المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نظرات بلاغية في آيات قرآنية ... أعمال باطلة



moonlady75
01-28-2006, 10:17 AM
نظرات بلاغية في آيات قرآنية ... أعمال باطلة


قال تعالى: “والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب. أو كظلمات في بحر لجيٍّ يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور” (النور 39 - 40)

الإيمان شرط قبول الأعمال، والنية الخالصة الصادقة البعيدة عن أية شبهة رياء شرط آخر يستتبع الشرط الأول، فأي عمل مهما كان صلاحه إذا صدر عن عقيدة فاسدة فإنه عمل باطل يقذف به في وجه صاحبه حيث لا ينال به أجراً في الآخرة، كما لا يستحق بسببه نجاة من عذاب الله يوم القيامة.

وفي الآيتين المذكورتين بيان لأعمال الكافرين الذين خالفوا فطرة الإيمان النقية فهؤلاء على الرغم من قيامهم ببعض الأعمال التي تعتبر من وجوه البر كصلة الأرحام، وإغاثة الملهوف، وقرى الأضياف، والإحسان إلى الجار، إلا أن ظلام كفرهم حجبهم عن نور الله عز وجل وهدايته لهم.

وتصور الآيتان الكريمتان تلك الأعمال التي يرتجى نفع منها بصورتين محسوستين من خلال تشبيهين تمثيليين مفعمين بالحركة.

وتعالوا بنا أيها الأحباب لنتأمل ونتدبر كما تعودنا هذا البيان المعجز، ولننظر ونتساءل التساؤلات الآتية:

1- ما وجه ارتباط هاتين الآيتين بالسياق السابق؟

2- ما المراد بالسرَّاب؟

3- ما وجه التعبير بالحسبان دون الظن في قوله تعالى: “يحسبه الظمآن”؟

4- لماذا قيل (الظمآن) ولم يقل: العطشان؟

5- لماذا ذكرت كلمة (الظمآن) على الرغم من أن كل إنسان يحسب السَّراب ماء

6- ما دلالة (حتى) في قوله تعالى: “حتى إذا جاءه”؟

7- لِمَ قيل (جاءه) ولم يقل (أتاه)؟

8- كيف أثبت القرآن أن السراب شيء في قوله تعالى: “حتى إذا جاءه” فالمجيء لا يكون إلى شيء معدوم، ثم نفى كونه شيئاً في قوله تعالى “لم يجده شيئاً”؟!!

9- لماذا قيل: (كسراب بقيعة)؟ ولم يقل: كسراب في قيعة؟

10- ما دلالة (أو) في قوله تعالى: “أو كظلمات”؟

11- ما دلالة الفاء في قوله “فوفاه”؟

12- لماذا أظهر الاسم الجليل في موضع الاضمار حيث كان من الممكن ان يقال: ووجد الله عنده فوفاه حسابه. وهو سريع الحساب؟

13- لماذا نُكرت (ظلمات)؟ ولم وصفت أنها في “بحر لجيٍّ”؟

14- بم يوحي توالي التشديد في قوله تعالى “بحرٍ لجيٍّ”؟

15- لماذا لم يثبت الجار في قوله تعالى “بعضها فوق بعض” حيث كان الظاهر أن يقال: “من فوق بعض” اتساقاً مع اثبات الجار في قوله تعالى “يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب”؟

16- لماذا قيل: “لم يكد يراها”؟ ولم يقل: لم يرها؟

17- ما وجه التعبير بالموصول (مَنْ) في قوله سبحانه “ومن لم يجعل الله له نورا..”؟

18- ما سر الإتيان بعد النفي ب “مِن” وتنكير “نور” في قوله تعالى “فما له من نور”؟

وهناك نظرات أخرى نبينها في موضعها إن شاء الله.


انخداع النفس والبصر

والآن هيا بنا نفكر معاً في الإجابة عن التساؤلات المطروحة، ونقول بعون الله:

ذكرت الآيات السابقة على الآيتين المذكورتين أعمال الصالحين الذين هداهم الله إلى نوره فاستحقوا ثوابه العظيم في الآخرة كما هداهم نور أعمالهم الصالحة، وفي هاتين الآيتين أخبر تعالى عن أضداد الصالحين، الذين اتبعوا الباطل، وانحرفوا عن فطرة الإيمان، فكفروا بالله، فحالت ظلمات باطلهم وكفرهم بين أنوار بصائر الفطرة، وبشائر الإيمان وحسن جزائه، وهذا هو وجه ارتباط الآيتين بسياقهما السابق عليهما.

والمراد بالسراب ما يتراءى للعين نصف النهار عند اشتداد الحر كأنه الماء الجاري، وسمي سراباً، لأنه يسرب أي: يجري كالماء.

وقيل: “والذين كفروا أعمالهم”، ولم يقل: “وأعمال الذين كفروا ...” حيث جاء المسند إليه دالاً على ذات الكافرين ثم تفرع عليه مسند إليه آخر وهو “أعمالهم”، لما في هذا الاستهلال بذكر الذين “كفروا” من الإثارة والتشويق لمعرفة شيء من أخبارهم، وفي الإتيان بالموصول (الذين) وصلته “كفروا أعمالهم” علة الحكم في الخبر بمعنى أنهم استحقوا ما استحقوه من بطلان أعمالهم التي يحسبونها صالحة ونافعة بسبب كفرهم وفساد عقيدتهم.

وقيل: “بقيعة” ولم يقل: (في قيعة) للدلالة على أن هذا السراب المتخيل يكون مصاحباً لأي جزء من هذه القيعة ومتلبساً بها، ولو قيل (في قيعة) لدل على أن السحاب يكون متمركز في جزء معين في الصحراء ومتغلغلاً فيها، وهذا غير مطابق للواقع، لذا أوثر حرف المصاحبة (الباء) على حرف الظرفية (في).

والتعبير بالحسبان دون الظن في قوله تعالى “يحسبه الظمآن” يدل على توجه عقل الظمآن وتفكيره إلى أن ما يراه ماء لا غير؟ لأن الحسبان حكم على أحد النقيضين من غير أن يخطر الآخر على البال. ولو قيل: (يظنه الظمآن) لدل على أن ما يراه يمكن ان يكون ماء ويمكن ان يكون سراباً وهذا غير مراد لأن الظن أن يخطر أمران نقيضان بالبال ويغلب أحدهما على الآخر.

وقيل: “يحسبه الظمآن” وليس يحسبه العطشان لأن الظمأ درجة أعلى من العطش، وليدل على شدة احتياجه إلى الماء، وبالتالي شدة سعيه إليه ليروي غلته، وفي جملة “يحسبه الظمآن ماء” ما يشير إلى انخداع النفس بعد انخداع البصر بهذا السراب، فإن لهفة الظمآن للري، وحرارة سعيه إلى الماء وشوقه إليه طغى على عقله وفكره فخال السراب ماء وما هو بماء!!


رحلة شاقة

وتأمل (حتى) الغائية في قوله “حتى إذا جاءه ..” وهي تحكي رحلة طويلة وشاقة من عناء هذا الظمان المتلهف لشربة ماء، ثم تأمل المدَّ في كلمة (الظمآن) وطول النطق به وهو يحاكي طولة الرحلة ووعثاءها، وشدة الظمأ واستبداده وطول احساسه به، ثم إنك تكاد تسمع تتابع أنفاس هذا الظامئ ودقات قلبه، بل تكاد تراه وهو يترنح بعد ما بذله من جهد مضنٍ.

وأوثر التعبير ب (جاء)؟ لأنه مجيء فيه مشقة وعناء وصعوبة وفي هذا موافقة لمدلول مادة (جاء) الذي سبقت الإشارة إليه مراراً. ومن المعروف أن السراب لا يستقر بل يتحرك في مرأى العين بتحرك قاصده، لذا فالمسافة بين الظمآن والسراب تظل بعيدة، فهما لا يلتقيان، ومع ذلك فإن هذا الظمآن يجدّ في السعي خلف هذا السراب والوهم بلا تفكير بل يجهد نفسه وراءه طلباً له في إصرار وعزيمة يدلك على هذا “حتى” الغائية، والفعل (جاء) واستخدام (إذا) في قوله “إذا جاءه” لتدل على الجزم بالمجيء، وبناء على هذا كله فإن المراد بقوله “جاءه” جاء موضعه، حيث حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وفي هذا الحذف إشارة إلى أن هذا الظمآن قد أرهق نفسه وأجهدها حتى جاء إلى غير موجود أو مرجو أو نافع، وهذا جواب عن تساؤل سابق وهو: كيف أثبت أن السراب شيء ونفى كونه شيئاً في آية واحدة؟! والتنكير في قوله “شيئاً” أفاد العموم، فهذا الرائي الظمآن لم يجد ما رآه أصلاً لا محققاً ولا متوهماً فضلا عن ان يكون ماء، وهذا يدل على شدة توهمه وضلاله. ولو قيل: “لم يجده ماء” لكان للسراب وجود وتحقق في وقت ما.

والمراد بقوله “ووجد الله عنده ...” وجد عقاب الله، وحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وقد أومأ هذا الحدف إلى شدة الأخذ والتمكين من هذا الكافر الجاهل، وأوثر التعبير بلفظ الجلالة “الله” لقذف المهابة والهلع في نفس الكافر وتدبر الفاء في قوله “فوفاه حسابه” وما تدل عليه من المباغتة والمفاجأة وسرعة العذاب وهذا ما أكده التذييل في قوله تعالى: “والله سريع الحساب” ثم تأمل (فَوَّفاه) وما تدل عليه من الحساب التام الشامل الكامل المستوفي لكل عمل عمله هذا الكافر الجاحد، وأظهر لفظ الجلالة في موضع الإضمار في قوله سبحانه “والله سريع الحساب” لإفادة استقلال تلك الجملة عما قبلها، وللإشعار بعلة الألوهية للحكم الذي تضمنته الجملة.


ظلمات مرعبة

و(أو) في قوله: “أو كظلمات” للتخيير، أي أن أعمال الكافرين كالسراب لخلوها من المنفعة، وكالظلمات لخلوها من نور الحق، وقد تكون (أو) للتنويع أيضاً.

وتنكير “ظلمات” لتفخيمها وتهويلها، ووصفها بأنها في بحر لجيٍّ للمبالغة في تهويلها، لأن ظلمات البر مهما تكاشفت فهي أهون من ظلمات البحر بسبب ما يصاحب البحر من أهوال وأخطار محدقة من كل جانب، وصعوبة الاهتداء فيه في جو الظلمات المرعب.

ووصف البحر بأنه عميق (لُجِّيٍّ) يعلوه موج (يغشاه موج) ثم وصف هذا الموج بقوله “من فوقه سحاب” أي من فوق ذلك الموج الثاني سحاب، وكأنك ترى في هذه العبارة الأمواج وهي تعلو وتتصاعد وتتكاثر وتعلو حتى تصل إلى السحاب وهذا يدل على علو الأمواج وتتابعها، فإذا انضم إلى ذلك وجود السحاب زادت الظلمة، لأنها تستر النجوم التي يهتدي بها من في البحر، وأسقط المجرور في قوله تعالى: “ظلمات بعضها فوق بعض” حيث كان الظاهر أن يقال اتساقا مع ما قبله: بعضها من فوق بعض. لأن القصد التعميم والاستغراق أي عموم الظلمات وشمولها.

وأكد البيان القرآني هذه الظلمات المتراكبة بدليل عملي، وهو أن الشخص الواقع في تلك الظلمات إذا اخرج يده ليراها لم يكد يراها، وقد حاكى توالي التشديد في كلمة (لجِّيٍّ) ارتطام أمواج البحر وتتابعها، وتأمل دقة التعبير القرآني حيث قيل: “لم يكد يراها” ولم يقل: (لم يرها)، لأن التعبير القرآني أبلغ وأقوى في نفي الرؤية، لأنه يدل على ان المبتلى بالوقوع في تلك الظلمات لم يقارب رؤية يده إذا وضعها أمام عينيه فضلا عن ان يراها، وختم هذا المشهد الذي صور أعمال الكفار بالظلمات المتراكبة بقوله تعالى: “ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور”، والتعبير باسم الموصول (مَن)، للإشارة إلى عِلّة الحكم بما في حَيِّز الصلة، وليكون قاعدة عامة، والإتيان ب “مِن” بعد النفي في قوله “فما له من نور” لاستغراق النفي جميع أنواع النور، وتنكير (نور) للتقليل، فهذ الكافر يحرم من أدنى نور حتى ولو كان ضئيلاً.

ملك روحى**
01-28-2006, 05:30 PM
بارك الله فيكى اختى مشكوووووووووووورة

ابنة الإسـلام
01-28-2006, 06:02 PM
]ليتهم يقرأون ويعلمون ثم بعد ذلك يعلمون ، ولكن الكافرين ليســوا لهم عقل يهتدون به إلا من رحم ربي ، ولعل ســورة الملك توضح ذلك[/SIZE]:ـ

وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ

وجزاك الله الخير كله

ابنة الإسـلام
01-28-2006, 06:03 PM
ليتهم يقرأون ويعلمون ثم بعد ذلك يعملون ، ولكن الكافرين ليســوا لهم عقل يهتدون به إلا من رحم ربي ، ولعل ســورة الملك توضح ذلك

وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ

وجزاك الله الخير كله

¦ مكعبات ثلج ¦
01-28-2006, 07:23 PM
جزاك الله كل خير عزيزتي

ريلام
01-28-2006, 11:09 PM
بارك الله فيك اختي مون ليدي وجزاك خيرا

miss moon
01-28-2006, 11:12 PM
جزاج الله خيرا غاليتى
دمت بود

White_Swan
01-28-2006, 11:18 PM
بارك الله بك يالغلا...جزاكي الله الجنة امين

moonlady75
01-29-2006, 10:35 AM
جزاكم الله كل خير جميعا"


اشكر لكم ردودكم الكريمة


تمنياتي لكم بدوام الصحة والعافية


Content Relevant URLs by vBSEO 3.6.0