

كانت القصة باذخة من هذا الوجه، أما الرواية والتي أربت فصولها على العشرين، فلم يقرأ إلا فصلها الأول، كانت لها نفس تلك اللغة، وذات الكلمات المنتشية العابقة بالعطور.

لقد أحسن سعد الاختيار، هكذا حدث نفسه، وهو يرى شاشة المسينجر تفتح أمامه ويرى سعد والليل ينتظران، بادر حمد بالسلام، فرد عليه سعد وكتب له:

- لحظة... سأضيفك إلى محادثتنا أنا والليل.

مضت ثواني وفتحت له النافذة الخاصة بسعد والليل، فكتب حمد:

ضوء: السلام عليكم.

قلم بلا اتجاه: وعليكم السلام.

الليل: وعليكم السلام.

ضوء: مساء الخير.

الليل: مساء النور... كيف حالك أخوي ضوء؟

ضوء: بخير، الله يسلمك، كيف حالك أنت؟

الليل: طيب طابت حالك.

قلم بلا اتجاه: ننتظر الأخت مجروحة، عسى ما تتأخر علينا.

قلم بلا اتجاه: كنا نتكلم أنا والليل على الفكرة اللي عنده، واللي بيطرحها في الاجتماع.

ضوء: اها.

الليل: كنت أقول لأخوي قلم إنه أعجبتني كثير روايتك ( سنوات مسنية).

قلم بلا اتجاه: هههههههه، مسنية ( وجه تعبيري يخرج لسانه).

الليل: أعوذ بالله ما يفوتك شيء، عذرا ً منسية، سنوات منسية.

قلم بلا اتجاه: ضوء، لا تشره ترى الليل يحاول يتعلم الكتابة بسرعة، وطبعا ً تطلع بلاوي زرقاء من وقت لأخر.

ضوء: هههههههه، عادي كلنا نخطئ من السرعة.

سمع الثلاثة لحظتها الصوت المميز و( تم تسجيل دخول مجروحة بأهدابي)، قام سعد بإضافتها، ثم وبلون أحمر قان ٍ جاء السلام والتمسيات منها، وبعد مرور لحظات المجاملة، كتب سعد مفتتحا ً:

قلم بلا اتجاه: أهلا ً وسهلا ً بكم جميعا ً وقبل ما نبدأ، أرجو يا أخوان حتى يكون ما نكتبه واضح ومفيد، أن نتجاوز ردود المجاملات، وأيضا ً أن يكون الكلام مداورة بيننا، حتى نعطي الفرصة لكل واحد بأن يقول ما يريده، اتفقنا؟

قلم بلا اتجاه: أولا ً: الموضوع الرئيسي للاجتماع: كتابة رواية جماعية بإسم منتدى ( أقلام بلا اتجاه) وطباعتها مع حفظ حقوق الأعضاء المشاركين المادية والأدبية.

قلم بلا اتجاه: الاجتماع الأول: سيتم فيه التالي:
1. توزيع نسخة مبدئية من القوانين التنظيمية للجماعة لدراستها من قبل الأعضاء وطرح آرائهم واقتراحاتهم ومناقشة ذلك في الاجتماع القادم.
2. تحديد موعد أسبوعي ثابت للاجتماع ومناقشة سير عمل الجماعة.
3. الاتفاق على حفظ نسخة من الكلام الذي يدور في الاجتماعات عند كل عضو كمرجع عند الضرورة.
4. الاتفاق على فكرة الرواية ومحاورها الرئيسية، وتكليف أحد الأعضاء بصياغة الفكرة وتقديمها في الاجتماع القادم.
5. توزيع العمل بين الأعضاء، وتحديد المسئوليات والمهام لكل عضو.

قلم بلا اتجاه: ما رأيكم؟

ضوء: ممتاز... على بركة الله.

الليل: الفقرة الثالثة ما فهمت وش المصقود منها؟

الليل: عذرا ً المقصود.

قلم بلا اتجاه: ( وجه تعبيري مبتسم) لنتركها لوقتها بنمر على النقط وحدة وحدة.

مجروحة: حلو... لنبدأ.

قلم بلا اتجاه: النقطة الأولى... برسل لكل واحد منكم نسخة من القوانين في نهاية الاجتماع حتى تقرءوها وتعطون آرائكم في الاجتماع القادم.

قلم بلا اتجاه: النقطة الثانية... في أي يوم تفضلون أن يكون الاجتماع؟

ضوء: الاثنين.

الليل: الخميس عشان الواحد يكون فاضي.

قلم بلا اتجاه: الخميس صعب لأنه يمكن يتعارض مع مناسبات اجتماعية أو يكون الواحد طالع.

مجروحة: الاثنين حلو.

قلم بلا اتجاه: كل اثنين... الساعة عشرة؟

ضوء: 11.30 أفضل.

الليل: لا متأخر... ما أحب السهر.

مجروحة: متأخر.

قلم بلا اتجاه: ههههه، اسمك الليل ولا تحب السهر، طيب... ما رأيكم؟ بالاثنين الساعة 11 ولا تزيد مدة الاجتماع على النصف ساعة؟ زين كذا؟

ضوء: تم.

الليل: خلاص ( وجه تعبيري يغمز).

مجروحة: اوكي.

قلم بلا اتجاه: ممتاز... الوقت: كل اثنين... الساعة 11... ومن عنده نية التغيب عن الاجتماع يجب عليه تبليغ الأعضاء قبلها بيومين على الأقل.

قلم بلا اتجاه: النقطة الثالثة: المطلوب من كل عضو أن يحتفظ بعد نهاية الاجتماع بنسخة من الاجتماع على جهازه للتذكير بما دار فيه... بس هذي كل السالفة يا الليل.

الليل: اها... هيك لكان.

قلم بلا اتجاه: أي حبيب ألبي... اتفقنا.

الليل: اتقفنا.

مجروحة: تمام.

ضوء: اتفقنا.

قلم بلا اتجاه: ( وجه تعبيري يضحك) خلاص اتقفنا ( وجه تعبيري يخرج لسانه)

الليل: حبيبي قلم مشي، لا تأخذ ببالك، الكيبورد عندي ردية... الأسبوع الجاي بغيرها.

قلم بلا اتجاه: ههههههههه، ظلمت الكيبرود.

الليل: هههههههه ( وجوه تغمز وتضحك وترقص حتى) سجل عندك كيبرود، ههههههه، ( وجوه وزهور وقلوب محطمة).

ضوء: هههههههههه.

مجروحة: ههههههههه (وجه تعبيري مبتسم).

قلم بلا اتجاه: الليل شوي شوي لا يطق بك عرق، تراي قاصد الخطأ بس عشان أوسع صدرك.

الليل: ايه هين... على غيري.

قلم بلا اتجاه: طيب... نكمل، النقطة الرابعة: الفكرة وصياغتها، هاتوا الأفكار اللي عندكم... نناقشها ونصوغها.

الليل: عن أذنكم أنا عندي فكرة حلوة.

قلم بلا اتجاه: ما شاء الله... تزكي نفسك، حلوة؟؟؟ طيب وش يدريك يمكن تطلع قديمة وإلا تحوم الكبد ( وجه تعبيري مبتسم).

الليل: أنتم اسمعوها وبعدين أحكموا... هي زينة وإلا لا.

ضوء: هات.

الليل: طالب مبدع في الجامعة، يدرس حاسب آلي، ويروح في مسابقة علمية في أوروبا، يمثل الجامعة يعني والمملكة، وهناك يتعرف على شاب أوروبي ويتصادق معه، وعندما يرجع للسعودية يصير يتكلم معه بالمسينجر، وبعدين يكتشف أن هذا الشاب الأوروبي هاكرز، وأنه يتجسس على جهازه ويسرق أفكاره والبرامج اللي يسويها... معي؟

ضوء: معك... معك.

مجروحة: معك كمل بليييز.

الليل: المصيبة وين؟ المصيبة أنه في على جهازه أشياء شخصية جدا ً، صور له يعني وصور لأخواته وأهله، ويندم كثير على غلطته، وعلى وضعه للصور وعلى تعرفه وأمانه لواحد ما يستاهل، وبعدين يبدأ يفتش عن واحد يساعده، ويحصل في النهاية هاكرز سعودي، ويطلب منه أنه يساعده، وفعلا ً يساعده هذا الهاكرز ويدمر جهاز الأوروبي ويمسح كل اللي عليه، وتنتهي القصة بسلام ولكن بدرس قوي للشاب بأنه التكنولوجيا ممكن تكون لك يوم وعليك أيام.

مجروحة: رووووووووعة ( وجه تعبيري مبتسم).

ضوء: حلوة جدا ً بل ممتازة.

قلم بلا اتجاه: جميلة وحديثة.

قلم بلا اتجاه: فيه أفكار أخرى؟

مجروحة: أنا كان عندي فكرة، بس روعة فكرة الليل قضت عليها ( وجه تعبيري غاضب).

قلم بلا اتجاه: ههههه، لا قوليها يمكن تعجبنا أكثر.

ضوء: قوليها أخت مجروحة.

مجروحة: أوكي... مع إني مستسخفتها شوي.

مجروحة: هي تتكلم عن بنت ذكية وجميلة ولكنها مصابة بالصمم والخرس، تقرأ يوما ً من الأيام قصيدة لشاعر شاب وتعجب فيه، بل تحبه وتتعلق فيه، وتبدأ تتبع قصائده، وتحاول تتعرف عليه، وتكتشف في النهاية أنه أعمى، ويتحطم حبها على صخرة عدم وجود طرق للتواصل بينهما... بس... عارفة إنها حزينة وبايخة.

قلم بلا اتجاه: بالعكس جميلة وإنسانية... رائعة.

ضوء: رائعة، أعجبتني.

الليل: رووووووووووعة، أحسن من فكرتي يا هوووووووه.

قلم بلا اتجاه: فيه أفكار أخرى؟

قلم بلا اتجاه: طيب أنا عندي فكرة متواضعة... بشوف رأيكم فيها.

قلم بلا اتجاه: فكرتي شوي متعبة ومركزة... تتكلم عن كاتب كبير في السن ومشهور جدا ً... قرر بعد سنوات أنه يقوم بتجربة عقول الناس، فكتب كتاب بطريقة سخيفة وغير مفهومة وأدعى أنها فتح أدبي جديد، واستغرب التهليل الكبير اللي لاقه كتابه والرواج والكتب والمقالات التي تناولته بالتحليل، وظهر شباب يقلدون طريقته، وبعد اكتمال التجربة يقوم بتأليف كتاب عن هذه التجربة وسخافتها وسخافة من صفق وروج لها.

مجروحة: حلوة... حلوة جدا ً.

الليل: ما أدري... هي حلوة... بس أحس أنها فلسفية وما فيها أحداث كثيرة.

ضوء: الفكرة جميلة ولكن أليست قصيرة؟

الليل: إلا قصيرة.

قلم بلا اتجاه: لن تكون قصيرة لأنها راح تتناول حياة الكاتب وأسلوبه والأسلوب الجديد الذي سيخترعه والكتابات التي صفقت له وبعدين كتابه الأخير اللي يختم فيه حياته الأدبية.

مجروحة: أنا أعجبتني.

قلم بلا اتجاه: طيب... فيه أفكار أخرى؟ ضوء؟

ضوء: بالنسبة لي لا

قلم بلا اتجاه: طيب... نسوي تصويت على الأفكار:
1. فكرة الشاب والهاكر.
2. فكرة الفتاة والشاعر.
3. فكرة الكاتب.
وش اللي يناسبكم؟

قلم بلا اتجاه: هههههههه، وراكم سكتوا مستحين؟ طيب أنا أبدأ مادام فكرتي ما أعجبتكم فأنا أختار فكرة ( الفتاة والشاعر).

ضوء: وأنا ( الفتاة والشاعر)

الليل: تم... الفتاة والشاعر.

مجروحة: فكرتك رائعة أخوي قلم... وأنا معكم في اللي تشوفونه.

قلم بلا اتجاه: مشكورة أختي... وخلاص تم اختيار فكرتك بالاتفاق، وأرجو إنك تصوغيها في حدود صفحتين وورد وترسليها لنا.

قلم بلا اتجاه: والآن نجي لتوزيع العمل... أنا عندي اقتراح وهو إننا ننقسم إلى فريقين الفريق الأول فريق التجهيز... والثاني فريق الكتابة... وبشرح لكم وش قصدي.

قلم بلا اتجاه: فريق التجهيز مهمته استلام الفكرة والبدء في تجهيز عناصرها الأساسية... بمعنى إعداد بيئة القصة... أشخاص القصة... عمل أبحاث تخدم القصة، في قصتنا مثلا ً تجهيز أوراق عن الصم والبكم والمكفوفين وأي تفاصيل يطلبها فريق الكتابة، وتكون مراجعهم الكتب أو الانترنت.

قلم بلا اتجاه: بينما فريق الكتابة مهمته تجميع هذه المادة وصياغة القصة وكتابتها... فما رأيكم من يريد أن يكون في فريق التجهيز؟ ومن يريد فريق الكتابة؟

الليل: أنا يناسبني التجهيز... أنتم ما شاء الله لغتكم العربية زينة مهوب مثلي.

ضوء: أتوقع أنك أنت أخوي قلم والأخت مجروحة الأنسب لدور الكتابة، لأنه ما شاء الله لغتكم ممتازة... بكون تجهيز.

قلم بلا اتجاه: خلاص... أنا ومجروحة كتابة وأنتم تجهيز... بترسل لنا مجروحة الفكرة خوذوها وجهزوها للكتابة... جيد؟

ضوء: خلاص.

الليل: تم.

مجروحة: بكتبها وأرسلها لكم بكرة.

قلم بلا اتجاه: ممتاز... وأنا برسل لكم الآن نسخة القوانين... أقرءوها وأعطوني آرائكم الاثنين القادم...
....
...
..
.

* * *

تراجع حمد في مقعده بعدما فرغ من قراءة مسودة القوانين، جعل يتأمل الحوار الذي دار بينهم في المسينجر قبل نصف ساعة، ولأول مرة ينتبه إلى سيطرة سعد وحضوره القوي.

هذا السعد كم هو محير، أين هذا الإنسان اليوم الذي يمزح ويضحك ويدير الاجتماع بكل بساطة وقدرة وحيوية، من ذلك الشخص التائه الضائع الوحيد في طريق النهضة؟ كم من الشخصيات تحمل يا سعد في داخلك؟ كم أثواب تتسربلها وكم أثواب تنزعها في اليوم الواحد؟

كان لقاء ً جميلا ً ومبشرا ً، أحب في ( الليل) بساطته وروحه العالية، وقبل خروجه من المسينجر أتفق معه على لقاء قريب عندما يستقبلون الفكرة من مجروحة، مجروحة بأهدابي... اسم جميل ومعبر، كانت متحفظة اليوم وهادئة، يا ترى هل تستطيع التأقلم على تقلبات سعد بما أنها صارت في مجموعته؟ أسئلة كثيرة تواردت إلى ذهن حمد وهو يتابع الردود القليلة المشجعة لفصل روايته الثاني الذي غفل عنه قليلا ً في خضم الأحداث الأخيرة... أسئلة تكررت كثيرا ً... ورافقته إلى فراشه الذي دخله متعبا ً... أغلق عينيه... ابتسم... ثم ضحك بصوت خافت... وهو يقول ( مسنية... الله يغربلك يا الليل... والله إنك منتهي)... ثم أنقلب على جانبه ونام.

* * * * * * * * *


الفصل السادس عشر

"ها هو الصيف يقبل" قالها حمد وهو يلف شماغه على هامته، ليقي وجهه لفحة السموم وهو يخطو خارج مبنى الكلية متجه إلى مواقف السيارات.

سيلفه الصيف الطويل بعباءته الضيقة، لا رحلات برية منذ الآن... حتى حين، لا حرية في الحركة... سيضطر إلى تفيء الظلال، وإلى حصر نشاطاته الحركية إلى ما بعد مغيب الشمس، مشكلة الحرارة أنها تجلب الكسل وتزهد في العمل، يذكر أنه قرأ مرة أن الهنود يلجئون إلى تتبيل أكلهم لتنشيط أنفسهم ومحاربة الخمول الذي يبعثه جوهم الحار، ما هذا؟ حرارة في داخل البدن وحرارة في خارجه؟ الله يصبرنا.

ركب سيارته وبادرت يده المكيف استحثاثا ً لهوائه الفاتر الذي بدأ يبرد عندما انطلق، عندما أبترد قليلا ً انفكت حبائل أفكاره التي شبكتها الحرارة والضيق، دفع شريطا ً في المسجل، فانبعث صوت أحد المنشدين مترنما ً، اكتمل جوه الخاص الآن وبدأ يسرح كعادته.

بالأمس انتهى الاجتماع الثاني... " ما أسرع الأيام" هكذا فكر، تذكر التساؤلات التي حملها معه بعد الاجتماع الأول، تساؤلات عن سعد وعن الليل ومجروحة وعن المشروع والرواية، تذكر اجتماعه مع الليل على المسينجر بعدها بيومين وبين يديهما الفكرة كما صاغتها مجروحة.

الليل... في ذلك اللقاء اكتشف أن الاسم الغامض الذي يستمد غموضه ورهبته من الليل المجن للمرئيات يقبع ورائه إنسان طيب، بسيط بساطة متناهية، وذو روح طفولية، في ذلك اللقاء تحدثا عن كل شيء، الرواية، المنتدى، الأعضاء، حدثه الليل عن نفسه، طموحاته، آرائه، همومه، كان ككراس سقط مع عل ِ فتناثرت أوراقه في كل اتجاه.

عندما انتهى اللقاء عرف حمد أنه كسب صديقا ً جديدا ً وثمينا ً، كانا قد قررا في الاجتماع طريقة البحث ونوعية المعلومات التي سيجمعانها وطريقة التنسيق، واتفقا على محاولة الانتهاء من هذا كله مبكرا ً، للتفرغ للامتحانات النهائية التي لا يفصلهم عنها سوى أسابيع ثلاثة.

وبالفعل انشغل الاثنان في البحث والعمل، حتى في إجازة نهاية الأسبوع التي لم يخرج فيها حمد إلى المخيم بعدما قرر الأصدقاء وقف نشاطاتهم البرية بدعوى الحر وقرب الامتحانات، ولذلك تفرغ حمد للعمل واللقاء الليلي على المسينجر بصديقه الجديد، وعندما حل الاجتماع الثاني كان الجهد قد أثمر مادة متكاملة ومنسقة هي حاصل خمسة أيام من الجهد.

في ذلك الاجتماع القصير اتفق الجميع على وقف نشاطاتهم واجتماعاتهم لمدة ثلاثة أسابيع استعدادا ً للامتحانات، وبعد هذه الثلاثة أسابيع يبدأ كل من قلم ومجروحة الكتابة ويعرضان إنتاجهم في الاجتماعات الأسبوعية، ويتبادلون الآراء والنقد حوله.

توقفت أفكاره الآن... وداخله الضيق، عندما تذكر مروان، لازال البرود يغلف العلاقة بينهما، كان يأمل أن يرتق اجتماعهما في المخيم الفتق الناشئ ولكنه تفاجئ بمكالمة مروان التي أخبره فيها بإلغاء اجتماعهم لهذا الأسبوع والأسابيع القادمة، استغرب هذا التوقف المبكر... واستمع بخيبة أمل لحجج مروان، وعندما أنهى الاتصال تساءل " هل دفع مروان الشباب لهذا القرار؟ معقول؟ هل وصل زهده في لقاءي إلى التخلي عن البر والمخيم والليالي المقمرة؟ هل؟".

* * *

نفس اليوم/ الساعة 11.23 مساء ً.

يا الله كم يبدو المسينجر مقفرا ً الآن، هكذا حدث نفسه، بالأمس كان ضاجا ً بروح سعد وسيطرته، بطيبة الليل وبساطته، بغموض مجروحة وهدوئها، والآن... لا أحد، شتم الامتحانات في سره، عليه الآن أن يقضي ثلاثة أسابيع من الملل المتصل حتى تنتهي هذه الامتحانات المشئومة.

كان حمد من طينة الطلاب السماعيين الذين لا يطيقون مسك كتاب دراسي بأيديهم، يكتفي فقط بحضور المحاضرة، الاستماع بانتباه ومحاولة الفرار من هجمة النعاس، ثم عندما تحل الامتحانات يمسك كتابه بيده ويظل يدور في الغرفة وهو يزعق " أبسقط هالترم... أكيد... والله ما أدري وش السالفة؟ طلاسم يا خلق طلاسم" ويقضي وقته في الاتصال بالآخرين والبحث عن أسئلة السنوات السابقة، ثم عندما يحل اليوم الموعود وتصل ورقة الأسئلة إلى يديه، يغمض عينيه كأنه يتوقع أن يد ( لينوكس لويس) سوف تخرج منها لتلطمه من دون قفاز طبعا ً، ثم يفتح عينا ً ويتبعها الأخرى، ويقرأ الأسئلة ببطء وهو يبلع ريقه، ثم سبحان الله... يأتيه الإلهام فيتذكر أن السؤال الأول قاله المحاضر يوما ما وأن جوابه كذا، والسؤال الثاني تطرق له المعيد وجوابه كذا، والمسألة الفلانية قام هو بحل مسألة مشابهة لها بالأمس، وهكذا حتى يخرج من الامتحان وهو رافع يديه جذلا ً كأنه جندل لتوه سبعة من التتر، ويمضي يدق صدره وهو يقول " على غيرنا يا حبيبي... على غيرنا... خلو العبقرية لأهلها يا ناااااااس"، نستخلص من هذا الهذر أن حمد لن يذاكر حرفا ً لا هذا الأسبوع ولا الأسبوع القادم.

دفعه الفراغ إذن إلى ارتياد مواقع عدة، كان قد فكر في البداية أن يكتب نتفا ً من الفصل الثالث لروايته ولكنه لم يجد في نفسه الرغبة ولا القدرة على الابتكار، علل نفسه بأن الناس مشغولة عنه الآن، فلمن يكتب؟

وجد السأم روحه أرضا ً بورا ً فاستوطنها، فجعل يتقلب بين مواضيع أحد المنتديات الشهيرة بخمول، عندما سمع الصوت المميز لدخول شخص المسينجر ورأى الشارة تنهض من بين ركام الأيقونات المكدسة في الطرف الأيمن السفلي، كان الاسم غريبا ً بيت شعر أو جملة ( ما بقى غير لحظة أسمعك فيها وانتهي)، من هذا؟ حرك المؤشر فظهر عنوان البريد، مجروحة !!!

حار في التصرف الذي يجب أن يبديه الآن؟ هل يسلم عليها ويرحب بها؟ أم أن هذا سيعتبر تطفلا ً من جانبه؟ سيسلم عليها... لا... لن يفعل... ولكن أليس في ذلك قلة ذوق؟

وفرت مجروحة عليه حيرته عندما كتبت:

ما بقى غير ....(مجروحة): السلام عليكم.

ما بقى غير ....(مجروحة): مساء الخير.

ضوء: وعليكم السلام... مساء النور.

مجروحة: كيف الحال؟

ضوء: الحمد لله بخير... كيف حالك أنت ِ؟

مجروحة: بخير والحمد لله... بصراحة ما توقعت أحصل أحد الوقت هذا.

ضوء: أنا يئست أنه أحد يدخل، الناس مشغولة بالامتحانات.

مجروحة: الحمد لله أنا مخلصة من هذا الهم.

ضوء: ما شاء الله... وش هالكلية اللي مخلصة بدري؟

مجروحة: لا، أنا تخرجت السنة الماضية، أشتغل الآن.

ضوء: آها... الله يوفقك يا رب، لا احنا لسى، الله يعين بس.

مر وقت ولم يأته رد على عبارته الأخيرة، ماذا يفعل الآن؟ هل يبادرها بالحديث؟ أم ينتظرها لتكمل ما بدأته هي، حقيقة ً أن حمد لم يتعود على الحديث مع الفتيات... لا على أرض الواقع، ولا على الانترنت، لم يمتلك يوما ً خبرة في الأسلوب الملائم الذي يخاطب به الإناث وهو أسلوب يختلف قطعا ً عن أسلوب تعامله مع مروان أو عبد العزيز أو غيرهم.

في البداية كان يواجه المعضلة العظمى عندما يتصادف أن يرد على هاتف المنزل في أحد الأيام ليجد على الطرف الآخر إحدى صديقات أخته هيلة الكثيرات، تتلخص المعضلة التي لم يجد لها مجمع اللغة العربية حلا ً حتى الآن في كاف المخاطبة، فمثلا ً كانت الخيارات المتاحة أمام حمد عندما يوجه سؤال (كيف حالك؟) لأنثى على النحو التالي ( حالتس/ حالس/ حالتكي/ حالتِكٌ/ حالش/ حالك) المشكلة هنا تكمن في أن الخيارات المتاحة كلها غير مناسبة، فحالتس... تصلح عندما يخاطب جدته، أمه، أخواته، ولكن للأخريات خارج النطاق لا تبدو جيدة، أما حالس... فهي مضحكة، تخيلوا رجلا ً يكلم زوجته هكذا ( أنا أحبس... أفكر فيس... أتمنى أسعدس... أحطس في قلبي... أتأمل عيونس... أهيم في آفاقس...) أرأيتم؟ نأتي إلى حالتكي... صعبة النطق ثم إنها متكلفة جدا ً، أما حالتك فمشكلتها أن الكاف هنا تبدو كنقرة على سطح مجوف كما أنها متكلفة أيضا ً، حالش أيضا ً غير مناسبة لنفس أسباب حالس، وأخيرا ً حالك... وهي صيغة مخاطبة للمذكر.

قلنا هذا في البداية فقط، بعدها تأتي مشكلة أن ما يقال للذكر لا يجب أن يقال للأنثى، فبإمكانه أن يقول لمروان مثلا ً لمجرد الحديث ( أحس حالي متضايق شوي) فيكون الرد ( وسع صدرك يا بن الحلال... هونها وهي تهون) ولكن عندما توجه نفس العبارة لهيلة فالرد لن يكون أقل من ( متضايق؟ يوووووه... ليه؟ لا يكون مني؟ أنا آسفة، والله آسفة، ضايقتك؟ صدق والله؟ طيب كيف؟ متى طيب؟ من هو؟ وش السالفة؟ إلخ.....).

وفرت عليه مجروحة هذه الهواجس مرة أخرى بكتابتها:

مجروحة: الله يوفقك.

ضوء: الله يسمع منك... آمين.

مجروحة: طيب ورى ما تروح تذاكر زي الناس؟ ( وجه تعبيري ضاحك)

ضوء: بصراحة ما قدرت ما لي نفس... أنا من النوع اللي يذاكر ليلة الامتحان.

مجروحة: ههههههه، مثلي أنا كنت أكره المذاكرة كثير، وأيام الامتحانات كانت أيام سوداء بالنسبة لي.

ضوء: المشكلة....
....
...
..
.

* * *

الأربعاء/ الحادية عشرة مساء ً.

ها هو أربعاء منزلي آخر بعد كل تلك الأربعاءات التي قضاها على الرمال، تحمل له رياح الشمال رائحة الخزامى والشيح، وتطقطق أمامه جذوع الغضا أو السمر، أربعاء يقضيه في المنزل كدابة الرحى، يعابث لمى قليلا ً يحملها ويغضبها، فتضربه بيدها الصغيرة، فيغطي وجهه بيديه ويصطنع البكاء، فتحن عليه وتضم رأسه إلى صدرها وهي تقول " آلاص... آلاص" ( خلاص... خلاص) أو يقصد غرفة أخواته هيلة وعبير ويشاكسهن حتى يزعقن مستنجدات بالأب القابع في صومعته فيفر هاربا ً، ليقتحم غرفة أخيه الصغير سعد ويقفز ليجلس متربعا ً على السرير وهو يقول مستهترا ً " تعال أنت الحين وخشك، وراك تخلي خالد يخلي نورا يالردي، ورى ما خليته يعرس عليها، وإلا خايف تصير تكاليف العرس عليك يا لبخيل"، وسعد الصغير ينظر إليه باستغراب ثم يبتسم ابتسامة بلهاء اتقاء ً للشر، فيتركه ويثب هابطا ً إلى الدور الأرضي قاصدا ً المطبخ حيث أمه تقوم بعمل ما، تخلل المحشي أو تحشي المخلل، الله أعلم... فيعابثها ويمازحها ثم يفر هاربا ً عندما تزعق به " يا عل الله لا يسلط علينا... يا وليدي رح ذاكر لك شيء ينفعك" جوابا ً على قوله " يمه... ما ودتس تشوفين لأبوي حرمة مثقفة تجلس معه توسع صدره في هالمكتب بدال مهوب قاعد لحاله"... لا غرابة في هذا الجدول المزدحم، فهو الفراغ... الفراغ الذي يزهق روحه ويجثم عليها.

والآن... وعندما أوفت الساعة على الحادية عشرة، وأغلق الباب ورائه، وجلس أمام الجهاز، أعترف لنفسه بكل بساطة أنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ فتح عينيه في الصباح.

بالأمس عندما أغلق جهازه واستقر على سريره، داخلته نشوة غريبة وشعور جميل، كان شعورا ً غريبا ً لا معنى له، أعقب السأم والكآبة والملل التي بدأ بها يومه، شعور داخله بعد لقاءه وحديثه بمجروحة، ارتاح لها كثيرا ً، كان حديثهما محايدا ً... بسيطا ً... قصيرا ً لأنها استأذنت وخرجت بدعوى تأخر الوقت ورغبتها في النوم من أجل نهوض باكر للعمل، ولكنه أحس بتبسطها معه، وخروجها من التحفظ الملازم لها في الاجتماعات، هل ارتاحت لي هي أيضا ً؟

ولذلك فكر بالدخول مبكرا ً اليوم، عله يظفر بوقت أطول معها، " ما هذا؟" توقف وسأل نفسه؟ لماذا أتشوق يا ترى للحديث معها؟ ما معنى هذا الشعور؟ هل لأنها علاقة جديدة وغامضة وأريد كشف غموضها؟ ولكن لم َ لم أشعر بمثل ذلك مع الليل؟ هل لأنها فتاة؟ ولكن ما الذي سأستفيده من كونها فتاة؟ هل أريد منها شيئا ً؟ لا والعياذ بالله... أنا لا أرضى لأحد أن يمس أختي هيلة فلذلك يجب أن أصون نفسي عن هذه الأشياء، ولكن لحظة... أنا تشوقت لمعرفة سعد وأعقب معرفتي به نشوة وارتياح، ربما هذا الشعور مثل ذاك، لا... لا... لا تخدع نفسك، الشعور ليس هو، هناك شيء يجذبني لها، ولكن ما هو؟ ما هو؟

المسينجر الغاص دوما ً خال ٍ الآن كعرفة في يوم النحر، خاب أمله، تمنى أن يجدها ولكن لا بأس ربما تأتي، اليوم أربعاء ولا عجلة هنالك، مضى يقلب طرفه بين المواقع والصفحات بسأم يتعاظم، حتى انتصف الليل وأيقن من أنها لن تأتي، يبدو أنه مقدر له أن يمضي هذه الليلة في القراءة.

ترك الجهاز ونزل ليحضر له شيئا ً باردا ً يشربه، كان الدور الأرضي مظلما ً وقد أوى الجميع إلى فرشهم، ما عدا والده الذي لازال النور ينبعث من تحت باب مكتبه، لكم تعجب من جلد والده ومحبته للقراءة والعلم، ساعات طويلة ينفقها في مكتبه الغاص بالكتب والمجلدات والبحوث.

عاد إلى غرفته وحالما دخلها شاهد المسينجر يتألق بون برتقالي بمعنى تلقيه ردا ً، لقد جاءت، أسرع إلى الجهاز، كانت قد كتبت:

- السلام عليكم
- مساء الخير
- صح النوم
- آلوووو
- آلووووو

كتب لها بفرحة:

ضوء: وعليكم السلام.

ضوء: مساء النور.

ضوء: عذرا ً تركت الجهاز شوي عشان أجيب لي شيء أشربه.

مجروحة: هلا، توقعت إنك بترد بسرعة، كيف الحال؟

ضوء: الحمد لله... بخير وأنت ِ كيف حالك؟

مجروحة: الحمد لله، كوووول، طفشان؟ ههههههه

ضوء: هههههه، خليها على الله، اليوم أذيت أهلي من الطفش والملل.

مجروحة: الله يعين، ما كان لي نية صراحة أدخل المسينجر، لأني رجعت من الدوام تعبانة وبعدين طلعنا من البيت نزور أقرباء وتوي راجعة، بس قلت أدخل أسلم عليك قبل لا أنام، توقعتك سهران.

ضوء: يسلمك ربي، سهران والله... ما وراي شيء، الناس كلها ماسكة دروسها وأنا انتظر الفأس تطيح بالرأس.

مجروحة: هههههه، الله يوفقك... طيب أنا أستأذن الآن، بصراحة مو قادرة أفتح عيوني.

ضوء: تصبحين على خير، وشكرا ً على الزيارة.

مجروحة: بتكون هنا بكرة؟

ضوء: إن شاء الله، بكون هنا كل يوم حتى يقولون بكرة امتحان.

مجروحة: أوكي، بحاول أدخل بكرة أسولف معك، بكون مصحصحة وشبعانة نوم... إن شاء الله.

ضوء: حياك الله بأي وقت وهذي الساعة المباركة.

مجروحة: مع السلامة.

ضوء: مع السلامة.

* * *

" كان لقاء ً قصيرا ً" قالها لنفسه بعدما أعاد قراءة الحوار مرات ومرات، هل قالت أنها دخلت لتسلم عليه فقط؟ نعم قالت ذلك، وهل سألته إن كان سيتواجد غدا ً كأنما هو السبب الوحيد الذي يدعوها للدخول؟ نعم لمحت لذلك.

ترك النشوة والتساؤلات تدغدغه، ترك نفسه لهجمة الهواجس والأفكار حتى استنقذه النعاس ثم النوم منها... حتى حين.

* * *

الخميس/ الساعة 11.02 مساء ً.

هل مر به يوم كهذا اليوم؟ يوم لا معنى له، منذ أصبح الصباح وهو ينظر إلى الساعة، يستحث الوقت، يفرح بمرور الدقيقة... الساعة، صار يقتل يومه ببطء وبملل، يتشاغل، يحاول أن يفعل شيئا ً ما لا يدري كنهه.

خرج عصرا ً ليقوم بقليل من المهام التافهة، وبكثير من الدوران بلا هدى وبلا اتجاه، ولكنه أوقف سيارته بصورة مفاجئة في شارع الحسن بن علي أمام دكان خياط ما، غير آبه بنظرات الخياط الباكستاني ذو الشارب الضخم الذي يحمل اسم ( غلام شاه أو أسد الله أو شيء مشابه لهذا)، عندما قرر أن يقف أمام نفسه بصراحة بدلا ً من هذا الهروب الذي لا يحمل معنى.

" لماذا أحرق يومي هكذا؟" تساءل، ما الذي أنتظره بالضبط؟ مجرد محادثة مسينجر؟ يوم من حياتي سيذهب بلا رجعة، أحرقه من أجل محادثة مسينجر وهواجس ورغبات غبية؟ ثم ماذا ستحمل لي هذه المحادثة؟ هه؟ لا شيء... لا شيء.

حرك سيارته وهو يتميز غيظا ً، كان يكره هذا الطبع الذي يبدو أنه لن يتخلص منه أبدا ً، هذه الهواجس والخيالات والأفكار التي لا تنفك تتكرر وتكرر وتزداد ويصبح لها تفاصيل وثنايا، يكره في نفسه تناوله للكلمات الصغيرة، الأحداث التافهة من حوله التي يرميها الجميع ثم يمضون، بينما يتناولها هو ليصنع منها عالما ً... يزيد فيها ويضيف لها كل يوم حتى يأتي يوم ينسى فيه ما الأصل وما المتخيل.

تذكر سعد، وانفجاره المشئوم في طريق النهضة، واستعاد ذلك الإحساس الذي أحس به عندما غابت عن عينيه أنوار سيارته الخلفية وهو يغادر، ذلك المزيج البغيض من الكآبة والافتقاد إلى شيء ما والرغبة الملحة في شيء ما.

هل من الممكن أن يستعذب الإنسان الحزن؟ هل الآلام والأحزان هي الوجه الآخر للذة؟ أين يقع الخط الفاصل بين الألم واللذة؟ لم َ نبكي عندما نسمع لحنا ً جميلا ً؟ بينما كان المفروض أن نضحك ونفرح، لم َ؟ هل هذه هي الماسوشية؟ هل أنا ماسوشي؟ أم أن الماسوشية تختص بالتعذيب المادي البدني فقط؟ إذن ما هو اللفظ الذي يحتوي التعذيب الروحي؟ البارانويا؟ لا أعلم... سأسأل سعد عن ذلك يوما ً.

والآن وهو يجلس أمام الجهاز، كان يعيد على نفسه السؤال الذي ما فتئ يردده منذ العصر، ما معنى كل هذا؟ ما الذي يجذبني إلى المسينجر؟ ما الذي يجذبني إليها؟ أريد أن أفهم... أريد أن أفهم.

تمنى لبرهة أن تخلف وعدها وأن لا تأتي، ولكن هذه الأمنية سرعان ما فرت وغابت في حرقة الانتظار، بعد نصف ساعة مملة جاءت، جاءت كغمامة باردة اجتاحت فضاءه المختنق بالحرارة والرطوبة، تحدثت، ضحكت، ثم رحلت.

وفي عتمة غرفته التي لا يضيئها سوى وميض شاشة الحاسب، كان يجلس بنفس الوضعية التي ظل عليها منذ رحلت، هناك شيء يعمل بطريقة غير صحيحة، يعرف هذا ويشعر به، وبلا سبب مفهوم أحس بشوق غريب لسعد... كأنما قد مر دهر منذ تحدث معه لآخر مرة.

* * * * * * * * *

الفصل السابع عشر

مرت تلكم الأسابيع الثلاثة وأسبوعي الامتحانات التي تلتها كأي شيء في هذه الدنيا، نخاف منه، نهتم به، يشغلنا أيام وليالي، ثم يمر ليصبح مجرد ذكرى مدفونة في الركام الذي يكون ذواتنا، أفكارنا، وآرائنا.

ها هما حمد ومروان يجلسان كعادتهما في البهو البارد محتفلين بانتهاء الامتحانات، كانت علاقتهما لازالت ذات شروخ، فقد انقطعا في البداية مدة الثلاثة أسابيع، لا رابط بينهما سوى مكالمات سريعة يجريها حمد مداهنة ً لرأب الصدوع، ثم صارا يلتقيان بعد كل امتحان، يجلسان جلسة سريعة تتخللها أحاديث الدرس والتحصيل ثم يفترقان.

واليوم وهما يجلسان في أيديهما أكواب العصير الطافحة والتي تسبح فيها قطع الثلج، ورائحة البرتقال الزكية تعبق في الجو، كان حمد يأمل أن تزول الرواسب المتبقية التي عكرت صفاء تلك الصداقة القديمة.

توقفا عن الضحك وتراجع كل منهما في كرسيه، فكر مروان بشرود بالأسابيع الثلاثة التي مضت، الأسابيع التي أمضاها في الضنك والشدة، فهو رغم حرصه الشديد ومثابرته، يعاني منذ الصغر بطء في القراءة وفي الاستيعاب، كان يدور في الغرفة في الليالي التي تسبق الامتحان وهو يردد بصوته الأجش كامل المنهج، التعريفات، الشروح، وحتى المسائل وحلولها، ثم في اليوم الذي يسبق الامتحان يلعب ورقته الأخيرة، يقصد الهاتف ويتصل بجدته التي تسكن في مدينة تبعد عن الرياض مئات الكيلومترات ويطلب منها الدعاء له عند قيامها الليل، حينها كان ينام قرير العين بأن تلك العجوز المقعدة طيبة القلب ليس بينها وبين رب العباد حجاب، وأنها متى ما رفعت يديها إلى السماء استجيب لدعواتها.

حمد كان في شأن آخر، كان يشعر بخليط الفرح والشوق، الفرح بانتهاء الامتحانات، والشوق إليها، إلى مجروحة التي عاشت معه الأسابيع الماضية، على المسينجر قبل أيام الامتحانات، وبرسائلها المشجعة عندما غاب في حمئة الكتب والمذكرات، كان كل يوم ينهض من النوم في الظهيرة، يصلي الظهر ثم يتناول إفطاره الذي صار غداء ً، أو غدائه الذي صار إفطارا ً، أيهما أصح... ثم عندما يصلي العصر يبدأ بالغوص في ركام المذكرات المخربشة بمئات الملاحظات والتي جمعها من زملائه، والتي تشي كل صفحة من صفحاتها بالذين مروا بها يوما ً، هذا خط شاب متحمس، يبدو أنه كان يدون كل شيء، وهذا شاب عابث سود أكثر الصفحات بأبيات غزلية بخطه المنمنم الجميل، وهذه الصفحة التشكيلية التي أحصى فيها ثمانية ألوان مختلفة، هيه... فتاة مرت هنا، وعندما ييأس من المذكرات يتناول أسئلة السنوات السابقة، ويقوم بالدوران في الغرفة وهو يردد " وش هالسؤال؟ يا ربيه... والله هيروغليفي، والله العظيم منب فاهم ولا كلمة منه، وش يبي ذا؟ لو بكرة يجي بالاختبار وشلون بحله؟" تلعب به الوساوس فيهرع إلى جهاز الهاتف ويتصل بمروان، فيأتيه صوت مروان المبحوح من كثر الترديد والقراءة، يسأله بعجل فيهرع مروان مرتجفا ً إلى مكتبه ويبعثر كل أوراقه بحثا ً عن الورقة المعنية، وعندما يجدها ويقرأ السؤال يزعق في الهاتف " حمد... لعبت بأعصابي، حسبي الله عليك، هذا السؤال محذوف، يا أخي أنت وين عايش؟ يا أخي خلنا نذاكر زي الناس الله يرضى عليك"، كان حمد يتحمل كل هذا الضغط ويظل متماسكا ً لأنه كان يمني نفسه بأنه عندما يجن الليل، وعندما لا يعود شيء يومض في هذا البيت سوى ساعاته الجدارية، ولا صوت يسمع إلا دقاتها، حينها سيفتح بريده الالكتروني ليجد بانتظاره رسالة جميلة منها، رسالة تخبره فيها بما مر بها في يومها هذا، تشجعه ببضع كلمات وتستفسر عن صحته وامتحاناته التي أداها كيف كانت، يخربش لها ردا ً بسيطا ً ثم يصحب كلماتها معه إلى سريره، ليفقدها على باب النوم، وربما تسللت معه أحيانا ً إلى ما وراء الباب الموارب.

نمت علاقته بمجروحة وخصوصا ً في الأسابيع الأولى، كانت محادثاتهما في البداية لا تتعدى المجاملات والشأن الأدبي، والمنتدى ومواضيع بسيطة متفرقة، وسرعان ما تنتهي المحادثة بانسحاب مجروحة بدعوى النوم، ثم بدأت المحادثات تتعدى نطاق المواضيع التي صارت مكررة... مملة... لتخوض في أطراف مفازات الشئون الشخصية، حدثته عن عملها، فوجدت لديه اهتماما ً ومشاركة، تشجعت فحدثته عن همومها اليومية، فأحلامها، فطموحاتها، حتى مخاوفها، أعجبها فيه أنه لم يحاول ولا مرة... ولا مرة لعب دور الموجه أو الأستاذ الذي يحب الجميع من حولها لعبه، أمها، أبيها، أخواتها، زميلاتها، صديقاتها، ومن تحاورهم على الانترنت من وقت إلى آخر.

بدا لها حمد مختلفا ً... كانت تستطيع إخباره بأشياء كثيرة، بأغبى الأشياء وأتفهها بدون أن تخشى أن يصدع رأسها بمحاضرة طويلة، أو بفلسفات لا تطيقها، كان طيب القلب متفهما ً ولذلك وجدت أقدامها تغوص في أراضي لم تجربها قبلا ً... أراضي سمعت دوما ً أنها بلقعا ً ذات دروب مهلكة، ولكنها اليوم وهي تخطو فيها بدأت لها مزهرة وذات أطيار وأحجار ملونة.

كانت فاطمة ( وهذا هو اسمها) قد نشأت في عائلة صغيرة مكونة من أب وأم وأختين تكبرانها وأخوين يصغرانها، كان أبوها من طينة الآباء المتجهمين الذين لا يضحكون ولا يمزحون، الآباء الذين يستخدمون فعل الأمر بإفراط، قم، اجلس، اذهب، افعل، أو يستعملون لا الناهية بلا نهاية، لا تفعل، لا تنم، لا... ولا...، الآباء الذين يؤمنون أن النقد باستمرار هو طريق الإصلاح.

أمها كانت من صنف الأمهات اللواتي يعشن على ضفاف الأحداث، لا تمثل سوى سلطة تنفيذية للأب الذي بمثابة السلطة التشريعية والقضائية وقوات التدخل السريع حتى، ولطالما شكت فاطمة وهي تقتعد الدرج الرخامي المشروخ في الكلية مع صديقتها الروحية ( جواهر) " أمي طيبة جدا ً... ولكنها لا تشعرنا بوجودها، لا رأي لها في أي شيء يحدث في البيت، ولو صدف يوم وقالت رأيا ً لجاء موافقا ً لرأي أبي"، كان ذلك في أيام الصفاء التي جمعتها بجواهر، عندما كانت تربطهما المحبة والأسرار الصغيرة، وعندما كن يضحكن ويبكين أمام بعض بلا عقد، قبل أن يأتي اليوم الذي تهرب فيه كلا ً منهما من الأخرى.

أختها الكبرى ( سلمى) كانت قد تزوجت منذ دهر، وصارت تجر ورائها عندما تأتي لزيارتهم في أيام الخميس طفليها الشقيين ( عبدالله وشهد)، أما أختها الثانية ( سراب) فقد كانت تعيش على أنقاض قلب خرب، وأحلام قد وافقت اسمها.

كانت مشاعر فاطمة تجاهها خليط من الرثاء والكراهية... الرثاء لحالها وأحلامها التي تهاوت، والكراهية لعصبيتها ونقدها الدائم والمتذمر الذي ورثته من أبيها، كانت ( سراب) ذات الملامح والتقاطيع الجميلة متعلقة لسنوات بخيط حب واه يجمعها بابن خالتها الذي يدرس متغربا ً في كندا، ومن أجله انتظرت كثيرا ً ورفضت كل التلميحات التي كانت تأتيها من أمهات يفتشن لأبنائهن، ولكن ابن الخالة عاد بوجه غير الذي ذهب به.

عاد وقد انسلخ من جلده وارتدى أسمالا ً فكرية، عاد بقلب موبوء وعقل مرزوء، عاد وتزوج عندما تزوج فتاة زاملته في عمله بأحد مستشفيات الرياض الكبرى، فضلها على ابنة خالته الساذجة، ذات الفكر المتخلف البائد كما كان يردد بلا حياء.

لم تنكفئ سراب في غرفتها لتبكي كما كان مفترضا ً ومتوقعا ً، بل إنها ويا للعجب أصرت على حضور الزواج الذي عقد في فندق كبير وشاركت في الرقص إمعانا ً في إظهار عدم اهتمامها، ولكن الملاحظ أن عصبيتها وشراستها صارت لا تطاق بعدما حدث، وكلماتها صارت كلقم حنظل في حلوق محدثيها أو المتعرضين لها، حتى الأب الذي كان يفري الكل بلسانه، صار يتقي الصدام معها وهو يردد " ذا البنت ما تحشم أحد... الله يخلف علينا".

ولذلك شبت فاطمة على كراهية النقد، والصدود عن كل من يحاول نصحها أو توجيهها، وصارت معاركها مع أختها يومية، تخرج هي منها بدموع وكلمات " أوف... وش هالعيشة"، حتى من الله عليها فغادرت الغرفة المشتركة التي تجمعهما إلى غرفة صغيرة في الطرف الآخر من المنزل كانت مخزنا ً فيما مضى.

غرفتها الجديدة ضيقة كقبر، وروائح الأرز والبهارات وأشياء غامضة أخرى لا تزال عالقة في جوها، ولكنها كانت كمملكة في عيني فاطمة، مملكة تخصها وحدها، مملكة تنفرد فيها بعيدا ً عن تسلط أختها ولسانها وكلماتها.

صحيح أن هذا الانفصال وهذه الغرفة الجديدة لم تقها من لسان أختها وتدخلاتها بشكل كامل، ولكنها وفرت لها على الأقل جوها الخاص الذي تستطيع فيه تمضية وقتها براحة وطمأنينة.

كانت فاطمة تعيش حلما ً يوميا ً ساذجا ً، حلم الشاب الحنون ذو الصوت الهامس الذي يأتي ويتزوجها ويخرجها من هذا البيت الكئيب، ويحملها إلى بيت صغير جميل يعبق برائحة الزهور، ولا تسمع فيه إلا كلمات الحب، كانت ملامح هذا الشاب غير نهائية، فكل يوم ترسم له صورة جديدة، تبدلها في الليل والنهار، تضيف لها وتحذف منها.

وفي جوف الليل تجلس أمام المرآة، عندما لا يعود يسمع إلا معارك القطط في الباحة الخلفية، ومعزوفة الحشرات الليلية، تجلس وتمرر المشط في شعرها وهي تتأمل ملامحها التي يغشيها الظلام متسائلة السؤال التاريخي إياه... لم َ لم أكن أجمل؟ يقال – كذبا ً – أن آخر العنقود أحلاه، هي آخر العنقود من الفتيات على الأقل، فلم ذهب الجمال و ذهبت الحلاوة إلى سراب، سراب التي لا يطيقها أحد، سراب الوحيدة التي احتاجت ولادتها إلى شق عميق في بطن أمها، سراب... سراب... أستغفر الله... أستغفر الله... وهل نفع الجمال سرابا ً؟ جمالها هو الذي ضاهى أحلامها بالسراب، سبحان الله... ألا يرضى ابن آدم بحكم الله وعدله وقسمته؟ الأبيض يريد سمرة برونزية، والأسود يريد بياضا ً حليبيا ً، والوسيم يريد تقاطيعا ً قوية وجيهة، وذو التقاطيع القوية يريد ملامح رقيقة وناعمة، اللهم بلغنا الرضا بالحال... تردد هذه الكلمات دائما ً وتحملها معها أينما حلت.

تلكم الظروف خلقت فيها محبة الجمال، الورود، الأطفال، والشعر... أحبت الشعر منذ اليوم الذي قرأت فيه بيتي قيس بن الملوح:

وكنت وعدتني يا قلب أني إذا ما تبت عن ليلى تتوب

وها أنا تائبٌ عن حب ليلى فما لك كلما ذكرت تذوب

أسرتها كلمات الشعراء، فاصطفت الدواوين في فراغات غرفتها، ورصفت الكلمات مسارب روحها التي كانت مقلقلة كالدروب التي لم تطرق.

اقتاتت الشعر، ونمت روحها عليه، حتى جاء يوم وحاولت أن تكتب قصيدة، جاءت بورقة مسطرة، وردية توشي أطرافها الزهور وثمة طائر يطير فاردا ً جناحيه في وسط الصفحة، وبدأت فكتبت البيت الأول:

دعني أعش في عيناك يوما

مرت ثلث ساعة ولم يأتي البيت الثاني، فغادرت الغرفة وهي تتهم الجوع الذي يهصر بطنها بإيقاف قريحتها، تناولت تفاحة وقضمتها، وعادت إلى غرفتها وعلى شفتيها وأسنانها بقايا لبها وبرودتها.

جلست وكتبت:

إذا كان الجو صحوا أو كان الجو غيما

أعادت قراءة البيتين، أحست بالسخف، صحوا وغيما؟ ما هذا الهراء؟ شطبت البيت الثاني وعادت تفتش في عقلها عن بيت آخر، تشاغلت بتلوين عنق الطائر الصغير، وبتقويم وردة ناقصة في زاوية الصفحة.

تذكرت طفولتها عندما كانت تأخذ الجرائد القديمة إلى غرفتها، وتتلهى بتلوين عيون الأشخاص في الصور، أو في صنع شارب ولحية للحليقين منهم، أو تفتعل حوارا ً أو تعليقا ً طريفا ً، ولا زالت حتى اليوم تضحك من ورقة قديمة عندها يظهر فيها فيدل كاسترو بلحيته الطويلة ولباسه العسكري في إحدى خطبه الطويلة وهو يلوح بإصبعه، وقد رسمت هي فوق رأسه صندوق حوار كتبت فيه ( ترى أي واحد ما يسمع كلامي بجلده ).

انتزعت نفسها من دفق الذكريات وعادت إلى قصيدتها، عفوا ً... بيتها الوحيد، أو لنقل تشجيعا ً قصيدتها التي لم تكتبها بعد، بيت ثان ٍ... بيت ثان ٍ... أممممم... جربت بدأت تأتي بكل الكلمات التي لها قافية الألف، نوما، لوما، قوما، دوما... دوما جيدة... لنرى... أمممم، حسنا ً... دعني أعش في عيناك يوما... دعني أعش في عيناك دوما... أممممم، طيب... يعني يمشي الحال.

بعد نصف ساعة أدركت أنها لا يمكن أن تكتب شعرا ً، ضايقها هذا قليلا ً، فتركت قلمها يجول بلا قيود... بلا قافية ولا وزن، سجلت لحظتها تلك كاملة، عندما سودت صفحتها تلك ذات الطائر المقطوف الرقبة بالحبر، أعادت قراءة ما كتبت، لا بأس... لا بأس البتة... جميل ما كتبته.

وهكذا بدأت رحلتها مع القلم، بدأتها بالخواطر، ثم سلكت درب القصة القصيرة الموطئ، وبعدما دخلت عالم المنتديات والانترنت، ووجدت التشجيع والقراء المتلهفين لكلمات جميلة تدغدغ المشاعر، قفزت إلى كتابة الرواية.

عالم الانترنت قادها جبرا ً إلى سلوكيات جديدة عليها، تحدثت لأول مرة في حياتها إلى شباب مباشرة، كان ذلك طبعا ً على الصفحة البيضاء للمسينجر، كانت تجربة جديدة، بدت لها مثيرة في البداية، قبل أن تصطدم بخيبات أمل متكررة.

عاينت خلال عامها الأول في الانترنت، الصفوف الطويلة من الشباب الذين يفدون أولا ً إلى رسائلها الخاصة بدعوى الإعجاب بأسلوبها في الكتابة ولغتها الجميلة، ثم يدعونها لحوارات أعم وأشمل في المسينجر، قبل أن ينتهي بهم الحال بعرض أرقام جوالاتهم بدعوى تعميق العلاقة وتوطيدها، وحينها كانت تتركهم غير مأسوف عليهم.

تجاوزت الانبهار الأولي بالعالم الذي فتحه لها الانترنت، وخف حماسها، وصارت مشاركاتها مقصورة على منتدى وحيد بدا لها ذو رونق وذو بيئة محببة، ( أقلام بلا اتجاه) كان هو الموقع وهو ما جاء بها في طريق حكايتنا.

علاقة فاطمة أو مجروحة بحمد كانت تتوطد يوم بعد يوم، كان قد أعجبها فيه كل ما هو مغاير لمن حولها، طيبته، بساطته وعدم تكلفه، وضوحه وبعده عن التعالم وادعاء المعرفة، عدم تسلطه وعدم محاولته فرض ذكوريته على كونها الأنثوي، ولكن يدها كانت لا تفارق قلبها خوفا ً من أن تأتي اللحظة المرة، ويعرض رقمه عليها، فتحيله بأسف هذه المرة – كما اعترفت لنفسها – إلى مخزن المعطوبين خاصتها.

عندما مضت الأيام الأولى من التعارف، واستأذنها ذات يوم بأنه لن يعود للدخول في الأسبوعين القادمين بدعوى الامتحانات، أحست بالفراغ يكتنفها لحظتها، كانت قد اعتادت الثرثرة المسائية التي تجمعهما، الثرثرة التي بدأت قصيرة ثم صارت تتمدد، فقررت في لحظة غير متوازنة " سأكتب لك في الأيام القادمة" ندمت بعدما كتبتها بلحظة، كيف سيفكر بي الآن؟ هل سيفقد احترامه لي بعد تهافتي هذا؟ ولكن رد حمد كان " كنت أتمنى أن أطلب منك هذا الطلب ولكني كنت أخشى أن لا يلقى ترحيبا ً منك ِ، إنك لا تعرفين ما يعنى هذا لي... إنه يعني الكثير".

وهكذا صارت رسائلها تصله بانتظام، كانت تحمل أسئلة تقليدية عن الصحة، والأهل والامتحانات، ثم ثرثرة عن يومها وبعض أفكارها، ثرثرة كانت بريئة في مظهرها ومخبرها، ولكنها كانت الأساس لما جاء بعدها.

* * *

في عصر نفس اليوم اتصل حمد بسعد، كانا قد انقطعا بشكل شبه كامل خلال الشهر الذي فات، وكان حمد يستشعر شوقا ً كبيرا ً إلى سعد، سعد بثقته وغروره، سعد بغرابته وتفرده، سعد بفلسفته وأفكاره، كان يستعيد لحظات خاطفة من لقاءيهما اليتيمين وهو يسمع دقات الهاتف من الجهة الأخرى، قبل أن يتسرب له صوت سعد المرحب:

- أهلا ً... أهلا ً.

- السلام عليكم.

- وعليكم السلام... هلا والله... وين الغيبات يا كافي؟ عسى منتب زعلان علينا؟

- والله مشتاقين... لكن تعرف الامتحانات وغثائها، الله يعين بس... وأنت وشلونك؟ بشر عنك عساك مرتاح؟

- الحمد لله... بخير ونعمة ما نسأل إلا عنكم.

- الله يسلمك... أ...

طافت بهما الحكايات، وصارا يردان على ويصدران عن كل ما يربطهما أو يهمهما، وعندما كل الحديث في المسافات بينهما، وتباطأ كتباطؤ أنفاس الناعس قال سعد:

- أشوفك الليلة على المسينجر؟

- لا... لا... مشغول اليوم... بكرة إن شاء الله.

- خير إن شاء الله... في أمان الله.

- في أمان الكريم.

هيه يا سعد... الليلة كلها لها، لا ارتباطات لدي اليوم إلاها، ليس اليوم يومك يا سعد، فشوقي لها ليس كشوقي لك، عرفتك قبلها ولكني فهمتها قبلك، تحدثت معك قبلها ولكنها فتحت لي قلبها قبلك، لا يا سعد... ليس هذا يومك.

* * *

نفس اليوم/ عندما ازدهى الليل بحلله القاتمة.

قدم المسينجر كوارد الماء العذب في الهجير المعذب، قدمه كالراحل الذي تلف العيس تحته أعناقها إلى رائحة الديار فيصبرها بالشدو والاصطبار، قدمه مجردا ً من التساؤلات ومن الوساوس، قدمه معترفا ً بأنها لم تعد مجرد مجروحة، وبأنها الحديث بينهما لم يعد مجرد محادثة.

كان قد وصل إلى نهاية الهواجس، عبر الخط المنصوب بين الهاجس والواقع، وقرر أين يقف، توقف عن تبديل المعاني وعن الاستعارات اللفظية، واعترف بكل بساطة أن هناك رباطا ً قلبيا ً يشده إليها، ليس حبا ً ولكنه ليس صداقة أيضا ً، وكان سؤال الحب قد أقضه أياما ً، وأوجعه لياليا ً متطاولات، ولكنه اقتنع في النهاية أنه لا يمكن أن يكون حبا ً... ولو كان فهو ساذج لا محالة.

سمها ألفة... تآلف... محبة... استلطاف... توافق... سمها ما شئت... من قال أصلا ً أننا وضعنا كلمات كافية لمشاعرنا الداخلية، إن اللغة التي نستخدمها لوصف تفاعلاتنا النفسية لازالت قاصرة في النقل، كيف تصف شعورا ً هو خليط من الأمل والخوف والنشوة والحزن اللطيف والسعادة، أي كلمة تجمع هذا كله وتجمله؟

ثم جاءت... تحمل هي بدورها بين جوانحها أملا ً أكبر من أمله وخوفا ً يفوق خوفه وحزنا ً يفوق حزنه وسعادة تفوق سعادته، وتحمل أيضا ً حكايات وكلمات وأسئلة وتساؤلات.

مرت ساعة... ثم أخرى... نبهها إلى فوات وقت نومها والعمل الذي ينتظرها في الغد، فرحلت وهي إلى البقاء أرغب، وبقي هو وحيدا ً... لا يسامره إلا بقايا كلماتها...

* * *

(( حرك الرماد المتخلف من رسائلها المحروقة بعود صغير، فانقلبت ورقة لم تحترق بالكامل، استطاع أن يلمح فيها عبارة ( فتنطلق روحانا إلى أبواب السماء)، نخسها بعوده ليعيدها إلى الجذوة الراقصة ويراقب حروفها وهي تتلوى وتذوي)).

(( نهض ومشى متثاقلا ً تغوص قدماه في رمال النقرة التي أودع باطنها حبه، دفن هنا أجمل أيامه وولى، حرق هنا كل ما يذكره بها، رسائلها، خصلة شعرها، الكرت المزخرف المعطر، القلم الجاف الذي نقش عليه الحرفان الأولان من اسميهما)).

مقطع من البداية... عندما كانت مجرد بداية.

* * * * * * * * *


الفصل الثامن عشر

(( .... الصمت هو عالمي، هنا أعيش، في هذا السكون التام، ألملم أحزاني وأبكيها وحيدة بلا أدنى همسة، بلا أدنى كلمة مواساة، وبلا أدنى أمل.

أشياء كثيرة أفكر فيها أو أحبها، ولكني لا أستطيع مشاركتها مع الآخرين، لا أستطيع التعبير عن نفسي بشكل طبيعي، فقط بلغة الإشارات القاصرة أو بالكتابة، صار القلم هو الطريقة الوحيدة التي تصلني بالعالم، وصارت عيناي هي الطريقة الوحيدة التي تصل العالم بي.

أطياف وأطياف من الخيالات تزورني في ساعات النهار والليل، ولكن لا شيء منها يبقى وسط السكون، هذا السكون والصمت الطارد للأحاسيس والمشاعر، القاتل، البارد.

هذه العاهة التي ولدت بها جعلتني حساسة جدا ً، سريعة التأثر، يمكن لحرف أو كلمة أن تبكيني، جعلتني أتخيل الأمور المعنوية مادية محسوسة، أتخيل أن الحروف والمفردات تمتلك روحا ً، أن الألم يمتلك شفرة حادة، والجفاء ريحا ً باردة، والاستهزاء وجها قبيحا ً، والكلمة القاسية سوط يشق الهواء بلا نهاية.

يبكيني الشعر، أظل لساعات أعيد ترداد بيت أعجبني في عقلي وأنا لا أكف عن ذرف الدموع الهتانة على خدي الأسيل، نعم فأنا جميلة، فالله سبحانه وتعالى منحني جمالا ً آسرا ً، عينان واسعتان تظللهما أهداب كثيفة، وأنف أقنى، منحني وجه يعزيني في لحظات الألم الطويلة.

كنت أحس بألم عميق، عندما ألتقي بإحدى الفتيات لأول مرة، وأرى شفتيها تتحركان لتكلمني، فأشير بيدي إلى فمي وأذني، فتفهم وتهز رأسها والشفقة تلوح في عينيها، كانت نظرات الشفقة تقتلني، أرجوكم لا أريد شفقتكم، لا أريد تعاطفكم، أريدكم أن تقبلوني كما أنا، أن تنظروا إلى خصالي ولا تعبئوا بعاهتي.

كم من الغافلين عن نعمة السمع، وعن نعمة النطق، لو عاشوا ما عشته وعرفوا ما عرفته، وأحسوا بنعمة الله عليهم، لو أحسوا بألم الفتاة التي لا يمكنها أن تسمع كلمة الحب، ولا أن تقولها، لو أحس بألم الأم التي لا يمكنها سماع كلمة ماما، ولا قولها... لو...))

* * *

مساء الأحد / المسينجر.

مجروحة: وش رأيك؟

ضوء: رائعة... جميلة جدا ً... ومحزنة أيضا ً.

مجروحة: أنا تقريبا ً بخلص الفصل الأول اليوم وبرسله لكم كلكم حتى بكرة في الاجتماع تعطوني ملاحظاتكم.

ضوء: بإذن الله بيعجب الشباب... بصراحة اللي قريته حتى الآن مبدع.

مجروحة: تسلم من ذوقك، بصراحة ما عندك ملاحظات يعني أخطاء إملائية؟ أو نحوية؟ أو في الأسلوب؟

ضوء: ما لاحظت شيء... والأسلوب جميل.

مجروحة: ممتاز، بقرأها للمرة الأخيرة وأرسلها لقلم ولليل....
...
..
.

* * *

الاثنين/ الساعة الحادية عشرة.

اجتمعوا من جديد، كانت ثلاثة أسابيع قد مرت على آخر اجتماع، والعطلة الصيفية الطويلة قد بدأت رسميا ً منذ يومين، وقد بدءوا يستطعمون النوم بعد أيام القلق والهموم... وبدءوا يستذوقون الراحة بعد أيام الانشغال، وإن هي إلا أيام وسيبدأ الملل بالتسرب إلى دواخلهم، وسيبدأ الوقت كابوسا ً بالنسبة لهم، وسيبدأ مصطلح قتل الوقت مألوفا ً للأسماع، مع أن الوقت أعز وأغلى من أن يقتل، ولكن هذه ليست حكايتنا.
اليوم هم متحمسون ومشتاقون للقاء... كان حمد أول الواصلين في الساعة العاشرة، وبعده بدقائق جاء الليل، تبادلا تحايا وأحاديث بسيطة، حتى جاءت مجروحة قبل الحادية عشرة بعشر دقائق، وقبل تمام الحادية عشرة بدقيقة أو دقيقتين دخل سعد.

بعد السلامات والأسئلة التقليدية استلم سعد أعنة الحوار وبدأ فكتب:

قلم: بالأمس استلمت كما استلمتم من الأخت الكريمة مجروحة صياغتها الأولية للفصل الأول... أرجو أن نكون جميعا ً قد قريناها.

ضوء: أنا قريتها.

الليل: أنا قريتها قبل شوي لأني امس مادخلت على النت وماديرت عنها الا قبل شوي.

( كان حمد يضحك وهو يقرأ إجابة الليل الاستطرادية الحافلة بالأخطاء... والتي لا يهمهم أكثرها... ولكن هذا هو الليل برئ جدا ً... وذو قلب طيب).

قلم: ( وجه ضاحك) ممتاز يعني كلنا قريناها.

الليل: بس انا قريتها مرة وحدة يعني ما امداني توي فاتح الايميل.

قلم: هههههههه، طيب يا أخي حنا ما قلنا سمعها، تكفي مرة وحدة، لا تصير بس نسيتها؟

ضوء: هههههههه، حبيب يالليل.

الليل: لا مانسيتها بس قصدي عشان اطلع ملاحظات.

قلم: ايه لا... ذابحك الإخلاص... اللي يسمعك يقول الحين بتكتب لنا نقد أدبي متكامل بس ما أمداك، ههههههه... شوي شوي يالغذامي.

قلم: المهم... فيه أحد عنده ملاحظات؟ مجروحة، معنا؟

مجروحة: موجودة.

قلم: ما أدري... ساكتة فخفت يكون انقطع معك الاتصال.

مجروحة: لا موجودة.

قلم: جميل... نبدأ فيك يالليل عندك ملاحظات.

الليل: ايه بصراحه الخط صغير وتعبني وانا اقرأه.

ضوء: ههههههههههه.

قلم: هههههههههه، الله يغربل إبليسك وش هالملاحظة، هههههههههه.

مجروحة: ( وجه ضاحك).

قلم: سمعتي مجروحة حسني خطك، يا ناس ذا الآدمي بيذبحني.

قلم: طيب عندك ملاحظة ثانية ( وجه يخرج لسانه).

الليل: لا والله ما عندي ما عند جدتي.

قلم: هههههه، طيب خير... ضوء؟ عندك شيء؟

ضوء: أنا قرأت الفصل وكان جميل صراحة... وأعجبني الأسلوب... واللغة رائعة... أبدعت ِ أختي مجروحة.

مجروحة: الله يسلمك... شكرا ً لك.

قلم: جميل... ضوء... عندك ملاحظات؟

ضوء: لا.

قلم: طيب... أنا قرأت الفصل... وبالحقيقة الأخت مجروحة لا تحتاج إلى شهادة في اللغة الجميلة التي تتميز بها... ملاحظاتي هي إجمالا ً تتعلق بالأسلوب والفكرة المحكية.

قلم: أولا ً... الفصل الأول كاملا ً كان عبارة عن مونولوج داخلي للبطلة... تخبرنا فيه عن حالتها... ونلحظ أن الضمير المستخدم هو ضمير المتكلم... تكمن المشكلة في أن هذا يبعث على الملل للقارئ... ربما تخفف اللغة الجميلة الوضع هنا.

قلم: ولكن تظل المشكلة في أن القارئ عندما ينتهي من قراءة الفصل لا يجد أمامه سوى استدرار عاطفي مبطن... آ... أخت مجروحة أرجو أنه كلامي ما يحمل لك ِ إزعاج... وأن يحل منك ِ محل النقد... فالرواية هذه ستحمل في النهاية أسمائنا كلنا.

مجروحة: لا... تفضل.

قلم: جيد.

قلم: الملاحظة الثانية هي غياب المنطق نوعا ما في النص... وأنا هنا أقصد فيه الغياب الخفي... أنت قلت أختي مجروحة أن الفتاة ولدت بهذه العلة... ألا تجدين من الغريب أن تقول (هذا السكون والصمت الطارد للأحاسيس والمشاعر... القاتل... البارد) كيف تتحسر على شيء لم تجربه ولم يكن موجودا ً عندها ابتداء ً.

مجروحة: عفوا ً لو سمحت لي بمقاطعتك البنت فاقدة النطق والسمع وهذا يحسسه بالنقص عن الآخرين لا تتوقع إنها بتكون بشكل عادي بتكون حساسة جدا.

قلم: أختي كم عمر الفتاة التقديري في الرواية؟

مجروحة: في العشرينات.

قلم: يعني لها عشرين سنة ولا أتأقلمت مع وضعها؟ هذي مبالغة أختي.

مجروحة: ما هي مبالغة، أنت ما جربت هذا الشعور، علماء النفس يقولون أن الإنسان يكون حساس لنقائصه.

قلم: هذا مذهب عالم النفس الشهير ( أدلر) أختي... وهو يقرر فيه أن التفاعل والنشاط الإنساني عبارة عن محاولات متتابعة لتعويض النقص... أختي خليني أقول لك أنت ما جربت هذا الشعور أيضا ً... برأيي المنطق غاب هنا.

مجروحة: يعني؟

قلم: أنا بقول لكم الآن تصوري كيف يجب أن يكون الفصل... وإذا أعجبكم ممكن نعدل في نص الأخت مجروحة حتى يكون مناسب كبداية للرواية.

ضوء: تفضل.

مجروحة: تفضل.

قلم: أولا ً... لا نريد إهراق مشاعر الفتاة قبل لحظة لقائه بحبيبها الشاعر... لا نريدها أن تحس بفقدها إلا لحظة محاولة التواصل مع الشاعر... هي لا تتكلم ولا تسمع... ووسيلتها لتوصيل رأيها الكتابة فقط... وهو لا يرى... كيف تصل إليه؟ هنا نريد لمشاعرها أن تتفجر.

الليل: تفضل.

قلم: ( وجه ضاحك) في الفصل الأول نريد أن نعرض لحياتها الطبيعية... نريد أن نرسم شخصيتها وبيئتها... هواياتها... ربما نعرض جزء من دفتر يومياتها.

قلم: كتابة الرواية ليست مجرد فتح للوورد والكتابة... أو وضع ورقة بيضاء والخربشة عليها... بل هي تصور ذهني في البدء... ثم رسم للخطوط العامة على الورق... ثم بناء للشخوص بشكل متأني وواقعي... ثم الشروع في الكتابة... نحن قمنا بالخطوة الأولى... والثانية... لكنك أختي مجروحة استعجلت ِ وقفزتي الخطوة الثالثة إلى الخطوة الرابعة... وهذا الذي أضعف السياق.

مجروحة: طيب.

قلم: عذرا ً... أرجو إنك ما تكوني زعلت ِ أختي من النقد... لكن نحن هنا لتوجيه بعضنا... وعلينا نبذ المجاملات والتجرد للحق.

مجروحة: ما زعلت... ممكن تكمل أخوي.

قلم: قلت لكم رأيي هو أن نؤجل هذه المشاعر الجميلة إلى النهاية عندما لا تستطيع الفتاة توصيل كلماتها إلى شاعرها.

قلم: تحبون أكتب الفصل الأول برؤيتي ثم أبعثه لكم؟

ضوء: يكون أفضل حتى تتضح لنا الفكرة أكبر.

قلم: طيب... بكتبه وبرسله لكم قبل الاثنين القادم... فيه أحد عنده إضافات؟

الليل: لا سلامتك.

مجروحة: لا شكرا ً.

...
..
.

* * *

الاثنين / والليل يتخفف من أوشحته.

جالسا ً أمام الشاشة التي خبت أضوائها، تساءل - وهو يرقب الليل المنسلخ - هل غضبت مجروحة؟ هل جرحت؟ كانت أول الراحلين عندما انتهى الاجتماع، وتبعها الليل فيما بقي سعد يسامره قليلا ً، كانت أنفاس حمد حينها مبهورة بصراحة سعد، جرأته، قدرته على طرح فكرته والدفاع عنها، معجب بالفكرة نفسها وبمنطقيتها، ورغم الألم الداخلي الذي خلفته ردود مجروحة الضعيفة في الحوار وهروبها السريع فإن حمد لم يجسر أن يسأل سعد، لم َ؟ لم َ لم يكن ألطف؟ لم َ لم يرفق بقلبها ومشاعرها؟ كان يخشى أن يسأل أن يرد عليه سعد بسؤال يلقي بظلال على علاقته بمجروحة.

هذه العلاقة التي حار في تصنيفها، هذه العلاقة التي تمنحه أجمل ساعات يومه، ثم تهاجمه في أطراف الليل والنهار، التي تجذبه إلى قيعان البحار ليتسلى بفتق المحار، وتلمس الأحجار، ليندس بين شعب المرجان، ثم في لحظة يدركه الغرق، فيظل يغرغر الماء المالح، ويحط رأسه على الرمل الناعم الذي يغطي القاع.

هل يوجد علم لتصنيف العلاقات؟ أممم... لا أظن؟ إذن ماذا يفعل كل هؤلاء العلماء؟ لم َ لا يضعون علما ً قائما ً بذاته يتناول العلاقات الإنسانية وتشابكها... علاقة الأب بابنه مثلا ً... ما حدودها؟ كيف نميز الأب الصالح من الأب الطالح؟ لماذا ننتظر سنوات حتى نرى الناتج؟ فإذا فسد الولد... قلنا سوء تربية من الأب... وإذا صلح قلنا قد حسنت التربية؟ هذا في علم التخطيط وفي عرف المخططين خطأ فاحش، والإنسان لا ينشأ مصنعا ً لأي شيء كان حتى ولو كان لأربطة الأحذية إلا ويقوم بدراسة كاملة ويكون لديه تصور عن المنتج النهائي والمواصفات المطلوبة والعوامل التي يجب توفيرها للنجاح، سبحان الله... فلم لا نخطط للأهم؟ لم لا يضع الشاب خطة ودراسة قبل الزواج؟ فيختار الزوجة بعناية... الزوجة التي تسعده وتسعد أولاده؟ لم لا يقوم الشاب بتأهيل نفسه قبل الزواج؟ هل سمعتم بشاب أو فتاة قام بتأهيل نفسه قبل ذلك؟ قصارى الجهد هو أن يفقد أو تفقد بضعة كيلوجرامات... وهو تأهيل بدني... ولكن أين التأهيل العاطفي؟ التأهيل النفسي؟ التأهيل الأخلاقي؟ للأسف لا يوجد... لذلك يحمل الشاب نقائصه إلى بيت الزوجية... وتحمل الفتاة أخطائها إلى القفص المذهب... في مثل ذلك البيت ما المتوقع أن ينشأ؟ ربما علاقة صحيحة أو علاقة مضطربة تنتهي بالانفصال أو وهو الغالب الأعم... علاقة تعايش تفتقد الحب... الكلمة الجميلة... والأمن النفسي.

ما الذي جاء بي إلى هنا؟ كنت أفكر في مجروحة... ما دخل العلاقات هنا؟ والزواج؟ لأركز أفكاري يكفي شرودا ً واستطرادا ً جاحظيا ً، مجروحة... ماذا تفعلين الآن؟

* * *

الثلاثاء / عندما لا يعود للوقت معنى.

عادت اليوم... عادت بعدما قضى حمد ساعات وهو يستجدي المسينجر المهجور... ساعات وهو يتخبط في الملل والأسئلة... حتى عندما دخل سعد لم يخفف هذا عنه... بل ربما زاد الأمر سوء ً... لم يرد أن تأتي لتجد سعد هنا... كان يريد أن يستل غضبها... وألمها بنفسه... هل غضبت حقا ً؟ أم أنه كان انفعالا ً وقتيا ً.

كان تائها ً وسعد يحدثه في أمور عدة، كانت إجاباته غائمة حينا ً، وباردة حينا ً آخر، والانتظار قد اقتعد كاهله حتى كاد أن يقضه، ثم جاءته رسالة، فتحها بتراخي وكاد ينقلب من على كرسيه، كانت من مجروحة وكان نصها:

( أنا موجودة على المسينجر، وعارفة إنك موجود مع قلم، أنا مسوية حظر لكم، بفتح الحظر عنك بس لا تقول لقلم، ما أبي أكمله)

لحظات ثم بزغت صفحتها الخاصة أمامه وعليها يتألق السلام، رده بمثله، وهو ينقل عينيه بين الصفحتين أمامه صفحة سعد وصفحة مجروحة، كتب:

(* صفحة مجروحة *)

ضوء: كيف الحال؟

مجروحة: الحمد لله بخير.

ضوء: ليه ما تبينه يدري بوجودك؟ زعلانة؟

مجروحة: ما شفت كيف كان يعاملنا أمس؟ غرور وتعالي ولا كأن شيء عاجبه.

ضوء: وااااو... من جد زعلانة.

مجروحة: أنا ما همني هو ولا فكرت فيه، لكن أنا أكره شيء في حياتي السيطرة والناس المغرورة اللي شايفه نفسها وعلى ايش يعني؟

ضوء: بصراحة... أنا أمس استغربت طريقته... يعني اوكي عندك ملاحظات قلها بس بأسلوب مو بالشكل الصدامي هذا.

مجروحة: أنا كنت ماسكة نفسي والا كنت بنفجر فيه، وكل شوي يقولي اختي مجروحة اختي مجروحة وهو طايح فيني شرشحة.

(* صفحة سعد *)

قلم: وين الناس؟ نمت؟

ضوء: لا... ههههه... قاعد أقرأ.

قلم: يا سلام... وايش تقرأ أفدنا أفادك الله.

(* صفحة مجروحة *)

ضوء: لا شوفي... هو كان يقدم رأيه أمس وانتقاداته ولكن الأسلوب ما كان جيد.

مجروحة: أي انتقادات... بالله وش طلعت من كلامه أمس بغير شوفوني أنا أحسن واحد بالعالم تراي ناقد وخروا عني.

(* صفحة سعد *)

ضوء: الفصل اللي كتبته مجروحة... قاعد أدرس انتقاداتك عليه.

قلم: جميل وطلعت بأيش؟

(* صفحة مجروحة *)

ضوء: ههههههه... يا ستار... والله مرة شايلة عليه.

مجروحة: بالله هذي انتقادات؟ أنت قريت الفصل، وقلت لي أنه حلو، وش معنى لازم ما نرهق مدري نهرق عواطف الفتاة، وان مافيه منطق، وكيف الفتاة تعودت على الصم والبكم؟ بالله عليك مو كل يوم هي تشوف حولها الناس طبيعيين ويتكلمون، مو هذا يذكرها كل يوم باللي فقدته؟ وبعدين انا كتبتها بشكل قصة حياتها، يعني أنت لما تكتب عن شيء صار لك قبل سنوات تكتب عن آلامك وقتها مو شرط أنها لازالت تولمك يمكن راحت الالام بس بقت الذكرى.

ضوء: كلام سليم.

(* صفحة سعد *)

قلم: ألو؟

ضوء: كنت عنيف أمس شوي، يعني بصراحة قطعت أبو الفصل.

(* صفحة مجروحة *)

مجروحة: طيب، ليش يتفلسف ويسوي نفسه العقاد والا الرافعي.

ضوء: وجهة نظر يعني وما أتوقع أنه كان قاصد شيء.

مجروحة: الا يقصد اصلا هو معروف بالمنتدى انه مغرور وشايف نفسه ويحذف مواضيع على كيفه وهو اصلا هاجم الفصل عشان اني كتبته قبله وهو كان يبي يكتب كل شيء على كيفه، يعني كاننا مالنا راي ولا شيء بس نسمع كلامه.

(* صفحة سعد *)

ضوء: أح... أح كل هذا... ما اتوقع المسالة توصل لكذا.

( عض حمد على شفته السفلى بقوة، عندما تنبه إلى أنه وضع العبارة في المكان الخطأ، تساءل ماذا سيقول سعد الآن؟ انتظر لحظات ثم ظهرت أسطر سعد)

قلم: لا عنيف ولا شيء... كان اجتماعنا بالأمس لمناقشة الرواية... وحتى تظهر الرواية بشكل جميل... على كل واحد منا أن يكون واضحا ً صريحا ً... المجاملات المفروض تخلصنا منها من اللقاء الأول... وبعدين الفصل بين يديك أقرأه كاملا ً... وتذكر رأيي... هل تحس فعلا ً بمنطق في فتاة تتشكى من أمر ولدت معه؟ هل من المنطق أن تقول مشاعرها كلها في الفصل الأول... ماذا نبقي للفصول المتبقية؟

(* صفحة مجروحة *)

ضوء: هههههه، مصيبة رديت عليه هناك برد المفروض يكون لك، بيصير موقفي بايخ الحين.

مجروحة: هههههه، دبر نفسك بس لا تقول إني معك هنا.

(* صفحة سعد *)

قلم: حمد... أنا فكرت بعد ما طلعت أمس من المسينجر أنه ربما كنت حاد شوي وخصوصا ً إنها واضح تأثرت... بس أنا ما أخطأت في شيء... والاثنين الجاي خلها تنقد الفصل اللي بكتبه... الله يقويها.

ضوء: الله يعين... نشوف الاثنين الجاي وش بيصير.

(* صفحة مجروحة *)

مجروحة: وش صار؟

ضوء: شكله ما انتبه... لأنه متحمس... يقول الاثنين الجاي خلها تنتقد الفصل اللي بأكتبه.

مجروحة: والله لأوريه... لأحاسبه حتى على الهمزات والفتحات والكسرات.

ضوء: هههههههه... الله يعينه، طاح بيدك ويا ويله.

عاد إلى صفحة سعد ليجد مكتوبا ً فيها:

قلم: إلا على فكرة ورى ما تسير علينا في الشرقية؟ تجي لك يومين في الخميس والجمعة؟ أنا وحداني بالبيت... الأهل مسافرين... منها نشوفك... ومنها نوريك الشرقية مضبوط... مو مثل جيتك الخطافية المرة اللي فاتت.

لم يدر ِ بماذا يرد على هذا العرض... كانت نفسه تدعوه إلى القبول، ولكن كانت الصعوبات التي تكتنف مثل هذه الرحلة تبدو بلا نهاية، يحتاج إلى وقت آخر للتفكير، أخذ نفسا ً عميقا ً ثم كتب:

ضوء: الله يجزاك خير... خلني أفكر في الموضوع وأرد عليك بكرة.

* * * * * * * * *

الفصل التاسع عشر

وصل إلى الرياض الآن... فلمعت أنوارها في عينيه، لحظات... ويخرج من قلب الظلمات إلى الأنوار التي مسحت معنى الليل في هذه المدينة التي لا تنام كثيرا ً.

لم يكن مستعدا ً لدخولها، فركن سيارته في محطة على طرفها، ونزل يجر قدميه إلى دورة المياه المتوارية خلف محل ( بنشر) قذر... حيث الهباب والزيوت يغطيان كل شيء، صدمته العفونة حالما دخل وكادت قدمه تزل على الأرضية التي أسودت مما تراكم عليها، فدار على عقبيه وفر، قصد البقالة الكالحة الضيقة، وسحب علبة ماء باردة، نقد البائع ثمنها، ثم خرج... واقفا ً إلى جانب سيارته، دلق الماء على وجهه غير عابئ بثيابه، وارتجف من البرودة التي تخللت عظامه، شرب شيئا ً مما بقي في العلبة، ثم جذب بضعة مناديل بعجل فتمزقت بين يديه... مسح وجهه بلا اهتمام، ثم عاد إلى مقعده... وربض هناك.

في عينيه تلمع أنوار الرياض من خلف زجاج السيارة المتسخ... رياض... يا رياض... كم فيك ِ من الحيوات؟ كم يتقلب تحت سقوفك الآن من بر وفاجر، كم تخفي جدرانك ِ من باك ٍ وضاحك، يا رياض... كم فتاة فيك الآن غارقة في الحلم؟ كم شاب فيك غارق في التيه؟؟ وكم فيك ِ من شاك ٍ يتوجع؟ وروحا ً تقبض؟ كم يقضى بين جنباتك ِ الآن من الأفعال؟ وكم يدبج من الأقوال؟ كم كلمة حب تخالط هوائك ِ؟ كم صفعة ترن في ميادينك؟ يا رياض... لم َ نحبك ِ حتى لا نكاد نخرج منك ِ؟ لم نكرهك ِ حد الفرار منك ِ؟ ما الذي فيك ِ عن غيرك؟ يا رياض... يا عجماء... كم لسانا ً لك ِ؟ يا شلا... كم يدا ً فيك ِ... كم قلبا ً؟ أيتها المدينة التي بلا قلب.

رأى حمد نفسه وقد انفصل عن الواقع في تلك المحطة التي بلا اسم... فصار كطائر كبير، وطار يجوب شوارع الرياض، يراها تحت عينيه، يرى السيارات التي تطوي طرقها... بلا هدف، يرى الناس الذين يدبون في أرجائها، يرى ما في البيوت كأن الحجب قد زالت عن عينيه... فصار يرى كل شيء، وعيناه تبحثان... عن امرأة... تنتظر... رجلا ً طويلا ً على خده أثر قديم.

* * *

عاد إلى البيت بوجه غير الذي خرج به، عاد يطوي بين جنبيه حكايات، ومشاهد وأصوات، يطوي آلاما ً... أحزانا ً، عاد وقد ذاق المعرفة حتى ود أنه لم يعرف... لم يجرب... لم يسمع.

سلم على أهله بخفوت... وأجاب على أسئلتهم، وتبسم في وجوههم حتى آلمه فكه، ثم لاذ بغرفته، ألقى عنه ملابسه التي التصقت بجسده، ليغوص في بركة الماء الدافئ التي ملأت البانيو... وهناك حيث لا يسمع إلا صوت فيضان الماء وتساقطه على الأرض... هناك أراح رأسه على الحافة... وأغمض عينيه تاركا ً بخار الماء يتسلل إلى أنفه... والذكريات تتحدر عليه كتحدر صخور الأعالي.

* * *

تردد كثيرا ً... وهل هذا مستغرب؟ لن نقف هنا طويلا ً، مر حمد بالدورة الطويلة من الوساوس والهواجس التي يمر بها دوما ً قبل اتخاذ قرار، ثم قر عزمه في النهاية على قبول الدعوة والسفر إلى الشرقية لملاقاة سعد، لا يعلم لم َ؟ ولكن كان لديه نوعا ً من الحدس بأن هذا اللقاء سيحمل له جديدا ً، فآخر لقاء جمعهما انفجر فيه سعد وأفضى بالكثير، وهذا اللقاء ربما يحمل له أجوبة لأسئلته الكثيرة.

كان عليه أولا ً أن يكذب، فكيف سيسمح له أهله بالسفر هكذا وحيدا ً ليلقى شخصا ً تعرف عليه في الانترنت؟ سعد بالنسبة لهم لا يعني شيئا ً أكثر من اسم يلفظ، فلذلك قرر أن يوفر على نفسه رواية الحكاية كاملة، وأن يسلك الطريق السهل، أدعى أنه سيسافر مع أصدقائه إياهم، ( شلة البران ) كما تسميهم هيلة، طبعا ً لا بد أن تؤدي أمه دورها الطبيعي في الاعتراض ( وشوله وأنا أمك الواحد يعطل عشان يستريح مهوب عشان يهجهج... إلخ...)، كان يعلم أنها ستضع المسألة في النهاية بين يدي أبوه الذي سيضيق عينيه قليلا ً، ثم سيقول بصوته الحاد ( خير إن شاء الله... انتبه لنفسك... ولا تسرعون بالطريق)، وهذا ما كان... وهكذا وجد نفسه صباح الخميس يطوي الطريق وحيدا ً كما المرة الأولى.

مرت في ذهنه أطياف الطريق، فسعل وحرك رأسه لتزلق بضعة قطرات من شعره، عبرت جبينه قبل أن تتسلل عبر حاجبيه إلى عينيه، مسح وجهه بقوة داعكا ً عينيه، ثم عاد للوضع السابق، وعادت الذكريات من جديد.

* * *

(( أتذكر عندما قلت لك أن الرياض بمثابة ملاذ فكري لي... كان ذلك نصف الحقيقة)).

* * *

(( رباه... ما أصعب هذا... حضوري نفسه كان صعبا ً، فما بالك بما يطلبه مني؟)).

* * *

(( من يومها لم يعد شيء كما كان... كرهت كل شيء... كرهت الجروح القديمة، أصبحت أحس بالغثيان عندما أرى أثرا ً لجرح قديم)).

* * *

(( كم أحتقر ضعفي، استسلامي للألم، وقبلها الأمل، أحتقر مشاعري هذه... كل ما أتمناه هو أني رحلت... عندما حانت اللحظة المناسبة رميت بكل شيء وراء ظهري... ورحلت... ولكني لم أفعل)).

* * *

((عدني مجنونا ً... مهووسا ً... أي شيء يعن لك... ولكن هذه هي الحكاية... بل نصف الحكاية... أما باقيها فسآخذه معي إلى تربتي)).

* * *

وصل الخبر كما وصلها في ذلك اليوم البعيد، والآذان ينطلق من المساجد، أو هو يتوهم ذلك، بعد الصلاة أخذه سعد إلى مطعم قريب وهو يعتذر بفراغ البيت لسفر أهله كما أخبره قبلا ً.

كان مطعما ً فاخرا ً... يقع في الطابق الثاني لعمارة جديدة ذات إطلالة على البحر، فتح لهما الباب عاملا ً فلبينيا ً بابتسامة دافئة، وارتقيا درجا ً حلزونيا ً... التفت عليه نباتات متسلقة... تساءل حمد أهي طبيعية؟ لمسها فبدت ذات ملمس غريب، كان المطعم باردا ً من الداخل، وذو ألوان قاتمة، ربما أضفت عليه كآبة لا معنى لها رغم الفخامة التي تتبدى في كل تفصيلة فيه.

انتحيا ركنا ً منه، ليجاورا الزجاج الملون بالأزرق، حيث ترتمي الأمواج تحت أقدامهما، كانا أول زبونين لهذا اليوم، على المائدة بينهما المغطاة بغطاء أحمر تناثرت أدوات المائدة، وشمعدان ضخم يحمل شموعا ً سكرية اللون، فكر حمد بسخرية أن هذا كاد يصير موعدا ً غراميا ً، لم يعد باقيا ً إلا أن يمسك سعد بيده وأن ينظر في عينيه ليقول ( حمد... أنا بحبك)، كادت تفلت منه ضحكة لهذا الخاطر السخيف.

جاءهما نادل عربي طويل القامة، طلب سعد منه عصيرا ً ذا اسم غريب، ونظر لحمد الذي تردد ثم طلب عصير برتقال، قال سعد وهو يشير لمجموعة طاولات توسطت المكان:

- غداءنا سيكون من هذا البوفيه المفتوح، قم خل نشوف وش السلطات اللي عندهم.

نهضا وقصدا طاولة على الطرف، تراصت عليها أطباق من السلاطة والمقبلات، مضى سعد يملأ صحنه بخبرة وتذوق، فيما كان حمد حائرا ً كان من نوع الناس الذين لا يجيدون التعامل مع البوفيه، تحيره الاختيارات الكثيرة، ويستحي أن يملأ صحنه، ولذلك يخرج دائما ً من هذه البوفيهات جائعا ً.

عادا إلى طاولتهما بصحن مليء، قال سعد وهو يدير شوكته في الصحن ليقتنص شطر زيتونة فارة:

- وش الأخبار؟ وش أخبار روايتك؟ ما كتبت الفصل الثالث؟

- ولا حرف.

- ههههه... ليه؟

- انشغلت بالامتحانات وبعدها بالرواية الجديدة، يعني خل الأمور تستقر... وبعدين أفكر بالكتابة.

- أممممم ( هذه كانت من سعد الذي كان قد حشا فمه بخس مغطى بجبن غريب الشكل).

* * *

تحرك حمد قليلا ً... فعاد صوت الماء المتساقط يتردد وسط سكون الحمام، التقط نفسا ً عميقا ً ثم غاص في الماء بعينين مفتوحتين، في أذنيه أصبح الهواء محجوزا ً في جيب هوائي بين الطبلة والصيوان، فبدت الأصوات مضخمة... كأنها أصوات الذكرى.

ظل يحدق عبر الماء إلى السقف الذي بدا مترقرقا ً، أحس بانفصال عن العالم، أصبح كل شيء مجرد ذكرى، أغمض عينيه، وأحس كأنه ضائع في الفراغ، ضاق به النفس فأخرج رأسه من الماء، وأراحه على يده المنصوبة وهو ما يزال مغمض العينين.

بعد المطعم الفاخر والأكلات البحرية التي أغرقه فيها سعد، والحلوى التي أصر على تذوقها، خرجا يتهاديان بالشبع والانتعاش، وقصدا منزل سعد... ما زال كل شيء على حاله، الممر الضيق ذو الحجارة بلون الرمل، الحديقتان، النخلة اليتيمة، حتى الكرسيان ما زالا هناك.

قصدا وكر سعد مباشرة، حيث كتبه ومكتبه، تركه سعد وهو يرحب به بكلمات سريعة وغاب داخل البيت، وقف حمد يجيل عينيه في الكتب، ويتأمل المكتب الصغير والكراسي الأنيقة.

عم ماذا تكلما في ما تبقى من العصر؟ لا يذكر الآن، كانت مجموعة مواضيع مترابطة، من المنتدى إلى الرواية إلى بعض القضايا الفكرية، وكانت الراية حينها بيد سعد، ولكن التفاصيل غابت عن ذهنه الآن، كل ما يذكره أنهما ظلا يتحدثان ويرشفان الشاي الذي صنعه سعد حتى أذان العصر.

أما ذلك العصر فكان جميلا ً، اصطحبه سعد إلى الشاطئ حيث استأجرا مركبا ً بحريا ً، بدا أن سعد يعرف صاحبه، انطلق بهما المركب إلى عرض البحر في المسار المرسوم له، وهما جالسان على كرسيين وضعا في مقدمة المركب، يتأملان صفحة الماء التي تنشق تحتهما في رفق، ويتحدثان حتى مل الحديث منهما.

عادا على هدي أنوار الشاطئ المتلألئة عندما حل الظلام ، حدث حمد نفسه حينما حط على الشاطئ بأنها أجمل رحلة مر بها قطعا ً، صليا المغرب ثم انطلقا يتمشيان في شوارع المدينة المزدحمة، كان الحديث قد انعقد بينهما وفاض حتى صارت المواضيع المشتركة والمفتوحة بينهما بالعشرات، تحدثا في كل شيء وأي شيء، وكان الوقت هو آخر ما يسألان عنه.

* * *

لا يذكر متى حدث ذلك؟ ولا كيف حدث؟ ربما كانت الساعة قد جاوزت الحادية عشرة والنصف حينها، كل ما يذكره هو أنهما كانا جالسين على رمال الشاطئ البيضاء وتحتهما سجادة صغيرة، والهواء يهب عليلا ًَ جميلا ً، محملا ً برطوبة خفيفة، تجعل ملمس كل شيء زلقا ً، والبحر هادئ... رفيق بأمواجه وبالرمال عند قدميهما، وكان السكون يكمل ما تبقى من اللوحة ليخلق جوا ً آخر... جو البوح.

كان سعد يتكلم حينها في أمر ما... ثم صمت وأطلق نظره للبحر وقال:

- أتعلم؟ لقد قلت لهذا البحر ما لم أقله لمخلوق أبدا ً... لو كان لهذا البحر لسان لحكى لك قصتي... كنت آتي هنا كثيرا ً... آتي وأجلس على الأرض مباشرة... أدفن قدمي في الرمل... وأظل أتحدث كمجنون... كانت تمر الساعات... وأن أهمس له بكل شيء وأي شيء... لم يصم أذنيه ولم يتأفف... عندما فعل الآخرون... رويت له كل شيء... آلامي... أحزاني... سجلت فيه يوميات حبي، وحكاية انهياره، كان صديقا ًَ حانيا ً، استمع لي صابرا ً... وعندما انتهيت... تقبلني بكل أخطائي... ضمني بذراعيه... بأمواجه... وغسل بملوحته ملوحة الدمع الذي بقي في محاجري.

سكت قليلا ً ومضى يقلب وجهه في صفحة السماء كأنه يبحث عن شيء ما، فيما كان حمد صامتا ً تعتري بدنه ارتجافه قوية، وفي جوفه يتردد هتاف ( رباه... لقد دنت لحظة الحقيقة... لحظة المعرفة... لحظة الإجابة على الأسئلة... سيفيض سعد كموج مكتسح).

مضت ثوان ٍ... ولم يخيب سعد ظنه.

- كنت طفلا ً... أحمل قلب طفل... جسد طفل... ملامح طفل... ومشاعر عاشق... وكانت هي ملاكا ً... جنة إنسانية... جمالا ً خالصا ً... قلبا ً خالصا ً... كانت كل ما تغنى به الشعراء... كانت القصيدة التي لم ولن يكتبها أحد... لأنه أعجز من ذلك... كانت الوردة التي تبقى عندما يحط الخريف بقية الورود... كانت حلم الطفولة الطاهر الذي لم تدنسه رغبة أو مصلحة.

- كنت طفلا ً... يبكي عشقا ً عندما كان بقية الأطفال يبكون ألعابا ً... أو حلوى... كنت طفلا ً... يرسم وجهها كل يوم على حواشي كتبه... وعلى بياض دفاتره... على صعيد الرمل الذي تسويه يده الصغيرة... وعلى صفحة الحساء الذي لا يعجبه عله يكسبه حلاوة وقبولا ً.

- كنت طفلا ً... اكتشف المعاني في ابتسامتها... لمعة عينيها... ضحكتها... عندما كان بقية الأطفال يكتشفون الأشياء حولهم.

- كنت طفلا ً... تعلم صياغة الحب في السن التي يتعلم فيها أترابه صياغة اللفظ... تعلم التفكير في السن التي يلقن فيها أقرانه التدبير.

- كنت طفلا ً... ولكنها لم تكن كذلك.

- كانت تدرج في الوقت الذي كنت لا أحسن فيه الجلوس... كانت تزهو بملابسها وأنوثتها في الوقت الذي كنت فيه أتلقى كلماتي الأولى... وكانت قد بدأت بالشرود والهيام في الوقت الذي كنت فيه أتأتي الكلام.

- كانت جارتي... لا يفصل بيننا إلا جدار... وأحلام صغيرة... وكنت أزورهم مع أمي... بقلب متوثب... وأجلس هناك في الطرف... أرقبها... أرقب بسماتها ورنين ضحكاتها الصافية... وأنتظر الوقت الذي تسحبني فيه من يدي إلى غرفتها... لتمنحني شوكولاتة... ومجلة ملونة... وقبلة صغيرة على خدي.

- كنت أعود في كل مرة... بحب برئ صغير... وأوراق مدسوسة بين ثيابي... قد دونت عليها بخطي الوليد... ما أحسبه أبيات شعرية... كنت أكتبها بخلاصة العاطفة في... فتتلقفها هي بإعجاب وتقرأها بابتسامة... ثم تتناول وجهي بين راحتيها... وتتأمل عيني وهي تردد ( الله ما أحلاك... إذا كبرت بتصير شاعر كبير).

- كنت طفلا ً... ولم يكن أحد يعبأ بأحلام الطفولة... أو يلقي لها بالا ً... وكان حبا ً... أكبر من قياس قلبي... وأحلامي... وكانت عاطفة... أتعثر فيها بثوب العشق الطويل... في ذلك الدرب الموحش.

- ثم كبرت قليلا ً... أدركت ذلك عندما طردتني أمي... وهي تسحب أختي إلى بيتهم... ( عيب عليك... خلاص أنت صرت رجل وصارن الحريم يتغطن عنك... يالله لا تلحقني وإلا ترى بعلم أبوك).

- لا أريد أن أكون رجلا ً... رباه... لم أستعد لذلك... لا أعرف كيف أعيش بين الرجال... عمرا ً عشته بين النساء... لا أريد أن أتركها... لا أريد أن أبتعد عنها... لا أريد أن لا أعود أرى ابتسامتها... وأسمع ضحكتها.

- ذلك اليوم الكئيب... وجدت في ظلام غرفتي ملاذا ً... وبكيت... بكيت كل شيء... الطفولة الموءودة... والرجولة الوليدة... بكيت قصائد الحب التي لم أكتبها... وكلماته التي لم أقلها... بكيت الحرمان والفقد... وبكيت أني لم أخبرها بقلبي.

- كنت طفلا ً وظللت كذلك في ثياب الرجال... أغذي نفسي بالوهم كل يوم... حتى جاء اليوم الذي تداس فيه الأماني والأحلام الغبية... اليوم الذي ترتع فيه الآلام في مرابع طفولتي وشبابي.

- زفت إلى آخر... بكل بساطة... هكذا... أحلامي... كل شيء جميل ربطته بها... صار بين يدي آخر.

- ومضيت مسحوبا ً من أبي وأخوتي إلى هناك... كان الكل فرحا ً... يضحكون... ويتكلمون... فيما كنت أنا أذوي في ركن... ويد أخي بدر على يدي... كان هو الوحيد الذي عاش حكايتي... كما عشت أنا حكايته... هو الوحيد الذي كنت أحكي له بانطلاق وقائع حبي... وأحلامي المجنونة... هو الوحيد الذي كنت أتبادل معه الحكايات كما نتبادل الملابس والأشياء... لم يلمني يوما ً على جنوني... تقبلني كما أنا.

- جلست في ذلك الحفل صامتا ً... ذاهلا ً... انكفأت إلى الداخل... لأعالج نفسي... ولكنهم لم يتركوني... جذبتني يد أخي الأكبر من ركني ويده الأخرى تدفع إلي ( دلة ضخمة)... رباه... ما أصعب هذا... حضوري نفسه كان صعبا ً، فما بالك بما يطلبه مني؟

- ثم رأيت العريس... طويلا ً... كأنه يشرف على الجمع من عل ِ... على خده أثر جرح قديم... ندبة صغيرة... متجللا ً ببشت أسود... يبتسم ويصافح الناس في هدوء.

- من يومها لم يعد شيء كما كان... كرهت كل شيء... كرهت حفلات الزواج... كرهت الجروح القديمة، أصبحت أحس بالغثيان عندما أرى أثرا ً لجرح قديم... تساءلت في وقفتي تلك... هل ستمر يدها على هذه الندبة؟ هل ستلصق خدها بها؟ كدت أسقط... وضعت الدلة على أقرب شيء بارز... وفررت.

- كم أحتقر ضعفي، استسلامي للألم، وقبلها الأمل، أحتقر مشاعري هذه... كل ما أتمناه هو أني رحلت... عندما حانت اللحظة المناسبة رميت بكل شيء وراء ظهري... ورحلت... ولكني لم أفعل.

- ثم مات بدر... قطفت روحه سيارة مسرعة... في أرض أخرى... سيارة اقتحمت سيارته على حين غفلة... وحطمت صدره الذي طوى حبه... وحكايتي.

- عندما وقفت على قبره... أيقنت أن كل شيء دفن هناك... كل ما تبقى لي ذهب معه... كل اللحظات الجميلة... أيقنت أني فقدت قلبا ً مفتوحا ً لي... قلبا ً أودعت فيه كل شيء... وفكرت أنا أخطو خارج المقبرة... أن أجزاء كبيرة مني دفنت هناك.

- أتذكر عندما قلت لك أن الرياض بمثابة ملاذ فكري لي؟ أتذكر؟ كان ذلك نصف الحقيقة... هي ملاذ عاطفي أيضا ً... ما يجذبني للرياض هو أنها فيها... انتقلت إلى هنا لتعيش مع زوجها... لذا آتي إلى هنا لأتنفس أنا وإياها هواء ً واحدا ً... آتي إلى هنا كلما أشرفت على اليأس... لا أعرف في أي حي هي... ولا أريد أن أعرف... لقد تقبلت الرياض كاملة من أجلها.

- عدني مجنونا ً... مهووسا ً... أي شيء يعن لك... ولكن هذه هي الحكاية... بل نصف الحكاية... أما الباقي فسآخذه معي إلى تربتي.

* * *

" هذه هي الحكاية إذن يا سعد... هذه هي الحكاية"، همس بها حمد لنفسه وهو يملأ يديه بالماء ثم يفرغه على رأسه، ويمسح وجهه بقوة، كأنما ليطرد هواجسه.

" كل شيء أصبح واضحا ً الآن... ( صفحات حب تذروها الرياح)... كانت أنت... كانت حكايتك... كنت خالد... بعجزه... بألمه... بحبه الصامت... وهي كانت نورا بحضورها الطاغي وقوتها... كانت تلك حكاية الحب... ولكن بإطار مختلف... لقد بحثت عن التطابق فلذا لم أفهم شيئا ً... عددتها قصة أخرى... ولكن الآن... لا... كل شيء واضح... ولكنك منحت خالد ما لم تمنحه لنفسك... القدرة على اتخاذ القرار... القدرة على الرحيل... عندما لم تقوى أنت على الصراخ... أنا راحل... عجبا ً... كيف عميت عن هذا؟ كيف؟ لقد بحثت عن صورتين متطابقتين في اللوحة... وغفلت عن الصورة المشتتة".

" ولكن لم َ تخبرني بهذا كله؟ لم َ؟ حرام عليك يا سعد... لا أظن أني سأقوى على حمل هذا؟ آه... ليتني ما لقيتك... ليتني ما عرفت... ليتني مضيت في مسارب الحياة ولم تتقاطع طرقنا... ما أثقل المعرفة".

" هذه نصف الحكاية... وهناك بقية... ربما ستفضي لي بها يوما ً... ولكن لا... لا أريد أن أسمع شيئا ً... سأبتغي كرسفا ً أحشي به أذني... أو سأضع أصابعي فيهما... لأخرس كل الأصوات في دواخلي... ولأنعم ولو قليلا ً بالسكينة... بالصمت".

" والآن عدت من هناك... كيف تجاوزت تلك الليلة؟ كيف نمتها؟ كيف أمضيت نهار الذي تلاها؟ وماذا بقي لي منه؟ سعد... الذي انبجس أمامي البارحة كجرح ملتهب... هو ذاته الذي أوقظني للجمعة ضاحكا ً... كأنه ما قال... وكأني ما سمعت".

مسح حمد رأسه بقوة بمنشفة كبيرة تركت بعض خيوطها على شعره ووجهه، ثم لف جسده بالروب، وعاد إلى العالم.

* * * * * * * * *

الفصل العشرون
الفصل العشرون

كان قد لبس ثيابه عندما طرق الباب برفق... ولجت هيلة بعد الاستئذان... راقبته وهو يصلح حال شعره، ثم قالت:

- سلامات؟ شكلك تعبان مرة.

- الله يسلمك... لا ما فيه شيء... بس ما نمت زين أمس.

- ههههه، هذا أنتم يالشباب إذا سافرتوا خلاص تنسون النوم... تحاولون تبقون ساهرين لأطول مدة ممكنة... ما أدري وشلون تستمتعون؟

- أووووه... بدأت الدكتورة هيلة بالفلسفة... الدكتورة هيلة الأخصائية في السلوك والبنية النفسية والفسيولوجية لمرحلة ما بعد المراهقة وعميدة جامعة عين شمس وعضو الجمعية الأمريكية للكراث.

- هاه... هاه... هاه... سبحان الله... يا ثقل دمك... ما تنبلع ولا تنهضم أبد... المهم أبوي يبيك... رح له في الصومعة.

- خير إن شاء الله.

" أبي؟" ماذا يريد؟ غريبة؟ أحس بخوف يداخله... هل علم بسفري وحيدا ً؟ لا... لا يمكن، كنت قد سلمت عليه وقبلت رأسه حال دخولي لو كان يعرف لقال شيئا ً، أو تبينته في وجهه، لا... هذا شيء طارئ.

ارتاح لهذا الخاطر، فأكمل تنسيق شعره، ثم نزل إلى مكتب والده، طرق الباب ودخل بذات الرهبة التي تجتاحه كلما دخل، الرهبة التي رافقته منذ الصغر.

كان أبوه لغزا ً... بابا ً مغلقا ً، معتزل دوما ً، يقضي في هذا المكتب جل يومه، هذا الرجل هو نفسه الذي يطل عليهم ثلاث مرات في الأسبوع من خلال نصف صفحة في جريدة يومية، يخوض فيها معارك فكرية حامية مع البعض، ويطرح فيها قضايا عويصة، تذكر اليوم الذي حاول فيه قراءة مقال لأبيه، أحس بالنشوة حينها عندما لمس السعة المعرفية لدى أبيه وتلك اللغة الغريبة التي ذكرته بكتب التاريخ القديمة، رغم أنه لم يفهم كثيرا ً مما يتناوله من قضايا، كما أنه يذكر اليوم الذي ظهر فيه أبوه لأول مرة في برنامج على إحدى الفضائيات مناقشا ً لموضوع علمي متخصص، مازال يذكر سعادته كلما خاطب المقدم والده ( بيا أبو حمد)، كان يحس حينها بنشوة تردد اسمه في التلفاز بكل هذه البساطة.

- هلا حمد ( كانت هذه من أبوه ساحبة له من أعماقه).

- السلام عليكم.

- وعليكم السلام.

أشار إلى كرسي يقابل المكتب الضخم، وهو يقول:

- استرح، كيف كانت رحلتك؟

- الحمد لله زينة.

- وكيف ربعك؟ عساهم طيبين؟

- الحمد لله بخير.

- الظاهر إن مروان اللي أبوه راعي العقار كان معكم؟

- ايه.

تغيرت ملامح أبيه في لحظة، وظهرت نظرة صارمة في عينيه وقال في بطء مخيف:

- غريب؟ أنا أمس الخميس شفته في ( عثيم الدائري).

تحلب ريق حمد، وأحس بدوار في رأسه وفراغ في جوفه وشيء يضغط على صدره حتى لا يجعل له متنفسا ً، أنزل رأسه هاربا ً من نظرات والده الذي أكمل بذات الصوت الصارم:

- مهوب عيب عليك؟ تكذب علي وأنت بهالعمر؟

لم ينطق حمد بكلمة، غشيه خوف، وأحس كأن عقارب كل الساعات توقفت، وأنه الآن وحيد في هذا الكون، كل شيء تضاءل، كل الأصوات خفتت إلا صوته أبيه القارع:

- هذي ثقتي فيك؟ الله يخلف.

سكت قليلا ً ليكبت غضبا ً متأججا ً ثم أكمل بعنف وصرامة:

- حمد... ارفع رأسك... وقل لي كل شيء، علمني وين كنت ومع من؟ ولو حاولت تكذب علي أو تخفي عني شيء، بعرف وبيكون لي معك تفاهم ثاني.

انكسر حمد كإناء قديم، وروى مرتجفا ً خائرا ً كل شيء، حكى لأبيه حكايته مع سعد، قراءته لروايته في المنتدى، أحاديثهما في المسينجر، لقاءهما الأول في الشرقية ثم لقاء طريق النهضة ثم سفرته الأخيرة، وكان اهتمام أبو حمد يتزايد، وصار يستوقف حمد ويسأله أسئلة عن بعض التفاصيل، أخبره حمد محرجا ً بحكاية سعد وحبه، بالرواية الجماعية التي تجمعهم، الشيء الوحيد الذي استبقاه حمد لنفسه ولم يقوى على إخبار أبيه به هو مجروحة وعلاقته بها، كان يتجاوز هذه النقطة ولا يجعل الحديث يقوده إليها.

تراجع أبوه في مقعده وظل يحدق فيه صامتا ً، بينما أسبل حمد عينيه في خجل وجعل يحدق في الأرض، في النهاية قال أبوه:

- الحمد لله... كانت في بالي أفكار أسوأ، طبعا ً أرجو أن هذا ما يبعث في نفسك الارتياح، فأنت أخطأت ويجب أن تكون خجلا ً من حالك، لكن أنت الآن متعب... رح نم وقبل أن تفعل أحضر لي رواية صاحبك هذا، ورده على القراء، ورسالتك له ورسالته إليك، أريد هذه الأشياء مطبوعة لأطلع عليها الليلة، وغدا ً في مثل هذا الوقت، تأتي لي وسأخبرك برأيي في كل ما حدث إن شاء الله... زين؟

- ابشر يبه.

- يا الله... توكل على الله... وأتمنى قبل ما تنام إنك تفكر بقدر خيبة أملي فيك، أنا الذي كنت أتوقع أنك صادق معي بكل الأحوال، نظرتي لك تغيرت كثيرا ً هذه الليلة... سلبا ً وإيجابا ً.

نهض حمد وخرج من المكتب وهو لا تكاد تحمله قدماه، " واااوك... يا ربيه ما هذا الموقف؟ لا أستطيع التنفس ولا أكف عن الارتجاف... آه يا قلبي، أصعب موقف مر بي في حياتي كلها".

* * *

عندما نهض في الصباح، لم يدر ِ كيف نام؟ عندما استلقى على الفراش فرت مخه حكاية سعد... غضبة أبيه... التساؤلات التي طالته عن مقصود أبيه من الإطلاع على كتابات سعد؟ وماذا سيقول له الليلة؟ بدا له أن أبوه تقبل الموضوع بهدوء، كان قد توقع غضبا ً هادرا ً، تصرفا ً عنيفا ً، ولكن هذا الهدوء؟ الله يستر.

مضى نهاره كأسوأ ما يكون، لم يذهب إلى أصدقائه الذي يجتمعون في الاستراحة من بعد مغرب كل يوم، لم يحس برغبة في مجاوزة البيت، ولا الفراش، كان ذهنه يحمل كل شيء... كل الأسئلة... من سعد إلى والده... من الفتاة التي كانت تمهر سعد الشوكولا والقبلات... إلى والده وهو يكب على الأوراق قارئا ً... هل سيهزأ به؟ هل سينظر له نظرة الكبار للصغار؟ قال البارحة أنه سيخبرني برأيه اليوم... الله يعين... يارب يعدي هاليوم على خير.

عندما اقتربت الساعة من التاسعة والنصف مساء ً دفع نفسا ً وأقداما ً مترددة إلى مكتب أبيه، ودخل بضعف الخوف وبأضعاف الرهبة، دخل مرتجفا ً كمبلول في عرض الزمهرير.

كان أبوه جالسا ً بذات الوضعية التي تبرز في ذهن حمد عندما يأتي ذكر أبيه كصورة ذهنية دائمة له، بين يديه لفيف من الأوراق، قد بانت فيها خطوط وهوامش بالقلم الأزرق.

رفع رأسه ببطء، ونظر لحمد وأشار إلى الكرسي المشئوم إياه الذي تدحرجت عليه بالأمس حكايات حمد، جلس حمد ووضع يديه في حجره منتظرا ً، سحب أبوه أوراقا ً من الركام أمامه، وقال وهو يرتبها:

- فكرت بما قلته لي بالأمس، وقرأت ما أعطيتني، تبقت لدي الآن بعض الأسئلة لأكون فكرة كاملة عن الموضوع.

ثم سأله بعض الأسئلة التي بدت غريبة لحمد ولكنه أجاب عليها كلها، فألقى أبوه الأوراق على المكتب، وتراجع في مقعده وهو يفرك عينيه بعدما خلع نظارته السميكة، مرت لحظة صمت ثم استأنف قائلا ً:

- في البداية... أظنك فكرت بمقدار الألم الذي سببه لي معرفة أن أبني، يسافر إلى مدينة أخرى بدون حتى أن يخبرني، هذا التصرف غير المسئول منك، قد يبدو لك بسيطا ً، ولكن تخيل أنه حدث لك شيء لا قدر الله فكيف سأعرف بمكانك لأتدخل، لأقف بجانبك، عموما ً... أتمنى أن يكون ما مضى درس لك، وأن لا تعود لمثل ذلك مرة أخرى.

- بالأمس... نظرت إلى ما فعلته كأي شيء في الدنيا يحمل جانبا ً مشرقا ً، تجاوزا ً لكذبك وسفرك بلا إذن، وتهورك الكبير في لقاء إنسان لا تعرفه، وتحمسك الكبير الذي أتمنى أن لو وجهته وجهة تنفعك... أقول تجاوزا ً لهذه الأشياء التي تكون الجانب المظلم للحكاية، فهناك جانب مشرق يتمثل في اهتمامك وبدأ خروجك من مرحلة السكون إلى مرحلة الحركة.

- فالإنسان يا بني تتنازعه أشياء كثيرة في حياته، وهذه الأشياء تنقله بين أطوار الحركة والسكون، فهناك الإنسان ذو الطبيعة الساكنة وهو - بدون الدخول في مطولات - الذي لا يتغير، بمعنى تظل صفاته وأخلاقه كما هي لافتقاده لقيمتين مهمتين الأولى هي النقد الذاتي الذي يولد الرغبة في التغيير والتطوير للذات، والقيمة الثانية المعرفة والعقل الذي يوازن به بين الحلول الناتجة من عملية النقد الذاتي، لأن الحلول التي تبعثها عملية النقد الذاتي قد لا تتناسب مع المرحلة أو مع قدرات الإنسان نفسه، فتخرج الإنسان من السكون إلى ما هو أسوأ، أنت يا بني بدأت في الخروج من هذا السكون الذي يرتع فيه أقرانك وخلانك، وهذه تحسب لك.

- مما قلته أنت بالأمس ومما قرأته أنا هنا ( وأشار بيده إلى الأوراق) فقد خرجت بنظرية تفسر الغوامض التي لفت حكايتك، والتي مر بها عقلك سمحا ً.

- بداية... سأقوم الآن باستعراض الوقائع التي بين يدي مدللا ً على ومشيرا ً إلى ما جذب انتباهي وفي النهاية سأخرج برؤية يسندها العقل ولكنها تفتقر إلى الإثبات.

- دعنا في البداية نتناول علاقتك بسعد وندرسها بهدوء ونحاول إكمال النواقص فيها، ولا أريدك أن تغفل هنا عن شيئين... الأول أن تتعلم كيف تفكر وكيف تستقري الأحداث التي تمر بك، كيف تفهم تصرفات الناس من حولك، وهذا يساعدك كثيرا ً في اتخاذ قراراتك، والأمر الثاني هو وضع ما تعلمته وما استخرجته موضع التنفيذ، بحيث تكون عالما ً عاملا ً بما تعلم... اتفقنا؟

- على بركة الله.

- لنبدأ ولنجمع القطع المتناثرة، لنكون منها صرحا ً، في البداية دخلت أنت ذاك المنتدى فوجدت فيه كاتب أعجبك... أليس كذلك؟ ماذا فعلت؟ كتبت له رسالة قلت فيها ( بحث بين الأوراق ثم أستل ورقة قرأ منها) ايه... " كل ما يشغل فكري هو كيف أصوغ حروفي لك" و" مبدع أنت يا سيدي، لا يتأبى عليك حرف ولا يجمح بك تعبير، وتنسال أحرفك إلى قلبي، سيدي وجدتك ما بين كل حرف وحرف" و أيضا ً " لكم وددت أن أكون بطلا ً من أبطالك، أسير على هدي حروفك، وعندما انتهيت وقفت وتمنيت أن أعرفك، أن أحدثك، أن يسمح قلبك الذي صاغ حرفك بي كتلميذ لقلمك"، هذه كلماتك أنت وقد خططتها أنا للاستدلال عليها وللرجوع لها، بعد هذا جاءك الرد، ورددت أنت عليه، ثم بنيت علاقة بينكما، بناء ً على هذا... أليس كذلك؟

- نعم.

- حسنا ً... بعد هذا التقيت به في المسينجر، أليس كذلك؟ ودعاك حينها للانضمام إلى كتابة الرواية الجماعية؟ هل كان هذا قبل أم بعد أول مشاركة لك في المنتدى؟

- قبل.

- ألم يبرز سؤال في ذهنك... على ماذا أتكئ هو في ذلك؟ ألم تتساءل لم َ يقوم شخص دقيق، مهووس بالدقة كما تصفه ويصف نفسه، بضم شخص لا يعرفه إلى مجموعة كهذه؟

- فكرت فيها وقتها، بس مع الوقت نسيتها.

- لا... لا يجب أن تنسى، دعنا نكمل وسنرى، بعدها ذهبت إلى الشرقية لزيارته للمرة الأولى... سؤال لم َ دعاك لذلك؟ هو إنسان منعزل مبتعد عن الناس... يا ترى لماذا يخطو خطوة تخالف طبيعته؟ لاحظ أنه سحبك من مدينة أخرى... لم َ فعل هذا؟ هل تساءلت؟

- ايه... بس ما لقيت إجابة.

- الإجابة موجودة ولكنها تحتاج إلى تفكير أعمق... المهم دعنا ننتقل إلى محطة تالية... جاء هو إلى هنا وبقي معك وقتا ً قصيرا ً، ماذا فعل حينها حدثك كما قلت عن وحدته ثم استعرض ثقافته أمامك ورحل، هنا نتساءل... لم َ فعل ذلك؟ بم كان يفكر حينها؟ قبل الانتقال إلى مرحلة أخرى دعني أسألك... ما الذي خلفه ذلك اللقاء فيك ناحية سعد؟ بمعنى كيف نظرت إلى سعد حينها؟

- حسيت بألم من أجله.

- والاستعراض الثقافي الذي قام فيه... ماذا أثار فيك؟

- أعجبتني ثقافته ومعرفته.

- جميل، الآن ننتقل إلى اللقاء الأخير... أما تساءلت عن السبب الذي يجعل سعد يفضي لك بكل هذا الكم من المشاعر؟

- فكرت.

- وطلعت بأيش؟

- يمكن يشوف فيني شيء من أخوه بدر... يعني ممكن إني أذكره به.

- لا... ليس هذا السبب... تسألني كيف جزمت بذلك؟ لأن هذا لا يفسر لم َ أخبرك عن الرواية الجماعية قبل حتى أن يلتقي بك.

سحب والده ورقة دون عليها بعض الأفكار وأكمل:

- دعنا الآن ننظر إلى خلاصة استعراضنا لعلاقتك بسعد، ونحدد التساؤلات التي تحتاج إلى أجوبة.

- أولا ً لم َ دعاك بدون حتى أن يقرأ لك إلى مجموعته؟ ثانيا ً... لم َ أستعرض ثقافته أمامك ولم أخبرك بوحدته؟ وثالثا ً... لم خطا الخطوة الكبرى وأخبرك بمشاعره الداخلية وحبه الذي لم يخبر به حسب زعمه إلا أخوه الراحل... حصرنا أسألتنا... لنفتش الآن عن الأجوبة في دراسة جديدة وقراءة أخرى ولكن هذه المرة لشخصية سعد.

- أولا ً... لنتعرف على سعد، من هو؟ هو شاب في العشرينات من عمره، قارئ ومطلع، كما أنه كاتب ذو أسلوب رشيق لا يمكن إنكار هذا، هذه القراءة وهذا الإطلاع، تفصل المرء عن مجتمعه مع الوقت، وتنمي لديه اهتمامات لا توجد لدى الإنسان العادي، هذه القراءة توسع الفجوة بسرعة وباستمرار بين المثقف والإنسان العادي، ولشاب في هذا السن وبمثل نفسية سعد، هذه الفجوة يردمها للأسف الغرور والعجب بالنفس، وهو عجب بالمناسبة لا يسلم منه إلا من رحم ربي، دعنا الآن نكمل الصورة سعد نشأ على نظرات الإعجاب من أبيه... أمه... أخوته... وخصوصا ً أخوه الذي توفي... والمصاب بداء العجب بالمناسبة يحتاج دوما ً إلى من يغذي هذا الطبع فيه وبشكل متواصل، يحتاج إلى من يمتدحه دوما ً، ويبحث عن نظرات الإعجاب لدى الجميع.

- صاحبك مصاب بهذا الداء دون أن يدري، لنحاول الإجابة عن تساؤلاتنا من هذا المنطلق، السؤال الأول لم َ دعاك حتى بدون أن يقرأ لك؟ لأنك غذيت فيه ذلك الشعور برسالتك أتحب أن أعيد عليك كلماتك فيها؟ (كل ما يشغل فكري هو كيف أصوغ حروفي لك) و( مبدع أنت يا سيدي) و (لكم وددت أن أكون بطلا ً من أبطالك، أسير على هدي حروفك، وعندما انتهيت وقفت وتمنيت أن أعرفك، أن أحدثك، أن يسمح قلبك الذي صاغ حرفك بي كتلميذ لقلمك) هذه الرسالة لها فعل السحر في قلب امتلأ غرورا ً... وفي نفس معجبة... لقد وجد فيك سعد شيئا ً أفتقده منذ زمن.

- ثانيا ً... لم أستعرض ثقافته أمامك؟ ببساطة حتى يجذب نظرك أكثر، حتى يزيد منسوب إعجابك به، لاحظ هنا أن هذا الاستعراض جاء بعد نقص ذلك المنسوب عندما تركك ورحل في المسينجر... بعدما أحس بانتقادك لطريقة تعامله المتعالية مع القراء.

- ثالثا ً... لم عرض حكاية حبه لك بذلك الشكل وبالمناسبة أنا لا أكذبه في هذه الحكاية، الكل يا بني يمر بأحلام الطفولة والمراهقة، ثم يكبر فتصير ذكرى، ولكن لا يعقل لعقل مثل عقله وفكر مثل فكره، أن يظل معلقا ً بمثل هذا الحب، لا يمكن... صاحبك هنا كان يريد أن ينقل إليك شعور هو أنه رغم قوته وصراحته الظاهرية فهو يحمل قلبا ً محبا ً، يريد أن يشعرك بأن خلف ابتسامته ألم، يريد أن يزيد الهالة التي أحطتها به أنت منذ البداية وهجا ً، بمعنى أن يريدك أن تنظر له على أنه ذكي، قوي، وكذلك محب ورومانسي.

- أرجو أن لا يمثل ما قلته لك الآن صدمة، أعلم أنك تفكر بأن هذا استغلال لمشاعرك من أجل رغبة مريضة، ولكن الأفضل هو أن تستفيد من هذا الدرس، أن تتعلم إعمال عقلك دوما ً وعدم قبول الأمور التي ترد إليك كما هي بلا تساؤل أو فهم، وأعلم أن صاحبك قد لا يشعر بعلته ولا يدري بها، تبقت الآن بعض التساؤلات التي مرت بذهني، واهتديت إلى تفسيرها بعد حين.

- كان هناك تساؤل في ذهني عندما قلت لي أنه لم يعارض كثيرا ً الرواية الجماعية التي اتفقتم عليها، بدا لي هذا مخالف لشخصيته، فمثله لا يرضى أن يفرض عليه من هو أقل منه شيئا ً، ولكني اهتديت إلى التفسير عندما نظرت إلى قصتكم، أدركت حينها لم َ لم يعارض، أتدري لم َ؟ لأن القصة بكل بساطة هي قصته ولكن من وجه آخر، هي تنويع على روايته، ركز هنا... في قصتكم هناك علاقة حب... وهناك فتاة تحاول الوصول إلى شاب... ولكنها تفشل... سعد سيظل يدور حول هذه المواضيع... العلاقة التي تنتهي بفشل، المحب الذي يحاول الوصول إلى محبوب لا يدري به ويعجز... عقل سعد اللا واعي هو الذي قبل هذه القصة واستأنس بها.

- سعد يا بني وجد فيك مريدا ً آخر يا بني بعد وفاة مريده الأول، هذا ما خلصت إليه من قراءتي للعلاقة بينكما ومن قراءتي لشخصيته، ورأيت أنت الآن كيف تناسبت الفكرة مع تساؤلاتنا وأجابت عليها جزئيا ً، ولكنها تظل نظرية تفتقد الدليل، هل تعلم كيف تأتي به؟

- كيف؟

- الشخصية التي هذه صفاتها تضيق بآراء الآخرين، نقدهم، اعتراضاتهم، لأنها ترى أنها فوق الجميع، حاول لمرة أن تعارضه وبقوة، أن تكون مصرا ً على رأيك وموقفك، أتعلم ما سيحدث حينها؟

- ماذا؟

- سينبذك... إن فعل فهذا إثبات لرأيي.

- وإن لم يفعل؟

- إن لم يفعل... فالفتى نادر المثال والوجود، ولا أظن أنك واجد صديق كما هو.


الفصل الحادي والعشرون

خرج من مكتب أبيه محتملا ً أحمالا ً ينوء بها عقله، كان أبوه قد جلا كل شيء أمام عينيه، قد رصف العثار التي تخدد طريقه، علمه أشياء كثيرة... صدمه... وبقوة... بالحقيقة، كشف له أوهامه وهواجسه.

قصد غرفته وهو يفكر بصورة سعد التي صارت مشروخة الآن في ذهنه، سعد الذي كان كاملا ً في عينيه يتبدى الآن ناقصا ً، مهزوزا ً... سعد الذي كان في نظره مستغنيا ً عن البشر، يتبدى الآن محتاجا ً إليه هو ليغذي رغبة حقيرة وشهوة مريضة.

أهذا أنت يا سعد؟ أهذا أنت فعلا ً؟ هل كنت مخدوعا ً بك إلى هذه الدرجة؟ هل كنت تعبث بي طوال الوقت؟ هل تؤمن بكل ما أخبرتني به حقا ً؟ هل أحببت حقا ً في طفولتك؟ ما أخبرتني به هناك على الشاطئ أحقيقة هو أم خيال؟ لا... لا... حقيقة... ما زالت نبرات صوتك وأنت تحكي لي تتردد في أذني، لا يمكن أن يكون كل ذلك كذبا ً... لقد لمست الألم حقا ً في تلك الليلة على الشاطئ.

ولكن لا... الليلة تعلمت أشياء كثيرة، لقد فتح لي والدي فتحا ً جديدا ً، لقد نقل لي معرفة جديدة، لا... لا يمكن أن أثق بعاطفتي بعد اليوم، ربما أنت ممثل يا سعد، ربما أنت مثل هؤلاء الذين يبكونني أحيانا ً في الأفلام، ربما أنت ممثل وأنا وحدي جمهورك... لا لست وحدي ربما هناك مئات تخدعهم وتحكي لهم كل يوم قصة حبك... ربما لست المخدوع الوحيد في حياتك... ربما أنا آتي في نهاية صف طويل.

وتبدى له في هذيانه صف طويل يقف أمامه في بيداء قاحلة، وسعد يتبدى في نهاية الصف يسحب أيديهم واحد بعد الآخر ليؤدي أمامهم الدور الذي يجيده، نفض رأسه بقوة وقال لنفسه ولكن ما الذي يجعل أبي على حق في كل ما قاله؟ هو لم يلتق بسعد؟ لم يره؟ هل يعقل أن يعرف كل شيء عنه من بضعة ورقات ومن كلامي أنا؟ مستحيل... لا يمكن... حتى المحللين النفسيين يحتاجون إلى رؤية المريض، الجلوس معه، السماع منه، لا... أبي استخدم العقل بإفراط في قياس كل شيء يختص بسعد، أبي عامله بعقلية رياضية لا تقبل إلا البراهين والإثباتات، ولكن لم َ؟ هل هو يغار منه؟

يغار من سعد؟ ربما... الأب يسعد بأن يعتبره أبنائه قدوة لهم، أن يكون هو صانعهم، معلمهم، ربما غار أبي من علاقتي بسعد فقلله في عيني... نعم... أليس ما فعله أبي مشابه لما فعله معي سعد في طريق النهضة؟ أبي استعرض علي ثقافته وعلمه... كلاهما فعل بي ذلك... كلاهما جذب ضعفي بقوته... ولكن لا... ما هذه السخافة؟ حديث أبي منطقي... لم يجاوز المنطق أبدا ً... ولكن ما يدريني؟ أنا كنت منهار نفسيا ً أمامه فتقبلت كل ما قاله بسهولة، لم أناقشه في شيء، كما أفعل مع سعد، أصمت وأتقبل كل شيء ثم عندما أنفرد أبدأ بالاستسقاء فكريا ً... آه... آه... خلاص... خلاص، ما بي أفكر... تعبت... أبي أنام.

طيب... لحظة... لحظة... ليه ما أرتب أفكاري وأطلع بنتيجة، ليه ما أركز في الأحداث وأحاول استنتج منها رأي خاص بي، ليس رأي سعد، ولا رأي أبي، وإنما رأيي أنا، حمد... طيب... ممتاز... من أين أبدأ؟

ما أدري... ترتيب الأفكار صعب جدا ً، فكل شيء يفر من ذاكرتي؟ هل أبدأ بعلاقتي مع سعد من البداية؟ أم أبدأ بكلام أبي وأراجعه بهدوء وأقارنه بسعد كما عايشته؟ نعم... هذا أسهل وأسلم.

هل سعد مغرور فعلا ً؟ ربما هناك جزء من الغرور في أفعاله وأقواله وخاصة رده المتعالي على القراء، ولكن لو كان مغرورا ً لما أعترف بأن فتاة أفضل منه، أليس هو خالد؟ ألم يقل بأن خالد يمثله؟ وخالد يقر بأن نورا أفضل منه، خالد هرب من قوة نورا وسيطرتها، فر من هزيمته أمامها، فكيف يقبل سعد إذا كان مغرورا ً أن يقر بأن فتاة تفضله وتتفوق عليه؟ مستحيل... إذن الغرور لا يفسر كل شيء؟ هل العُجب بالنفس يفسره كما قال أبي؟

سعد معجب بنفسه... نعم، ممكن أن يكون ذلك صحيحا ً؟ ولكن هل هذا كافي ليخبرني بأسراره الخاصة؟ لا... لا يمكن، وخاصة أن مثل هذه الأسرار قد تقلل قيمته في نظري، ما أخبرني به سعد ليس دلالة على العجب بالنفس بل هو دلالة على الانكسار والضعف.

إذن كيف نظر أبي للموضوع؟ أوجد أمامه قطع متناثرة وقام بتركيبها فقط؟ نعم... صحيح... لو أحضرت سعد إلى أبي وأجلسته معه لساعة كاملة، هل كان أبي سيقول الذي قاله؟ هل كان سيستنتج الذي استنتجه؟ لا أظن.

عدت من جديد للتخبط، لا يوجد مقياس... لا أدري بكلام من آخذ؟ بكلام أبي، بكلام سعد، لا أدري... بدأت أشك في كل شيء، لا حول ولا قوة إلا بالله... من جديد... من جديد، ركز يا حمد، ركز.

لأبدأ بالأسئلة المهمة، كيف أخبرني سعد بحكاية حبه ولم َ؟ هل وجد في شبه من أخيه بدر؟ أبي نفى هذا ودلل على أن سعد عرض علي الانضمام إلى كتابة الرواية بدون حتى أن يراني، طيب... أبوي نظر للموضوع بشكل عام بدون ما ينتبه للتطور الزمني للعلاقة، صح... صح، ممتاز... هذه نقطة مهمة، أبي أغفل التطور الزمني لعلاقتي بسعد، علاقتي بسعد ما كانت في يوم وليلة، بل مرت بمراحل عدة، التطور الزمني مهم جدا ً، لأن المشاعر تتغير خلاله.

التطور الزمني للعلاقة... ممتاز، طيب من جديد... في البداية تعرف علي سعد بالرسالة التي أرسلتها له، هذه الرسالة ربما داعبت غروره، هنا يكون كلام أبي في هذه النقطة صحيح، ثم التقيت بسعد للمرة الأولى كان لقاء ً عاديا ً، لم َ طلب مني السفر للقائه؟ لا يوجد شيء يدل على أن سعد حاول إبهاري في تلك الرحلة، إذن لا يمكن أن يكون عجبه بنفسه هو السبب، ما السبب يا ترى؟ لأكمل... ثم ماذا؟ لقاء طريق النهضة... اها... ما تفسير ذلك؟ هل كان يحاول استعراض معارفه أمامي؟ ولكن لم َ لم يفعل ذلك عندما كنت عنده هناك في الشرقية؟ لم َ أحتاج إلى أن يأتي هنا ويقطع هذه المسافة؟ نعم... أبي لم يفسر ما الذي يأتي بسعد للرياض؟ هل غاب عنه هذا؟ أم أنه تجاهله لأنه لم يجد له تفسيرا ً؟ حسنا ً... لأعد من جديد للخط، لم َ جاء سعد ولم َ قال ما قاله في طريق النهضة؟ هل العجب كاف ٍ كتفسير؟ مستحيل... هناك شيء مفقود... لأكمل ما الذي دعاه لأخباري بحبه؟ ربما يكون بدأ يرى في أخيه بدر مع الوقت... لا يلزم أن يكون أحس بذلك من البداية، ربما بدأت علاقتنا بغرور منه، ثم بدأ ينظر لي كصديق، ثم كأخ بديل لأخيه الذي مات.

آه... يا ربي وش هالحوسة؟ أبي أنام... تعبت... تعبت، أف... ليكن سعد ملاكا ً، ليكن شيطانا ً، لم َ أشغل نفسي بهذا كله؟ أتحدى أن يكون سعد يفكر بي الآن ولو للحظة؟ لم َ أشغل نفسي بهذا؟ سبحان الله... أتعب نفسي بلا فائدة... سأنام الآن... سأتوقف عن التفكير، تكفي هذه السخافة، هذه المهزلة، الحمد لله... كأنه لا يوجد إلا سعد في دنياي، الحق على أبي أصلا ً، لم فرغ نفسه وضيع ليلة كاملة ليقرأ سعد ويفسره لي؟ كأني إذا فهمت سعد حلت مشاكلي، وصرت أفضل، بدلا ً من أنشغل بسعد علي أن أنشغل بنفسي، سبحان الله... كم الأوقات التي أصرفها في التفكير بالآخرين؟ ماذا قالوا؟ ولم َ قالوا؟ وأحاول تفسير ذلك بجهد وتعب؟ لم َ؟ لم َ لا أنشغل بنفسي؟ أصلحها وأرتقي بها؟ طيب خلاص... خلاص... لا تفتح قصة ثانية، نم الحين وأذكر الله... لا تفكر بشيء.

ولكن كيف ما أفكر بشيء؟ لازم أفكر... المخ ما يكون فاضي، طيب فكر بشيء غير هالدوشة، أممممممم، فكر... فكر بالبر، يا سلام... تخيل رمل... صعيد من الرمل، وأنا مستلقي عليه، مغمض العينين، والرياح تهب خفيفة لتذرو علي بعض الرمال، صمت تام يعم الكون، بجانبي شجرة عرفج صغيرة، في أصلها ثقب صغير، الآن تخرج سحلية رأسها منه بحذر وتتلفت، هذا هو عالمها البسيط، رمل وشجرة العرفج والطيور، هي تخاف من الطيور ومن الحيوانات الأقوى والأكبر، وتفر منها بالغريزة، لا تحاول دراسة نفسيات الطيور، ولا يهمها التطور الزمني في علاقتها بالضب، لا يهمها أي شيء غير قوت يومها، أما هذه العلاقات المعقدة فلا تهمها، آآآآآ... انتبه لا ترجع للدوشة من جديد، خلك في دربك، ايوه... السحلية تطلع من الجحر الذي في أصل العرفج، ثم تنزلق على الرمال بحركتها المتمايلة الناعمة، تترك أثرا ً صغيرا ً وتغيب خلف كثيب قريب، من جديد وحيد أنا في هذا الكون، قبل قليل كانت السحلية هنا تؤنس وحدتي والآن رحلت؟ إلى أين ذهبت؟ هل ستعود؟ ربما لا، ربما يقتلها مروان كما قتل أختها العام الفائت عندما كنا في روضة ( الخفس)، مروان يكره السحالي، مروان !!! آه... أين أنت أيها العزيز؟ آآآ... لا... مهوب وقته... مروان بعدين، كمل طريقك... لا توقف... أيوه... سحلية ثانية تخرج رأسها من الجحر، ربما هي الأنثى، تنتظر ذكرها الذي خرج طلبا ً للرزق، أمممم، صحيح... السحالي لا تعمل بشكل جماعي، السحالي من المخلوقات التي يعمل كل فرد منها لوحده، هناك مخلوقات تعرف مبدأ وقيمة التعاون، مثل البشر، النمل، النحل، الضباع، وهناك مخلوقات لا يمكن أن تقوم بعمل جماعي منظم، مثل الغنم، الأبل، والسحالي... يا ليلة السحالي الطويلة ذي... الظاهر ما فيه نوم إلى الفجر، أقوم أشوف لي شيء أسويه أحسن.

* * *

الأحد.

يومان... يومان الآن... عاشهما في موج محتدم... موج يعصف به في الداخل والخارج... هل هما يومان؟ لا... ربما أكثر... الآن مساء الأحد... وهجمة الموج بدأت على شاطئ منعزل... فيما بين الخميس والجمعة... هناك بدأ الموج يسحبه... وعندما فر إلى هنا... بعيدا ً عن الشاطئ... وبعيدا ً عن كل شيء... وظن أنه نجا وجلس يلعق جراحه، فاجأه موج أعتى وأشد.

والموج يتهادى به الآن... أدرك أنه غاب وانعزل في داخله طويلا ً... طويلا ً جدا ً... وخاصة عندما وجد بريده مكتظ برسائل مجروحة ورسالة يتيمة من سعد.

مجروحة... كأنها لم تكن... لقد فارقها مساء الأربعاء وهو يخبرها بأنه سيتغيب غدا ً أي يوم الخميس وسيكون موجودا ً الجمعة، لم يخبرها حينها أنه ذاهب للقاء سعد، سعد الذي صار اسمه بينهما ( تابو) لا يجرؤ على ذكره.

ولكنه عاد الجمعة متعبا ً منهوكا ً... يبحث عن فراشا ً يحتضنه، فألفى الموج يترصد له وراء باب مكتب أبيه، ليكتسحه مرة أخرى مساء السبت، وهاهو في مساء الأحد ينظر إلى رسائل مجروحة التي تلونت عناوينها ( خميس بدونك)، ( الجمعة... انتظرتك)، ( أين أنت؟ سبت بلا طعم)، ( الأحد... يدي على قلبي) ورسالة سعد الوحيدة ( الفصل الأول... رأيكم؟).

قصد الرسالة الأولى... سرح بين كلماتها الجميلة... المشكولة... بدت له كأنها ورود ملونة تتهادى على باقي أمواجه التي هدأت أخيرا ً، ثم رسالتها الثانية التي حملت عتابا ً رقيقا ً على إخلافه موعده، وانتظارها له حتى يأس منها الليل والوسن... أما الرسالة الثالثة... فكانت رسالة مرهقة متعبة... بتعبها وإرهاقها الذي أخلف سهرها في الليلة الفائتة من أجله، كما حملت الرسائل تساؤلا ً عنه وعن حاله... وأين هو؟ أما الرسالة الأخيرة... والتي يشير وقت إرسالها إلى ساعة مضت، فكانت تحمل مزيجا ً فريدا ً من العاطفة القوية، والقلق، والحيرة... كانت الرسالة تخبره أشياء أكبر... وأكثر من حروفها القليلة... كان ما بين السطور يخبره بأكثر مما قالت السطور.

تألم لما فعله بمجروحة... هذه الطيبة، الرقيقة، التي لا تتلون، هذه البسيطة التي لا تعرف التطور التاريخي، ولا تحاول تحليل أي شيء يخصه، فتح صفحة الإرسال... وتوقف كثيرا ً أمام بياض الصفحة القوي الذي يعشي عينيه ويمنعه من الكتابة، فرت الكلمات منه كسرب آرام جفول، كتب بإرهاق ( أنا بخير... أنا آسف... سأعود لأكتب لك ِ) تأمل حروفه العجفاء... ولكنه لم يجد خيارا ً آخر فأطلقها لتهيم في الفضاء السيبري.

تبقت رسالة سعد، أو فصله... كيف سيقرئه؟ بل كيف سيقرأ أي شيء لسعد بعد اليوم؟ كيف سيفهم ما يريد؟ كيف سيفرق بين ما هو حقيقة وبين ما هو متخيل؟ كيف سينجو إن ولج هنا من سطوة الحروف، ومن زخرفها، هل سيستطيع سعد النفاذ مرة أخرى إلى دواخله... هل سينجح مرة أخرى في خداعه؟ هل خدعه؟ آه.

فتح الرسالة وترك الفصل ينبسط أمامه، سيسكر الآن... هو متأكد من هذا، سيسقيه سعد من رحيق حروفه حتى يتعتعه الثمل، سحب نفسا ً باردا ً عميقا ً إلى جوفه وبدأ يقرأ.

* * *

(

... كنت أضحك من أعماقي عندما تحاول خالتي العجوز تقليد حركات أخوتي لتوصل لي أمرا ً تريد قوله...

... لم أفهم نقصي إلا بعدما تعلمت القراءة وصرت أتحير أمام ألفاظ ( قال)، ( صرخ)، ( همس) في عالمي الصامت...

... النظرة، اللمسة، والحرف، هذه مكونات لغتي التي تبدو لي كافية جدا ً...

... كنت أتكور في حضنها، أدفن رأسي في صدرها الذي أنهكته السنون والأطفال الذين تعاقبوا عليه، هناك كنت أنسى العالم كله...

... كانت قصة طويلة، مضحكة، ومتعبة، تصور ومعرفة معنى كلمة ضوضاء، كانت الكلمة تبدو لي جميلة الشكل، خلطت في البداية بينها وبين الوضوء لوجود تشابه في الحروف، ثم ظننت عندما عرفت أنها تربط بالأصوات أنها صوت الماء المتساقط من المتوضئ، هاهاه...

... كنت متسائلة، ولذلك عندما كتبت لي اسمها على ورقة ( حفيف)، أعجبني رسمه كثيرا ً، سألتها عن معناه فهزت كتفيها بمعنى أنها لا تعرف، فيما بعد علمت أنه اسم لصوت، هههههه، يا لحظي الرديء...

... أحببت خطها الجميل، تساءلت أي قلب يمكن أن يوشي الصفحة هكذا، كنت أمضي بين الصفحات المليئة بالهذر عندما توقفت عند ورقتها، رائعة... جميلة، لا بد أن أعرف من هي...

... كتبت لي اسمها ( منى)، ضحكت بقوة حالما قرأته، أشارت لي متسائلة عن سبب هذا الضحك الغريب، كتبت لها كنت أخشى أن يلقي بي حظي كالعادة إلى فتاة اسمها ذو معنى صوتي، ( رنين) مثلا ً...

)

* * *

انتهى الفصل... هكذا... فعلها سعد مرة أخرى، سحبه من جديد إلى عالم صامت يموج بكل شيء، عالم من الألوان والروائح، عالم ذو ملمس، عالم جميل... تمنى أن لو منحه سعد أكثر، لو أنه وسع له في السرد ليعيش أكثر مع هذه الفتاة الجميلة، الحية، هذه الفتاة التي تكاد تقفز من النص بقوتها، بروعتها، بروحها... أحبها... لا غرابة في ذلك كما أحب خالد من قبلها.

تذكر فتاة مجروحة الكئيبة، فجرت مقارنة سريعة في ذهنه، أحس بعدها بالألم... هكذا هي الحياة دوما ً... مجروحة الطاهرة، البريئة، تتراجع وتهزم أمام سعد القوي، سعد ذو الأقنعة والوجوه العديدة.

كيف يفعلها؟ تساءل حمد؟ كيف ينظر سعد دوما ً للأشياء من الزاوية الأجمل؟ كيف تكون لديه أفضل زاوية للصورة الواحدة التي نرقبها كلنا؟ كيف يفهم القارئ، فيمنحه ما يريد؟

غادر الجهاز... بل الغرفة كلها، بل المنزل بأسره، وجعل يتقلب في الشوارع المظلمة، يحمل معه كلمات سعد، وبقايا من حروف مجروحة، مجروحة التي ستجرح غدا ً عندما يجتمعون، ربما جرحت الآن وهي تقرأ فصل سعد بين يديها، ربما ستنطوي في ظلام الليل، وهي تحدق في حروفه وحروفها، تخيل دمعة تنفك من إسار أهدابها الجارحة لتحط على خدها، أحس بكراهية في صدره لسعد، لقوته، لحروفه، لفصله.

عاد إلى المنزل عندما لفظته الطرق، عاد والموج يهدر ولكنه هذه المرة ويا للعجب كان موجه هو.

* * *

الاثنين/ مساء ً.

وردوه جميعا ً... جاء هو... وجاءت هي... وجاء ( الليل)، تبادلوا التحايا وكلمات البداية اللطيفة، وقليل من الضحكات، ثم قال سعد:

قلم: بسم الله الرحمن الرحيم.

قلم: ناقشنا في الأسبوع الفائت، الفصل الذي كتبته أختنا مجروحة، وكان لي بعض الانتقادات والملاحظات، وكنت قد وعدتكم بفصل أرسلته لكم بالأمس، وسنفسح النقاش حوله اليوم حتى نصل إلى صيغة مناسبة للفصل الأول.

قلم: الآن لنبدأ بالأكبر سنا ً، الليل عطنا رأيك في الفصل.

الليل: أنا منب أكبر واحد، أنا أصغركم، أكبرنا ضوء، عمره أربعين وعنده بنتين وولد وأسم حرمته مزنة.

ضوء: ههههههه، الله يقلعك فضحتني.

قلم: ههههههه، الليل وش أنا قايل لك؟ ما قلت لك لا تشرب عصير تفاح على الريق؟ لا حول... تجي هنا مخبط.

قلم: المهم... عطنا رأيك الله يصلحك ولا تضيع وقتنا.

الليل: الحقيقة الفصل منتاز وما عليه خلاف اعجبني كثير.

قلم: عندك انتقادات؟ ملاحظات.

الليل: لا والله التسذب خيبة وبعدين انت ما عقبك ما شاء الله عليك

قلم: الله يخليك.

قلم: مجروحة... ضوء... آرائكم.

مجروحة: لو سمحتوا لي، أنا قريت الفصل وكان جميل، يعطيك العافية، ملاحظاتي بسيطة وهي:

مجروحة: أولا ً البنت حاسة كلامها أكبر من عمرها يعني أحس أنها تتفلسف كثير وهي يعني المفروض تكون بنت عادية.

مجروحة: ثانيا ً: البنت طريقتها في الكتابة غريبة، يعني ما هو أسلوب بنت، واضح أنه أسلوب ولد.

مجروحة: أيضا ً البنت أعطتنا في هذا الفصل تفاصيل كثيرة عن حياتها وهذا يتوه القارئ، يعني أنا لما خلصت من قراءة الفصل نسيت نص الأشياء الموجودة فيه.

مجروحة: لاحظت أنه الفتاة متقبلة لعلتها، يعني بالعكس تسخر منها وتضحك منها، ما أدري أنت ككاتب متصور الآلام الإنسانية سهلة لدرجة أنه الواحد يسخر منها.

مجروحة: هناك أيضا ً بعض الأخطاء الإملائية بس مو مهم ممكن تصحح بواسطة الوورد.

مجروحة: بس هذي ملاحظاتي.

قلم: مشكورة أختي مجروحة على صراحتك الجميلة جدا ً.

قلم: بالنسبة للملاحظة الأولى وهي أن البنت أكبر من عمرها، البنت في الخامسة والعشرين، ولاحظي أختي أنها مثقفة لأنه الحروف هي وسيلتها في الاتصال بالعالم، أما إذا كنت ِ أختي لا تستطيعين تصور فتاة لها هذه القدرة فأنت فتاة وأنت ِ أدرى.

قلم: بالنسبة لأسلوب البنت وأسلوب الولد أتمنى أنك تزودينا أختي مجروحة بالمقياس الذي تستخدمينه للحصول على جنس كاتب السطور.

قلم: بالنسبة لأن التفاصيل تتوه القارئ، فهذا شيء غريب لأنه من الأفضل أن يخرج القارئ بمجموعة كبيرة من التفاصيل عن الأبطال والقصة من أنه يخرج بمجموعة من التأوهات والمونولوج الداخلي الممل.

قلم: بالنسبة للآلام الإنسانية التي يبدو أنه لديك خبرة كبيرة جدا ً فيها، الحقيقة لا أجد صعوبة في فهم أنه الإنسان يمكن أن يتقبل ما خلقه الله به، وأنه لا يقضي طول عمره يصرخ لأن الله خلقه أصم.

قلم: أما بالنسبة للأخطاء الإملائية والتي بينت لنا أنك ِ خبيرة جدا ً في الوورد، فيمكنك تعديلها بكل البساطة التي تقبلنا بها فصلك الحافل بها بالإضافة إلى الأخطاء المنطقية والأسلوبية والنحوية.

قلم: جميل... والآن دورك أخي ضوء.

مجروحة: لحظة... ممكن تحترم نفسك وتتكلم معنا بأسلوب أفضل من هذا؟

قلم: أي أسلوب؟ أنت ِ أبديت ملاحظات وأنا رددت عليها بما يناسبها... لا يلزم أن تعجبك ِ ردودي.

مجروحة: هذي سخافة، أنت شايف نفسك على أيش... أبي أفهم؟

قلم: الحقيقة لا أريد أن أتكلم عن السخافة، خاصة بعد ملاحظاتك الأخيرة.

الليل: يا اخوان وسعوا صدوركم الموضوع ما يستاهل.

مجروحة: تافه، كيف يسمح لنفسه يعاملنا بالطريقة هذي، يعني لازم يعجبنا أي شيء يكتبه... أنتم شايفين كيف يعاملنا؟

قلم: لو سمحتي أختي لو ظننت ِ أننا هنا جالسين في قعدة حريم فأنت ِ مخطئة... وبعدين بلاش أسلوب الاستعداء هذا... يعاملنا؟ لا تحطين الأخوان في النص.

مجروحة: أنا الغلطانة أصلا ً اللي باقية هنا.

ثم في لحظة غادرت... وبقيت كلماتها هناك تواجه الجميع.

* * * * * * * * *


الفصل الثاني والعشرون

كيف حدث هذا كله؟

سيبقى هذا السؤال في بال حمد لعدة أيام، ثم سيزوره من وقت إلى آخر، ربما سيزوره حال الندم، حال الألم، حال الفقد، سيزوره في كل ضيق كنموذج لما يمكن أن تسوء إليه الأمور، ودوما ً ستكر عليه الأسئلة التي بلا أجوبة... أو التي ترفض الأجوبة وتنفر منها.

كيف يحدث هذا بسرعة؟ كيف تتقلص المسافات والأزمنة في الحب والكره؟ كيف يمكن لكلمة... لنظرة... أن تدمر عالما ً ظننا ديمومته؟ كيف لها أن تنفذ إذ تنفذ إلى الأعماق لتزرع بذورا ً... ما تلبث بعد حين أن تستطيل أفرعها وتنتج ثمارها المرة.

بإمكان حمد أن يكرر الأسئلة إلى الأبد، بإمكانه أن يحملها معه في كل مكان، ولكن لا يمكنه أبدا ً الخروج بأجوبة تريح باله وقلبه، كل ما سيحصل عليه هو سلاسل لا متناهية من الجمل والكلمات الوصفية، التأملية، أما الأجوبة... فما أصعب صناعة الأجوبة.

كان حمد متعب الذهن ليلتها، ربما هذا هو التفسير، ليس التفسير الوحيد قطعا ً، ولكنه تفسير من عدة تفاسير، كان متعبا ً من التفكير، كان متعبا ً من الصمت فظن أن الكلام ربما يخلصه، كان متألما ً للحال التي آل إليها حتى أنه لم يحتمل فترك كل ما يموج في دواخله، يتبدى على السطح ليجرف أشياء عدة.

فرت مجروحة ليلتها بالجراح والألم، وبقي الكلام بين الثلاثة الذين بقوا يتخبط ذبيحا ً، حتى استأذن الليل وولى ليفرد لحمد وسعد المساحة التي لا يريدها أحد.

كان سعد في مزاج متعكر، هل هاجمها؟ ربما قليلا ً، هل تحدث عن الذين يفتقرون إلى أبسط مقومات النقد وأساليبه، ربما كثيرا ً، حينها كان حمد قد استثقل دثار الصمت، فنحاه ببطء.

* * *

الاثنين/ عودا ً لما كان.
...
..
.

سعد: يعني سبحان الله لازم الواحد يرضي الجميع، ولا يقول رأيه بحيادية.

حمد: ما أحد منعك تقول رأيك ولكن بأسلوب أما الهجوم فهذا مهوب رأي.

سعد: هجوم؟ أي هجوم؟ هي اللي هاجمتني... أنا كل اللي سويته هو إني رديت على هجومها... يعني الغلط غلطها هي يا أستاذ.

حمد: غلطها هي؟ هذي مشكلة اللي ما يرى إلا نفسه، هل حاولت أنك تعتبر أفكارها نقد مهوب هجوم وترد عليها بأسلوب وأدب مثل ما فعلت هي في الأسبوع الماضي؟

سعد: أسلوب وأدب ما شاء الله... وأنا وين فيه جاوزت الأسلوب والأدب؟

حمد: ردك هذا وش معناه؟

(( قلم: أما بالنسبة للأخطاء الإملائية والتي بينت لنا أنك ِ خبيرة جدا ً في الوورد، فيمكنك تعديلها بكل البساطة التي تقبلنا بها فصلك الحافل بها بالإضافة إلى الأخطاء المنطقية والأسلوبية والنحوية))

سعد: لا يا شيخ؟ أجل وش معنى كلامها هي؟

(( مجروحة: هناك أيضا ً بعض الأخطاء الإملائية بس مو مهم ممكن تصحح بواسطة الوورد))

سعد: هل في هذا أدب أو ذوق؟ وإلا هجوم صبياني لمجرد أني نقدت أسلوبها في الفصل الفائت.

حمد: كلامها عادي قالت إن عندك أخطاء وإنه يمكن نصححها بالوورد... كفرت يعني؟ وإلا أنت تبي كل الناس تصفق لك وتمدحك بس؟

سعد: لا تصفقون لي ولا تمدحوني، ولكن ردها هذا كان رد لئيم تقصد من ورائه إني مبتدأ حتى إني أحتاج إلى الوورد ليصحح لي، هي بس حبت تنتقم من ردي عليها الأسبوع اللي فات، عموما ً أثبت إني قلت شيء خطأ في نقدي لها الأسبوع اللي فات وأنا أعتبر نفسي خطأ.

حمد: وأثبت أنت إنها قالت شي خطأ في نقدها لط اليوم.

حمد: لط = لك.

سعد: شوف يا بابا لما تجي تقول لي

(( ما أدري أنت ككاتب متصور الآلام الإنسانية سهلة لدرجة أنه الواحد يسخر منها))

سعد: فهي هنا تعنيني أنا... تهاجمني أنا... لأنه عقلها الصغير يصور لها إني أنا تهجمت عليها الأسبوع الفائت وهي تحاول ترد لي الهجوم.

سعد: وبالمناسبة هذي ليست مشكلتها وحدها... بل هي مشكلة الكثيرين أن النقد لديهم نقد كلي، فأي نقد يطلق على جزئية منهم ينصرف ذهنهم إلى الكل.

حمد: هذا اللي أنت جيد فيه، الفلسفة بس، لكن ما عندك رد مقنع.

سعد: أقول تيس يقول أحلبه... أنت وش فيك اليوم؟ رد مقنع على ايش؟ على تفاهتها؟ للأسف توقعتك أذكى من كذا يا حمد.

حمد: أنا أحاول أفهم اللي صار اليوم، لكن الظاهر أنت مبسوط برحيل البنت لأن هذا يترك الساحة كاملة تتصرف فيها بكيفك؟

سعد: أي ساحة؟ ووش هو اللي بكيفي؟ أنت وش تبي بالضبط؟

حمد: يعني بكل بساطة أنت يا سعد تعمدت اليوم تطفش البنت عشان تقدر تكتب الرواية براحتك وعلى كيفك، أصلا ً أنت متضايق من الأسبوع اللي راح لأنها سبقتك في كتابة الفصل.

حمد: كما إنك ما تحب أحد يشاركك في الكتابة أو يعطيك رأيه في أي شيء، كل شيء لازم يكون كما تريده أنت.

سعد: وش ذا السخافات؟ لو كنت أبي أطفشها ليش جبتها من البداية؟

حمد: عشان تستعرض نفسك أمامنا وترضي غرورك بانبهارنا بك وبقدراتك، ولكنك تجننت لأن مجروحة عارضتك، وكان يمكن تتجنن لو أنا أو الليل عارضك.

سعد: أنت صادق بكلامك هذا و إلا تمزح معي؟

حمد: للأسف أنا كنت أتساءل من البداية على أي أساس اخترتني لهالمجموعة بدون حتى ما تقرأ لي شيء وبدون ما تعرف مستواي في الكتابة، لكن الآن فهمت أنه أنا والليل ومجروحة كنا مجرد أدوات لإشباع غرورك.

سعد: حمد... أنا أقدر أرد عليك ولكن أظن إنك في حالة غير طبيعية الآن ولذلك سأتجاوز ما قلته، لكن تأكد إني أبناقشك فيه بعدين.

حمد: غرورك يفسر كل شيء يا سعد ولا تزعل من هذا الشيء، كل الأشياء اللي حيرتني، كلامك في طريق النهضة، اختيارك لي في هذي المجموعة، تعاملك المتعجرف مع القراء، حتى قصة الحب اللي أخبرتني فيها، كل شيء يشير لغرورك اللي ما أدري وين بيوصلك.
...
..
.

( قلم بلا اتجاه) قام بتسجيل خروج.

* * *

ثم مضى زمن...

((

العزيز حمد

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أعلم أنك الآن بعيد جدا ً، وأعلم أنك ربما لن تقرأ هذه الرسالة إلا عندما تعود من سفرك، الذي أدعو الله أن يحقق لك فيه مقاصدك، وأن يعيدك لنا سالما ً غانما ً.

عندما نهضت اليوم في الصباح أحسست بأني سأفتقد شيئا ً جميلا ً في حياتي ابتداء من اليوم، رسائلك ووجودك.

لم َ أكتب لك؟؟؟ وأنا أعلم أن هذه الرسالة ستبدو لك بايتة عندما تعود وتقرأها، ولكني أريد أن أفعل ذلك، أن أكتب لك، أن أتخيل أنك مازلت موجودا ً وأني سأفتح بريدي ضحى الغد لأجد رسالة منك تتصدرها عبارتك الشهيرة ( أسعدتي صباحا ً آنستي).

تدري؟؟؟ هههههههههه !!! أنت الوحيد في العالم اللي يقول لي آنستي، فأنا في نظر الآخرين إما فاطمة، أو فطوم، أو فاتيما كما تنطقها ( مريم) الفليبينية التي تعمل معي، أو بنت، أو هيه، أو أخت، أو فتاة الأحلام، وهذا هو اللقب الذي تلقبني به أختي سراب، ودعني أؤكد لك أنه ليس خطابا ً وديا ً أبدا ً.

آنستي، أحببتها منك وصارت لي لقبا ً أفخر به، تدري يا حمد أحيانا ً أفكر بحالي قبل لقاءك؟ كيف كنت أقضي وقتي على المسينجر؟ لا أصدق الآن الساعات التي كنت أقضيها في الهذر مع صديقاتي، لا أصدق مقدار الكلام والمواضيع التي كنا نتحدث عنها، بينما أحس بجفاف تام عندما أريد الكتابة لك، لأني أريد اختيار موضوع يهمك ويعجبك.

تصدق؟؟؟ للحظات تخيلت أنك فعلا ً موجود وأنك سترد على رسالتي غدا ً، سبحان الله، هل تعلم ما تفسير هذا يا حمد؟ ما تفسير أن يكون هناك شخص قريب منا جدا ً حتى أننا نحس بوجوده حتى ولو كان غائبا ً.

سأفعل الآن ما تعودت على فعله، سأحكي لك كيف كان يومي.

نهضت في الصباح كالعادة، وفعلت كل الطقوس التي أخبرتك بها مئات المرات، ثم أوصلني أبي إلى عملي كالعادة، طبعا ً ظللت أتأمل السيارات طوال الطريق، وأصوغ قصة لكل وجه، حركة، لوحة أراها، عندما أكون في السيارة الساكنة، الصامتة، لا أفعل شيئا ً غير التأمل في المناظر التي تمر بي.

وصلت إلى البوابة التي تفتح آليا ً، وصفت لك شعور الدخول إلى المكان البارد، لفحة الهواء البارد التي تخترق حتى غطاء وجهي لتنفذ هناك إلى أقصى أعماقي، تلك اللفحة التي أعشقها رغم كل شيء.

ثم الرواق الطويل الذي صرت تحفظه من كثرة ما وصفته لك، ولوحة الإعلانات على اليسار، والنبتة الاستوائية التي أكاد أقسم أنها مزيفة على اليمين، ثم الدرج حيث أصعد إلى الطابق الثاني والغرفة الثالثة على اليسار.

طبعا ً كالعادة عندما أدخل أجد زميلاتي س وت وج وقد سبقنني، أتمنى أن أصل إلى المكتب ولو مرة واحدة وأجده خاليا ً، أتمنى أن أكون الأولى في الوصول إلى هنا ولو لمرة واحدة، ولكن هذه حكاية طويلة.

طبعا ً لا يمكنك أبدا ً أن تدرك كيف يمر الوقت هنا، لا أبطأ ولا أضجر ولا أكثر إثارة للملل من هذه الغرفة ومن هاته الزميلات، فـ ( س) لا تزال تتحدث عن زوجها وطفلها، أريد أن أفهم فقط كيف يمكن لها أن تجد كل هذه التفاصيل في حياتها، صدقني يا حمد عندما تعود من سفرك بإذن الله فإن التفاصيل التي ستعلق في ذهنك من هذه الرحلة كلها لن تساوي تفاصيل يوم واحد من أيام الأخت س.

تخيل !!! اليوم كانت تحكي لنا حكاية طويلة جدا ً ذات تفريعات كثيرة وتفاصيل مطولة عن خاتم أهداها إياه زوجها، سبحان الله !!! ألا يمكن لزوجها أن يذهب إلى أي محل ويشتري خاتم كما يفعل خلق الله؟؟؟ بالطبع لا فــ ( س هانم) تجعل من الحكاية ( ثلاثية سيد الخواتم) ومن زوجها ( فيغو مورتينسون) ذاته.

الله لا يؤاخذنا !!! أما الأخت ( ت) فلازالت تستعرض ملابسها وماكياجها، أريد أن أفهم !!! بالله عليكم !!! ليشرح لي أحد هذا ثم ليقتلني بعدها، من أين تأتي هذه الأخت بالطاقة والقدرة والرغبة على النهوض في كل صباح واختيار تنورة وبلوزة وحقيبة وكنادر مختلفة في كل يوم، ثم وضع ( فل مايك أب) قبل الحضور للعمل؟؟؟ لازالت في النساء من يثرن عجبي !!!

لا تظن أني أغار منها، لا والله فهي رغم البهرجة التي تقوم بها سيئة الذوق ولا تجيد اختيار ملابسها ولا وضع ماكياجها بالشكل الصحيح، لا أظن أن أحدا ً سيضع توليفة شدو وروج أسوأ منها.

تبقى الحبوبة ( ج) فهي الوحيدة التي تبعث الأنس في تلك الغرفة الكئيبة، بضحكتها العالية تلك، التي تسارع بكتمها بيدها البدينة وهي تقول ( يا خزياه !!! لا يسمعوني الرجال) أو بأكياس الـ ( إم أند إمز) وحلويات السنكرس والجالاكسي التي تملأ حقيبتها، التي تشبه حقيبة طفلة بحق.

لا أستطيع منع نفسي من الضحك في كل مرة تضع فيها يديها حول خصرها، وهي تقول ( يا ربيه والله إني دابة شوي)، يا حبي لها، رغم أنها أكبرنا سنا ً ولكنها طيبة القلب والروح.

المسكينة علمت قبل فترة أنها تعاني من مشاكل مع زوجها، طبعا ً لم أستطع معرفة كنه هذه المشاكل، فهي لا تخبرنا بذلك ولا تتكلم حول الموضوع، ولكن ( س) السوسة سمعت طرفا ً من مكالمة هاتفية لها مع زوجها، ويبدو أنها كانت تهدده بترك المنزل والذهاب إلى أهلها، ما أدري ماذا حل بهذا العالم؟ لا ريب أن رجلها بلا قلب حتى يستطيع إيذاء طفلة مثل هذه، والله العظيم أن الدنيا تسود في وجهي إذا جاءت متكدرة في الصباح، كأن أحدا ً كان يصيح فيها طوال الطريق، أو عندما تعود من دورة المياه وأعرف من عينيها الحمراوين أنها كانت تبكي هناك.

لا أريد أن أتشبه بـ ( س هانم) وأحول يومي إلى ألف ليلة وليلة، أو عفوا ً إلى ألف حكاية وحكاية في يوم وليلة، تصدق؟؟؟ هذا يصلح عنوان قصة، لا تسرقه واللي يخليك بأستخدمه بعدين.

عدت من العمل متعبة جدا ً، وكما تعرف لا غنى عن نوم العصر، تصدق؟؟؟ لا أذكر متى آخر مرة كنت فيها متيقظة عصرا ً، صرت أنام العصر حتى في إجازة نهاية الأسبوع، صار النوم عملا ً لا إراديا ً.

وكالعادة أوقظتني أمي لصلاة المغرب، فنهضت متثاقلة وأنا أشعر بأن رأسي بوزن حجر ضخم، فترة المغرب هي فترة عدم التوازن لي، التي أحاول فيها أن أجد نفسي بمساعدة كوب كبير من القهوة السادة.

بعد صلاة العشاء جاءت الفترة التي أدعوها بالملل الأعظم، تصفحت مجلة قديمة، قلبت في التلفاز، تجولت في الانترنت قليلا ً، تشاجرت مع أختي قليلا ً، أشياء كثيرة أفعلها بلا معنى، أحس بأن الليل طويل جدا ً، لم أتعود على النوم باكرا ً، ولكني أيضا ً لم أتعود على إشغال نفسي بشيء، بدأت أحن لأيام الدراسة والمذاكرة التي لا تحلو إلا ليلا ً، وذلك الرعب المعوي الذي يجتاحني في ليالي الامتحانات، آه سقى الله تلك الأيام.

مازلت أتحدث لك، رغم يقيني أنك لن تقرأ هذا إلا بعد مدة طويلة، ولكني أحس بأن هذا جميل، ها هي ليلة من حياتي أضعها كاملة بين يديك، ستمضي هذه الليلة بالنسبة لي، وستأتي بعدها ليالي عديدة، ولكن بالنسبة لك يمكن أن تحتفظ بهذه الليلة كما كتبتها أنا، أتمنى أن أقرأ بدوري بعض أيامك ولياليك.

لم أتعب من الكتابة لك، ولكني أظن أنك تعبت من القراءة لي، أنت لازلت تعبا ً من أثر السفر أذهب لتنام الآن، وستكون هناك رسائل أخرى بإذن الله، وداعا ً الآن، سأتفرغ للملل.

تصبح على خير.

))

* * *

نحن فقط من نتساءل ما الذي حدث؟ حمد لا يبدو أنه يتساءل بتاتا ً عن أي شيء، يبدو أن أيام التساؤلات والقلق ولت بالنسبة له، وبقيت له الآن أيامه التي يقطعها مع مجروحة أو فاطمة كما أخبرته باسمها فيما بعد.

خلفت له تلك الليلة العاصفة مع سعد قطيعة وأياما ً وليالي من التساؤلات، كانت تساؤلات كثيرة ومجنونة، ولكن بمرور الوقت وغياب سعد الكامل، وحلول مجروحة في محله بدأت تلك التساؤلات تخفت بقوة حتى صارت ذكرى عارضة في هذه الأيام الأخيرة من العطلة الصيفية التي بدت له أطول من المعتاد.

كانت تلك الليلة فيصلا ً، فسعد لم يظهر بعدها، لا في المسينجر ولا برسالة، لم يتصل به هاتفيا ً، لم يسمع أي شيء عنه من ذلك اليوم، كأنما هو اختفى تماما ً، كان حمد يعلم بأنه موجود من مشاركاته التي يراها من وقت إلى آخر في المنتدى، ولكنه لم يحاول الاحتكاك به، أو التعامل معه، أو الرد عليه، وذلك قبل أن يهجر المنتدى إلى منتدى آخر بناء على دعوة من فاطمة.

كان المنتدى الجديد منتدى ناشئا ً قليل الأعضاء، أكثر مواضيعه منهوبة من منتديات أخرى، أو مواضيع مكررة ومملة، ولكن حمد بدا سعيدا ً لأن كل أعضاء المنتدى بدوا طبيعيين، حمقاء قليلا ً بما يريح أعصابه بعد كل تلك المعاناة مع الأذكياء والنابهين، ثم إن مجروحة معه هنا وهذا يكفي.

كان حمد لأول مرة متشوقا ً لبدء الدراسة، كان متحمسا ً لإصلاح علاقته بمروان، أن يقص حكايته مع سعد على مسامعه، كان يتخيل ابتسامة مروان التي تعني ( هماي قايل لك) عندما ينهي القصة وهو يقول بخبث ومداهنة ( والله يا ليتني سمعت كلامك من البداية يا مروان كان أرتاح قلبي ولا دخلت في هالمعمعة)، ويتخيل مروان وهو يحاول إخفاء انتشائه بعودة الابن الضال إلى مرابع القبيلة.

كانت أيام الصيف قد بدأت بالنفاذ، واقترب فصل الربيع أم هو الخريف؟ الحقيقة أن تلك الفصول الأربعة التي درسها في كتاب العلوم للصف الأول، والتي لازال يتذكر الصور المعبرة عنها، صورة المرج التي تعبر عن الربيع، والشتاء الذي صور ثلوجا ً تغطي الأشجار، وصورة أوراق الشجر الحمراء المتساقطة التي كانت تشير إلى الخريف، وصورة الشمس اللاهبة التي تعني الصيف بدت بلا معنى عندما كبر، لا أحد يستطيع التمييز إلا بين فصلي الصيف والشتاء، أم الربيع والخريف فهما مضمحلان ومختلطان تماما ً، ثم أينها الثلوج وأينها المروج الخضراء؟ ليتهم درسونا واقعنا.

بالنسبة له لا أهمية لذلك كله، المهم أن الصيف سينقضي وسيعودون من جديد إلى البر، إلى مخيمهم، ستعود تلك الليالي التي يضحكون فيها بعمق، تلك الليالي التي يحمل لهم فيها الهواء رائحة النباتات أنضجتها الشمس ورواها المطر، وسيعود هو إلى جذع الشجرة الذي يحبه كثيرا ً، سيعود ليحكي له حكايات الصيف التي أحتبسها في صدره طويلا ً.

سيحكي حكاية ذلك الذي كان يوما ً محور أفكاره ومالئ دنياه بأقواله وأفعاله، وكيف صار اليوم طللا ً باليا ً، سيحكي للجذع حكاية التي صارت الآن ملح لياليه، حكاية التي علمته جمال الأشياء الصغيرة، ذلك الجذع... موعود بحكايات شتى.

سؤال واحد فقط، وحكاية واحدة لم تنتهي بعد، كجمرة دفنت على عجل، كانت الحكاية مجروحة وأما السؤال فكان... وماذا بعد؟

* * * * * * * * *



الفصل الثالث والعشرون – الأخير
الفصل الأخير

حرك الرماد المتخلف من رسائلها المحروقة بعود صغير، فانقلبت ورقة لم تحترق بالكامل، استطاع أن يلمح فيها عبارة ( فتنطلق روحانا إلى أبواب السماء)، نخسها بعوده ليعيدها إلى الجذوة الراقصة ويراقب حروفها وهي تتلوى وتذوي.

عندما احترقت آخر ورقة، رفع عينيه إلى الأفق أمامه وجعل يرقب خط التقاء السماء القاتمة مع الكثبان الرمادية، ولسعه الهواء البارد الذي يهب بعنف حاملا ً ذرات الرمل، منذرا ً بعاصفة مطيرة.

نهض ومشى متثاقلا ً تغوص قدماه في رمال النقرة التي أودع باطنها حبه، دفن هنا أجمل أيامه وولى، حرق هنا كل ما يذكره بها، رسائلها، خصلة شعرها، الكرت المزخرف المعطر، القلم الجاف الذي نقش عليه الحرفان الأولان من اسميهما.

ركب سيارته وانصفق الباب بدفع الريح التي بدت بدورها وكأنها تصفعه وتصفع سيارته بالرمل، قبع في الدفء خلف الزجاج يرقب هياج الريح خارجه ويسمع أنينها، ورأى من مكانه بقايا الرماد الذي خلفه والرياح تحمله لتذروه في مكان بعيد.

بدأت قطرات المطر تشارك الرمل في صفع زجاجه، تساءل بحزن ما هذا أيتها الريح ألا يكفي أنك ِ أدمعت ِ عيني بذرات الرمل حتى تبصقي علي الآن، طفر الدمع في عينيه فلم يمنعه، تركه ينزلق على خديه، يتخلل منابت لحية لم يحلقها منذ أسبوع.

وهناك، بين كثبان رملية ضخمة ترقد شمال الرياض، ووسط وادي قفر لم يذق رائحة المطر منذ سنين، وتحت زخات مطر مدرار، نسي قسمه بأن لا يبكيها، نسي رجولته الوليدة، نسي كبريائه وأنفته، وانطوى في مقعد سيارته الضيق ضاما ً رجليه إلى صدره كجنين خرج من بطن أمه قبل أوانه، وترك عينيه وأنفه تجودان بمائهما كما جادت السماء في ذلك اليوم المدلهم من حياته.

* * *

عندما توقف المطر، وهدأت الرياح، نزل يجر قدميه على الرمل الذي بدا متماسكا ً بقوة كأنما سد ماء المطر كل مساماته، كانت الكثبان الشهباء قد صارت الآن حمراء بلون الدم العبيط.

وصل إلى محرقته الصغيرة، التي نثرت الرياح معظم بقاياها وذرته في البرية، كان القلم المسود الأطراف يرقد هناك في بطن النار الموءودة، وقد غيبت النار جل ملامحه وغطته ذرات رمل وجدت فوق بقاياه ملجئا ً من الماء المنهمر.

كان قد تبقى طرف من القلم يلمع كشاهد على الأيام التي كان فيها يرقد هناك في جيب ثوبه العلوي، مجاورا ً قلبه، عندما كان قلبه عالما ً هائلا ً يضم مدن من الذكرى، وسهوبا ً من العواطف، وحكايات ليل آفل.

لم تكن المحرقة التي تتبدى أمام عينيه الآن هي المحرقة الأولى، بل سبقتها محرقة أكبر، محرقة في قلبه، أحرق فيها كل مدنها، وأشعل الحرائق في السهوب التي كان يظن أنها ستورق يوما ً لتكون بساتين وحدائق، نحر بعنف كل ذكرى لها، كل كلمة، كل تعبير، كل رسالة، كل محادثة، نحر كل وجودها الطيفي في حياته قبل أن يلتفت لوجودها المادي ويحمله إلى هنا.

عض شفته بقوة القهر والحنق، عضها عن كل ليلة قضاها ينتظرها، وعن كل ليلة قضاها معها، كاد يبكي خجلا ً من كل كلمة من كلماتها هزته أو بعثت فيه قشعريرة أو حلقت به حبا ً فوق الغمام.

عقد يديه على صدره مرتجفا ً من الهواء البارد الذي هب في تلك اللحظة، هواء الشتاء الذي ولى، والذي حمل معه بقايا ورقة تخلصت من غصن أثقل كاهلها طويلا ً فحملتها الرياح في طريقها، وتابعتها عيناه وتساءل " ما الكذب الذي كان فيها يا ترى؟" هل كان فيها ( أحبك يا حمد بعدد دواوين الشعر) أم ( أحبك، كلمة لم أظن أني سأقولها يوما ً) أم ( حمد لقد علمتني معنى آخر للحب).

" كذب... كذب... كذب... كيف استسهلت الكذب علي؟ كيف استطاعت النطق به؟ كيف فعلت هذا؟ كيف؟".

" لأني أحمق... أليس للكذب رائحة؟ أليس له طعم؟ كيف لم تزكم أنفي رائحته عندما خالطت رائحة الليل النظيفة؟ كيف فرت مرارة الكذب من لساني؟".

عاد الهواء يهب بقوة مخترقا ً عظامه، فغادر المحرقة، ثم غادرتها عيناه ووجه نفسه إلى سيارته، ضمه الدفء مرة أخرى، ولكن الرجفة لم تبرح جسده، وحالما نزلت سيارته الكثيب الذي كانت تشرف منه على الأشياء، بدأت قطرات المطر في تغطية كل الموجودات وفي إغراق زجاج سيارته الأمامي.

والسماء صارت بيضاء كراحة يد طفل، ولكنه كان في شغل عن هذا كله، مضى بالتعود والغريزة يرتقي الكثبان ثم يتحدر منها، وهو غارق في روحه الموحلة التي لا يغسلها المطر.

بدا له الطريق المسفلت بعيدا ً بعدما تجاوز آخر الكثبان وخرج على الأرض المنبسطة التي تحولت أرضها إلى قيعان وبحيرات صغيرة، دفع سيارته بقوة وحاور الماء والطين ومضى يثب كما تثب سيارته حتى خلص إلى الطريق المغسول اللامع.

اندفع في الطريق بضعة أمتار ثم انتبه أنه يمشي في الطريق المعاكس، هدأ من سرعته ثم انحرف إلى جانب الطريق حتى يمنح السيارة الصغيرة خلفه فرصة تجاوزه، وقف على جانب الطريق لحظات منتظرا ً عربة النقل الضخمة التي جاءت ترج الأرض بقوة وتقذف على زجاج سيارته الأمامي أخلاط الماء والطين.

امتدت يده إلى المسجل ودفعت شريط ( يا رجائي) الذي كان يبرز رأسه كنبتة صغيرة، لحظات وجاءه صوت ( مشاري العرادة) مترنما ً:

( فرشي التراب يضمني وهو غطائي

حولي الرمال تلفني بل من ورائي

واللحد يحكي ظلمة فيها ابتلائي

والنور خط كتابه أنسي لقائي)

استوت سيارته في طريقها، ولكن روحه بقت في تهويمها وحزنها، لا يعلم لم َ يحب الاستماع لهذا النشيد؟ رغم أن كلماته لا تناسب كثيرا ً من أوقات حزنه، ولكنه يحس دوما ً كأن الكلمات تتغير دوما ً وتتبدل لتناسبه.

( والأهل أين حنانهم باعوا وفائي

والصحب أين جموعهم تركوا إخائي)

حقا ً يا مشاري... ما أسهل أن يتركك الناس، ما أسهل أن يخونوك، أن يبيعوا وفائك وقلبك، ما أسهل هذا كله.

( والمال أين هنائه صار ورائي

والاسم أين بريقه بين الثنائي

هذه نهاية حالي فرشي التراب يضمني وهو غطائي

والحب ودع شوقه وبكى رثائي

والدمع جف مسيله بعد البكاء ِ

والكون ضاق بوسعه... ضاقت فضائي

فاللحد صار بجثتي أرضي سمائي

هذه نهاية حالي... فرشي التراب

فالخوف يملأ غربتي والحزن دائي

أرجو الثبات فإنه قسماً دوائي

والرب أدعوا مخلصا ً أنت رجائي

أبغي إلهي جنة فيها هنائي).

* * *

كانت البداية في بطن ليلة، كانا قد وصلا حينها إلى مرحلة التعلق، حيث لا تعود الرسائل والمحادثات المطولة كافية، حيث تمضي العواطف كالخيل المتفلتة بلا أعنة، وحيث تنحصر الحياة بين إرسال الرسالة أو العبارة وانتظار الرد.

جاءت تلك الليلة متأخرة، لمس ألمها وحزنها حال دخولها، وعلم عندما صار يستبطأ إجاباتها ويستغرب اقتضابها أنها تبكي، علم أن حروفها التي تبرق على شاشته تحمل لمعة الدموع على خديها، وتشي بأنين قلبها المحروق.

كانت حزينة ومتألمة، كسيرة الطرف، جاءت تحمل معها يوما ً خانقا ً، وذكرى صديقة لم تعد كذلك، تركت روحها لحمد يواسيها وينسل منها تعاستها وألمها، كانت كلماته رقيقة مواسية، فتح لها قلبه وعزاها عن فراقها الوقتي لصاحبتها بحكاية فراقه مع صنوه ( ابن عمه) الذي توفي قبل سنوات، استرجع معها ذكريات الحزن، والأيام التي بث فيها حزنه شجرته تلك التي يضمه جذعها.

عندما رحلت فاطمة بعجل تلك الليلة، كانت قد خلفت له شيئين كلمة ( أحبك) على الشاشة، وحيرة واضطرابا ً عصفت بليلته تلك ويومه التالي.

هل كان حبا ً ذاك؟ أم كان عاطفة بلا اسم؟ لا أحد يعلم، كل الذي يعلمانه هو أن الحديث بينهما خرج عن السيطرة، وأن كلمات الحب صارت مبثوثة في تلك الرسائل والمحادثات.

صار يعرف عنها كل شيء، وصارت تعرف عنه كل شيء، تبادلا المعلومات بلا توجس أو حذر، كأنما يريدان جمع روحيهما بتلك الروابط البائسة.

ثم جاء الوقت الذي انفلقت به البذور وأطلت براعم العلاقة من تحت التربة، كان الخريف قد جاء وعاد الصحب إلى مخيمهم ذاك، عادوا بذات الروح التي تجمعهم دوما ً، والأيام وطول الافتراق قد أصلحت بعض ما بين حمد ومروان.

مضى حمد لأول نهاية أسبوع يقضيها في البر منذ الربيع الماضي، لم يستطع إغماض عينه في أول ليلة، ظل يتقلب في فراشه، وفاطمة في ذهنه، ماذا تفعل الآن يا ترى؟ كيف تقضي ليلتها من دوني؟ هل تدخل الانترنت؟ أم تعتزله حتى عودتي مساء الجمعة كما أخبرتها؟.

في صباح الغد الذي كان أقرب إلى صباح شتاء مبكر منه إلى صباح خريفي معتدل، اضطر حمد إلى إثقال نفسه بالثياب قبل الخروج في جولته الأثيرة، في ذلك الصباح كبلته نفسه بالتفكير وكاد الشوق يجره إلى الرياض.

عندما عاد مساء الجمعة وجد بريده مكتظ بالرسائل، وفاطمة تنتظر، تساءل حمد هل سيكابدان هذا الشوق في كل نهاية أسبوع؟ وجد الإجابة مباشرة في رقم هاتفها المحمول الذي تألق على الشاشة لحظتها.

كتبت ( لا تتصل أرجوك... لنتبادل الرسائل فقط، أفتقدك كثيرا ً، وأريد أن يكون بيننا رابط عندما تغيب عن الانترنت)، لم يجسر على تدوين الرقم في جهازه، حفظه في ذهنه فقط، وأرسل لها ( شكرا ً لك ِ، كنت خجلا ً من طلبه منك ِ، كنت أخشى أن يفسر الطلب بطريقة أخرى).

عندما حلت نهاية الأسبوع التالي، وصلته الرسالة الأولى عندما ترك أبنية الرياض خلفه، ثم تتالت الرسائل في تلك الليلة وفي اليوم التالي حتى اضطر إلى تحويل وضع الجهاز إلى الوضع الصامت حتى لا تفضحه كثرة الرسائل بين أصدقائه.

ثم جاءت نهاية الأسبوع تلك التي فرغت فيها بطارية جواله، كان قد نسي شحنها في اليوم السابق قبل مغادرة الرياض، فصار جواله كقطعة حجر بلا معنى، ألقاه في السيارة بحسرة وضيق.

وعندما عاد الجمعة، بادر إلى وصل الجوال إلى الكهرباء، وحالما اشتغل الجوال بدأت الرسائل تترى إلى جواله، فكر أن يقرأها مرة واحدة، فترك الجوال يهتز ويومض في ظلام الغرفة وخرج لبعض حاجته.

عندما عاد بعد دقائق استغرب أنه لازال يومض، تساءل " كم رسالة أرسلتها يا ترى؟ يا لهف قلبي عليها، لقد قلقت علي"، ولكن موجة باردة عبرت ظهره حالما وصل الجوال واكتشف أن الوميض لم يكن رسالة بل كان اتصالا ً، كان رقمها يهتز ويدق على الشاشة كدقات قلبه.

وضع سماعة الجوال على أذنه بتردد وضغط زر الإجابة، فجاءه صوتها الهامس

- السلام عليكم.

حالما وجد صوته أجاب:

- وعليكم السلام.

- حمد؟

- نعم.

- وينك؟ حرام عليك، انشغل بالي عليك.

- آ... كنت في البر والشحن مخلص ولا فيه شاحن أشحن فيه.

- آسفة على إزعاجك، حبيت أتطمن بس... مع السلامة.

بقي صوتها في أذنه طويلا ً، صار يحمل نبرتها الخافتة معه في الصباح والمساء كترنيمة، وصار يتمنى في قرارة نفسه أن تعاود الاتصال به، ورغم أنه كان أحيانا ً يتعوذ من وسوسة الشيطان وكيده إلا أنه لم يستطع منع نفسه من الأمل.

ثم جاءت نهاية أسبوع أخرى، وردته رسالة منتصف الليل وهو في فراشه بين الأغطية والدفء، كان شخير أصحابه يتجاوب في ظلام الخيمة عندما برقت الرغبة في ذهنه بسرعة، أراد أن يودعه صوتها إلى عالم الأحلام، حاول قهر أصابعه ولكن رغبته تغلبت على كل شيء، منهي دينه، صوت عقله، والدفء الذي لا يجتلب بسهولة.

كانت البرودة تغطي كل شيء في الخارج، وترزح تحت ثقلها الموجودات، وجمر ليلتهم المنقضية يلمع بين الرماد وهو يلتصق بدلالهم المسودة، دفع قدميه بجواربهما السميكة إلى نعلي مروان الواسعين القريبين ولف جسده بالفروة السابغة الدافئة وخرج.

جمع أنفاسه المتفرقة وطلب الرقم المستحيل، دهمه الصقيع فارتعش إثارة وبردا، وقف هناك بجانب الوتد المغروس إلى نصفه، يسمع صوت الرنين على الجانب الآخر، وسخونة يده التي تحتضن الجوال تنفذ إلى أذنه، تساءل " هل ستجيب؟"، عندها توقف الرنين وجاءه صوتها هامسا ً:

- هلا.

- السلام عليكم.

- وعليكم السلام.

- آسف لأني اتصلت بس ما قدرت أمنع نفسي من إني أقول لك تصبحين على خير.

- وأنت من أهل الخير.

- مع السلامة.

- مع السلامة.

كان حوارا ً قصيرا ً ليلتها، ولكنه فتح الباب وشرعه لحوارات أطول وأكثر وأجرأ، استبدلا موعدهما الليلي على المسينجر بآخر على الهاتف، واندفعا في كلمات بلا حساب، وصارا يتنافسان في نضح مشاعرهما بلا روية.

كان حمد يتوقف أحيانا ً ليتساءل" إلى أين وصلت؟"، وكان يتعرض لصراع ضخم ينهكه بين دينه وأخلاقه وبين رغبته وهواه، ويمضي يجادل نفسه بقوة " ألا تخاف ربك؟ هل ترضاها لأختك هيلة؟ هل ترضى لأحد أن يقول لأختك ما تقوله أنت لبنت الناس؟ ألا تخاف الله؟" ثم يعود ليقنع نفسه " ولكن أنا لا أضمر لها شرا ً، ولم أقل لها أي كلام مبتذل، هي مشاعري فقط أخبرها بها، أنا ليس لي نوايا كما الشباب الآخرين، علاقتنا قائمة على المحبة والتفاهم".

وكانت فاطمة بدورها تتساءل كل يوم عن حالها، كانت مشاعرها نحو حمد أقوى من كل أخلاقياتها ومن كل ما تعلمته أو هذا ما كانت تظنه، وكانت تتساءل " هل هذا هو الحب؟ هل تحب حمد؟ ولكن كيف تحبه وهي لا تعرف عنه إلا ما يخبرها به؟ ثم كيف تأمنه على نفسها؟ كيف تأمن من يجترأ على محارم الله على نفسها؟" ثم تعود لنفسها قائلة " ولكن حمد طيب، وهو يحبني"، ولكن كيف أعرف أنه يحبني هل يكفي قوله؟ هل تكفي كلماته؟

ثم تطورت العلاقة بينهما عندما أخبرها حمد باعتزامه تقديم هدية لها، قال لها في ذلك اليوم بعدما اعترضت:

- فاطمة... هي هدية بسيطة، عبارة عن قلم يحمل الحرفان الأولان من اسمينا ( ح و ف)، أريد أن يرمز القلم إلى علاقتنا التي بدأت من الكلمة ومن القلم.

- حمد... صدقني هديتك وصلت بدون حتى ما أستلمها وشكرا ً لك على ذوقك.

- براحتك... لو حبيتي تشوفين ذوقي فيه محل هدايا موجود في (.......) لوحته زرقاء، أرسلي أحد أخوتك ليستلم الهدية منه، قولي له أن صديقتك ِ تركتها هناك.

كان حمد قد عبث الآن بالفضول الأنثوي العتيد، ولذلك لم تطق فاطمة صبرا ً، وأرسلت على وجل أخيها الصغير إلى المحل وأوصته بالسرية في الحصول على هدية صديقتها حصة ( زعمت لتبرير حرف الحاء) ووضعت بين يديه مظروفا ً صغيرا ًَ ملفوفا ً بعناية ومعطرا ً، وأوصته أن يتركه هناك مكان القلم.

وكان ذلك المظروف الصغير كرتا ً مزخرفا ً كتبته بخطها ولفته بخصلة من شعرها، ورشته بشيء من عطرها، لتتركه أثرا ً بين يدي حمد يدله عليها، شيء يحمل روحها وشيئا ً من جسدها ورائحتها.

وهكذا مضت بهما الأيام، ودعا صيفا ً وخريفا ً سادرين ثم استقبلا شتاء ً تدفئه علاقتهما، حتى كان ذلك اليوم.

وردها اتصال من صديقة قديمة ( مي) منذ أيام الدراسة الجامعية، ثرثرتا طويلا ً على الهاتف وأطلقتا كثيرا ًَ من الزعيق وهما تتذكران أيام الجامعة وأخبار فلانة وعلانة، وفلانة التي تزوجت وفلانة التي تعمل في كذا، ثم أخبرتها صديقتها بأنها تنظم لشبه اجتماع أو حفلة لصديقاتهما القديمات في استراحة والدها الفخمة قرب مخرج تسعة، وانتهت المحادثة بوعد من فاطمة بالحضور.

بدأت فاطمة بعدها مرحلة إقناع أمها وأبيها بالذهاب، وبعد المحاولات الأولية الشهيرة بـ ( وشوله بس اقعدي، والله إن بنات هالوقت ما بهن بركة... إلخ) وافق الأبوان على ذهابها.

استعدت ذلك اليوم جيدا ً، أمضت ساعة كاملة في اختيار ملابسها، وتسريح شعرها، ربما كان في اهتمامها الزائد شيء من بقايا الدونية التي كانت تشعر بها أيام الجامعة عندما كانت المنافسة في التسريحات والأزياء على أشدها، وكانت هي حينها تتكئ على المكافأة الضئيلة، لا على راتبها الجيد الآن الذي صار يوفر لها كثيرا ً مما لم تكن توفره لها الأيام الماضية.

أوصلها والدها متأففا ً منتقدا ً كعادته إلى الاستراحة، حيث كانت بضعة سيارات فخمة متوقفة هناك والسائقين الشرق آسيويين يتبادلون الأحاديث، انتظر والدها حتى ولجت الاستراحة قبل أن يمضي.

استقبلتها صديقتها ( مي) عند الباب، تعانقتا وهما تتكلمان وترحبان في نفس الوقت، كانت الفتيات الأخريات يحطن بحوض السباحة الذي تلألأ بالأنوار وقد اصطفت حوله أرائك وكراسي مريحة، وتناثرت طاولات صغيرة بديعة الشكل رصت فوقها تشكيلة من العصيرات ومن الكعك المغطى بالزبيب أو بقطع الفراولة والمشمش، وطاولات أخرى تحمل أواني خزفية ممتلئة بالشاي وأنواع القهوة.

جذبتها مي إلى المجموعة وتداخلت أصوات الترحيب والكثير من الـ ( يووووه) والـ ( مو معقوووووووول) والـ ( ياااااا الله) والـ ( ما ني مصدقة)، طبعا ً استأثرت ( جوري) التي كانت حامل ببعض الصراخ، وحظيت ( شجون) المخطوبة بجزء آخر، ولـ ( أحلام) التي فقدت بعضا ً من وزنها جزء.

عندما هدأت الأوضاع كفت الفتيات عن الصراخ الهستيري وبدأ الحديث بينهن والضحك، ومضت الليلة جميلة رائقة محملة بالذكريات والحكايات التي لا تنقضي، وبعد العشاء رحلت أكثر المدعوات وتبقت مي المضيفة وفاطمة وهند فجعلن يقطعن وقت الانتظار بالحديث الذي تباطأ الآن، قادهم الحديث إلى الانترنت وأشهر المواقع والكتاب وما يدور فيه وكان لدى هند حكاية مثيرة.

أخبرتهم هند عن حكاية زميلتها في العمل والتي كانت على علاقة مع شاب في الانترنت، كان يوهمها بأنه يحبها وكانت كلماته لها أرق وأنعم ما سمعت في حياتها، والعلاقة بينهما تتطور يوما ً بعد يوم، حتى اكتشفت في يوم من الأيام بأنه أخترق جهازها وسحب منه صورها وصور صديقاتها والكثير من أسرارها ومتعلقاتها، ثم هددها بواسطتها، أخبرتهم هند بصوت خفيض عن طلبه لقاءها وخوفها من الفضيحة، رفضت ولكنه هددها وصار يطاردها حتى أنه كان يتصل بها في العمل، أخبرتهم كيف أن الله هداها ولم تستجب لطلبه وإنما لجأت إلى إحدى زميلاتهم في العمل، امرأة كبيرة في السن ذات تخصص اجتماعي ولها تعاون مع دور الرعاية الاجتماعية، وكيف نسقت تلك المرأة مع هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليتم التوصل إلى الشاب والقبض عليه والتحفظ على جهازه، وإحالته إلى القضاء بسرية تامة حفاظا ً على الفتاة، كانت حكاية قطع خاتمتها اتصال والد فاطمة الذي وصل وينتظرها في الخارج.

خرجت فاطمة متعثرة وبانقباض خفي في معدتها، كانت حكاية تلك الفتاة قد جعلت صرحها الذي ثبت دهرا ً على الرمال يهوي في لحظات، حركت تلك الحكاية أشياء كثيرة وأثارت مشاعر كانت مدفونة فصارت الآن ترى نفسها بعين الخيال مكان تلك الفتاة.

عادت إلى البيت، أغلقت جوالها حتى لا تستقبل اتصال ما قبل النوم من حمد، وبدأت تفكر لأول مرة كيف يمكنها أن تنهي هذا العبث؟ لقد ظنت لأيام خلت أنها لا تستطيع التخلي عن حمد، ولكنها الآن لا تحس إلا برغبة شديدة بالفرار منه، أذهلها هذا الانقلاب المفاجئ في مشاعرها، وتساءلت هل كان لديها مشاعر أصلا ً؟

قضت تلك الليلة في التفكير بوسيلة جيدة لإنهاء تلك العلاقة المتشعبة، هل تتجاهل مكالماته؟ ولكنه يعرف كل شيء عنها، يعرف حتى أين تعمل، " يا لغبائي... لم كنت ثرثارة هكذا؟ لم أخبرته بكل شيء؟"، ألا يمكنها الطلب منه بكل بساطة إنهاء العلاقة؟ " ماذا لو رفض وهددها؟"، ولكن يهددها بماذا؟ " بأي شيء... إنه يعرف عنها وعن صاحباتها ما يكفي لإفساد علاقتها بنصف من تعرفهم".

هكذا ذهبت إلى العمل من الغد وهي نصف نائمة، والخدر يسري والتعب يغطي مساحات جسدها، وضعت جوالها المغلق أمام ناظريها، وفكرت هل تفتحه؟ كم رسالة يا ترى ستأتيها؟ كم اتصالا ً اتصل بها البارحة؟

فكرت عندها لم لا تتجاهله ببساطة، كما دخلت حياته ببطء، تنسل منها ببطء، ترد على مكالماته وتتجاهل بعضها، تحاول الانسحاب بشكل لا يثيره ولا يغضبه، ما الاحتمالات الممكنة لهذا الحل؟ إن كان من نوع الشباب الذين لديهم كرامة سيتجاهلها ويرحل من حياتها فورا ً، أما إن كان من طينة الشباب اللحوحين المزعجين فيمكنها التذرع عندها ببعض الانشغال ومحاولة البحث عن حل آخر.

وهذا ما كان، بدأ حمد يحس ببرودة تزحف لتغلف المسافات بينهما والتي تضاءلت كثيرا ً، صارت مكالماته ترن بلا معنى أو مجيب أكثر وأكثر، بدأت رسائله وعواطفه تتراكم بلا رد أو يكون الرد إن وصله بارد متقلص.

فكر أولا ً أنه ربما أغضبها أو ضايقها في شيء ما، حاول أن يتذكر أي شيء بينهما ولكنه لم يجد، ففكر عندئذ أنها ربما تمر بمرحلة من الكآبة والضيق التي تطوف بالفتيات في هذا العمر، حاول التخفيف عنها وبث شيء من عواطفه في رسائله أو مكالماته ولكنه لاحظ تهربها من الرد أو تشاغلها.

طالت المدة فتجرأ على سؤالها عما يضايقها؟ فأنكرت أن يكون هناك شيء، ربما هي مشاغل الحياة وضغوطات العمل، لم تقنع هذه الحجة التقليدية حمد، ولكنه تلقفها مرغما ً حتى لا يفتح جدلا ً هو في غنى عنه.

بدأت الكلمات والتعابير تضمر بينهما، وتساءل حمد أكثر وأكثر ما الذي حدث؟ وكيف حدث؟ ثم برق خاطر في ذهنه، " هل كانت تخدعه؟ هل هي تعبث به؟ هل كانت مشاعره وقلبه مجرد عبث ملت منه الآن وتفتش عن تسلية أخرى؟ أم هل هناك آخر؟".

آلمته الأسئلة فطلب الحقيقة وإن كانت مرة، قرر مراقبتها انترنتيا ً، واستطاع بكل بساطة اكتشاف أنها تتواجد على الشبكة كثيرا ً ولكنها تبقيه بعيدا ً عنها، هل صارت تضع حضرا ً عليه كما فعلت مع سعد؟ مع الأيام صارت الإجابة واضحة.

وانفجر غضبه يوما ً عندما غادرت المسينجر على عجل مدعية أنها مدعوة إلى حفلة عشاء، وبعد ربع ساعة رصد مشاركة لها في أحد المواقع.

أقسم أن ينساها وفي الغد حمل كل ما يربطه بها، هديتها، رسائلها التي طبع عددا ً منها حتى يقرأها في مكانه المفضل، كل ما يخصها أو يذكره بها، وغادر الرياض بحثا ً عن مكان يفرغ فيه غضبه وكان ما كان.

* * *

(

هذه طريقة جميلة تعلمتها لأحافظ على صفاء ذهني وحتى لا يجرفني سيل الأفكار الذي لا يرحم، وهي أن أقوم بكتابة أفكاري التي أفكر بها في ورقة حتى يمكنني تخفيفها من ذهني، كما أن الكتابة تبطئ التفكير لأنها أقل منه سرعة، وحتى يكون هناك تناغم بين ما أفكر به وما أكتبه ( هكذا قرأتها في ذلك الكتاب، ماذا كان اسمه؟ أممممم، لا أذكر).

الأيام الماضية كانت صعبة جدا ً، يجب أن أعترف بهذا، كما أعتقد أن التجارب التي مررت بها تحتاج مني إلى وقت أطول لدراستها واستخلاص نتائج منها، سأكتفي الآن بكتابة ما أشعر به وربما القليل من الآراء التي سيفيض بها عقلي المنهك.

تعلمت ولكن بثمن باهظ دروسا ً لا تقدر بثمن في العلاقات وفي طريقة التفكير، أظن أني سأظل مدينا ً إلى آخر عمري بما علمتني إياه التجربة.

تعلمت الفرق بين العقل والهوى، تعلمت كيف ينحدر الإنسان بسهولة عندما يظن أنه مكتف بذاته، قادر بذاته، تعلمت كيف ينحط عندما يجعل قائده هواه، كيف يتردى وتتضارب أفكاره وأحكامه.

تعلمت أن النية الحسنة لا تكفي، وأن الصلاح يتحقق عندما يستوفى في القصد والفعل، وأني وإن حسنت مقاصدي فذلك لا يكفي إن كانت طرائقي واهيات.

كيف انظر إلى فاطمة الآن؟ وإلى نفسي؟ وإلى ما حدث؟ لا أريد أن أظلمها ولا أن أظلم نفسي، كلنا نتحمل جزء من الخطأ عندما سمحنا لعلاقة بنيت على أساس هش هكذا بالتطور والتفرع حتى جاء اليوم الذي تداعى فيه أساسها فتداعت تداعي الجدر المنخورة.

عندما انظر لما حدث، لا أستطيع منع نفسي من تحميل جزء من اللوم عليها، وجزء آخر لي، ألومها على انسياقها في العاطفة وهي موقنة بأنه لا نهاية واضحة لها، حيث الكف في حق الفتاة أولى لأن الحياء زينتها التي زينها بها ربها، وألوم نفسي لأني نسيت العقل أو تناسيته ومضيت سادرا ً حتى إذا انتهى كل شيء غضبت لا للحق ولكن لنفسي.

ورغم النهاية المؤلمة لهذه العلاقة ولكني أجد أني ارتحت كثيرا ً حالما زال غضبي وحنقي، وحالما وجدت نفسي من جديد حرا ً طليقا ً كما كنت، تخلصت من الشعور بالذنب وبالدنس، وعدت من جديد إلى الاستمتاع بالأشياء الصغيرة التي حرمني الانترنت وعلاقاته منها.

أعرف أني أمر بسن حرجة، وهي السن التي يحاول فيها الشباب دوما ً رسم شخصياتهم، وفهم علاقاتهم بمن حولهم، هي سن حرجة لأني لا أستطيع فيها فهم كيف يجب أن أعامل الناس كما أن الناس لا تعرف كيف يجب معاملتي.

هي سن حرجة لأنها بين الطفولة والرشد، ولأنه مطلوب مني حجب الكثير من رغباتي وحماقاتي، لأثبت للجميع أني تجاوزت مرحلة الطفولة ولكل من ألتقيه أني صرت رجلا ً، كم هو الألم والتعب الذي نقع فيه في مثل هذا العمر عندما نعمل جاهدين على حجب وطمس كل آثار الطفولة كأنها آثار جريمة أو عار، كم هو مؤلم أن أمتنع عن إظهار الاهتمام بأي شيء كنت قبل سنوات قليلة أبحث عنه بجنون، كل الأشياء الصغيرة التي كانت تلون حياتي، المجلات المصورة، ألعاب الفيديو، أفلام الكرتون، القصص الرومانسية، الشوكولاتة والحلويات كلها يجب أن أئدها أمام أنظار الجميع لأنال مباركة الولوج إلى عالم الرجولة.

في هذه السن التي أخوض فيها مثل هذه الحرب الشرسة، وأعيش فيها هذه الحالة من التمزق الداخلي وعدم الفهم، يكون علي أيضا ً أن أحدد الكثير من الأشياء التي ستقرر مصير حياتي، فلا عجب إذن أن أجد كل هذه الأخطاء والقرارات الاعتباطية التي تسمني وتسم الكثيرين من أبناء جيلي.

بالتجربة فهمت الآن كيف يجب أن أتعامل مع الانترنت والأرواح الهائمة فيه، كيف يمكنني الوصول إلى العقول والأفكار فيه بدون الوقوع في حبائل العواطف والعلاقات التي تجر ألما ً.

فاطمة صارت تاريخا ً بالنسبة لي، فقدت كل ما يربطني بها في هوجة الغضب تلك، أحرقت وتخلصت من كل ما يذكرني بها، بقيت فقط ذكريات تلك الليالي المسهدة فقط، وذكرى صوتها المتسلل كأفعى.

هل أكرهها؟ لا أظن... ربما فقط أريد أن أتخلص من كل ذكرى لها لأنها تذكرني بضعفي وبأخطائي.

تبقى الآن الجزء الذي أتهيب الوصول إليه والتفكير فيه، الجزء الذي ظننت أني دفنته تحت ركام علاقتي بفاطمة وتحولاتها السريعة، ولكن ها هو قد تبدى بعدما أزحت ذاك الركام وأحرقته، ها هو يتبدى كنقش قديم واضح ومفهوم.

سعد... وعلاقتي به ونهايتها المخزية مازالت تنتظر مني فهما ً أو تفسيرا ً على الأقل لنفسي، من أنت يا سعد؟ وكيف سأنظر إليك الآن بعدما باعد العهد بيننا؟ هل أنت ذلك الفتى النابه الذي لم يجد من يفهمه؟ أم أنت ذلك المغرور الذي لا يرى إلا نفسه.

بالأمس، أو ربما الذي قبله عدت لقراءة روايتك تلك ( صفحات حب تذروها الرياح)، لا أعلم ما الذي ذكرني بها؟ أو لم أردت قراءتها؟ أحسست أنها تجذبني بقوة إليها وعندما انتهيت منها، أدركت كم أنت رائع يا سعد، وقرأت بعض الرموز التي بثثتها في تلكم الحروف.

كانت روايتك تلك رواية بشتى التفاسير، كان خالد فيها هو المثال والأنموذج الذي لم أستطع الوصول إليه، كان الرمز الذي ضل الكثيرون عنه، فكرت بالأمس إذ تذكرت أنك لا تهمل التفاصيل أبدا ً بمغزى الاسمين الذين اخترتهما لأبطالك، لم َ خالد؟ ولم نورا؟ خالد... ربما من الخلود لأنه خلد الفكرة على حساب الشخص، خلد فكرة القوة والانتصار على الضعف، فكرة أن أقوى الأقوياء هو الذي ينتصر على ضعفه وعلى رغباته ويفتح له دربا ً حيث لا دروب، أما نورا فربما من النور الذي يحرق بذاته ولكنه ينير لنا الدرب.

فكرت بالأمس وأوراق روايتك تغفو بين أصابعي، بلم َ كانت نورا في الرواية كالطيف الخفيف بينما استأثر خالد بكل المساحات؟ هل كنت تطلب منا التركيز التام على الفكرة وتجاهل الباقي، أم كنت ترمي إلى أن نورا كالنور يؤلمنا عندما نطيل النظر إليه، عندما نحاول معرفة مصدره بدل الاكتفاء بأثره علينا.

سعد... لم تكن تلك مجرد رواية بل كانت فلسفة حياة، وأظن أني سأحتاج إليها كثيرا ً، أظن أني سأعود إلى قراءتها بين حين وحين لأستخرج منها كنوزها المدفونة في كل سطر، حيث كان غرورك يلزمك بأن تودع في كل عطفة من عطفاتها سرا ًمن أسرارك.

لقد فقدتك يا سعد... وكل ما تبقى لي الحسرة والألم، كنت بشرا ً يا سعد ولكن لا أحد غفر لك بشريتك، طالبناك بأن تكون كاملا ً وأن لا تخطئ كالآخرين، حاولنا تفسير كل أفعالك وتصرفاتك كأنما فرغنا من أفعالنا وتصرفاتنا، لم نغفر لك أن بحر خصالك كان مشوبا ً ببعض زبد الضعف الإنساني، بينما بحيراتنا الصغيرة ماتت كل كائناتها مختنقة بالجهل والزيف.

ربما كنت مغرورا ً يا سعد، ربما أحببت نفسك كثيرا ً جدا ً، ولكنك كنت صادقا ً مع نفسك دوما ً ومع الآخرين، كنت تبحث عن روح تنفس عليك بعضا ً من وحدتك الروحية والعقلية القاتلة، ولكن من قال أن السخف والضحالة تحابي أحدا ً.

لقد علمتني أشياء كثيرة يا سعد، سأظل وفيا ً لها ولأفكارك، سأخبر الجميع دوما ً بأني عرفت شخصا ً مثلك ولكني أضعته بكل بساطة وحماقة، لا بل ربما أكتب عنك يوما ً كتابا ً... رواية، أخبر فيها الجميع عن ذلك الذي منحني أشياء كثيرة في حياتي، ذلك الذي كان ملهما ً لي.

وعندما أفعل ذلك يا سعد، سأتقيد بكل تعليماتك، كل آرائك، سأصنع الرواية كما تحب أن تكون، سأضع النهاية كما تحب أنت النهايات، سأتعامل مع الشخوص كما تتعامل أنت مع شخوصك، لن أكون المدعي والقاضي سأدع الحكم للناس وللتاريخ.

وسأهدي تلك الرواية لك، سيكون كل حرف فيها تحية مفردة لك، وعندما أنتهي سأسميها... ( بلا اتجاه.(


حمد




تمت بحمد الله

•ρяỉŋсзѕѕ•~
10-29-2006, 08:14 PM
رائع ماكتبتي ..................

قصه جميله...................

شكرا على الجهد المبذول...........................

.........................

سولاف$
11-14-2006, 02:17 AM
مشكورة اختي على مرورك
:fkjuiyhag
دمتي بخير

سيدة الفجر
11-20-2006, 08:04 PM
هي رواية أكثر من رائعة ...

عشت معها كل حالاتي ..

احترت لحيرة حمد ..

وزهوت بكبرياء سعد ...

خجلت من حياء فاطمة ..

وغضبت مع مروان ..

رائعة هي القصة ..

واقعية جداً ..

ذات خيال واسع ..

سلمت يداك عزيزتي على النقل الأكثر من رائع ..

ولك جُّل ودي ..

تقبلي تحياتي

زيادة اخشن عشان احسن
11-21-2006, 11:26 AM
رااااااااااااااااااااااائعه هذه القصه .....

ورائعه الأفكار التي تحملها هذه القصه .....

كم تأثرة بها ..... وكم عشت في تفاصيل هذه القصه ....

لكن هناك شخصيه أعجبتني كثيرا ......

هو ملهم حمد في أفكار هذه القصه .......



في هذه القصه تعلمت درسا لن أنسها طيلت حياتي .....؟؟؟؟؟؟

شكر لك حمد .....<<< صاحب القصه

شكرا لك سولاف....<<<< ناقله القصه ....أحسنتي الأختيار لنقل هذا الإبداع

عنيده وراسي يابس
11-23-2006, 12:58 AM
القصه رووووووعه بمعنى الكلمه
عشتها بكل تفاصيلها
واكثر شئ عجبني كبرياء سعد
وبساطة حمد
وتراجع فاطمه
وحركات مرواااان
يعني كلمة روووووعه قليله عليها
المهم
مشكورة اختي
ويعطيك العافيه
ويسلموووووو على النقل والذوق الرائعين




عنيده وراسي يابس مع التحيه

بنت جيرانكم
11-23-2006, 02:47 AM
قصة رااااااااائعه بمعنى الكلمه

انا قريتها قبل ومن كثر ماعجبتني حفظتها في جهازي

وكل مرة أقراها كأنها أول مره

الله يعطيك العافيه على اختيارك الرائع

http://www.alfrasha.com/up/1187174551327001271.gif
أختك:
http://www.alfrasha.com/up/20452639221925944897.gif

ابرررز الفراشات
11-23-2006, 09:08 PM
مشكورررره على النقل الرائع

وبصراحه أإعجبتني القصه مره

ويسلمو على النقل الرئع

سولاف$
11-13-2007, 01:13 PM
الاروع هو تفاعلكم

شاكره مروركم

دمتم بخييير


Content Relevant URLs by vBSEO 3.6.0